Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
• سُوَّرَأُوْءٍ (٤٠،٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مطولاً عن أنس بن مالك ظبه موقوفاً وفيه غرائب كثيرة (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي
سعيد ه، عن رسول الله ◌ّ﴾ قال: ((إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين سنة [قبل أن
يتحول](٢)، ثم تأتيه امرأة تضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وأن أدنى
لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام فيسألها من أنت؟ فتقول أنا
من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون حلة أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ
ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق
والمغرب))(٣). وهكذا رواه عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَقَّبُواْ فِى الْبِلَدِ هَلْ مِن ◌َحِيصٍ (* إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (*) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامِ وَمَا مَسَنَا مِن لُّغُودٍ ﴿ فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
٤٠
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ
يقول تعالى: وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين ﴿مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ أي: كانوا أكثر
منهم وأشد قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ولهذا قال ههنا: ﴿فَقَّبُواْ فِى الْبِلَدِ هَلْ
مِن غِيصٍ﴾ قال ابن عباس: أثروا فيها (٤).
وقال مجاهد: ﴿فَقَُّواْ فِىِ الْبِلَدِ﴾ ضربوا في الأرض(٥). وقال قتادة: فساروا في البلاد؛ أي:
ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم بها(٦). ويقال لمن طوَّف في
(٧) :
البلاد نقب فيها، قال امرؤ القيس (٧
لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب (٨)
وقوله: ﴿هَلْ مِن غَحِيصٍ﴾ أي: هل من مفرٍّ كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما
جمعوه؟ وردَّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل فأنتم أيضاً لا مفرَّ لكم ولا محيد ولا
مناص ولا محيص. وقوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي: لعبرة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ أي: لب يعي به.
وقال مجاهد: عقل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: استمع الكلام فوعاه وتعقله وتفهمه بلبه.
وقال مجاهد: ﴿أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ﴾ يعني: لا يحدث نفسه في هذا بقلب(٩) .
(١) أخرجه الطبري، وسنده ضعيف كسابقه.
(٢) زيادة من (حم) و(مح) والمسند.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٥/٣) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) لم أجده بهذا اللفظ ولكن أخرج عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: ((حاص
أعداء الله، فوجدوا أمر الله لهم مدركاً».
(٧) ديوان امرئ القيس ص٩٩.
(٨) استشهد به الطبري.
(٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح بلفظ: ((وهو لا يحدث نفسه)) شاهد القلب.

٢٢
• سُورَةُ قَتْ (٤٠،٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه، وهو شاهد يقول: غير
غائب(١). وهكذا قال الثوري وغير واحد(٢).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ سِنَّةٍ أَيَّامِ وَمَا مَسَنَا مِنْ لُّغُوبٍ ﴿)﴾ فيه
تقرير للمعاد لأن من قدر على خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن قادر على أن يحيي
الموتى بطريق الأولى والأحرى.
وقال قتادة: قالت اليهود - عليهم لعائن الله -: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام ثم
استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت - وهم يسمُّونه: يوم الراحة - فأنزل الله تعالى تكذيبهم
فیما قالوه وتأولوه(٣).
﴿وَمَا مَسَنَا مِن لُغُوبٍ﴾ أي: من إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْـ
يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْفِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْنِىَ الْمَوْنَّ بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ (َّ﴾ [الأحقاف] وكما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]
وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُ خَلْقًّا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا ( ٣)﴾ [النازعات].
وقوله: ﴿فَأَصْبِرْ عَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني المكذبين اصبر عليهم واهجرهم هجراً جميلاً ﴿وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾ وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل
طلوع الشمس في وقت الفجر وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجباً على
النبي ◌ّي﴿ وعلى أمته حولاً ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك
كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهنَّ صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع الشمس
وقبل الغروب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن
قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند النبي وَ ج فنظر إلى القمر ليلة
البدر فقال: ((أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر [لا تضامون](٤) فيه،
فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)) ثم قرأ ﴿وَسَيِّحْ
بِحَمْدِ رَئِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾(٥). ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة من حديث
إسماعيل به (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ أَلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي فصلِّ له كقوله: ﴿وَمِنَ الَِّّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا (﴾﴾ [الإسراء] ﴿ وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾.
(١) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٢) أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عن الثوري.
(٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح لكنه مرسل، من طريق معمر عن قتادة بنحوه لكن بدون الجملتين
المحصورتين بعلامات الاعتراض.
(٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحفت إلى: ((لا تضارون)).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٥/٤) وسنده صحيح.
(٦) (صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر ح٥٥٤، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل
صلاتي الصبح والعصر ح ٦٦٣).

٢٣
سُورَةُ ؤس، (٤٠،٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة (١). ويؤيد هذا ما
ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة رظبه أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي وي لو: ((وما ذاك؟)) قالوا: يصلون
كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال ◌َله: ((أفلا
أعلمكم شيئاً إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟
تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين)) قال: فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا
أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال ◌َّ: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء))(٢).
والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد المغرب، وروي
ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة، وبه يقول مجاهد وعكرمة
والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم (٣).
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن
ضمرة، عن علي ظُه قال: كان رسول الله وَله يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا
الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن: دبر كل صلاة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان
الثوري به، زاد النسائي ومطرف، عن أبي إسحاق به (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل، عن رشدين بن
كريب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بتُّ ليلة عند رسول الله وَ ل، فصلى ركعتين خفيفتين اللتين
قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال يا ابن عباس ((ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم،
وركعتين بعد المغرب إدبار السجود)) ورواه الترمذي، عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن
فضيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه(٥). وحديث ابن عباس، وأنه بات في بيت
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه البخاري من طريق ابن أبي نجيح به
بلفظ: ((أن يُسبح في أدبار الصلوات كلها)).
(٢) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة ح٨٤٣)، وصحيح مسلم، المساجد،
باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته (ح٥٩٥).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي
بقوله: ((رشدين ضعفه أبو زرعة والدارقطني)) (المستدرك ٣٢٠/١) وضعف الحافظ ابن حجر رواية الطبري
عن ابن عباس (الفتح ٥٩٨/٨)، ويشهد له ما يليه فقد أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٥٢٣/٢)، والطبري
بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان عن أبي هريرة،
وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن
معمر عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي، وأخرجه
البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٤/٢ ح١٠١٢) وقال محققوه: إسناده قوي. وأخرجه أبو داود
(السنن، الصلاة، الصلاة بعد العصر ح ١٢٧٥)، والنسائي (في السنن الكبرى، الصلاة، باب اختلاف
الناقلين لخبر أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، عن علي ح٣٤١).
(٥) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الطور ح ٣٢٧٥) وسندهما ضعيف لضعف رشدين.
(التقريب ص٢٠٩).

٢٤
• سُؤْرَأُقْس (٤١، ٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
خالته ميمونة، وصلى تلك الليلة مع النبي 18 ثلاث عشرة ركعة ثابت في الصحيحين
وغيرهما(١). فأما هذه الزيادة فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه ورشدين بن كريب ضعيف،
ولعله من كلام ابن عباس موقوفاً عليه، والله أعلم.
﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْفُرُوجِ
٤٢
نَّحْنُ
إِنَّا نَحْنُ تُحٍِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴿ يَوْمَ تَشَفَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَّ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ فَذَكِرٌ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ
يقول تعالى: ﴿وَأَسْتَمِعْ﴾ يا محمد ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن ◌َّكَانٍ فَرِيبٍ﴾ قال قتادة: قال كعب الأحبار
يأمر الله تعالى ملكاً أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة،
إن الله تعالى يأمركنَّ أن تجتمعنَ لفصل القضاء ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِلْحَقِّ﴾ يعني: النفخة في
الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: من الأجداث ﴿إِنَّا
نَحْنُ تُحِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي: هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وإليه مصير
الخلائق كلهم، فيجازي كلّا بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًاً﴾ وذلك أن الله تعالى ينزل مطراً من السماء ينبت به
أجساد الخلائق كلها في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله
تعالى إسرافيل فينفخ في الصور وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور فإذا نفخ إسرافيل فيه
خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله دمك: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح
إلى الجسد الذي كانت تعمره فترجع كل روح إلى جسدها، فتدبُّ فيه كما يدبُّ السُّم في اللدیغ،
[وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب سراعاً مبادرين إلى أمر الله وَ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى
الَّاعْ](٢) يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عِيرٌ﴾ [القمر: ٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَعُنُّونَ إِن
أَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (63)﴾ [الإسراء] وفي صحيح مسلم، عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((أنا أول
من تنشق عنه الأرض))(٣).
وقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا كما قال تعالى:
﴿وَمَآ أَمْرُنَّا إِلَّ وَحِدَةُ كَلَمْجٍ بِالْبَصَرِ ﴾﴾ [القمر] وقال ◌َ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ
[لقمان].
وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٨َا﴾
وقوله: ﴿أَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا
يهولنَّكَ ذلك كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (١٣) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَّكُن مِّنَ السَّجِدِينَ
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِينُ (﴾﴾ [الحجر].
(١) صحيح البخاري، الوضوء، باب التخفيف في الوضوء (ح١٣٨) وليس فيه ذكر: ثلاث عشرة ركعة، وإنما
ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس بلفظ: ((كان رسول الله وَ لا يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)) (صحيح
مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٦٤).
(٢) زيادة من (حم) و(مح).
(٣) صحيح مسلم، الفضائل، باب تفضيل نبينا وَّر على جميع الخلائق (ح٢٢٧٨).

٢٥
• سُورَةُ ونَ﴾ (٤١، ٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾ أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما
كلفت به .
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: ﴿وَمَّآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾ أي: لا تتجبر عليهم(١). والقول الأول
أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جباراً عليهم، وإنما قال: ﴿وَمَّ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾ بمعنى
وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ.
وقال الفراء: سمعت العرب تقول جبر فلان فلاناً على كذا أجبره(٢).
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرٌ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ أي: بلغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من
يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلْغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]
وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ® لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٣)﴾ [الغاشية] ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآَةٍ﴾
[القصص: ٥٦] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ كان
قتادة يقول: اللَّهمَّ اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعودك یا بار يا رحيم.
آخر تفسير سورة ق، والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) معاني القرآن ٨١/٣.

٢٦
سُورَةُ الدَّارِفَات (١، ١٤)
9000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
00000
سُوْدَةُ الزَّارِيَاتِ
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
فَالْحَمِلَتِ وِقْرًا
﴿وَالَّرِيَتِ ذَرْوًا (@)
فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًّاً ﴿٦ إِنَّا نُوعَدُونَ
فَأْخَرِيَتِ يُسْرًّا
لَصَادِقٌ
قُئِلَ
إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ ﴿ يُؤْقَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ()
وَإِنَّ الِّينَ لَوْفِعٌ ﴾ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُّكِ
يَسْتَلُونَ أَيََّنَ يَوْمُ اَلِذِيِنِ ﴿٣ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُنَ
الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَةِ سَاهُونَ
الْخَرَّصُونَ (٦)
ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ
قال شعبة بن الحجاج، عن سماك، عن خالد بن عرعرة أنه سمع علياً ظُبه، وشعبة أيضاً عن
القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل أنه سمع علياً عَظُه، وثبت أيضاً من غير وجه عن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب وه، أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى، ولا
عن سنة عن رسول الله و ﴿ إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين ما معنى
قوله تعالى: ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا ﴾﴾ قال علي: الريح، قال: ﴿فَلْحَمِلَتِ وِقْرًا ﴾﴾؟ قال: السحاب،
قال: ﴿فَاْخَرِيَتِ يُسْرَ ﴾﴾؟ قال: السفن، قال: ﴿فَلْمُفَسِّمَتِ أَمْرًا ﴾﴾؟ قال: الملائكة(١).
وقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ،
حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيب، قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، فأخبرني عن
الذاريات ذرواً، فقال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله وسلم يقوله ما قلته. قال:
فأخبرني عن المقسمات أمراً، قال الله عنه هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله وي ليه يقوله
ما قلته، قال: فأخبرني عن الجاريات يسراً، قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله وَله
يقوله ما قلته. ثم أمر بضربه فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ دعا به فضربه مائة أخرى
وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري ظه: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك
حتى أتى أبا موسى ربه، فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً، فكتب
في ذلك إلى عمر رَظَه، فكتب عمر: ما إخاله إلا [قد] (٢) صدق فخلِّ بينه وبين مجالسة الناس.
(١) أخرجه الحاكم من طريق أبي الطفيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٦٦/٢) وصححه الحافظ ابن
حجر (تغليق التعليق ١٤٩/٤)، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق أبي الأسود عن عبد الله بن الكواء به
(المختارة ١٢٢/٢ ح ٤٩٤).
(٢) زيادة من (مح) و(حم) ومسند البزار.

٢٧
سُورَةُ الدَّارِفَات (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000 000000 000000 000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000000
قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة: لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث(١).
، فإن قصة صبيغ بن
قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر
عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتاً وعناداً، والله أعلم.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة (٢)، وهكذا فسرها ابن عباس
وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد(٣)، ولم یحكِ ابن جرير
وابن أبي حاتم غير ذلك، وقد قيل إن المراد بالذاريات الريح كما تقدم، وبالحاملات وقراً
السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:
وأسلمت نفسي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالاً(٤)
فأما الجاريات يُسراً فالمشهور عن الجمهور ما تقدم أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جرياً
سهلاً، وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسراً في أفلاكها ليكون ذلك ترقياً من الأدنى إلى
الأعلى إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق كذلك، والمقسمات أمراً
الملائكة فوق ذلك تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية، وهذا قَسم من الله رَك على وقوع المعاد،
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ﴾﴾ أي: لخبر صدق ﴿وَإِنَّ الِينَ﴾ وهو الحساب ﴿لَوَفِعٌ﴾
أي: لكائن لا محالة.
ثم قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُكِ ﴾﴾ قال ابن عباس: ذات الجمال والبهاء والحسن
والاستواء(٥)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو صالح والسدي وقتادة
وعطية العوفي والربيع بن أنس وغيرهم(٦).
وقال الضحاك والمنهال بن عمرو وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع، إذا ضربته الريح
فينسج بعضه بعضاً طرائق طرائق، فذلك الحبك(٧).
قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلية، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن
رجل من أصحاب النبي وَّل، عن رسول الله وَلير أنه قال: ((إن من ورائكم الكذاب المضلّ، وإن
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (المسند ٤٢٣/١ ح ٢٩٩) وسنده ضعيف جداً لأن أبا بكر بن أبي سبرة متروك
(مجمع الزوائد ١٢٢/٧) والقصة لها أصل، ولكن بدون ذكر التفسير النبوي.
(٢) تاريخ دمشق ٨/ ل ٢٣٠.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عنه، وهو لم يدرك ابن
عباس، وأخرجه أيضاً بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقويان بسابقه، وقول مجاهد
أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري بسند ضعيف
من طريق قتادة عن علي ظُه، وقتادة لم يسمع من علي، ويتقوى بما سبق.
(٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢٣١/١).
(٥) أخرجه البُستي والطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق
والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران بن حدير عن
عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند جيد من
طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، وأخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن سعيد بن جبير.
(٧) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.

٢٨
• سُورَةُ الزَّرَفَات (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رأسه من ورائه [حُبُكٌ حُبُك])) (١)؛ يعني: بالحبك الجعودة(٢).
وعن أبي صالح: ذات الحبك: الشدة(٣).
وقال خُصيف: ﴿ذَاتِ اَلَبُكِ﴾ : ذات الصفاقة (٤).
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: ﴿ذَاتِ الْحُكِ﴾: حبكت بالنجوم(٥).
وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن
عبد الله بن عمر: ﴿وَالتَّمَاءِ ذَاتِ الْبُّكِ ﴾﴾ يعني: السماء السابعة(٦)، وكأنه والله أعلم أراد بذلك
السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق
السابع، والله أعلم.
وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن والبهاء كما قال ابن عباس ﴿ها، فإنها
من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء، مكلّلة بالنجوم الثوابت
والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزهرات وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ تُخْلِفٍ
أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب لا يلتئم ولا يجتمع.
وقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف: ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به(٧).
﴿يُؤْقَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾﴾ أي: إنما يروج على من هو ضالّ في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد
له ويضل بسببه، ويؤفك عنه من هو مأفوك ضالّ غُمر لا فهم له كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
(١٨٠١ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ (٣١) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (٢٠)﴾ [الصافات] قال ابن عباس والسدي: ﴿يُؤْفَكُ
عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾﴾ يضل عنه من ضل(٨).
﴾﴾ يؤفن عنه من أفن(٩)، وقال الحسن البصري: يصرف
وقال مجاهد: ﴿يُؤْفَّكُ عَنْهُ مَنْ أُمِكَ
عن هذا القرآن من كذب به (١٠).
وقوله تعالى: ﴿قُلَ الْخَّصُونَ ﴾﴾ قال مجاهد: الكذابون، قال: وهي مثل التي في عبس ﴿قُئِلَ
اُلْإِسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ [عبس] والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون(١١). وقال علي بن أبي
(١) كذا في تفسير الطبري والمسند، وفي الأصل و(حم) و(مح): ((حبكاحبكا)).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الإمام أحمد من طريق إسماعيل بن عُلية به بدون
قوله: يعني بالحبك: الجعودة. (المسند ٤٧٢/٣٨ ح ٢٣٤٨٧) وصحح سنده محققوه.
(٣) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ عن أبي صالح، وهو في العظمة لأبي الشيخ رقم ٥٤٦، وأخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٤) هذا القول يتضمن المعنى السابق.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.
(٦) أخرجه الطبري من طريق قتادة به وسنده حسن.
(٧) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن بنحوه.
(١١) أخرجه آدم والطبري بالسند الصحيح المتقدم.

٢٩
سُورَةُ اللَّرَفَات (١٥، ٢٣)
009900000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000
طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلَ الْخَرَّصُونَ ﴾﴾ أي: لعن المرتابون(١). وهكذا كان معاذ نظراته يقول
في خطبته. هلك المرتابون. وقال قتادة: الخراصون أهل [الغرة](٢) والظنون(٣).
وقوله: ﴿اَلَّذِينَ هُمْ فِ غَْرَةِ سَاهُونَ ﴾﴾ قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشك غافلون
لاهون (٤).
﴿يَسْئَلُونَ أَيَانَ يَوْمُ الدِّينِ (13)﴾ وإنما يقولون هذا تكذيباً وعناداً وشكاً واستبعاداً، قال الله تعالى:
(15)﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد ﴿يُقْتَنُونَ﴾: يعذبون(٥).
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
قال مجاهد: كما يفتن الذهب على النار (٦).
وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضاً وعكرمة وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وسفيان الثوري:
﴿ يُفْنَنُونَ﴾ يحرقون(٧) .
﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ قال مجاهد: حريقكم(٨)، وقال غيره: عذابكم ﴿هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ﴾
أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً وتصغيراً.
كَانُواْ
عَخِذِينَ مَآ ءَنْهُمْ رَّهُمَّ إِنَهُمْ كَانُواْ فَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِينَ
١٥
] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُونٍ
وَفِىِ الْأَرْضِ
وَبِالْأَمْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّيِلِ وَالْحْرُوِ
قَلِيلاً مِّنَ الَيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (٣)
﴿﴿ وَفِ اَلَمَِّ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٧) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ
ءَايَتٌ لِلْمُوقِينَ ﴿ وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُصِرُونَ
﴾.
لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَطِقُونَ
يقول تعالى مخبراً عن المتقين لله ريك أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون بخلاف ما
أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال.
وقوله تعالى: ﴿وَلِذِينَ مَآ ءَانَهُمْ رَّهُمّ﴾ قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم الله من
الفرائض(٩). ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي: قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في
الأعمال أيضاً، ثم روي عن ابن حميد حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي عمر، عن مسلم
البطين، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿َلِذِينَ مَآ ءَانَهُمْ رَبُهُمْ﴾ قال: من الفرائض ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ فَّلَ
ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ قبل الفرائض يعملون(١٠). وهذا الإسناد ضعيف ولا يصح عن ابن عباس.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) زيادة من (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((بياض)).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((في ضلالتهم يتمادون)).
(٥) أخرجه الطبري بالسند الثابت المتقدم عن ابن عباس.
(٦) أخرجه آدم والطبري بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد.
(٧) أخرجه آدم بن أبي إياس بالسند المتقدم، وأخرجه سفيان الثوري والطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من
طريق حصين عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٩) ذكره الطبري بنحوه.
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد ضعفه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال لأن ابن حميد وهو محمد بن =

٣٠
• سُوَدَّةُ الزَّرَفَاتِ (٢٣،١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن
مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن
قوله تبارك وتعالى آخذين حال من قوله في جنات وعيون، فالمتقون في حال كونهم في الجنات
والعيون آخذين ما آتاهم ربهم؛ أي: من النعيم والسرور والغبطة، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ﴾
أي: في الدار الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ كقوله: ﴿كُواْ وَأَثْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ لَْلِيَةِ (9)﴾ [الحاقة]
ثم إنه تعالى بيّن إحسانهم في العمل فقال: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَلِ مَا يَهْجَعُونَ
اختلف المفسرون في ذلك على قولين:
(أحدها): أن ﴿مَا﴾ نافية تقديره كانوا قليلاً من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس: لم تكن
تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً(١).
وقال قتادة، عن مُطّرف بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله وَك، إما من
أولها وإما من أوسطها(٢) .
وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون(٣) وكذا قال قتادة.
وقال أنس بن مالك وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء(٤).
وقال أبو جعفر الباقر: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة.
(والقول الثاني) أن ﴿مَا﴾ مصدرية تقديره كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن
جرير .
وقال الحسن البصري: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَِّلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾﴾ كابدوا قيام الليل فلا ينامون من
الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر (٦).
وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: ﴿كَانُوْ قَلِيلًا مِّنَ الَّتِلِ مَا يَهْجَعُونَ (٣)﴾ كانوا لا ينامون إلا
قليلاً ثم يقول: لست من أهل هذه الآية (٧). وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول
حميد الرازي: ضعيف، ومسلم البطين لم يدرك ابن عباس ؤها، وأبو عمر البزار: هو دينار بن عمر
=
الأسدي: صالح الحديث رمي بالرفض (التقريب ص٢٠٢).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٣٩/٢) والطبري والحاكم بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس وصححه الحاكم وذكر له شاهداً مرفوعاً، ووافقه الذهبي على الموقوف عن
ابن عباس وضعف الشاهد المرفوع (المستدرك ٢/ ٤٦٧).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة به.
(٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه أبو داود بسند صحيح عن أنس (السنن، الصلاة، باب وقت قيام النبي ◌ُّر من الليل ح١٣٢٣)،
وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ١١٧٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٣٨/٢) والطبري بسند حسن من طريق عاصم عن أبي العالية.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٣٨/٢)، والطبري بسند حسن من طريق بكر بن أبي السميط عن قتادة عن
أبي جعفر محمد بن علي.
(٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مقتصراً على الشق الأول، وأخرجه =

٣١
سُورَةُ الزَّارِفَات (١٥، ٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بوناً بعيداً، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم
كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم
مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قوماً
خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً(١).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أُسامة صفة لا
أجدها فينا ذكر الله تعالى قوماً فقال: ﴿كَانُوْ قَلِيلًا مِّنَ الَّتِلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾﴾ ونحن والله قليلاً من
الليل ما نقوم، فقال له أبي: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ(٢).
وقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ◌َو المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن
انجفل، فلما رأيت وجهه ◌َل عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته وَله
يقول: ((يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس
نيام تدخلوا الجنة بسلام)) (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُيي بن عبد الله، عن
أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله وَ ليل قال: ((إن في الجنة غرفاً
يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها)) فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟
قال ◌َ: ((لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات الله قائماً والناس نيام)) (٤).
وقال معمر في قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَِّلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾﴾: كان الزهري والحسن يقولان:
كانوا كثيراً من الليل ما يصلون(٥).
ابن عباس وإبراهيم النخعي: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾﴾ ما ينامون (٦).
وقال الضحاك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿ كَانُواْ قَلِيلًا﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿مِّنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ
وَبِالْأَشْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (®]﴾(٧) [وهذا القول فيه بُعد وتعسف.
١٧
وقوله رَكَّ: ﴿وَبِالْأَسْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (َ﴾](٨).
قال مجاهد وغير واحد: يصلون(٩) وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار
= كاملاً بسند فيه الحكم بن عطية عن قتادة، والحكم: صدوق له أوهام كما في التقريب ص ١٧٥.
(١) لم أجد من أخرجه بل لم يذكره فضيلة د. شير علي شاه في تفسير الحسن البصري.
(٢) وأخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد به وسنده ضعيف لإبهام شيخ عبد الرحمن، وعبد الرحمن
هو ضعيف.
(٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سلام ته (المسند ٢٠١/٣٩ ح ٢٣٧٨٤) وصحح سنده محققوه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٦/١١ ح٦٦١٥) وقال محققوه: حديث حسن لغيره.
(٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر به.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه سفيان الثوري وابن أبي شيبة
(المصنف ٢٣٩/٢) بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي.
(٧) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٨) زيادة من (حم) و(مح).
(٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٣٢
سُورَةُ اللَّرفات (١٥، ٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كما قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن.
وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة ﴿ه، عن رسول الله وسلم أنه قال:
((إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول هل من تائب
فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر))(١).
وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى: إخباراً عن يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿سَوّفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ
رَفِّ﴾ [يوسف: ٩٨] قالوا: أخّرهم إلى وقت السحر(٢).
وقوله: ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حٌَّ لِلِسَّيِلِ وَلْحْرُمِ ﴾﴾ لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر
والصلة فقال: ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ﴾ أي: جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم. أما السائل
فمعروف وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن
قالا: حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين،
عن أبيها الحسين بن علي قال: قال رسول الله وَّي: ((للسائل حق وإن جاء على فرس))(٣). ورواه
أبو داود من حديث سفيان الثوري به (٤). ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب(٥)،
وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعاً (٦).
وأما المحروم فقال ابن عباس ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم(٧)؛
يعني: لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها.
وقالت أم المؤمنين عائشة: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه(٨).
وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك(٩).
وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة: هذا
المحروم(١٠) وقال ابن عباس أيضاً وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر
(١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (صحيح البخاري، التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل
ح ١١٤٥)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء ... (ح٧٥٨).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلاغاً.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥٤/٣ ح ١٧٣٠) وضعف سنده محققوه لجهالة يعلى بن أبي
یحیی.
(٤) السنن، الزكاة، باب حق السائل (ح ١٦٦٥)، وسنده كسابقه.
(٥) المصدر السابق (ح ١٦٦٦) وفي سنده رجل مجهول لم يسم.
(٦) أخرجه الطبراني بسند ضعيف من طريق عثمان بن فائد عن عكرمة بن عمار عن الهرماس به (المعجم الكبير
٢٠٣/٢٢ ح ٥٣٥) وأعله الهيثمي بعثمان بن فائد (مجمع الزوائد ١٠٤/٣)، وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (ح١٣٧٨).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٦٦٩/٧) والطبري كلاهما من طريق قيس بن كركم عن ابن عباس، وقيس
سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٧/ ١٠٣) ويتقوى بالشواهد التالية، وأخرجه عبد الرزاق وآدم بن
أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مختصراً.
(٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(٩) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(١٠) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم عن أبي قلابة.

٣٣
• سُورَةُ الدَّارَفَات (١٥، ٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعطاء بن أبي رباح: ﴿وَاَلْحَرُومِ﴾ المحارف(١). وقال قتادة والزهري: ﴿وَالْخَرُومِ﴾ الذي لا يسأل
الناس شيئاً(٢).
قال الزهري: وقد قال رسول الله وَلـ: (ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان
والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنّى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه)) وهذا
الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر(٣).
وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فیرضخ له.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز في طريق
مكة، [فجاء كلب](٤) فانتزع عمر كتف شاة فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم(٥).
وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم(٦).
واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان وقد ذهب ماله، سواء كان لا
يقدر على الكسب أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها(٧).
وقال الثوري: عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد قال: إن رسول الله وَل بعث سرية
فغنموا، فجاءه قوم لم يشهدوا الغنيمة، فنزلت هذه الآية ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلسَّآيَلِ وَالْمَحْرُمِ
(٨)
وهذا يقتضي أن هذه مدنية وليس كذلك بل هي مكية شاملة لما بعدها .
وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ مَايَتٌ لِلْمُوقِينَ ﴾﴾ أي: فيها من الآيات الدالّة على عظمة خالقها وقدرته
الباهرة مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار،
واختلاف ألسنة الناس وألوانهم وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في
العقول والفهوم والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو
٢١
من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال: ﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة.
ثم قال: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني: المطر (٩) ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ يعني: الجنة، قاله ابن عباس
ومجاهد وغير واحد(١٠).
وقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (13)﴾ فقال:
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مجاهد عن مجاهد، وأخرجه أيضاً بسند صحيح عن عطاء بن أبي
رباح، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب عن نافع مولى ابن عمر، وأخرجه بسند صحيح من
طريق منصور عن إبراهيم النخعي.
(٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧.
(٥) سنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن عون عن الشعبي.
(٧) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) زيادة من (حم) و(مح).
(٨) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق الثوري به لكنه مرسل.
(٩) أخرجه البستي بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن مجاهد.
(١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٣٤
سُورَةُ الذاريات (٢٤، ٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ألا إني أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث ثلاثاً لا يصيب شيئاً،
فلما أن كان اليوم الثالث إذا هو بدوخلة(١) من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، دخل معه
فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرَّق بينهما الموت(٢).
وقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَُّ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ (٣)﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما
وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكُّوا فيه
كما لا تشكُّوا في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ به إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا
لحق كما أنك ههنا .
قال مسدد: عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله وَله
قال: ((قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا))(٣). ورواه ابن جرير، عن بُندار، عن ابن
أبي عدي، عن عوف، عن الحسن فذكره مرسلاً (٤).
] ﴿هَلْ أَنَبِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ اٌلْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَّا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ
فَقَرَّهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿﴿ فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفّ
فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (4)
قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ
﴿﴿ فَأَقْبَتِ امْرَتُهُ فِ صَرَّقِ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُ عَقِيمٌ
وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ
٣٠
رَبُّكِّ إِنَُّ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
.
هذه القصة قد تقدمت في سورة هود والحجر أيضاً فقوله: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ
®﴾ أي: الذين أرصد لهم الكرامة، وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب
الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل. وقوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلَهٌّا قَالَ
سَمٌ﴾ الرفع أقوى وأثبت من النصب، فردُّه أفضل من التسليم ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا خُيِّيْثُم
◌ِنَحِيَّةِ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦] فالخليل اختار الأفضل.
وقوله تعالى: ﴿قَوْمٌ مُكَرُونَ﴾ وذلك أن الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في
صورة شُبان حِسان عليهم مهابة عظيمة ولهذا قال: ﴿قَوْمٌ مُكَّرُونَ﴾ وقوله: ﴿فَرَغَ إِلَى أَهْلِ﴾ أي:
انسلَّ خفية في سرعة ﴿فَجَّةَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي: من خيار ماله، وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ
جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ [هود: ٦٩] أي: مشوي على الرضف ﴿فَقَرَّهُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: أدناه منهم ﴿قَالَ أَلَا
تَأْكُلُونَ﴾ تلطّف في العبارة وعرض حسن.
وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن
عليهم أولاً فقال: نأتيكم بطعام بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل مما وجد من ماله،
وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم لم يضعه وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم ولم
يأمرهم أمراً يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: ﴿أَلَا تَأْكُونَ﴾ على سبيل العرض
(١) سلة تنسج من الخوص كالزنبيل يخزن فيها التمر.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.
(٣) سنده ضعيف لأن الحسن رواه بلاغاً وهو من مراسيله.
(٤) أخرجه الطبري عن محمد بن بشار وهو بندار به، وسنده كسابقه.

٣٥
• سُورَةُ الزَّرَفَات (٣١، ٣٧)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
والتلطف، كما يقول القائل اليوم إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى وهي
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَّا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى
قَوْمِ لُوطٍ ﴿ وَأَمْرَتُهُ قَآَيِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود] أي: استبشرت بهلاكهم لتمردهم وعتوهم على الله
تعالى، فعند ذلك بشرتها الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴿قَالَتْ يَوَيِّلَقَ ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُورٌ
وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ (٨ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ
اٌلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدُ (٣)﴾ [هود] ولهذا قال ههنا: ﴿وَبَشَّرُؤُهُ بِغُلَِ عَلِيمٍ﴾ فالبشارة له هي بشارة
لها. لأن الولد منهما فكل منهما بشر به.
وقوله: ﴿فَأَقْلَتِ آَمْرَتُهُ فِ صَرَّقِ﴾ أي: في صرخة عظيمة ورنَّة، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة
وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم والثوري والسدي(١). وهي قولها: ﴿يَوَيْلَّ﴾.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي: ضربت بيدها على جبينها قاله مجاهد وابن سابط(٢)، وقال ابن عباس:
لطمت(٣)؛ أي: تعجباً كما تتعجب النساء من الأمر الغريب ﴿وَقَالَتْ عَجُرُ عَقِيمُ﴾ أي: كيف ألد
وأنا عجوز وقد كنت في حال الصبا عقيماً لا أحبل؟ ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِمُ
أي: عليم بما تستحقون من الكرامة حكيم في أقواله وأفعاله.
قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ
لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً
١٣٢
مِّن طِينٍ
◌ُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ
(٣٤)
﴿ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ
فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَّةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
قال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ
﴿ إِنَّ إِبَهِيَمَ لَعَلِيمٌ أََّهٌ مُِّيِبٌ (١٥) وَإِزَهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمُْ
اٌلْبُشْرَى يُجَدِلُنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ
رَبِكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيِّرُ مَرْدُودٍ (٣)﴾ [هود] وقال ههنا: ﴿﴿ قَالَ فَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
٣١
أي: ما شأنكم؟ وفيم جئتم؟ ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْرٍ تُجِنَ (®﴾ يعنون قوم لوط ﴿لِتُرْسِلَ عَيْهِمْ
حِجَارَةً مِّن طِينٍ (3َ تُسَوَّمَةً﴾ أي: معلمة ﴿عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: مكتبة عنده بأسمائهم كل حجر
عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًاً قَالُواْ نَحْتُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَّ
لَتُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ ﴾﴾ [العنكبوت] وقال تعالى ههنا: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة وأخرجه البُستي
بسند حسن من طريق إسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن
زید بن أسلم.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والبستي والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه
الطبري بسند فيه محمد بن حميد الرازي من قول ابن سابط، ومحمد بن حميد ضعيف، ويتقوى السند
بسابقه .
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

٣٦
• سُورَةُ الزَّرَفَات (٣٨، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000
(٣٦)
(٥) وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته ﴿فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
احتج بهذه الآية من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام؛ لأنه
أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف لأن هؤلاء كانوا قوماً مؤمنين، وعندنا
أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس فاتفق الاسمان ههنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل
حال، وقوله: ﴿وَرَّكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (®﴾ أي: جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم
من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة
للمؤمنين ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ اٌلْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ .
﴿وَفِ مُوسَىّ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿ فَوَلَّى بِّكْيِ وَقَالَ سَحِرٍ أَوْ مَجْنُنٌ
فَأَخَذْنَهُ وَحُدَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ اَلْيَّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيَمَ ﴿ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ
عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَِّيمِ (٨ وَفِ ثَعُودَ إِذْ قِيلَ لَمُمْ تَمَنَّعُواْ حَتَّى حِينٍ (٨٣) فَعَتَوْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ
وَقَوْمَ نُوجِ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا
الصَّعِفَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ج ◌َا أُسْتَطَعُوا مِن قِيَاءٍ وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ
فَسِقِينَ (بِمَا﴾
﴾ أي: بدليل باهر وحجة قاطعة
يقول تعالى: ﴿وَفِى مُوسَىَ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ
﴿فَتَوَّ بِّكْيِهِ﴾ أي: فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكباراً وعناداً.
وقال مجاهد: تعزز بأصحابه(١).
وقال قتادة: غلب عدو الله على قومه(٢).
وقال ابن زيد: ﴿فَتَوَّ بِّكِهِ﴾ أي: بجموعه التي معه ثم قرأ ﴿لَوَّ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رُّْنِ
شَدِيدٍ﴾(٣) [هود: ٨٠] والمعنى الأول قوي كقوله تعالى: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[الحج: ٩] أي: معرض عن الحق مستكبر ﴿وَقَالَ سَحِرٍ أَوْ مَنُونٌ﴾ أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني
به من أن تكون ساحراً أو مجنوناً قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَحُدُ فَبَذْتَهُمْ﴾ أي: ألقيناهم ﴿فِى
آلّيمٍ﴾ وهو البحر ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو ملوم کافر جاحد فاجر معاند.
ثم قال: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَنِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيَمَ ﴾﴾ أي: المفسدة التي لا تنتج شيئاً. قاله
الضحاك وقتادة وغيرهما (٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ﴾ أي: مما تفسده الريح
﴿إِلَّا جَعَلَّهُ كَالرَِّيمِ﴾ أي: كالشيء الهالك البالي.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن
وهب، حدثني عبد الله يعني ابن عياش الغساني، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((بعضده
وأصحابه)».
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.
(٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق والطبري
بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بلفظ: ((الريح التي لا تنبت)).

٣٧
سُورَةُ الدَّارَات (٤٧، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَلين: ((الريح مسخرة من
الثانية)) - يعني: من الأرض الثانية -، فلما أراد الله تعالى أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن
يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً قال: أي ربِّ أرسل عليهم الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار
تبارك وتعالى لا إذاً تكفأ الأرض ومن عليها ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله في
(١)
كتابه: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَأَرَّمِيمِ (١)﴾
هذا الحديث رفعه منكر والأقرب أن يكون موقوفاً على عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين
أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم.
قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَتِهِمُ الْرِيحَ الْعَقِيمَ﴾ قالوا: هي
(٢)
الجنوب(٢).
وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال
رسول الله (َ﴾: ((نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور))(٣) .
﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَنَّعُواْ حَّى حِينٍ (@)﴾ قال ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم(٤).
والظاهر أن هذه كقوله تعالى: ﴿وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُواْ أَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ
الْمُونِ﴾ [فصلت: ١٧] وهكذا قال ههنا: ﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَنَّعُواْ حَّى حِينٍ ﴿٤﴾ فَعَتَوْ عَنْ أَمْرِ رَيِّهِمْ
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾﴾ وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم
الرابع بكرة النهار ﴿فَا اُسْتَطَعُوا مِن فِيَامٍ﴾ أي: من هرب ولا نهوض ﴿وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ﴾ أي: لا
يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه.
وقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾ أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾
وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة من سور متعددة.
] ﴿وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (
فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ إِنِّ لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ هَـ
وَاُلْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ
(٨) وَمِن كُلِّ شَىْءٍ
وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ
٤٩
خَلْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
٠
إِ لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
يقول تعالى منبهاً على خلق العالم العلوي والسفلي ﴿وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا﴾ أي: جعلناها سقفاً
محفوظاً رفيعاً ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد(٥). ﴿وَإِنَّا
لَمُوسِعُونَ﴾ أي: قد وسعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا﴾ أي:
(١) أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن وهب به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: ((منكر)). (المستدرك ٤/
٥٩٤). وكذلك قال الحافظ ابن كثير. وتقدم تخريجه في تفسير سورة الروم آية ٤٨.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الحارث بن عبد الرحمن خال ابن أبي ذئب عن سعيد بن المسيب.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية ٩.
(٤) ذكره الطبري بلفظه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.

٣٨
• سُوَرَّةُ الذَّارَات (٥٢، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جعلناها فراشاً للمخلوقات ﴿فَنِعْمَ اُلْمَهِدُونَ﴾ أي: وجعلناها مهداً لأهلها ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا
زَوْجَيْنِ﴾ أي: جميع المخلوقات أزواج سماء وأرض وليل ونهار، وشمس وقمر وبر وبحر وضياء
وظلام، وإيمان وكفر وموت وحياة وشقاء وسعادة وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا
قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ﴾ أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللهِ﴾ أي:
ألجأوا إليه واعتمدوا في أموركم عليه ﴿إِ لَكُ مِنْهُ نَذِيْرٌ مُِّينٌ ﴾ وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَآخَرٌ﴾
أي: لا تشركوا به شيئاً ﴿إِنِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ ◌ُبِينٌ﴾ .
- ﴿كَذَلِكَ مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِر أَوْ مَجْنُنُ ([٥] أَنَوَاصَوْاْ بِدٍ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
فَوَّلَ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴿﴿ وَذَّكْرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِينَ
فَإِنَّ
لِيَعْبُدُونِ ﴿٨ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِدُ أَن يُطْعِمُونِ (٨٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ
.
فَوَيٌِّ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَبِهِمْ فَلَا يَسْتَعِْلُونِ
يقول تعالى مسلياً لنبيه و * وكما قال لك هؤلاء المشركون قال المكذبون الأولون لرسلهم:
﴾ قال الله: ﴿أَنَوَاصَوْاْ بِهِ،﴾ أي:
(٥٢)
﴿ كَذَلِكَ مَآ أَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٍ أَوْ مَجْنُنُ
أوصى بعضهم بعضاً بهذه المقالة ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: لكن هم قوم طغاة تشابهت قلوبهم،
فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: ﴿فَوَّلَ عَنْهُمْ﴾ أي: فأعرض عنهم يا محمد
﴿فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ يعني: فما نلومك على ذلك ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: إنما
(٥)﴾ أي: إنما
تنتفع بها القلوب المؤمنة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لا حتیاجي إليهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعاً أو
كرهاً(١). وهذا اختيار ابن جرير وقال ابن جريج: إلا ليعرفون(٢).
وقال الربيع بن أنس: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا للعبادة.
وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك.
وقال الضحاك: المراد بذلك: المؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرََّّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ
﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي
٥٨
إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله وَّر "إني
لأنا الرزاق ذو القوة المتين)»(٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسرائيل، وقال
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق حجاج عن ابن جريج، ولكن ابن جريج رواه عن مجاهد وهو لم
یسمع من مجاهد.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٥/٦، ٢٨٦ ح٣٧٤١ و٣١٣ ح ٣٧٧١) وصحح سنده محققوه.
وأخرجه حفص بن عمر الدوري عن يحيى به (قراءات النبي ◌َّ- ص١٥٣).

•
سُورَةُ الزَّارَيَات (٥٢، ٦٠)
٣٩
الترمذي: حسن صحيح
,(١)
ومعنى الآية أنه تبارك وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم
الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب. وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع
أحوالهم. فهو خالقهم ورازقهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران - يعني ابن زائدة بن نشيط، عن
أبيه، عن أبي خالد - هو الوالبي - عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((قال الله
تعالى(٢): يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً
ولم أسد فقرك)). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة، وقال الترمذي: حسن
غريب(٣).
وقد روى الإمام أحمد، عن وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن سلام بن شرحبيل:
سمعت حبة وَسَواء ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله وَ ل﴿ وهو يعمل عملاً أو يبني بناء، قال أبو
معاوية: يصلح شيئاً، فأعناه عليه فلما فرغ دعا لنا وقال: ((لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت
رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ثم يعطيه الله ويرزقه))(٤).
وقد ورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب،
وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل
شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا﴾ أي: نصيباً من العذاب ﴿مِّثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَيِهِمْ فَلَا يَسْتَعِْلُونِ﴾
أي: فلا يستعجلون ذلك فإنه واقع لا محالة ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
يعني يوم القيامة.
آخر تفسير سورة الذاريات، والحمد لله وحده، وصلواته وسلامه على خير خلقه.
(١) سنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح٣٩٩٣)، وسنن الترمذي، القراءات، باب ومن سورة الذاريات
(ح ٢٩٤١) والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح١١٥٢٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي
(ح ٢٣٤٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢١/١٤ ح ٨٦٩٦) وقال محققوه: إسناده محتمل للتحسين.
وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عبد الله به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٤٣).
(٣) سنن الترمذي، صفة القيامة، باب من كانت الآخرة همه جاءته الدنيا راغمة (ح٢٤٦٨)، وسنن ابن ماجه،
الزهد، باب الهم بالدنيا (ح ٤١٠٧) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣١٥).
(٤) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ١٨٧/٢٥ ح١٥٨٥٦) وضعف سنده محققوه.

٤٠
سُورَةُ الُوْرِ (١، ١٦)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
سُورَةُ الُوْرِ
وهي مكية
قال مالك: عن الزهري، عن محمد بن جُبير بن مُطْعم، عن أبيه: سمعت النبي وَلّ يقرأ في
المغرب بالطور، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه(١). أخرجاه من طريق مالك(٢).
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن
نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله وَلقر أني
أشتكي فقال: ((طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة)) فطفت ورسول الله يصلي إلى جنب البيت يقرأ
بالطور وكتاب مسطور (٣).
بسم الله الرحمن
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ
﴿وَالُورِ ﴿﴿ وَكِنَبِ مَسْطُورٍ ﴾ فِ رَقِ مَّنشُورٍ
وَالْبَحْرِ الْسْجُورِ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ ﴿ مَا لَهُ مِن دَافِعِ جَ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَلُ مَوْرًا جَ وَتَسِيرُ
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارٍ جَهَنّ
﴿﴿ الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ
فَوَيِّلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
الْجِبَالُ سَيّاً
أَفَسِحُّ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ
١٤
دَقًّا ﴿ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له
عنهم، فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار مثل الذي كلم الله عليه موسى وأرسل منه
عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طوراً إنما يقال له جبل ﴿وَكتَبِ مَسْطُورٍ ﴾﴾ قيل: هو
اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهاراً ولهذا قال: ﴿فِ رَقٍّ
مَّشُورٍ ﴿ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴾﴾ ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَله قال في حديث الإسراء بعد
مجاوزته إلى السماء السابعة: ((ثم رُفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون
ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم)) يعني: يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض
بكعبتهم، كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء ح٢٣). وسنده
صحیح.
(٢) صحيح البخاري، الأذان، باب الجهر في المغرب (ح٧٦٥) وصحيح مسلم الصلاة، باب القراءة في الصبح
(ح ٤٦٣).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الطور باب١ ح ٤٨٥٣).