Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سُورَةُ الصَّافَا (١٦١، ١٧٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
زيد(١)، ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ اَلِنَّةُ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك ﴿ إِنَّهُمْ
لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: إن الذين قالوا: ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك
وافترائهم وقولهم الباطل بلا علم.
وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿يَا في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم
أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان(٢) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، حكاه ابن جرير.
أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد وعما يصفه
وقوله: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
به الظالمون الملحدون علواً كبيراً.
18﴾ استثناء منقطع وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
قوله تعالى: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى الناس جميعهم ثم استثنى منهم المخلصين وهم المتبعون
للحق المنزل على كل نبي مرسل، وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ
لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (9)﴾ وفي هذا الذي قاله نظر.
- ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ
وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْسَُبِّحُونَ
(٢٥)
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصََّآفُونَ
مَّعْلُومٌ
( لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًّاً مِّنَ اُلْأَوَّلِينَ
وَإِن كَانُواْ لَيَقُلُونَ
١٦٨
فَكَفَرُوا بِهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
لـ
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَكِنِينَ
شـ
يقول تعالى مخاطباً للمشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
الْجَحِيمِ (لا)
أي: إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل
منكم ممن ذرئ للنار ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهَْ مَاذَاٌ لَا يَسْبَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ
كَالْأَغَمِ بَلَ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد
لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ مُخْلِفٍِ ﴿جَ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
[الذاريات] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل.
ثم قال تبارك وتعالى منزهاً للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم
بنات الله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامُ مَّعْلُومُ (49)﴾ أي: له موضع مخصوص في السموات ومقامات
العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه.
وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد، عن
أبيه وكان بايع يوم الفتح أن رسول الله وَ له قال يوماً لجلسائه: ((أطّت السماء وحق لها أن تئط
ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد)) ثم قرأ وَ له ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
وَإِنَّا
لَنَحْنُ الْعََّآَفُونَ ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الُْبِّحُونَ (﴾﴾(٣).
(١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه عمرو بن سعيد الأبح وهو ضعيف، ويتقوى بسابقه ولاحقه،
فقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٣) أسنده الحافظ ابن كثير في تفسير سورة المدثر آية رقم ٣١ من رواية المروزي، وهي في كتاب (تعظيم قدر
الصلاة رقم ٢٥٥) وسنده ضعيف جداً لأن محمد بن خالد وهو الدمشقي كذبه أبو حاتم الرازي (ينظر لسان =

٤٠٢
• سُورَةُ الْقَنَّافَاتَِ (١٦١، ١٧٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(٣)﴾ قال: كان مسروق يروي عن
وقال الضحاك في تفسيره ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ
عائشة رضينا أنها قالت: قال رسول الله ويقول: ((ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو
قائم)) فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومُ (9)﴾(١).
وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن ابن مسعود ظُه قال: إن في السموات
لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه ثم قرأ عبد الله حظوته: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ
مَّعْلُومُ (19)﴾ (٢). وكذا قال سعيد بن جبير:
وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
فتقدم الرجال وتأخر النساء(٣).
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الَُّونَ (19)﴾ أي: نقف صفوفاً في الطاعة كما تقدم عند قوله تبارك وتعالى:
﴿ وَالصَّنَفَّتِ صَفََّ ﴿٢﴾ [الصافات].
قال ابن جريج، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: كانوا لا يَصفُّون في الصلاة حتى
نزل ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْعَآؤُونَ (٢٥)﴾ فصفُّوا (٤).
وقال أبو نضرة: كان عمر له إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا
صفوفكم استووا قياماً يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّفُونَ (19)﴾ تأخر
يا فلان تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (6).
وفي صحيح مسلم عن حذيفة به قال: قال رسول الله وَله: ((فضلنا على الناس بثلاث:
جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً ... )) الحديث(٦).
﴾ أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْسُبِّحُونَ
عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه.
وقال ابن عباس ومجاهد: ﴿وَمَا مِنََّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومُ ﴿3﴾ الملائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ
الملائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الُْسَبِّحُونَ (!)﴾ الملائكة تسبح الله رَت (٧).
وقال قتادة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْسُّبِّحُونَ (1)﴾ يعني: المصلون يثبتون بمكانهم(٨) من العبادة كما قال
الميزان ١٥٣/٥)، وقد ورد بإسناد صحيح من غير ذكر الآية كما يلي.
=
(١) أخرجه المروزي من طريق عبيد بن سليمان الباهلي عن الضحاك بن مزاحم به (تعظيم قدر الصلاة رقم
٢٥٣)، وكذا أخرجه أبو الشيخ (العظمة ٩٨٤/٣) وحسنه الألباني بالشواهد (السلسلة الصحيحة ح١٠٥٩)،
ولكن الشواهد بدون قراءة الآية.
(٢) سنده صحيح وأورده الألباني من طريق مسلم بن صبيح أبي الضحى عن مسروق به وصححه. (المصدر
السابق) وكذا أخرجه عبد الرزاق والبستي والطبري من طريق أبي الضحى به.
(٣) سنده مرسل.
(٤) سنده مرسل.
(٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة به وسنده منقطع لأن أبا نضرة وهو
المنذر بن مالك لم يسمع من عمر
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٤٣ في آخر تفسيرها.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى برواية مجاهد فقد أخرجها الطبري
وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.

٤٠٣
سُورَةُ القَافَاتِ (١٧١، ١٧٩)
09000000000000000000000000000000000000 000000000 000000 8 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْزَنُ وَلَدَّأْ سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتْ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نُجْزِيهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلِّمِينَ (4)﴾ [الأنبياء].
(٢٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
وقوله جل وعلا: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ : لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ
﴾ أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان
من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ لَيِنِ جَهُمْ
نَذِيرٌ لَيَّكُنُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى اُلْأُمَمِّ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (﴾﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿أَنْ
تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوَ أَنَّآ أُنزِلَ
عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن زَيِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنْ كَذَّبَ
◌ِئَايَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوْءَ اَلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ([®)﴾ [الأنعام]،
(٧)﴾ وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم
ولهذا قال تعالى ها هنا: ﴿فَكَفَرُواْ بِهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
بربهم گگۆ وتکذیبهم رسوله گۆ .
◌َ إِنَّهُمْ لَمُ الْمَصُورُونَ
] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
فَوَلَّ
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَُ الْغَلِبُونَ
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَنِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ
عَنْهُمْ حَّى حِينٍ ﴿١٣) وَأَبْصِرُهُ فَوْفَ يُصِرُونَ (٥َ أَفَعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُصِرُونَ
وَتَوَّلَ عَنْهُمْ حَّى حِينٍ (َ)
يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ أي: تقدم في الكتاب الأول أن
العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلٍّ إِنَ
اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَِّينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
اُلْأَشْهَدُ (6)﴾ [غافر]، ولهذا قال جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٦) إِنَّهُمْ لَمُ
الْمَصُورُونَ (٣)﴾ أي: في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم
كيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ (®)﴾ [أي: تكون لهم
العاقبة. وقوله جلَّ وعلا](١): ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ حَّ ◌ِينٍ (﴿٣)﴾ أي: اصبر على أذاهم لك وانتظر إلى
وقت مؤجل فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال بعضهم: غيَّى ذلك إلى يوم بدر
وما بعدها أيضاً في معناها .
وقوله: ﴿وَبْصِرُهُ فَسَوْفَ يُصِرُونَ (9)﴾ أي: أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال
بمخالفتك وتكذيبك ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد ﴿فَسَوْفَ يُصِرُونَ﴾ ثم قال: ﴿أَفَعَذَاِنَا
يَسْتَعْجِلُونَ (٣)﴾ أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك فإن الله تعالى يغضب
عليهم بذلك ويعجل لهم العقوبة ومع هذا أيضاً كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب
والعقوبة. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ (2)﴾ أي: فإذا نزل العذاب
بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم.
(١) زيادة من (حم) و(مح).

٤٠٤
• سُورَةُ القَافَانَ (١٨٠، ١٨٢)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقال السدي: ﴿فَإِذَا نَزَّلَ بِسَاحِهِمْ﴾ يعني: بدارهم ﴿فَسَآَّةَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ أي: فبئس ما
يصبحون(١)؛ أي: بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن
علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس رظُه قال: صبح رسول الله وَّ خيبر، فلما خرجوا
بفؤوسهم ومساحيهم(٢) ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون: محمد والله محمد والخميس، فقال
النبي وقال: ((الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))(٣). ورواه
(٤) .
البخاري من حديث مالك، عن حميد، عن أنس
.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك،
عن أبي طلحة ظبه قال: لما صبح رسول الله وَّل خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم
وأرضهم، فلما رأوا النبي # نكصوا مدبرين، فقال نبي الله وَله: «الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا
بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) (٥). لم يخرجوه من هذه الوجه وهو صحيح على شرط
الشیخین.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَى حِينٍ (﴿١٧) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُصِرُونَ (®)﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر
بذلك.
﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
ينزه تبارك وتعالى نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه
وتقدس عن قولهم علواً كبيراً ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزة
التي لا تُرام ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيّته ﴿ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ
اَلْعَلَمِينَ ()﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال، ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه
من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال تبارك وتعالى:
١٢
وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا سلمتم عليّ فسلموا على
المرسلين فأنا رسول من المرسلين))(٦). هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه
کذلك.
وقد أسنده ابن أبي حاتم تَكْثُ فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) المساحي جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد (النهاية ٣٢٨/٤).
(٣) أخرجه البخاري عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن علية به مطولاً (الصلاة، باب ما يُذكر في الفخذ
ح٣٧١)، وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية به (الصحيح، الجهاد، باب غزوة خيبر
ح ١٣٦٥/١٢٠).
(٤) أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به (الصحيح، المغازي، باب غزوة خيبر ح٤١٩٧).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨/٤) وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به، ورجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بما يليه.

٤٠٥
• سُورَةُ القَافَانَ (١٨٠، ١٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، قال:
حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة ◌ًا قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا سلمتم عليّ فسلموا على
المرسلين))(١).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح، حدثنا أبو هارون، عن أبي
سعيد ، عن رسول الله ◌َ﴿ أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: ((سبحان ربك ربِّ العزّة عما
يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)) ثم يُسلِّم(٢)، إسناده ضعيف.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي
إسحاق، عن الشعبي قال: قال رسول الله وَلجر: ((من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر
يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ وَسَلَمُ عَلَى
وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٨)))(٣). وروي من وجه آخر متصل موقوف على
(٤)
الْمُرْسَلِینَ
علي
قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن [إبراهيم الشريحي](٥)، أخبرنا
أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن
سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن
نباتة، عن علي ظُه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر
كلامه في مجلسه ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿٨َ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ
اُلْعَلَمِينَ يَ﴾ (٦).
وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن الأنسي، عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن
أبيه، عن رسول الله وَّه: أنه قال: ((من قال دُبرَ كل صلاة: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٨٢)﴾ ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
من الأجر))(٧).
وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللَّهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك
وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءاً على حدة، فليكتب ههنا إن شاء الله تعالى(٨).
آخر تفسير الصافات. والحمد لله وحده وصلوته وسلامه على محمد خير خلقه.
(١) سنده صحيح.
(٢) أخرجه أبو يعلى من طريق أبي هارون به (المسند ٣٦٣/٢ ح١١١٨) وسنده ضعيف جداً لأن أبا هارون وهو
عمارة بن جوين متروك كما في التقريب، وأخرجه البستي من طريق أبي هارون به.
(٤) وهو ضعيف أيضاً كما يأتي.
(٣) سنده ضعيف لإرسال الشعبي.
(٥) كذا في (مح) وتفسير البغوي، وفي الأصل باسم: شريح. دون نسبة وفي (حم) صحف إلى: ((الزنجي)).
(٦) أخرجه البغوي بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن الأصبغ بن نباته متروك كما في التقريب.
(٧) أخرجه الطبراني من طريق عبد المنعم بن بشير عن عبد الله الأنسي (المعجم الكبير ٢١١/٥ ح٥١٢٤)،
وسنده ضعيف جداً قال الهيثمي فيه عبد المنعم بن بشير وهو ضعيف جداً (مجمع الزوائد ١٠٣/١٠).
(٨) كذا قال ولم يذكر تلك الروايات وقد سردها الشيخ الفاضل: سامي بن محمد السلامة في تحقيقه لتفسير
ابن كثير ٧/ ٤٧ - ٥٠.

٤٠٦
سِوَرَقِ صِ﴾ (١، ٣)
0009000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000
POD
07-00000
سُوْدَةُ صِْ
وهي مكية
بير هه الرحمن الرحيم
2] ﴿َصََّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَِّ وَشِقَاقٍ ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْدٍ
٠.
فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا .
وقوله تعالى: ﴿وَلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في
المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ
كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾(١) [الأنبياء: ١٠] أي: تذكيركم وكذا قال قتادة(٢) واختاره ابن جرير.
وقال ابن عباس ◌ّ وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو
صالح والسدي: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف(٣)؛ أي: ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين
فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار.
واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ
عِقَابٍ (٦)﴾ [ص].
(٤﴾ [ص]، حكاهما ابن جرير [وهذا الثاني
وقيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَقْ تَصُمُ أَهْلِ النَّارِ
فيه بُعد كبير وضعفه ابن جرير] (٤).
وقال قتادة: جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَِّ وَشِقَاقٍ ﴾﴾(٥) واختاره ابن جرير ثم حكى ابن
جرير عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه ﴿صَّ﴾ بمعنى صدق حق ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ وقيل:
جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم.
وقوله تبارك وتعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَّةِ وَشِقَاقٍ ﴾﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكراً لمن
يتذكر وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿ فِى عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية
(١) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
مسعر عن أبي حصين، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل عن أبي صالح، وأخرجه الطبري
بسند حسن من طريق إسباط عن السدي.
(٤) زيادة من (حم) و(مح).
(٥) أخرجه الطبري بالإسناد الصحيح المتقدم بلفظ: ((ههنا وقع القسم.)).

٤٠٧
• سِوَ لاَ ظِ﴾ (١، ٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأُمم المكذبة قبلهم بسبب
مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكِّنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾
أي: من أمة مكذبة ﴿فَادَواْ﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك
بمجد عنهم شيئاً كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّ أَحَسُّواْ بَأَسَنَآَ إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ ﴾﴾ [الأنبياء] أي: يهربون
﴿لَا تَرَّكُواْ وَأَرْجِعُوَاْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْتَلُونَ ﴾﴾ [الأنبياء].
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي قال: سألت ابن عباس ظـ
عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نداء ولا نزو ولا فرار(١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث(٢).
وقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: تذكر
لیلی لات حين تذكر(٣).
وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿فَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يقول نادوا بالتوحيد حين تولت
الدنيا عنهم، واستناصو للتوبة حين تولت الدنيا عنهم(٤).
وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء(٥).
وقال مجاهد: ﴿فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ليس بحين فرار ولا إجابة(٦). وقد روي نحو هذا عن
عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة(٧).
وعن مالك، عن زيد بن أسلم ﴿وَلَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ولا نداء في غير حين النداء(٨)، وهذه الكلمة
وهي: لات، هي لا التي للنفي زيدت معها التاء كما تزاد في ثم فيقولون: (ثمت) و(رب)
فيقولون ربت وهي مفصولة والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن
جرير أنها متصلة بحين ولا تحين مناص والمشهور الأول ثم قرأ الجمهور بنصب حين تقديره:
وليس الحين حين مناص، ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:
وأضحى الشيب قد قطع القرينا (٩)
تذكر حب ليى لات حينا
ومنهم من جوز الجر بها وأنشد:
طلبوا صلحنا ولات أوان
فأجبنا أن ليس حين بقاء (١٠)
(١) أخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣٢/٢).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) سنده حسن، ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة به.
(٤) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب بنحوه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: (ليس بحين فرار))، وأخرجه البستي
من طريق ابن جريج عن مجاهد كاملاً لكن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد
عن سعيد بن جبير والحسن البصري، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٨) سنده صحيح.
(٩) و(١٠) استشهد بها الطبري.

٤٠٨
• سِوَرَوَ ظِ﴾ (٤، ١١)
وأنشد بعضهم أيضاً:
ولات ساعة مندم(١)
بخفض الساعة وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال تبارك
وتعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.
﴿وَمُوْ أَنْ جَهُمْ مُنذِرٌ مِنْهُمّ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ ﴿ أَجَعَلَ الْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ
هَذَا لَشَىْءُ عُجَابٌ جَ وَأَطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا
فِى الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخِلَقُ ﴿ أَمُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىٌ بَل لَمَا يَذُوقُواْ
عَذَابٍ ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَائِنُ رَحْمَةٍ رَيِّكَ اَلْعَزِيزِ الْوَفَّارِ جَ أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْتَهُمَّا فَلْيَقُواْ
جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ
١٠
فِى الْأَسْبَبِ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله وَل* بشيراً ونذيراً كما قال
تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ
عِندَ رَيْهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَجِرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ [يونس] وقال ههنا: ﴿وَعَبُوْ أَنْ جََّهُ مُنْذِرٌ مِنْهُمّ﴾
أي: بشر مثلهم وقال الكافرون: ﴿هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ جَ أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾ أي: أزعم أن
المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله
فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول وَيقول إلى خلع
ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهَا وَمِدًّا إِنَّ
هَذَا لَشَىْءُ عُجَبٌ ﴾ وَطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين ﴿أَمْشُوا﴾
أي: استمروا على دينكم ﴿وَأَصْبِرُواْ عَلَ ءَالِهَتِكُمْ﴾ ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد بَّو من
التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه(٢).
ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات.
قال السدي: إن ناساً من قريش اجتمعوا فيهم: أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل،
والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض:
انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكفّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي
يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون: تركوه حتى
إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلاً منهم يقال له: المطلب فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال:
هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا
طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكفّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال:
فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله وَلو قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك
وسراتهم وقد سألوك أن تكفّ عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال ◌َّ: ((يا عمِّ أفلا أدعوهم إلى
ما هو خير لهم)) قال: وإلام تدعوهم؟ قال ◌َله: ((أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب
(١) استشهد بها الطبري.
(٢) ذكره الطبري بنحوه.

٤٠٩
سُورَقَ صِ﴾ (٤، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ويملكون بها العجم)) فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشراً
أمثالها قال ◌َله: ((تقولون: لا إله إلا الله)) فنفروا وقالوا: سلنا غيرها قال بير: ((لو جئتموني
بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها)) فقاموا من عنده غضاباً وقالوا: والله لنشتمك
وإلهك الذي أمرك بهذا ﴿وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴾﴾ ورواه
ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله بَّهِ عمَّه إلى قوله: لا إله إلا الله،
فأبى وقال: بل على دين الأشياخ ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ﴾ [القصص: ٥٦](١).
قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش،
حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ظًا قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط
من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت
إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي ◌َّ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل. قال:
فخشي أبو جهل - لعنه الله - إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس
في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله وَ ﴿ مجلساً قرب عمِّه فجلس عند الباب، فقال له أبو
طالب: أي: ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال:
وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله وّله فقال: ((يا عمِّ إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها
تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية)) ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم: كلمة
واحدة نعم وأبيك عشراً فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال رَليقته:
((لا إله إلا الله)) فقاموا: فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآَلَةَ إِلَهَا وَجِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَُّ
◌ُجَابٌ ﴾﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿بَل لََّّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ لفظ أبي كريب (٢).
وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن أبي أُسامة،
عن الأعمش، عن عبَّاد غير منسوب به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير
أيضاً كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ◌ًا ... فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن(٣).
وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من
التوحيد في الملَّة الآخرة.
قال مجاهد وقتادة وابن زيد: يعنون دين قريش(٤)، وقال غيرهم: يعنون النصرانية قاله
(١) أخرجه الطبري وسنده مرسل ولبعضه شاهد، أخرجه ابن حبان (موارد الظمآن، كتاب التفسير، سورة صّ
رقم ١٧٥٧)، والحاكم كلاهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي
(المستدرك ٤٣٢/٢)، وأخرجه الإمام أحمد، وصحح سنده أحمد شاكر (المسند رقم ٢٠٠٨).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة عباد بن جعفر ويشهد لبعضه ما تقدم في روايته الإمام
أحمد والحاكم.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة صّ (ح٣٢٣٢)، والسنن الكبرى، التفسير رقم ٤٥٦، وتفسير
الطبري ورواية الإمام تقدم ذكرها في الرواية السابقة.
(٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق
عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.

٤١٠
• سُورَةِ ظِ﴾ (٤، ١١)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
(١)
محمد بن كعب والسدي
.
وقال العوفي، عن ابن عباس ظًا: ما سمعنا بهذا في الملَّة الآخرة؛ يعني: النصرانية، قالوا:
لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرتنا به النصارى (٢). ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخْلَؤُّ﴾.
قال مجاهد وقتادة: كذب(٣).
وقال ابن عباس: تخرص(٤).
وقولهم: ﴿أَمُ نِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنًا﴾ يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من
بينهم كلهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:
٣١]، قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَيِّكَّ نَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، ولهذا لما قالوا هذا الذي دلّ على جهلهم وقلة عقلهم في
استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم.
قال الله تعالى: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم
ذلك عذاب الله تعالى ونقمته سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم
دعاً .
ثم قال تعالى مبيناً أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز
من يشاء ويذل من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من
عباده ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله، وإن العباد لا يملكون شيئاً من الأمر
وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير.
ولهذا قال تعالى منكراً عليهم: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَّيْنُ رَحْمَةِ رَيْكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾﴾ أي: العزيز الذي
﴿أَمْ
لا يُرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى:
لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيًّا ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ
فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى
٥٤
ءَتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْتَهُم مُلْكَّا عَظِيمًا
بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾﴾ [النساء] وقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَابِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ إِذَا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ
اَلْإِفَاقِ وَكَانَ الْإِسَنُ قَتُورًا (٣)﴾ [الإسراء] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول
البشر و ﴿ وكما أخبر تعالى عن قوم صالح ظلّ حين قالوا: ﴿أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنَا بَلْ هُوَ كَذَّابُ
أَشْرٌ ٥َ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَثِرُ (٣)﴾ [القمر].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمِ قُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا فَلَّقُواْ فِ الْأَسْبَابِ ﴾﴾ أي: إن كان لهم
ذلك فليصعدوا في الأسباب.
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس التي
أخرجها الطبري بسند ثابت.
(٣) أخرجه الطبري وآدم بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. بلفظ: (تخريص)).

٤١١
سورة صِ﴾ (١٢، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني: طرق السماء(١).
وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة(٢).
ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﴾﴾ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في
عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويُكبتون كما كُبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه
كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنَصِرُ ﴿٨ سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الذُّبُرَ ﴾﴾ كان ذلك يوم بدر ﴿بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ
(٤)﴾ [القمر].
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ ﴿﴿ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَكَ
﴿ إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ ﴿ وَمَا يَظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن
الأَحْزَابُ
وَقَالُواْ رَبَّنَا ◌َجِل لَّا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ
فَوَاقٍ
يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة
الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَِّّكَ اٌلْأَحْزَابُ﴾ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثرٍ أموالاً وأولاداً فما دفع
ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقّ
عِقَابٍ ﴾﴾ فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل ليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.
﴾ قال مالك، عن زيد بن
١٥
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ
أسلم: أي ليس لها مثنوية(٣)؛ أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتةً فقد جاء أشراطها؛ أي:
فقد اقتربت ودنت وأزفت، وهذه الصيحة هي: نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها
فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله ربك.
وقوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِلِ لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾﴾ هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في
دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس
ومجاهد والضحاك والحسن غير واحد: سألوا تعجيل العذاب(٤)، زاد قتادة كما قالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(٥) [الأنفال: ٣٢].
وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة(٦) إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا، وإنما خرج
هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.
(٣) سنده صحيح، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الثوري عن أشعث عن الحسن.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ثابت الحداد عن سعيد بن جبير.

٤١٢
سُورَةُ ظِرْلَ﴾ (١٧، ٢٠)
وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا (١).
وهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم.
ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ول﴿ آمراً له
بالصبر على أذاهم ومبشراً له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر:
42 ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَبَدِّ إِنَّهُ، أَوََّبُ (٣) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَايَيْنَهُ اُلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لَلْخِطَابِ
وَالْغَيرَ مَحْشُورَةٌ كُلِّ لَهُ، أَوَّبٌ ()
وَاْإِشْرَاقِ
يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد، والأيد القوة في العلم
والعمل.
قال ابن عباس والسدي وابن زيد: الأيد: القوة.
[الذاريات]. وقال مجاهد: الأيد: القوة
وقرأ ابن زيد ﴿وَالسَّمَةَ بَنَيْنَهَا بِأَبَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
في الطاعة(٣).
وقال قتادة: أُعطي داود عليه الصلاة والسلام قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام، وقد ذُكر لنا
أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر(٤).
وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﴿ أنه قال: ((أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة
داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان
يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى، وأنه كان أواباً))(٥) وهو الرجاع إلى الله ظ في جميع
أموره وشؤونه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴾﴾ أي: أنه تعالى سخر الجبال
تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار كما قال تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرٌ﴾ [سبأ: ١٠]،
وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مرَّ الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو
يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات
ترجع معه وتسبح تبعاً له. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر، عن مسعر،
(١) ذكره الطبري بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه من الآثار، وقول السدي
أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
عبد الله بن وهب عنه.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والشطر الثاني منه يشهد له الحديث
الصحيح التالي.
(٥) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو ظها (صحيح البخاري، التهجد، باب من نام عند السحر
ح ١١٣١)، وصحيح مسلم، الصيام، باب النهي عن صوم الدهر (ح ١١٥٩/١٨١ و١١٥٩/١٨٦).

٤١٣
• سُورَة ◌ِزْ﴾ (١٧، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس ها أنه بلغه أن أُم هانئ ضُوّا ذكرت أن
رسول الله قال يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس ﴿ّ: قد ظننت أن لهذه
الساعة صلاة يقول تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾(١).
ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن مولاه
عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن ابن عباس ◌ً كان لا يصلي الضحى فأدخلته على أم هانئ ﴿ق
فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به. فقالت: دخل عليَّ رسول الله وَّر يوم الفتح في بيتي، ثم أمر
بماء صبَّ في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل، ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان
ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من
بعض، فخرج ابن عباس ◌ًا وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا
الآن ﴿يَُبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ وكنت أقول: أين صلاة الإشراق؟ وكان بعد يقول: صلاة
الإشراق(٢)، ولهذا قال: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةٌ﴾ أي: محبوسة في الهواء ﴿كُلُّ لَّهُ، أَوَّبٌ﴾ أي: مطيع يسبح
تبعاً له.
وقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿ كُلِّ لَّهُ، أَوَّبٌ﴾ أي: مطيع(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: جعلنا له ملكاً كاملاً من جميع ما يحتاج إليه الملوك.
قال ابن أبي نجيح: عن مجاهد كان أشد أهل الدنيا سلطاناً (٤).
وقال السدي: كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف(٥).
وقال بعض السلف: بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً لا تدور عليهم النوبة
إلى مثلها من العام القابل(٦).
وقال غيره: أربعون ألفاً مشتملون بالسلاح.
وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن
نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه الصلاة والسلام أنه اغتصبه بقراً
فأنكر الآخر ولم يكن للمدَّعي بينة، فأرجأ أمرهما، فلما كان الليل أمر داود عليه الصلاة والسلام
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن موسى بن أبي كثير لم يسمع أحداً من الصحابة، ويتقوى
بما یلیه.
(٢) أخرجه الطبري بسنده نحوه أخرجه البستي من طريق سعيد به، وأخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبي
عروبة وسكت عنه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٣/٤)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق يزيد بن أبي زياد عن
عبد الله بن الحارث بنحوه وصححه محققوه بالشواهد والمتابعات (المسند ٤٧٣/٤٤ ح ٢٦٩٠١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن
وهب عن ابن زید.
وخبر مالك عن زيد بن أسلم سنده صحيح.
(٤) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٥) أخرجه الطبري والحاكم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي (المستدرك ٥٨٦/٢).
(٦) هذا الخبر فيه مبالغة، وهو من الإسرائيليات.

٤١٤
• سُورَوَ ظِْ﴾ (١٧، ٢٠)
في المنام بقتل المدعي، فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله علامَ
تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال له: إن الله تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة، فقال:
واللهِ إن الله لم يأمر بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد
اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد، فأمر به داود علَّا فقتل، قال ابن عباس: فاشتدت هيبته
في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله رَك: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَمُ﴾(١).
وقوله: ﴿وَءَايَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال مجاهد: يعني الفهم والعقل والفطنة، وقال مرة: الحكمة
والعدل، وقال مرة: الصواب(٢).
وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه.
فقال السدي: ﴿اَلْحِكْمَةَ﴾ النبوةُ(٣) وقوله: ﴿وَفَصْلَ لَلِطَابِ﴾ .
قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان (٤).
وقال قتادة: شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب(٥) الذي فصل به
الأنبياء والرسل، أو قال المؤمنون والصالحون: وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكذا قال
أبو عبد الرحمن السلمي(٦).
وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهم ذلك(٧).
وقال مجاهد أيضاً: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله وهو المراد
واختاره ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شيبة النميري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني
عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن بلال بن أبي بردة، عن
أبيه، عن أبي موسى ظُبه قال: أول من قال: أما بعد داود ظلَّ وهو فصل الخطاب(٨)، وكذا
قال الشعبي فصل الخطاب: أما بعد (٩).
(١) أخرجه الطبري من طريق علباء بن أحمر به، والخبر من الإسرائيليات.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد (ينظر فتح الباري ٤٥٦/٦).
(٣) أخرجه الطبري والحاكم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي (المستدرك ٥٨٦/٢).
(٤) قول شريح أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٣٢/٧)، والطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٨١/١٠)، بأسانيد
يقوي بعضها بعضاً، وقول الشعبي: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود، وهو ابن أبي هند، عنه.
(٥) أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٢٥٣/١٠)، بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) أخرجه الثوري والطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٨١/١٠) من طريق أبي حصين عن أبي عبد الرحمن
السلمي.
(٧) أخرجه الطبري من طريق ليث عن مجاهد، وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال، وأخرجه الطبري بسند حسن
من طريق أسباط عن السدي.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن زياد بن عياض الأشعري
(المصنف ٣٥٥/٥) وسنده صحيح.
(٩) أخرجه الطبري بسند فيه جابر بن نوح وهو ضعيف كما في التقريب ويشهد له سابقه.

٤١٥
سِوَالآخِ﴾ (٢١، ٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000
إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمَّ قَالُوا لَا
﴿ وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ إِذْ نَوَُّواْ الْمِحْرَابَ
تَخَفّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ ﴿ إِنَّ هَذَا أَخِى
◌َ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى
لَهُ تِسْعُ وَنَسْعُونَ نَعْجَةُ وَلِىَ نَعَْةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِهَا وَعَزَّنِ فِ اُلْخِطَابِ
نِعَلِهِ، وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْمُلَاِ لَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِيلٌ مَّا هُمُّ وَظَنَّ دَاوُودُ
٢٥
أَنَّمَا فَثَهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَبَ ﴾ ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ
قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم
حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم حديثاً لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي
عن أنس رظُه(١)، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن
يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يردّ علمها إلى الله رَك، فإن القرآن حق وما تضمن فهو
حق أيضاً.
وقوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمّ﴾ إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره وكان
قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب؛ أي:
احتاطا به يسألانه عن شأنهما وقوله: ﴿وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾ أي: غلبني يُقال: عز يعز إذا قهر
وغلب.
وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَّهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي اختبرناه(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أي: ساجداً ﴿وَأَنَابَ﴾ ويحتمل أنه ركع أولاً ثم سجد بعد ذلك،
وقد ذكر أنه استمر ساجداً أربعين صباحاً ﴿فَغَفَّرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾ أي: ما كان منه مما يقال فيه إن
حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وقد اختلف الأئمة ﴿ّ في سجدة ﴿صَّّ﴾ هل هي من عزائم السجود؟ على قولين:
الجديد من مذهب الشافعي تَظْتُ أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر، والدليل
على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل هو: ابن علية، عن أيوب، عن
عكرمة، عن ابن عباس ﴿ها أنه قال: السجدة في ﴿صَّّ﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت
رسول الله * يسجد فيها(٣). ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث
أیوب به وقال الترمذي حسن صحيح(٤).
وقال النسائي أيضاً: عند تفسير هذه الآية أخبرني إبراهيم بن الحسن هو المقسمي، حدثنا
(١) هذه القصة سردها السيوطي في الدر المنثور وهي من الإسرائيليات الغربية، وأخرجه الطبري من طريق
الرقاشي عن أنس وساق القصة. وسنده ضعيف لضعف الرقاشي.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ١/ ٣٦٠) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، سجود القرآن، باب سجدة ﴿صَ﴾ (ح١٠٦٩)، وسنن أبي داود، سجود القرآن، باب
السجود في ﴿صَّ﴾ (ح١٤٠٩)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في السجدة في ﴿صَّ﴾ (ح ٥٧٧)،
والسنن الكبرى للنسائي كما في تحفة الأشراف رقم ٥٩٨٨.

٤١٦
سوڕۆ چِ﴾ (٢١، ٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حجاج بن محمد، عن عمرو بن ذرِّ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ◌ًَّا قال: إن
النبي ◌َّ سجد في ﴿صَ﴾ وقال: ((سجدها داود عليه الصلاة والسلام توبة ونسجدها شكراً))(١)
تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات.
وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو إسحاق
[الدَّرجيّ](٢)، أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي، حدثنا زاهر بن أبي طاهر [الشحامي](٣)، أخبرنا
أبو سعيد الكنجرودي، أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو العباس
السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنيس، عن الحسن بن محمد بن
عُبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج، يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن
ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ◌ّقر فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني
أصلى خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة بسجودي فسمعتها تقول وهي
ساجدة: اللَّهم اكتب لي عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع بها عني وزراً، وأقبلها مني
كما قبلتها من عبدك داود.
قال ابن عباس: فرأيت النبي وَلّ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول: وهو ساجد كما
حكى الرجل عن كلام الشجرة (٤)، رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد
كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه، وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه(٥).
وقال البخاري عند تفسيرها أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عُبيد الطنافسي،
عن العوام، قال سألت مجاهداً عن سجدة ﴿صَّّ﴾ فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت
فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ
أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فكان داود عليه الصلاة والسلام ممن أمر نبيكم وير أن يقتدي به، فسجدها
داود عليه الصلاة والسلام فسجدها رسول الله وَليم(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا یزید بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر هو ابن
عبد الله المزني أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري تظ له رأى رؤيا أنه يكتب ﴿صَّ﴾ فلما بلغ إلى
الآية التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً قال: فقصّها على
النبي وَق فلم يزل يسجد بها بعد(٧)، تفرد به أحمد.
(١) أخرجه النسائي، السنن، الافتتاح، (باب سجود القرآن ١٥٩/٢) وسنده صحيح.
(٢) كذا في (مح)، وتهذيب الكمال للمزي، وفي الأصل و(حم)، صحف إلى: ((المدرجي)).
(٣) كذا في (مح) و(حم)، وتهذيب الكمال للمزي، وفي الأصل صحف إلى: ((السجستاني)).
(٤) أخرجه المزي بسنده ومتنه (تهذيب الكمال ٣١٤/٦)، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن يزيد بن خنيس
به وصححه ووافقه الذهبي بقوله: صحيح ما في رواته مجروح (المستدرك ٢١٩/١ - ٢٢٠) ولكن محمد بن
يزيد بن خُنيس مقبول (التقريب ص٥١٣)، وقال الذهبي: غير حجة (الكاشف ٢٢٦/١).
(٥) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما يقوله في سجود القرآن (ح٥٧٩)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب
سجود القرآن (ح١٠٥٣)، وفيه مسندیهما أيضاً محمد بن یزید بن خُنیس.
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب سورة ﴿صَّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾﴾ [ص] ح ٤٨٠٧).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٨/١٨ ح١١٧٤١)، وضعف سنده محققوه لأن بكر المزني لم يسمع =

٤١٧
• سُورَةِ ظِرٍ (٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن
سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري
قال: قرأ رسول الله له وهو على المنبر ﴿صَ﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه،
فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزَّن الناس للسجود فقال ◌َّهي: (إنما هي توبة نبي،
ولكني رأيتكم [تشزَّنتم))](١) فنزل وسجد(٢). وتفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيحين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله رَّ
بها وحسن مرجع وهو الدرجات العالية في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه كما جاء في
الصحيح: ((المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في
أهليهم وما ولوا))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري
قال: قال رسول الله وَلجر: ((إن أحبَّ الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل،
وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر))(٤). ورواه الترمذي من حديث
فضيل وهو ابن مرزوق الأغر، عن عطية به، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا
جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾
قال: يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت
الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أردُّه عليك
اليوم، قال: فيرفع داود عليه الصلاة والسلام بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان(٦).
- ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ
هذه وصية من الله ريك لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك
وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توَعد تبارك وتعالى من ضلَّ عن سبيله وتناسى
يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح،
حدثني إبراهيم أبو زرعة: وكان قد قرأ الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب
= من أبي سعيد الخدري، وأخرجه الحاكم من طريق حُميد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣٢/٢).
(١) كذا في (حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل و(مح): ((نشزتم)).
(٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الصلاة، تفريع أبواب السجود، باب السجود في ﴿صَّ﴾ ح ١٤١٠)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٢٥٣).
(٣) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الحجرات آية ١٠.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢/٣)، وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي.
(٥) السنن، الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل (ح١٣٢٩)، وسنده كسابقه.
(٦) سنده ضعيف بسبب إرسال مالك بن دينار.

٤١٨
سُورَاطِ﴾ (٢٧، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت. فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟
قال: قل: في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة
والسلام، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توَعَّده في كتابه فقال تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا
جَعَلْتَكَ خَلِفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الهِ﴾(١) الآية.
وقال عكرمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوْ يَوْمَ أِْسَابِ﴾ هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب
شديد يوم الحساب بما نسوا(٢).
وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا (٣) أن يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أمشى على
ظاهر الآية. فالله أعلم.
أَمْ
2] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ
نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿٣َ كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ
مُبٌَّ لِلََُّّواْ ءَايَتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ
٢٩
يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثاً وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم [يجمعهم] (٤) يوم
الجمع، فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: الذين لا يرون بعثاً ولا معاداً وإنما يعتقدون هذه الدار
فقط ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم.
ثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ أي: لا نفعل ذلك
ولا يستوون عند الله وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب
فيها هذا الفاجر.
وهذا الإرشاد يدل على العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بدّ من معاد وجزاء فإنا
نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده
فلا بدّ في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا
لم يقع هذا في هذه الدار فتعيَّن أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة.
ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تعالى: ﴿كِتَبُ
أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَّكُ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ ﴾ أي: ذوو العقول وهي الألباب جمع لب
وهو العقل.
قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول:
(١) سؤال الوليد غريب وجواب إبراهيم سدید.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق العوام عن عكرمة.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((جمعهم)).

٤١٩
• سُورَا ظِ﴾ (٣٠، ٣٣)
قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، رواه ابن أبي حاتم.
﴿﴿وَوَهَبْنَا لِدَاُرْدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابُ (٣٥) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَتُ الجِيَادُ
F
﴿ رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسَْخَا بِالسُّوقِ
فَقَالَ إِّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
وَالْأَعْنَاقِ
يقول تعالى: مخبراً أنه وهب لداود سليمان؛ أي: نبياً كما قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [النمل:
١٦] أي: في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر.
وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ أَوَّبُ﴾ ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة
إلى الله رَك.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر، حدثنا
مكحول، قال لمّا وهب الله تعالى لداود سليمان قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله
والإيمان؟ قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان. قال: فما أحلي؟ قال: روح الله بين عباده قال:
فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داودمل *: فأنت
نبي(١) .
أي: إذا عُرض على سليمان عليه
وقوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىّ الصَّفِنَتُ اَلِيَادُ
الصلاة والسلام في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات.
قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة(٢) والجياد السراع، وكذا قال
غير واحد من السلف.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبيه: سعيد بن
مسروق، عن إبراهيم التيمي في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَتُ اَلِيَادُ (١) قال: كانت
عشرين فرساً ذات أجنحة(٣). كذا رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني
إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان عليه
الصلاة والسلام عشرين ألف فرس فعقرها(٤). وهذا أشبه، والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب،
حدثنا عمارة بن غزية، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن
عائشة ﴿ّ قالت: قدم رسول الله وَ﴿ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبَّت الريح
فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة ﴿يا لعب فقال ◌َ: ((ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي،
(١) سنده مرسل.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.
(٤) الخبر من الإسرائيليات.

٤٢٠
• سُورَةِ فِ﴾ (٣٠، ٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ورأى بينهنَّ فرساً له جناحان من رقاع، فقال ◌َّ: ((ما هذا الذي أرى وسطهنَّ)) قالت: فرس،
قال رسول الله (ص9: ((ما هذا الذي عليه؟)) قالت ﴿نا: جناحان قال رسول الله وَله: ((فرس له
جناحان؟)) قالت ؤًا: أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة؟
قالت ﴿ّا: فضحك وَّر حتى رأيت نواجذه(١).
س) ذكر غير
وقوله تبارك وتعالى: ﴿فَقَالَ إِنَّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّ حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه
لم يتركها عمداً بل نسياناً كما شغل النبي و * يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد
الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه من ذلك عن جابر ظ به قال: جاء عمر نظرائه
يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما كدت أصلي
العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال رسول الله وَ له: ((والله ما صليتها)) فقال: فقمنا إلى
بُطْحَان فتوضأ نبي الله ◌َّ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى
بعدها المغرب(٢).
ويحتمل أنه كان سائغاً في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال، وقد
ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعاً فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى
ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل
الصحابة ﴿ه في فتح تُستَر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما.
والأول أقرب لأنه قال بعده: ﴿رُذُوهَا عَّ فَطَفِقَ مَسْتَطَا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ
قال الحسن البصري: قال: لا، والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها
فعُقرت (٣)، وكذا قال قتادة(٤).
وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف(٥).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ظه: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حُبًّا
لها(٦). وهذا القول اختاره ابن جرير قال: لأنه لم يكن ليعذب حيواناً بالعرقبة ويهلك مالاً من
ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها، وهذا الذي رجح به ابن
جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضباً لله تعالى بسبب
أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى بما هو
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في اللعب بالبنات ح ٤٩٣٢)، وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٢٣).
(٢) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت (ح٥٩٦)، وصحيح
مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٦٣١).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن.
(٤) هو تتمة الأثر السابق، وهو من أخبار أهل الكتاب والراجح ما سيأتي عن ابن عباس
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.