Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ • سُورَةُ فَظِلٍ (١١،٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال: قال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي النحل يذكرن لصاحبهنَّ والعمل الصالح في الخزائن(١). وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعاً. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى يعني ابن مسلم الطحان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير رضيبه قال: قال رسول الله وَليقول: ((الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتكبيره وتحميد وتهليله، يتعاطفن حول العرش لهنَّ دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، ألا يُحبُّ أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يُذكِّر به؟)) (٢) وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بشر خلف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير ظ ◌ُه به (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضيًّا: الكلم الطيب ذكر الله تعالى، يصعد به إلى الله ربك، والعمل الصالح أداء الفريضة، فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله وذكر الله تعالى به إلى الله رَّك، ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضهُ رُدَّ كلامه على عمله، فكان أولى به (٤)، وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب(٥)، وكذا قال أبو العالية وعكرمة وإبراهيم النخعي والضحاك والسدي والربيع بن أنس وشهر بن حوشب وغير واحد(٦). وقال إياس بن معاوية القاضي: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام. وقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل(٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيْئَاتِ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب: هم المراؤون بأعمالهم(٨)؛ يعني: يمكرون بالناس يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله رَكْ يراؤون بأعمالهم ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير إلى كعب الأحبار، لكنه مرسل إلا أنه يتقوى بالشواهد التالية. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٢/٣٠ ح ١٨٣٦٢)، وقال محققوه: إسناده صحيح. اهـ. وصححه الألباني كما يلي. (٣) السنن، الأدب، باب فضل التسبيح (ح٣٨٠٩) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٠٧١). (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٥) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه البستي بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية، وأخرجه البستي من طريق ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب وليث فيه مقال ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول الضحاك أخرجه ابن المبارك بسند حسن من طريق أبي سنان عنه (الزهد رقم ٩٠). (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن وقتادة. (٨) أخرجه البستي والبيهقي (شعب الإيمان رقم ٦٨٤٥) بسند حسن من طريق سعيد بن سنان عن مجاهد، وأخرجه البستي والطبري كلاهما من طريق ليث بن أبي سُليم عن شهر بن حوشب، وليث فيه مقال ويتقوى بسابقه، وقول سعيد بن جبير عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. ٣٠٢ • سُورَةُ فَظِّم (٩، ١١) وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون (١)، والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسرَّ أحدٌ سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنين المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف لهم عن قريب وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية. وقوله: ﴿وَلَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِنِ تُطْفَةٍ﴾ أي: ابتدأ خلق أبيكم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجً﴾ أي: ذكراً وأنثى، لطفاً منه ورحمة أن جعل لكم أزواجاً من جنسكم لتسكنوا إليها. وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أي: هو عالم بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء بل ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى كُلُمَتِ اْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْقَ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِعْدَارٍ ﴿ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ اَلْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾﴾ [الرعد]. وقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِتٍَ﴾ أي: ما يعطي بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول ﴿وَلَا يُنقَسُ مِنْ عُمُرِهِةٍ ﴾ الضمير عائد على الجنس لا على العين، لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله تعالى لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس. قال ابن جرير: وهذا كقولهم عندي: ثوب ونصفه؛ أي: هو ونصف ثوب آخر (٢) . وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس ﴿ها في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ وَلَا يُنقَمُ مِنْ عُمُرِهِ، إِلَّا فِى كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَبِيرٌ﴾ يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذين كتبت له، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِةٍ إِلَّا فِى كِنَبٍّ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَبِيٌ﴾ يقول: كل ذلك في كتاب عنده (٣)، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم(٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه ﴿وَلَا يُقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِتَبٍ﴾ قال: ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد؟ فهذا هذا(٥) . (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٢) ذكره الطبري بنحوه. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه. (٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بنحوه. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. ٣٠٣ • سُورَةُ فَظِيمٍ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة (١). وقال مجاهد: ﴿وَمَا يُعَتَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِنَسٍ﴾ أي: في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره. فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ (٢)، وقال بعضهم: بل معناه ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ أي: ما يكتب من الأجل(٣) ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍِ﴾ وهو ذهابه قليلاً قليلاً، الجميع معلوم عند الله تعالى سنة بعد سنة، وشهراً بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله تعالى في كتابه، نقله ابن جرير، عن أبي مالك(٤)، وإليه ذهب السدي وعطاء الخراساني(٥)، واختار ابن جرير الأول، وهو كما قال. وقال النسائي عند تفسير هذا الآية الكريمة: حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال: سمعت ابن وهب يقول: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ظُه قال: سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول: ((من سرَّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثرِه فليصلّ رحمه)). وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو مسرح، حدثنا عثمان بن عطاء(٧)، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعةً بنِ ربعي، عن أبي الدرداء حظّه قال: ذكرنا عند رسول الله وَ له فقال: ((إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر))(٨). وقوله رَك: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَبِيرٌ﴾ أي: سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل للجميع، لا يخفى عليه منه شيء. 2- ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَكِنٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌّ وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِئًا وَنَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِيَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول تعالى منبهاً على قدرته العظيمة فى خلقه لأشياء المختلفة خلق البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس من كبار وصغار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار والعمران والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك ﴿وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ أي: مُر وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعافاً مُرَّة، ولهذا قال: (٢) نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد. (١) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٣) نسبه السيوطي إلى عبد وابن أبي حاتم عن عكرمة. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حصين عن أبي مالك. (٥) نسبهما السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٧. (٧) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي الضعفاء الكبير (١٣٤/٢) والكامل لابن عدي (١١٣٣/٣) ورد باسم سليمان بن عطاء فقد أخرجاه من طريق سليمان بن عطاء به، وقال العقيلي لا يتابع عليه بهذا اللفظ. (٨) سنده ضعيف سواء كان عثمان بن عطاء أو سليمان بن عطاء فكلاهما ضعيف. ٣٠٤ • سُورَةَ فَطِ (١٣، ١٤) ﴿وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٍ﴾ أي: مُر. ثم قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني: السمك ﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ كما قال رَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُ وَالْمَرْحَانُ ﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن] . وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ أي: تمخره وتشقه بحيزومها وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو صدره. وقال مجاهد: تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام. وقوله جلَّ وعلا: ﴿لِيَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: بأسفاركم بالتجارة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، تذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض، الجميع من فضله ورحمته. ] ﴿يُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَبُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ ◌ُسَتَّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَاُلَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَعْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ اُلْقِيَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ وهذا أيضاً من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه، والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفاً وشتاء ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي: والنجوم السيارات، والثوابت الثاقبات بأضوائهن أجرام السموات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديراً من عزيز عليم. ﴿كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَنَّى﴾ أي: إلى يوم القيامة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَيِّكُمْ﴾ أي: الذي فعل هذا هو الربُّ العظيم الذي لا إله غيره ﴿ وَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين. ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ قال ابن عباس ﴿ه ومجاهد وعكرمة وعطاء وعطية العوفي والحسن وقتادة وغيرهم: القطمير هو: اللفافة التي تكون على نواة التمرة(١)؛ أي: لا يملكون من السموات والأرض شيئاً ولا بمقدار هذا القطمير. ثم قال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَءَكُمْ﴾ يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع دعاءكم، لأنها جماد لا أرواح فيها، ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُوْ لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على شيء مما يطلبون منها ﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يتبرؤون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُ مِمَن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ ﴾ وَإِذَا حُشِرَ (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. ٣٠٥ سُودَةُ فَظِل (١٨،١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَةَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]، وقال تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ ◌ِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا (٨ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِذًّا (13)﴾ [مريم]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها . قال قتادة: يعني نفسه تبارك وتعالى(١)، فإنه أخبر بالواقع لا محالة. ﴿ يَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ ﴿﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴿ وَلَ نَزِدُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَةُ إِنَّمَا نُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبٍ وَأَقَمُواْ الصَّلَوَةَ وَمَن تَزََّ فَإِنَّمَا يَتَزََّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ يخبر تعالى بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها وتذللها بين يديه، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال رَك: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه. وقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾﴾ أي: لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ بِعَزِيزٍ (®]). وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَكْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه ﴿لَا يُحْمَلّ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَهُ﴾ أي: وإن كان قريباً إليها حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله. قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية، قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا ربِّ سَلْ هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يداً قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه حتى يردّه إلى منزل دون منزله، وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بُني؛ أي والد كنتُ لكَ، فيثني خيراً، فيقول له: يا بُني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبتِ ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثلما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً، ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة، أو يا هذه؛ أي: زوج كنت لكِ؟ فتثني خيراً، فتقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو بها مما ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، إني أتخوف مثل الذي تتخوف. يقول الله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية، ويقول تبارك وتعالى: ﴿لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَن وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، ويقول (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه. ٣٠٦ • سُؤَدَأَفَظِم (١٩، ٢٦) 00000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 وَصَحَِتِهِ وَبَيْهِ ﴿َ لِكُلِّ امْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغِهِ ٣٥ تعالى: ﴿يَؤْمَ يَفُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِ ﴿ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ [عبس] رواه ابن أبي حاتم تَخْتُ، عن أبي عبد الله الطهراني، عن حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة به (١). ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْتَوْنَ رَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي: إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنّهي، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به ﴿وَمَنْ تَزََّ فَإِنَّمَا يَتَزََّى لِنَّفْسِهِ﴾ أي: ومن عمل صالحاً فإنما يعود نفعه على نفسه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: وإليه المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وَلَا اَلِظِلُ وَلَ الْرُورُ ٢٠ - ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿ وَلَا الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ وَمَا ٢١٦ إِنَّآ يَسْتَوِى الْأَخُّْ وَ الْأَمَوَتُّ إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَن فِ الْقُبُورِ (٣) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيُِّ أَزْسَلْتَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيَِّتِ وَبِالزُّيُرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ﴾ ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات، كقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمَن ◌َّثَلُهُ فِ الْقُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال ◌َ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْلَى وَالْأَصَدِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤] فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم ﴿ وَظِلٍ مِّنِ يَخُْرِ ﴿ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴾ [الواقعة]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ﴾ أي: يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والإنقياد لها. ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِىِ الْقُبُورِ﴾ أي: كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذي كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرُ ﴾﴾ أي: إنما عليك البلاغ والإنذار، والله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين، ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ أي: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَّ فَمِنُهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، والآيات في هذا كثيرة. وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيْنَتِ﴾ وهي (١) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر وهو العدني، وكذلك إرسال عكرمة. ٣٠٧ سودةوطل (٢٧، ٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات ﴿وَيِالزُّبْرِ﴾ وهي الكتب ﴿وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ أي: الواضح البين ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: ومع هذا كله كذب أولئك رسلهم فيما جاؤوهم به، فأخذتهم؛ أي: بالعقاب والنكال ﴿فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ أي: فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيماً شديداً بليغاً؟ ] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْلِفًا أَلْوَنُهَاْ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَّدٌ بِضُ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَتُهَا وَغَرَِبُ سُودٌ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآتِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُمُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ يقول تعالى منبهاً على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتُ وَجَثَّتٌ مِّنْ أَعْتَبٍ وَزَرْعٌ وَغِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيِّرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ آلْأُكُلِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١)﴾ [الرعد]. وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ حُدَدٌأْ بِيِضُ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُهَا﴾ أي: وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضاً من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق وهي الجدد ◌ّ: الجدد الطرائق (١)، وكذا قال أبو مالك جمع جدة، مختلفة الألوان أيضاً قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي ومنها ﴿وَغَاِبُ سُودٌ﴾ قال عكرمة: الغرابيب الجبال الطوال السود، وكذا قال أبو مالك وعطاء الخراساني وقتادة (٢). وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا: أسود غربيب(٣)، ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: ﴿وَغَيِبُ سُودٌ﴾ أي: سود غرابيب، وفيما قاله نظر. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآبِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ﴾ أي: كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب، وهو كل ما دب على القوائم، والأنعام، من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضاً، فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم(٤) في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيَّكُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِلْعَلِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الله بن عمر بن (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٢) قول أبي مالك نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٣) ذكره الطبري بنحوه. (٤) أي: الأعاجم الذين لا يُفصحون. ٣٠٨ • سُورَةُ فَطِلٍ (٢٧، ٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبان بن صالح، حدثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ها قال: جاء رجل إلى النبي وسي﴿ فقال: أيصبغ ربك؟ قال وَلفيه: ((نعم صبغاً لا ينقض أحمر وأصفر وأبيض)) (١). وروي مرسلاً وموقوفاً، والله أعلم. ولهذا قال تعالى بعد هذا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير(٢). وقال ابن لهيعة: عن ابن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئاً، وأحلَّ حلاله وحرّم حرامه، وحفظ وصيته وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله(٣). وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله رقم(٤). وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾(٥). وعن ابن مسعود به أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية(٦). وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنّما العلم نور يجعله الله في القلب(٧). قال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وإنما العلم الذي فرض الله ربك أن يتبع، فإنما هو الكتاب والسُّنَّة وما جاء عن الصحابة ﴿ ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا، لا يدرك إلا بالرواية، ويكون تأويل قوله: نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري: عن أبي حيان التيمي، عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، فالعالم (١) أخرجه البزار بسنده ومتنه ثم قال: لا نعلم أحداً أسنده عن ابن عباس إلا زياد بن عبد الله (المسند ح ٢٩٤٤) قال الهيثمي: فيه عطاء بن السائب وقد اختلط (مجمع الزوائد ١٢٨/٥)، وفيه أيضاً، زياد بن عبد الله وهو النمري: ضعيف (التقريب ص٢٢٠). (٢) أخرجه الطبري واللالكائي (السنة رقم ٩٤٥) كلاهما بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٣) في سنده ابن لهيعة فيه مقال. (٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد. (٦) أخرجه ابن عدي (الكامل في الضعفاء ٣٨/١)، والطبراني (المعجم الكبير ح ٨٥٣٤) كلاهما من طريق عون عن ابن مسعود، وسنده منقطع لأن عوناً لم يسمع من ابن مسعود. (٧) سنده صحيح. O سُورَة وَطِل (٣٢،٢٩) ٣٠٩ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس العالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله ريك(١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ ◌ِجَرَةَ لَّنْ تَبُورَ * لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ، إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية ﴿يَرْجُونَ نِحَرَةً لَّن تَبُورَ﴾ أي: يرجون ثواباً عند الله لا بدّ من حصوله، كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه: إن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ أي: ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: لذنوبهم ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم. قال قتادة: كان مُطرِّف ◌َخْذُ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء (٢). قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا سالم بن غيلان قال: إنه سمع درَّاجاً أبا السمح يحدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ظُه قال: إنه سمع رسول الله وَيّ يقول: ((إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد أثنى عليه بسبعة أضعاف من الشر لم يعمله))(٣). غريب جداً. ] ﴿وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ٣١ يقول تعالى: ﴿وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد من الكتاب وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّةِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة بصدقها كما شهدت له بالتنويه، وأنه منزل من ربِّ العالمين ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي: هو خبير بهم بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات وجعل منزلة محمد ◌َّر فوق جميعهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ﴿ثُمَّ أَوَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَاِبِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ (١) في سنده إبهام شيخ أبي حيان التيمي، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معتمر عن أبيه عن قتادة به. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/٣) وسنده ضعيف لضعف رواية درّاج عن أبي الهيثم. ٣١٠ • سُورَةُ فَظِل (٣٢) لِنَفْسِهِ﴾ وهو: المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات. ﴿وَمِنْهُمْ تُقْتَصِدٌ﴾ وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ الَّهِ﴾ وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قال: هم أمة محمد بّر، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب(١). وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله وسلم أنه قال ذات يوم: ((شفاعتي لأهل الكبائر من ◌ُمتي)». قال ابن عباس : ((السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد وَلي)(٢). وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأُمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير . وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأُمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس ﴿ها فمنهم ظالم لنفسه قال: هو الكافر (٣). وكذا روى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضاً فيما رواه ابن جرير (٤). وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هم أصحاب المشأمة(٥). وقال مالك، عن زيد بن أسلم، والحسن وقتادة: هو المنافق(٦). ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول (١) أخرجه الطبري والبيهقي (البعث رقم ٧٣) كلاهما بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٨٩/١١ ح١١٤٥٤) وسنده موضوع لأن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وضع على ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس كتاباً في التفسير. وهذا الحديث من ذلك (ينظر لسان الميزان ١٢٤/٦). (٣) أخرجه عبد الرزاق والبستي من طريق ابن عيينة به، وسنده صحيح. (٤) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر حسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة. (٥) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. (٦) خبر مالك سنده صحيح، وخبر الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وخبر قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. ٣١١ سورة فط (٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سورة الواقعة وآخرها(١)، والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأُمة، وهذا اختيار ابن جرير، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله وَلخير من طرق يشد بعضها بعضاً ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر. الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلاً من ثقيف يحدث، عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري عظته، عن النبي وَكلّه أنه قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَّا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ الهِ﴾ قال: ((هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة))(٢) هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسم، وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبة به نحوه(٣). ومعنى قوله: بمنزلة واحدة؛ أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة. الحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن علي بن عبد الله الأزدي، عن أبي الدرداء ظُته، قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَ الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِناً فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذي يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلاقاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (٣٢) الَّذِىّ أَحَلََّا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٢٥)﴾(٤) [فاطر]. طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء ◌ُبه قال: سمعت رسول الله وليه يقول: ﴿ثُمَّ أَوَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة))(٥). ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء به، فقال: اللَّهم آنس وحشتي، وارحم غربتي ويسر لي (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بقول الحسن وقتادة فقد أخرجهما الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح كما تقدم في الرواية السابقة. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧١/١٨ ح١١٧٤٥)، وضعف سنده محققوه الإبهام الرجل من ثقيف. اهـ. وأخرجه الترمذي من طريق محمد بن جعفر به (السنن، التفسير، باب ومن سورة الملائكة ح ٣٢٢٣). (٣) أخرجه الطبري من طريق شعبة به وسنده كسابقه. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٨/٣٦ ح٢١٧٢٧) وضعف سنده محققوه لانقطاعه بين علي بن عبد الله وأبي الدرداء، وفي رواية البخاري في التاريخ الكبير ١٨/٩ بينهما أبو خالد البكري، ولم يتبينوا من هو. (٥) سنده ضعيف لإبهام شيخ الأعمش، ويتقوى بما يليه. ٣١٢ • سُورَةُ فَطي (٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 جليساً صالحاً، فقال أبو الدرداء عظته: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد بك منك، سأحدثك حديثاً سمعته من رسول اللهوَ﴿ لم أحدث به منذ سمعته منه وذكر هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾، فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغمِّ والحزن، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾(١). الحديث الثالث: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا ابن مسعود، أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسامة بن زيد ﴿هَا ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: قال رسول اللهِ وَّ: ((كلُّهم من هذه الأمة))(٢) الحديث الرابع: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عزيز، حدثنا سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عوف بن مالك ﴿به عن رسول الله وسلم أنه قال: ((أُمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، يقول الله تعالى: صدقوا لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل النار، وهي التي قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْيِلُنَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣] وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَغَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ فجعلهم ثلاثة أنواع، وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يمحص ويكشف)»(٣) غريب جداً. أثر عن ابن مسعود ربه: قال ابن جرير: حدثني ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الحارث، عن شقيق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود الله قال: إن هذه الأُمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله ريك: ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئاً، فيقول الرب ربك: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله ظُه هذه الآية (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية (٤). (١) أخرجه الطبري من طريق سفيان الثوري به، وسقط من السند شيخ الأعمش وهو منذر الثوري فقد أخرجه البستي من طريق سفيان الثوري عن الأعمش عن منذر الثوري قال: ذكر أبو ثابت. وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٦٧/١ ح ٤١٠)، قال الهيثمي: وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ (مجمع الزوائد ٩٦/٧). (٣) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن عزيز به (المعجم الكبير ٨٠/١٨)، قال الهيثمي: فيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٩٦/٧). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. ٣١٣ • سُورَةُ فَظِيمٍ (٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أثر آخر: قال أبو داود الطيالسي: عن الصلت بن دينار بن الأشعث (١)، عن عقبة بن صهبان الهنائي، قال: سألت عائشة ﴿ّا عن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِناً فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية، فقالت لي: يا بني هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله وَي، شهد له رسول الله وَ﴿ بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، قال: فجعلت نفسها ◌َّا معنا، وهذا منها رُؤثّ من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام(٢). وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان مظلته في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ قال: هي لأهل بدونا ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد(٣)، رواه ابن أبي حاتم. وقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه، قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأُمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم ◌ُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله رَك: ﴿وَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ قال: فهؤلاء أهل النار(٤). رواه ابن جرير من طرق عن عوف به ثم قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه قال: إن ابن عباس ◌ًِّا سأل كعباً عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنًا﴾ إلى قوله: ﴿بِإِذْنِ الَّهِ﴾ قال: تماسَّت مناكبهم وربّ كعب، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم(٥). ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستين سنة فکلھم ناج(٦). ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو، عن محمد ابن الحنفية ظنه قال: إنها أُمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله (٧). ورواه الثوري، عن إسماعيل بن (١) كذا في النسخ الخطية: ابن الأشعث، وفي مسند الطيالسي: أبو شعيب. (٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص٢٠٩ رقم ١٤٨٩)، وسنده ضعيف جداً لأن الصلت بن دينار متروك، فقد أخرجه الطبراني من طريق الصلت بن دينار به (المعجم الأوسط ٦/ ١٦٧ ح ٦٠٩٤) وقال الهيثمي فيه الصلت بن دينار وهو متروك (مجمع الزوائد ٧/ ٩٧)، وأخرجه الحاكم من طريق الصلت به وصححه وتعقبه الذهبي بأن الصلت ليس بثقة (المستدرك ٤٢٧/٢). (٣) أخرجه البستي من طريق ابن المبارك به، وسنده معضل. (٤) أخرجه الطبري من طريق عوف به، وسنده مرسل. (٥) أخرجه الطبري وسنده كسابقه. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه. ٣١٤ • سُودَةُ فَطِل (٣٣، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سميع، عن رجل، عن محمد ابن الحنفية ظُبه بنحوه(١). وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي - يعني الباقر - عن قول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ فقال: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا، فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما قال الإمام أحمد كَّتُهُ، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء ظُه وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله وَلتر، قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا، قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا، قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال : فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((من سلك طريقاً يطلب فيها علماً، سلك الله تعالى به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر))(٢). وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن قيس(٣)، ومنهم من يقول قيس بن كثير، عن أبي الدرداء موته، وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة. وقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم به، عن رسول الله وَ الله قال: ((يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء: إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي)» (٤). ﴿جَنَتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُوْلُواْ وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ ﴾ وَقَالُواْ . ﴿ الَّذِىّ أَحَلََّا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ٣٥) يَمَشُّنَا فِهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ يخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة، مأوهم جنات عدنٍ؛ أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله متك: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ◌َظُه، عن (١) في سنده إبهام شيخ إسماعيل بن سميع. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦/٣٦ ح٢١٧١٥) قال محققوه: حسن لغيره. اهـ. وصححه الألباني كما يلي. (٣) سنن أبي داود، العلم، باب فضل العلم (ح٣٦٤١)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (ح٣٠٩٦)، وسنن الترمذي، العلم، باب ما جاء في فضل الفقه في طلب العلم (ح٢٦٨٢)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (ح٢٢٣). (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ٢. ٣١٥ • سُورَة فَطِلٍ (٣٣، ٣٥) 0009000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 رسول الله وَله أنه قال: ((تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)) (١). ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ﴾ ولهذا كان محظوراً عليهم في الدنيا، فأباحه الله تعالى لهم في الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله وَّ ل قال: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) وقال: ((هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة»(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سواد السرحي، أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة ظ ◌ُبه قال: إن أبا أمامة ◌ُبه حدث أن رسول الله وَله حدثهم، وذكر حلي أهل الجنة فقال: ((مُسوَّرون بالذهب والفضة مُكلَّلة بالدرِّ، وعليهم أكاليل من درِّ وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جرد مُرد مكتَّلون))(٣) ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِّ﴾ وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا وأراحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والآخرة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: عن أبيه، عن ابن عمر طيها، قال: قال رسول الله وَله: ((ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)) (٤) رواه ابن أبي حاتم من حديثه . وقال الطبراني: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا موسى بن يحيى المروزي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي، عن عبد العزيز بن حكيم، عن ابن عمر ﴿يا قال: قال رسول الله وَّير: ((ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور)) (٥) . قال ابن عباس ◌ًّا وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات(٦) ﴿الَّذِىّ أَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ يقولون الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومَنّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله وَّر قال: ((لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل)»(٧) . لا يَمَشُّنَا فِهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ﴾ أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. والنصب (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٢٣. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٢٣. (٣) سنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة څله. (٤) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه ابن عدي من الطريق نفسه وأعله بعبد الرحمن بن زيد (الكامل ٢٧١/٤)، وقال المنذري: في متنه نكارة (الترغيب والترهيب ٤١٦/٢). (٥) نسبه الهيثمي إلى الطبراني وقال: وفيه جماعة لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٣٣٣/١٠). (٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بنحوه. (٧) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (صحيح البخاري، المرضى، باب تمني المريض الموت ح ٥٦٧٣، وصحيح مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم ح٢٨١٦). ٣١٦ 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 • سُؤَلاَ فَظِلمٍ (٣٦، ٣٧) واللغوب كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم، أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، والله أعلم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة قال الله تبارك وتعالى: ﴿حُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِ اْأَيَمِ الْخَلِيَةِ ﴾ [الحاقة]. ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهًّا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ ﴾ وَهُمْ يَصْطَرُِّونَ فِيَهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَلَمْ تُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَحَءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلَِّمِينَ مِن نَصِيرٍ ( لما ذكر تبارك وتعالى حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحِىَ﴾ [طه: ٧٤]، وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله وَ إ قال: ((أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون))(١) وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُم مَكِنُونَ (َ)﴾ [الزخرف]، فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾، كما قال رَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنََّ خَلِدُونَ (®) لَا يُفَتَّرُ [الزخرف]، وقال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿فَذُوقُواْ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ هَ [النبأ]، ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي: هذا جزاء كل ٣٠ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا من كفر بربه وكذب الحق. وقوله جلَّت عظمته: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيهَا﴾ أي: ينادون فيها يجأرون إلى الله رَق بأصواتهم ﴿رَبَّنَآَ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الربُّ جلَّ جلاله أنه لو ردّهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبراً عنهم في قولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوج ◌ِّن سَبِيلٍ ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ﴾ [غافر: ١١، ١٢] أي: لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه، ولهذا قال هُهنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ أي: أو ما عشتم في الدنيا أعماراً لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد لههنا، فروي عن علي بن الحسين زين العابدين ظها أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة. وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر قد نزلت هذه الآية ﴿أَوَ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة(٢)، وكذا قال أبو غالب الشيباني. (١) صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (ح١٨٥). (٢) نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد. ٣١٧ • سُورَةُ فَظِلمع (٣٦، ٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 وقال عبد الله بن المبارك: عن معمر، عن رجل، عن وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ قال: عشرين سنة(١). وقال هشيم، عن منصور: عن زاذان، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرُ﴾ قال: أربعين سنة(٢). وقال هشيم أيضاً: عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله رَ(٣)، وهذه رواية عن ابن عباس ﴿ها فيما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس ﴿ًا يقول: العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة(٤)، هكذا رواه من هذا الوجه عن ابن عباس ◌ًا به، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس ◌ّ قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرُ﴾ ستون سنة(٥)، فهذه الرواية أصح عن ابن عباس ◌ًّا، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضاً، لما ثبت في ذلك من الحديث كما سنورده، لا كما زعمه ابن جرير من أن الحديث لم يصح في ذلك، لأن في إسناده من يجب التثبت في أمره(٦). وقد روى أصبغ بن نباتة، عن علي ظن أنه قال: العمر الذي عيرهم الله به في قوله: ﴿أَوْلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرُ﴾ ستون سنة(٧) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا دُحيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي، عن ابن أبي حسين المكي، أنه حدثه عن عطاء هو ابن رباح، عن ابن عباس ﴿يا أن النبي و سلم قال: ((إذا كان يوم القيامة، قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه ﴿أَوَلَمّ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرُ وَجَءَكُمُ النَّذِيِّ﴾))(٨). وكذا رواه ابن جرير عن علي بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به(٩)، وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك به(١٠)، وهذا الحديث فيه نظر لحال إبراهيم بن الفضل، والله أعلم. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن رجل من بني غفار، (٢) في سنده زاذان لين الحديث (التقريب ص٦٨٤). (١) سنده ضعيف الإبهام شيخ معمر. (٣) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وفي سنده مجالد فيه مقال. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وقال الحافظ ابن كثير فهذه الرواية أصح. (٦) ذكره الطبري بنحوه. (٧) سنده ضعيف جداً لأن أصبغ بن نابتة متروك (التقريب ص١١٣). (٨) أعله الحافظ ابن كثير بإبراهيم بن الفضل، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ٩٧). (٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه. (١٠) أخرجه الطبراني من طريق إبراهيم بن الفضل به (المعجم الكبير ١٧٧/١١ ح١١٤١٥) وسنده كسابقه. ٣١٨ • سُورَةُ فَظِلم (٣٦، ٣٧) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به عن النبي وَلو أنه قال: ((لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ الستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه))(١). وهكذا رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه: حدثنا عبد السلام بن مطهر، عن عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: قال رسول الله وَل: ((أعذر الله مك إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة)) ثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابن عجلان، عن سعيد المقبري (٢). فأما أبو حازم فقال ابن جرير: حدثنا أبو صالح الفزاري، حدثنا محمد بن سوار، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القادر؛ أي: الإسكندري، حدثنا أبو حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((من عمّره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر)) (٣) وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعاً عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن به (٤) . ورواه البزار قال: حدثنا هشام بن يونس، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة له، عن النبي وَ * قال: ((العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة) يعني: ﴿أَوَلَمَّ نُعَمِزَكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾(٥). وأما متابعة ابن عجلان فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة وبه قال: قال رسول الله وَله: ((من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله رَك إليه في العمر)) (٦). وكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي عبد الرحمن هو المقري به(٧)، ورواه أحمد أيضاً، عن خلف، عن أبي معشر، عن أبي سعيد المقبري(٨). طريق أخرى عن أبي هريرة به: قال ابن جرير: حدثني أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المطرف بن مازن الكناني، حدثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة به يقول: قال رسول الله وَاليقول: ((لقد أعذر الله رَك في العمر إلى صاحب الستين والسبعين))(٩). فقد صحَّ هذا الحديث من هذه (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧٥/٢) وسنده ضعيف الإبهام شيخ معمر، ويتقوى بما يليه. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر ح ٦٤١٩). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٤) المسند ٤١٧/٢، ورواية النسائي ذكرها المزي (تحفة الأشراف ٤٧٢/٩). (٥) أخرجه البيهقي من طريق عبد العزيز بن أبي حازم به (السنن الكبرى ٣/ ٣٧٠) وفي سنده أبو حازم المدني مقبول كما في التقريب ولعله هو الذي زاد ذكر الآية ويشهد له ما سبق دون ذكر الآية. (٦) يشهد له ما سبق في صحيح البخاري. (٨) (المسند ٤٠٥/٢). (٧) (المسند ٣٢٠/٢). (٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف المطرف بن مازن (الجرح والتعديل ٣١٤/٨)، وما سبق يشهد له إلا لفظ: ((والسبعين)). ٣١٩ • سُؤْدَأُفَظِم (٣٦، ٣٧) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت وقول ابن جرير: إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره لا يلتفت إليه من تصحيح البخاري، والله أعلم. وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما قال الشاعر: فقد ذهب المسرة والفتاء (١) إذا بلغ الفتى ستين عاماً ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث. قال الحسن بن عرفة تَخَّتُهُ: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)). وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعاً في كتاب الزهد عن الحسن بن عرفة به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢). وهذا عجيب من الترمذي، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى عن أبي هريرة حيث قال: حدثنا سليمان بن عمرو، عن محمد بن ربيعة، عن كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة حظّه قال: قال رسول الله وَّر: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)) وقد رواه الترمذي في كتاب الزهد أيضاً عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن محمد بن ربيعة به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة ظه(٣)، وقد روي من غير وجه هذا نصه بحروفه في الموضعين، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم، عن المقبري، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَليه: ((معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين)) (٤) وبه قال: قال رسول الله وَله: ((أقل أُمتي أبناء سبعين))(٥). إسناده ضعيف. حديث آخر في معنى ذلك: قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن مهدي، عن عثمان بن مطر، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة ظ له أنه قال: يا رسول الله أنبئنا بأعمار أُمتك، قال رسول الله وَله: ((ما بين الخمسين إلى الستين)) قالوا: يا رسول الله فأبناء السبعين؟ قال ◌َ له: ((قل من يبلغها من أمتي، رحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين)) ثم قال البزار: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وعثمان بن مطر (١) أي: الشباب. (٢) أخرجه الترمذي (السنن، أبواب الدعوات ح ٣٥٥٠)، وابن ماجه (السنن، الزهد، باب الأمل والأجل ح ٤٢٣٦)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٣٤١٤). (٣) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في أعمار هذه الأمة (ح ٢٣٣١). (٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤٢٢/١١ ح ٦٥٤٣) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الفضل المخزومي. (٥) المصدر السابق (ح ٦٥٤٤) وسنده كسابقه. ٣٢٠ • سُؤْدَأَ فَظِم (٣٨، ٣٩) من أهل البصرة ليس بقوي(١)، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وَ ل عاش ثلاثاً وستين سنة(٢)، وقيل: ستين، وقيل: خمساً وستين، والمشهور الأول، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرِّ﴾ روي عن ابن عباس رضيها وعكرمة وأبي جعفر الباقر ـ وقتادة وسفيان بن عيينة أنهم قالوا: يعني الشيب(٣). وقال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به رسول الله الصّد. وقرأ ابن زيد ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَ (@)﴾(٤) [النجم]. وهذا هو الصحيح عن قتادة فيما رواه شيبان عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر والرسل(٥)، وهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُم مَِّكِتُونَ لَقَدْ ◌ِثْنَكُ بِالْمِقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ (٨)﴾ [الزخرف] أي: لقد بيَّنا لكم الحق على ألسنة الرسل فأبيتم وخالفتم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تبارك وتعالى: ﴿كُلَّمَآ أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَنَفْهَاَ أَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ ﴿ قَالُواْ بَلَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ ﴾﴾ [الملك] أي: فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعمالكم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال. هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ 2] ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِمُ غَيْبِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الَّـ خَفَ فِ الْأَرْضِّ فَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرٌُ وَلَا يَزِيدُ الْكَفِنَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْنَا وَلَا يَزِيدُ الْكَفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (﴾﴾. يخبر تعالى بعلمه غيب السموات والأرض، وإنه يعلم ما تكثُّه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله، ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَفَ فِ اُلْأَرْضِّ﴾ أي: يخلف قوم الآخرين قبلهم وجيل لجيل قبلهم. كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِّ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿فَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرٌُ﴾ أي: فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَفِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَتِهِمْ إِلَّا مَقْنًا﴾ أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلاف المؤمنين، فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه ربُّ العالمين. (١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٣٥٨٦)، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن مطر (مجمع الزوائد ١٠٪ ٢٠٦). (٢) ورجحه الحافظ في: الفصول في اختصار سيرة الرسول وَ ﴿ ص ١٩٧، والخبر في صحيح البخاري من حديث عائشة ثنا. (الصحيح، المناقب، باب وفاة النبي ◌َ لقا ح ٣٥٣٦). (٣) قول ابن عباس أخرجه البيهقي بسند ضعيف فيه مجهول يروي عن ابن عباس (السنن الكبرى ٣٧٠/٣) وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. (٤) قول السدي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول عبد الرحمن بن زيد، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٥) سنده صحيح وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.