Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ • سُورَةُ شَنَبًا (٢٢، ٢٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر، أخبرنا الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس ظًا قال: كان رسول اللهِ وَّ جالساً في نفر من أصحابه، قال عبد الرزاق: من الأنصار، فرمي بنجم فاستنار، فقال ◌َّ: ((ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية)) قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم ولكن غلظت حين بعث النبي وَلّ، قال: فقال رسول الله وَله: («فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً سبَّح حملة العرش، ثم سبَّح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون)) هكذا رواه الإمام أحمد(١)، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله، أربعتهم عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس رضيًّا، عن رجل من الأنصار به. وقال يونس: عن رجال من الأنصار ﴿ه، وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي، عن الزهري به، ورواه الترمذي فيه عن الحسين بن حريث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ظًا، عن رجل من الأنصار ظُبه، والله أعلم(٢). حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي، والسياق لمحمد بن عوف، قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد هو ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النوَّاس بن سمعان به قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره تلكم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة - أو قال رعدة - شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صُعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه الصلاة والسلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل عليه الصلاة والسلام على الملائكة، كلما مرَّ بسماء سماء يسأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول معظلّل *: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض))(٣). وكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة، عن زكريا بن أبان المصري، عن نعيم بن حماد(٤) به. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم تَظَّتُهُ . (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٨/١)، وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (ح٢٢٢٩)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة سبأ (ح٣٢٢٤)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، (ح ١١٢٧٢). (٣) في سنده نعيم بن حماد وهو صدوق يخطئ كثير (التقريب ٥٦٤). ويتقوى بما سبق من رواية أبي هريرة وابن عباس ضـ (٤) أخرجه الطبري وابن خزيمة من طريق نعيم بن حماد به (التوحيد ص٩٥) وسنده كسابقه. ٢٨٢ • سُؤْرَأُسَبًّا (٢٤، ٢٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي، عن ابن عباس ﴾(١)، وعن قتادة أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله تعالى إلى محمد ◌ّله بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية(٢). - ﴿﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿ قُل لَّا تُنْتَلُونَ عَمَّآ أَجْرَقْنَا وَلَا ◌ُثَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ قُلِّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ اَلْعَلِمُ ﴿ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ كَلَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ (﴾﴾. يقول تعالى مقرراً تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضاً، فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض؛ أي: بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ هذا من باب اللف والنشر؛ أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محقُّ لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ . قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ◌َل* للمشركين: واللهِ ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد(٣). وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين(٤). وقوله تعالى: ﴿قُل لَّا تُسْتَلُونَ عَمَّا أَجْرَقْنَا وَلَا نُشَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٥)﴾ معناه التبري منهم؛ أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّىِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِّقُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [يونس]. وقال رقم: ﴿ وَلاَ أَنَاْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿ وَلَّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلَِ دِينِ ﴾﴾ [الكافرون]. وَلَ أَنْتُمْ عَيِّدُونَ مَآ أَعْبُدُ ( وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ أي: يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق؛ أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وستعلمون يومئذٍ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِدٍ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿ وَأَمَا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ يَنَفَرَّقُونَ (١) سنده ضعيف لضعف العوفي ومن يروي عنه. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري من طريق عتاب بن بشير عن خُصيف عن عكرمة وزياد بن أبي مريم. وفي سنده عتاب وخُصيف كلاهما صدوق يخطئ كما في التقريب. ٢٨٣ • سُورَةُ سَبًا (٢٨، ٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ◌ِشَايَتِنَا وَلِقَآٍ اُلْأَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾﴾ [الروم] ولهذا قال رَّ: ﴿وَهُوَ اَلْفَتَّاحُ اٌلْعَلِيمُ﴾ أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور. وقوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَفْتُم بِهِ، شُرَكَاءٍ﴾ أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أنداداً وصيرتموها له عدلاً ﴿كَلَّ﴾ أي: ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ اللَّهُ﴾ أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، تبارك وتعالى وتقدس. ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اٌلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَانَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِىِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا (﴾ [يوسف] ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ يَعْلَمُونَ﴾ كقوله رَك: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. قال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ يعني إلى الناس عامة(١). وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله تعالى محمداً وَّو إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله تبارك وتعالى أطوعهم الله فيك(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم يعني ابن أبان، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس ﴿ّ يقول: إن الله تعالى فضل محمداً وَاله على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فبمَّ فضله على الأنبياء؟ قال ◌َُّبه: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال للنبي وَّل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس(٣). وهذا الذي قاله ابن عباس ظًا قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر به عنه قال: قال رسول الله وَله: ((أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، ويشهد له حديث جابر نظراته التالي. ٢٨٤ وَرَأُسَبًا (٣١، ٣٣) 00000000000000000000000000000000000000 0 0 00 0 0 0 000 00 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة))(١). وفي الصحيح أيضاً: أن رسول الله وَ له قال: ((بُعثت إلى الأسود والأحمر))(٢). قال مجاهد: يعني: الجن والإنس(٣). وقال غيره: يعني: العرب والعجم، والكل صحيح. ثم قال رَك مخبراً عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾، وهذه الآية كقوله رمَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الآية [الشورى: ١٨]. ثم قال تعالى: ﴿قُل ◌َّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِعُونَ ﴾﴾ أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَّةَ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ [نوح: ٤]، وقال رَى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ: إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودِ ﴿٣ يَوْمَ يَأْتِ لَا (٢٥) ﴾ [هود]. تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيَّهُ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْيَرُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ (جَ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُ بَلْ كُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ تُجْرِمِینَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِقُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَِّلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَآ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ ٣٢ وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنْدَادًا وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَلَ فِىّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلََّّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا يِلَّذِى بَيْنَ يَدَيَةٍ﴾ قال الله مت متهدداً لهم ومتوعداً ومخبراً عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ منهم وهم قادتهم وسادتهم ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لولا أنتم تصدوننا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاؤونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا ﴿أَنَخْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ اَلْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُرُ﴾ أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: بل قالوا: ﴿بَلْ كُنتُم تُجْرِمِينَ ◌َّ كنتم تمكرون بنا ليلاً نهاراً وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين. (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٦٧. (٣) معناه صحيح. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠. ٢٨٥ • سُورَةُسَبًا (٣٤، ٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال قتادة وابن زيد: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: بل مكركم بالليل والنهار(١)، وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم بالليل والنهار. ﴿إِذْ تَأْمُرُونَآ أَنْ تَّكْفُرَ بِالَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ أي: نظراء وآلهة معه وتقيمون لنا شبهاً وأشياء من المحال تضلوننا بها . ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ﴾ أي: الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه ﴿وَجَعَلْنَا اُلْأَعْلَلَ فِىّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن صُرَد، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة نظّ قال: قال رسول الله وَله: ((إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة لم يبق لحم إلا سقط على العرقوب))(٢). وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن، عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غلٍّ ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب، قال: فحدثته أبا سليمان؛ يعني: الداراني رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه والغلَّ في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار وأدخل المغار؟ اللَّهم سلِّم(٣). ٣٤٦ وَقَالُواْ نَحْنُ 62 ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْبَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ بِلَِّىِ تُقَرِيَكُرْ عِندَنَا زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي ءَيَئِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ٣٩ وَهُوَ خَيْرُ الزَِّقِنَ يقول تعالى مسلياً لنبيه وَ ﴿ وآمراً بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبياً في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح عليه الصلاة والسلام ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ اُلْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ﴿وَمَا نَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِيْنَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ الرَّأَِّ﴾ [هود: ٢٧]، (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٢) سنده ضعيف لضعف محمد بن سليمان بن الأصبهاني (مجمع الزوائد ٢٨٩/١٠)، وأخرجه الطبراني من طريق محمد بن سليمان بن الأصبهاني به (المعجم الأوسط ح٩٣٦٥). (٣) سنده مرسل، ومثل هذا الخبر لا يؤخذ إلا بحديث مرفوع لأنه من الغيبيات. ٢٨٦ • سُورَةُ شَبًا (٣٤، ٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وقال الكبراء من قوم صالح ﴿لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُوْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعَلَمُونَ أَنَ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّدِّ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُزْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبُوَاْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ ٧٦ [الأعراف]، وقال ◌َ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَّأُ أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ ﴾﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ ◌َرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تَُّلِكَ قَرْيَةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا اٌلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا (٢﴾﴾ [الإسراء]، وقال جلَّ وعلا ههنا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ﴾ أي: نبي أو رسول ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة. قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر(١). ﴿إِنّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ أي: لا نؤمن به ولا نتبعه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان بن عاصم، عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي ◌َلي كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: دلَّني عليه، قال: وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال فأتى النبي ◌ّ * فقال: إلامَ تدعو؟ قال: ((أدعو إلى كذا وكذا)) قال: أشهد أنك رسول الله. قال ◌َ له: ((وما علمك بذلك؟)) قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَمَّ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِرِ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴾ الآية، قال: فأرسل إليه النبي وَّ إن الله رَّ قد أنزل تصديق، ما قلت(٢). وهكذا قال هِرَقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل(٣). وقال تبارك وتعالى إخباراً عن المترفين المكذبين: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة وهيهات لهم ذلك (٥٦) قال الله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُعِدُّهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبَِنٌّ ® ◌َُارِعُ لَمْ فِىِ الْخَيْرَنِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ [المؤمنون]، وقال تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (6)﴾ [التوبة]، وقال رَمّ: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَمَهَدتُ لَهُ تَّمَهِيدًا ٣ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ◌َ كَلَّ إِنَّهُ كَانَ لِأَنَا وَبَنِينَ شُهُودًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا مَمْدُودًا لَهَ عَنِيدًا (٨) سَأَرْهِقَمُ صَعُودًا (2)﴾ [المدثر]، وقد أخبر الله وقت عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وثمر وولد، ثم لم يغن عنه شيئاً بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال رَمات (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٢) سنده مرسل، ويشهد لبعضه الحديث الذي يليه. (٣) هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ◌ًّا (الصحيح، بدء الوحي، باب رقم ٦ ح٧). ٢٨٧ • سُورَةُسَبًا (٣٤، ٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 هاهنا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة والحجة القاطعة الدامغة ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . ثم قال تعالى: ﴿وَمَّ أَمْوَلُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىَ﴾ أي: ليست هذه دليلاً على محبتنا لكم ولا إعتنائنا بكم. قال الإمام أحمد تَخَّثهُ: حدثنا كثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُه أن رسول الله وَ* قال: ((إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(١). ورواه مسلم وابن ماجه من حديث كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان به(٢)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ أي: إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح ﴿فَأُوْلَِّكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ﴿وَهُمْ فِ اٌلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ أي: في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذی ومن کل شر يحذر منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم وعلي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي نظابه قال: قال رسول الله وَى: ((إن في الجنة لغرفاً ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها)) فقال أعرابي: لمن هي؟ قال ◌َ: ((لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نیام»(٣). ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ﴾ أي: يسعون في الصد عن سبيل الله واتباع رسله والتصديق بآياته ﴿أُوْلَكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم. وقوله تعالى: ﴿قُلٌ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهْ﴾ أي: بحسب ما له في ذلك من الحكمة يبسط على هذا من المال كثيراً. ويضيق على هذا ويقتر على رزقه جداً. وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ ﴾ [الإسراء] أي: كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير وهذا غني أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا موسع عليه، فكذلك هم في الأخرة هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا كما قال ◌َير: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله (٤) بما آتاه)) رواه مسلم من حديث ابن عمرو وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٣٩/٢) وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، البر، باب تحريم ظلم المسلم (ح٢٥٦٤)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب القناعة (ح ٤١٤٣). (٣) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق وهو الواسطي، والنعمان بن سعد: مقبول. (٤) صحيح مسلم، الزكاة، باب في الكفاف والقناعة (ح١٠٥٤). ٢٨٨ • سُورَةُ نَنُبًا (٤٢،٤٠) الحديث: ((يقول الله تعالى أنفق، أنفق عليك))(١). وفي الحديث: ((أن ملكين يصبحان كل يوم يقول أحدهما: اللَّهم أعط ممسكاً تلفاً، ويقول الآخر: اللَّهم أعط منفقاً خلفاً))(٢). وقال رسول الله وَ له: ((أنفق بلالاً، ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً))(٣) وقال ابن أبي حاتم: ذُكر، عن يزيد بن عبد العزيز الفلاس، حدثنا هشيم، عن [الكوثر](٤) بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة به قال: قال رسول الله وَله: ((ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعضُّ الموسر ما في يده حذار الإنفاق)) ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةِ، وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِينَ﴾(٥). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هشيم، عن [الكوثر](٦) بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة به أنه قال: قال رسول الله وَ له: ((ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعضُّ الموسر على ما في يده حذار الإنفاق)) قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِنَ﴾. ((وينهل شرار الناس يبايعون كل مضطر ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إن بيع المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله إن كان عندك معروف فعد به على أخيك، وإلا فلا تزده هلاكاً إلى هلاكه))(٧). هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف. وقال سفيان الثوري: عن أبي يونس الحسن بن يزيد قال: قال مجاهد لا يتأولن أحدكم هذه الآية: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ إذا كان عند أحدكم ما يقيمه، فليقصد فيه، فإن الرزق (٨) مقسوم ^ ﴿وَبَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ قَالُواْ سُبْحَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ ﴿٨ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ نَّفْعًا وَلَا ضَرَّأَ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، كما قال تعالى في (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩. (١) تقدم تخريحه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١٢. (٤) كذا في (مح) وترجمته، وفي الأصل و(حم) صُحف إلى: ((المكوثر)). (٥) سنده ضعيف لأن مكحولاً. رواه بلاغاً ولم يسمع من حذيفة، وكوثر بن حكيم ضعيف ويروي أحاديث باطلة (لسان الميزان ٤/ ٤٩٠). (٦) كذا في (مح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((المكوثر)). (٧) عزاه الحافظ ابن حجر (المطالب العالية ٢٦١/١) إلى أبي يعلى في مسنده وكذا السيوطي في الدر المنثور وضعف سنده، وسنده كسابقه، وضعفه الحافظ ابن كثير. (٨) سنده صحيح ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر. ٢٨٩ • سُورَةُ سَبًّا (٤٣، ٤٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سورة الفرقان ﴿َأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءٍ أَمَّ هُمْ ضَلُواْ السَبِيلَ﴾ [١٧] وكما يقول لعيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَنِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ﴾ [المائدة: ١١٦] وهكذا تقول الملائكة: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ أي: تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله ﴿أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ﴾ يعنون: الشياطين، لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم، ﴿أَكْتُهُم بِهِم مُؤْمِنُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، إِلَّ إِنَتَّا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَا قَرِيدًا (٣) لَّعَنَّهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧، ١١٨]، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرَّ﴾ أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم، اليوم لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً. ﴿وَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيجاً . ] ﴿وَإِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ مَيَتُنَا يَبَِّاتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَنَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِفْكُ مُفْتَرَىَّ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ وَمَآ ءَانَيْنَهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِىٌّ فَكَفَ كَانَ تَكِيرِ (®﴾. يخبر الله عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب، لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله وَّهِ ﴿قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُرُ عَنَا كَانَ يَعْبُدُ ءَبَاؤُكُمْ﴾ يعنون: أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل، عليهم وعلى آبائهم لعائن الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِفْ تُفْتَرَىَ﴾ يعنون: القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَنَّهُم مِّنْ كُتٍُ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرِ (@)﴾ أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن وما أرسل إليهم نبياً قبل محمد بَّه، وقد كانوا يوَدون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا، فلما منَّ الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه. ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأُمم ﴿وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانِيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس طه؛ أي: من القوة في الدنيا (١). وكذلك قال قتادة والسدي وابن زيد(٢)، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن تَّكَّتَّكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ بَجْحَدُونَ بَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ [الأحقاف]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] أي: وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا ردَّه، بل دمر الله عليهم لما كذبوا (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٢٩٠ • سُؤْدَأُ سَبًا (٤٦) 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 رسله، ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُواْ رُسُلِىٌّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ أي: فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي؟ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَنْ تَقُومُواْ لِلِّ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَنَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٤٦ يقول تبارك وتعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنونٍ: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ أي: إنما آمركم بواحدة وهي: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَِّ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّةٍ﴾ أي: تقوموا قياماً خالصاً لله ريت من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضاً هل بمحمد من جنون. فينصح بعضكم بعضاً ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ﴾ أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ◌َّ ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَنَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّةٍ﴾ هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتادة وغيرهم(١)، وهذا هو المراد من الآية. فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة ◌َظُبه قال: إن رسول الله ﴿ كان يقول: ((أعطيت ثلاثاً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر: أُحلَّت لي الغنائم ولم تَحلّ لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها، وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى﴾ وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي))(٢). فهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد، ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح(٣) وغيرها، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿إِنّ هُوَ لِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، قال البخاري عندها: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خازم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضيًا أنه قال: صعد النبي وَلّ الصفا ذات يوم فقال: ((يا صباحاه)) فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني)) قالوا: بلى، قال وَ له: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)) فقال أبو لهب: تبّاً لك ألهذا جمعتنا. فأنزل الله رَ ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾﴾ [المسد]. وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ ﴿يَ﴾ [الشعراء]. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه وظبه قال: خرج إلينا رسول الله وَ ﴿ل يوماً فنادى ثلاث مرات، فقال: ((أيها الناس أتدرون ما (١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ((بطاعة الله))، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: ((فهذه واحدة وعظهم بها)). (٢) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، ولأغلبه شواهد تقدم بعضها في الآية ٢٨ من هذه السورة. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الشعراء آية ٢١٤. ٢٩١ سُورَةُ سَبًّا (٤٧، ٥٠) • 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مثلى ومثلكم؟)) قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال وير: ((إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً يأتيهم، فبعثوا رجلاً يتراءى لهم فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيها الناس أوتيتم أيها الناس أُوتيتم)) ثلاث مرات(١)، وبهذا الإسناد قال رسول الله وَله: ((بُعثت أنا والساعة جميعاً، إن كادت لتسبقُني))(٢) تفرد به الإمام أحمد في مسنده. ] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴿﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّ يَقْذِفُ بِالْقِّ عَلَّمُ الْغُبِ ﴿٨ قُلْ جَآءَ الْمَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنََّآ أَضِلُ ٥٠ عَلَى نَفْسِّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىَ إِلَّ رَبِّتَّ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ يقول تعالى آمراً رسوله وَّل﴿ أن يقول للمشركين: ﴿مَا سَأَلْئُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: لا أريد منكم جعلاً ولا عطاء على أداء رسالة الله رَك إليكم ونصحي إياكم وأمركم بعبادة الله ﴿إِنّ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَقْذِفُ بِالْقِّ عَلَّمُ الْغُبِ ﴾﴾، كقوله تعالى: ﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَ مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض. وقوله تعالى: ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾﴾ أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلَّْ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ولهذا لما دخل رسول الله وسط﴿ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعن الصنم منها بسن قوسه ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾﴾ [الإسراء]، ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ (@)) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي مَعمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود ظُه به (٣)؛ أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة. وزعم قتادة والسدي أن المراد بالباطل ههنا إبليس(٤). أي: أنه لا يخلق أحداً ولا يعيده ولا يقدر على ذلك، وهذا وإن كان حقاً ولكن ليس هو المراد ههنا، والله أعلم. وقوله: ﴿قُلّ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىِّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىّ إِلَىَّ رَبٍِّ﴾ أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزل الله مك من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضلَّ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه بلفظ: ((ثلاث مرار)). (المسند ٣٦/٣٨ ح ٢٢٩٤٨) قال محققوه: صحيح لغيره . (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/٣٨ ح ٢٢٩٤٧) وقال محققوه: حسن لغيره. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٨١. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٢٩٢ سُورَةُ سَبًا (٥١، ٥٤) فإنما يضلُّ من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود رضيبه لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله [بريئان](١)(٢) منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روى النسائي هنا حديث أبي موسى في الصحيحين: ((إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً مجيباً))(٣). وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ، وَأَّى لَهُ التَّنَاؤُشُ - ﴿وَلَوْ تَرَبِىّ إِذْ فَزِعُواْ فَلَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ .(@ مَا يَشْتَهُونَ كُمَا فُعِلَ بِأَشْبَاعِهِم مِّن قَبْلُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شٍَّ ◌ُرِيبٍ يقول تعالى: ولو ترى يا محمد إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة، فلا فوت أي: فلا مفر لهم ولا وزر لهم ولا ملجأ ﴿وَأُخِذُواْ مِن ◌َكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب بل أخذوا من أول وهلة. (٤) قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم (٥) وقال مجاهد وعطية العوفي وقتادة: من تحت أقدامهم " . وعن ابن عباس ﴿ه والضحاك؛ يعني: عذابهم في الدنيا(٦). وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني: قتلهم يوم بدر (٧)، والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامَّة العظمى، وإِن كان ما ذكر متصلاً بذلك، وحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس ﴿ه. ثم أورد في ذلك حديثاً موضوعاً بالكلية (٨)، ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه. ﴿وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ﴾ أي: يوم القيامة يقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَاً أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة] ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَّى لَهُمُ التَّنَاؤُشُ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: وكيف لهم تعاطي ٠ (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((بريان)). (٢) المسألة في زواج الرجل ثم يموت ولا يفرض لزوجته شيئاً، وأجاب ابن مسعود له: فإني أقضي لها مثل صدقة امرأة من نسائها .. ولها الميراث وعليها العدّة. ثم ذكر الحديث الذي أعلاه (المسند ٣٠٨/٧ ح ٤٢٧٦) وصحح سنده محققوه. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن البصري. (٥) نسبة السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري عن الضحاك. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد. (٨) أخرجه الطبري من حديث حذيفة بن اليمان ٢٩٣ • سُؤُدَلأُ سَبًا (٥١، ٥٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد. قال مجاهد: ﴿وَأَّ لَمُمُ الشَّنَاؤُشُ﴾ قال: التناول لذلك(١). وقال الزهري: التناوش تناولهم الإيمان وهم في الآخرة وقد انقطعت عنهم الدنيا . وقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال تعاطوا الإيمان من مكان بعيد (٢). وقال ابن عباس ◌ً: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه وليس بحين رجعة ولا توبة(٣)، وكذا قال محمد بن كعب القرظي نظّشُهُ. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلٌ﴾ أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبٍ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . قال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال: بالظن(٤)، قلت: كما قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] فتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: كاهن، وتارة يقولون: ساحر، وتارة يقولون: مجنون إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد ويقولون: ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. قال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن لا بعث ولا جنة ولا نار(٥). وقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قال الحسن البصري والضحاك وغيرهما: يعني: الإيمان (٦). وقال السدي: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وهي التوبة(٧)، وهذا اختيار ابن جرير ◌َُّهُ. وقال مجاهد: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل(٨)، وروى (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((الردّ)). وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((التناول)). (٢) أخرجه يحيى بن سلام عن عثمان عن عمرو عن الحسن، وسنده ضعيف لضعف عثمان وهو ابن سعد البصري الكاتب. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((فكيف لهم بالردِّ)). (٤) سنده صحيح. (٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٦) قول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة عن معتمر بن سليمان، عن أبي الأشهب عنه (المصنف ٥٢٧/١٣ رقم ١٧١٥٣) وسنده صحيح وقول الضحاك أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق عُبيد الصيد عنه. (٧) أخرجه البيهقي بسند حسن من طريق إسباط عن السدي (شعب الإيمان رقم ٧١٩٩). (٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البخاري تعليقاً عن مجاهد. (الصحيح، التفسير، سورة سبأ). ٢٩٤ • سُورَلاَشَبًا (٥١، ٥٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 نحوه ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس ، وهو قول البخاري وجماعه. والصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا أثراً غريباً عجيباً جداً فنذكره بطوله، فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا بشر بن حجر الشامي، حدثنا علي بن منصور الأنباري، عن الشرقي بن قطامي، عن سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ها في قول الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ... ﴾ إلى آخر الآية، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحاً أي: فتح الله تعالى له مالاً، فمات فورثه ابن له تافه؛ أي: فاسد، فكان يعمل في مال الله تعالى بمعاصي الله تعالى عزّ وجلّ، فلما رأى ذلك أخوات أبيه، أتوا الفتى فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى فباع عقاره بصامت(١)، ثم رحل فأتى عيناً ثجاجة (٢) فسرح فيها ماله وابتنى قصراً، فبينما هو ذات يوم جالس إذ حملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً؛ أي: ريحاً، فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل، قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ فقال: نعم. قالت: فهل لك من زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذاك، قال: فهل لك من بعل؟ قالت: لا، قال: فهل لك إلا أن أتزوجك؟ قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل(٣)، فإذا كان الغد فتزود زاد يوم وائتني، وإن رأيت في طريقك هولاً فلا يهولنك، فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر فقر رتاجه (٤)، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً؛ أي: ريحاً، فقال: من أنتَ يا عبد الله؟ فقال: أنا الإسرائيلي، قال: فما حاجتك؟ قال: دعتني صاحبة القصر إلى نفسها، قال: صدقت، قال: فهل رأيت في الطريق هولاً؟ قال: نعم ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس علي لهالني الذي رأيت، قال: ما رأيت؟ قال: أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلية فاتحة فاها، ففزعت فوثبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها(٥) ينبحن من بطنها، فقال له الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويسرهم حديثه، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة عنز حُفَّل(٦)، وإذا فيها جدي يمصها، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئاً فتح فاه يلتمس الزيادة، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان ملك يجمع صامت الناس كلهم حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئاً فتح فاه يلتمس الزيادة، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر فأعجبني غصن من شجرة منها ناضرة، فأردت قطعه فنادتني شجرة أخرى: يا عبد الله منا فخذ حتى ناداني الشجر أجمع يا عبد الله مني فخذ، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان يقل الرجال ويكثر النساء حتى أن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهنَّ، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجل قائم (١) أي: الذهب والفضة. (٣) الميل يساوي ١٨٤٨ متراً (المقادير في الفقه الإسلامي ص ٧٠). (٤) أي: الباب الضخم. (٦) أي: كثيرة اللبن. (٢) أي: يسيل منها الماء سيلاً. (٥) أي: أولادها . ٢٩٥ • سُورَةُ شَبًا (٥١، ٥٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 على عين يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدعوا (١) عنه صَبَّ في جرته فلم تعلق جرته من الماء بشيء، قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنبها، وإذا راكب قد ركبها، وإذا رجل يحتلبها، فقال: أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقاً، وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها، وأما الذي يحلبها فبخ بخ(٢) ذهب ذلك بها . قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتح على قليب كلما أخرج دلوه صبه في الحوض فانساب الماء راجعاً إلى القليب(٣)، قال: هذا رجل ردَّ الله عليه صالح عمله فلم يقبله، قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذراً فيستحصد فإذا حنطة طيبة، قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل مستلق على قفاه، قال: يا عبد الله ادن مني فخذ بيدي وأقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله تعالى، فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه، فقال له الفتى: هذا عمر الأبعد نفد، أنا ملك الموت، وأنا المرأة التي أتتك أمرني الله تعالى بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره إلى نار جهنم، قال: ففيه نزلت هذه الآية ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية (٤)، هذا أثر غريب وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب يطلب مراده فجاءه ملك الموت فجأة بغتة وحيل بينه وبين ما يشتهي. وقوله تعالى: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْبَاعِهِم مِّن قَبْلٌ﴾ أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم ﴿فَلَمَّا رَأَوْأْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿٨َ فَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِ قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ، وَخَسِرَ (٨٥)﴾ [غافر]. هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شَِّ تُرِيرٍ﴾ أي: كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب، قال قتادة إياكم والشك والريبة، فإن من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه. آخر تفسير سورة سبأ ولله الحمد والمنّة. (١) أي: ذهبوا. (٣) أي: البئر. (٢) بخ بخ: كلمة تُقال عند المدح. (٤) هذا الحديث موضوع من وضع سعد بن طريف وهو الإسكاف متهم بالوضع كما في التقريب. ٢٩٦ سُورَةُ فَطِ (١) سُورَةُ فَظِل وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم ] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٍّ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ وَتُلَكَ وَرُبَعُ يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الََّ عَلَى كُلِّ شَهْءٍ قَدِيرُ ( قال سفيان الثوري: عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس ضًا، قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها؛ أي: بدأتها(١). وقال ابن عباس ها أيضاً: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بديع السموات والأرض(٢). وقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السموات والأرض، فهو خالق السموات والأرض(٣). وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَئِكَةِ رُسُلًا﴾ أي: بينه وبين أنبيائه ﴿أُوْلِّ أَجْنِحَةٍ﴾ أي: يطيرون بها ليبلَّغوا ما أمروا به سريعاً ﴿مَّثْنَ وَثُلَكَ وَرُبَعْ﴾ أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث أن رسول الله وَ له رأى جبريل عليَّلامُ ليلة الإسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب (٤)، ولهذا قال: ﴿يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَهْرٍ فَدِيرٌ﴾ . قال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء(٥). وقال الزهري وابن جريج في قوله: ﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءٍ﴾ يعني: حسن الصوت(٦)، رواه عن الزهري البخاري في الأدب، وابن أبي حاتم في تفسيره، وقُرئ في الشاذ (يزيد في الحلق) بالحاء (١) أخرجه البُستي من طريق سفيان الثوري به وكذا أبو عبيد القاسم بن سلام (فضائل القرآن ص٢٠٦)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف، سورة فاطر. (٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٤) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الإسراء. (٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٦) أخرجه البيهقي من طريق صالح الناجي عن ابن جريج عن ابن شهاب الزهري. (شعب الإيمان ٣٥٥/١ رقم ١١٤) وفيه صالح الناجي ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٤٠٤/٤)، وأخرجه البخاري من طريق صالح الناجي به. ثم قال: ذهبت أنا ومسلم إلى صالح فسألناه، فقال: لا أحفظ هذا عن ابن جريج، ولكن بلغني عن مقاتل بن حيان. (التاريخ الكبير ٢٩٢/٢). ٢٩٧ • سُؤْرَةُ فَظِل (٢، ٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 المهملة(١)، والله أعلم. ﴾ ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾. يخبر تعالى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا مغيرة، أخبرنا عامر، عن [ورَّاد](٢) مولى المغيرة بن شعبة قال: إن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة: اكتب لي بما سمعت من رسول الله ور، فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله وَ﴾ يقول إذا انصرف من الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانعَ لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) وسمعته ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات(٣)، وأخرجاه من طرق عن [ورّاد] (٤) به (٥). ضُه قال: إن رسول الله ◌َ يليه كان إذا رفع وثبت في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري رأسه من الركوع يقول: ((سمع الله لمن حمده، اللَّهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللَّهم أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)»(٦). وهذه الآية كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآدَ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] ولها نظائر كثيرة. وقال الإمام مالك رحمة الله عليه: كان أبو هريرة ظهته إذا مطروا يقول: مُطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ هذه الآية: ﴿مَّا يَفْتَجِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾(٧)، ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس، عن ابن وهب عنه (٨). ﴿وََّّهَا النَّاسُ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ الَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَّى تُؤْفَكُونَ ﴾﴾ ينبِّه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ولهذا (١) وهي قراءة على التفسير. (٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: ((وارد)). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٩/٣٠ ح ١٨٢٣٢) وصححه محققوه. (٤) كذا في (حم) و(مح) والصحيحين، وفي الأصل صُحف إلى: ((وارد)). (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٧. (٦) صحيح مسلم، الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (ح ٤٧٧). (٧) أخرجه الإمام مالك بلاغاً عن أبي هريرة انه (الموطأ، الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم ١٩٢/١ ح٦). وسنده ضعيف لانقطاعه. (٨) سنده ضعيف كسابقه. ٢٩٨ • سُورَةُ فَظِم (٤، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000 000 000000 000 000 0 0 0 0 0 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوِّ فَأَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان. ﴿وَإِنِ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴿ بَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَلاَ تَغُرَّتَّكُمُ الْخَيَّوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرََّّكُمْ بِلَّهِ الْغَرُوُ ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ (@)﴾. ويقول تبارك وتعالى: وإن يكذبوك يا محمد هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاؤوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. ثم قال تعالى: ﴿وَيُّا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي: المعاد كائن لا محالة ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ أي: العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم، فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية ﴿وَلَا يَغُرََّّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وهو الشيطان قاله ابن عباس رضي﴾ (١)؛ أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته، فإنه غرار كذاب أفاك، وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [٣٣]. وقال مالك: عن زيد بن أسلم هو الشيطان(٢). كما قال المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن ◌َعَكُمْ قَالُواْ بَلَى يضرب ﴿بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُّ بَاِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَضْتُمْ وَأَرْقَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى جَّءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُوُ ﴾﴾ [الحديد]. ثم بيَّن تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ أي: هو مبارز لكم بالعداوة فعادوه أنتم أشد العداوة وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ أي: إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين نسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان وأن يرزقنا اتباع كتاب الله، والاقتفاء بطريق رسله، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُواْ لَِّّدَعَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِةُ أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾﴾ [الكهف]. [وقال بعض العلماء: وتحت هذا الخطاب نوع لطيف من العتاب كأنه يقول: إنما عاديت إبليس من أجل أبيكم ومن أجلكم، فكيف يحسن بكم أن توالوه؟ بل اللائق بكم أن تعادوه وتخالفوه ولا تطاوعوه](٣). ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيُ ﴿ أَفَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ، فَرَهُ حَسَنٌَّ فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَدَءُ فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) سنده صحيح. (٣) زيادة من (حم). ٢٩٩ • سُورَةُ فَظِل (١١،٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 شديد، لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله ورسله ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي: لما كان منهم من ذنب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على ما عملوه من خير. ثم قال تعالى: ﴿أَفَعَنْ زُِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّاً﴾ يعني: كالكفار والفجار يعملون أعمالاً سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله ألك فيه حيلة، لا حيلة لك فيه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَاءٌ﴾ أي: بقدره كان ذلك ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَهِمْ حَسَزَيَ﴾ أي: لا تأسف على ذلك، فإن الله حكيم في قدره إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي، لما له في ذلك من الحجة البالغة والعلم التام، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . وقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني أو ربيعة، عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو ظًا وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط (١)، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذٍ فقد اهتدى ومن أخطأه منه ضلَّ، فلذلك أقول جفَّ العلم على ما علم الله رَ))(٢). ثم قال: حدثنا محمد بن عبدة القزويني، حدثنا حسان بن حسان البصري، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معن، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى عُله قال: خرج علينا رسول الله وَّ ر فقال: ((الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبِّس الضلالة على مَن أحب))(٣). وهذا أيضاً حديث غريب جداً. ﴿وَاللّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرَّحَ فَتُثِرُ سَبًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَدٍ غَيِّتٍ فَأَخْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْهَا كَذَلِكَ الْتُّشُورُ جَ مَن كَانَ يُرِدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَُّ جَيْعَاْ إِليهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَِّحُ يَرْفَعُهُمْ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُرُ ﴿ وَلَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَأْ وَمَا تَّحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِى كِنَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ كثيراً ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، كما في أول سورة الحج ينبّه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها (١) وسميت منطقة الوهط نسبة لهذا الحائط وهو مزرعة كانت لعمرو بن العاص ◌ًا، ولا تزال هذه المنطقة موجودة بين الطائف والشفا. (٢) أخرجه الترمذي من طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمر الشيباني به وحسنه (السنن، الإيمان، باب ما جاء، في افتراق هذه الأمة ح ٢٦٤٢)، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٠/١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٧٦). (٣) سنده ضعيف جداً لجهالة إبراهيم بن بشر وغير ذلك (الجرح والتعديل ٢/ ٩٠)، وأخرجه البخاري من طريق حسان بن حسان به ثم قال: وهذا إسناد مجهول لا يتابع عليه ولا يعرف سماع بعضهم من بعض. ولا أصل له (التاريخ الصغير ٢٥٠/١) ولهذا استغربه الحافظ ابن كثير. ٣٠٠ • سُورَةَ فَظِيمٍ (٩، ١١) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 السحاب تحمل الماء وأنزله عليها ﴿اَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيج﴾ [الحج: ٥]، كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطراً [يعم](١) الأرض جميعاً، ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض ولهذا جاء في الصحيح: ((كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب))(٢) ولهذا قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ اُلُّشُورُ﴾ وتقدم في الحج حديث أبي رزين قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال وَله: (يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلاً ثم مررت به يهتز خضراً»؟ قلت: بلى، قال وله: ((فكذلك يحيي الله الموتى))(٣). وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَُّ جميعًاً﴾ أي: من كان يحب أن يكون عزيزاً في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى، فإنه يحصل له مقصوده لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة وله العزة جميعاً، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (٣)﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً﴾ [يونس: ٦٥]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ اٌلْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. قال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بعبادة الأوثان(٤) ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ . وقال قتادة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جميعًاً﴾ أي: فليتعزز بطاعة الله رَّ(٥)، وقيل: من كان يريد علم العزَّة لمن هي ﴿فَلِّهِ الْعِزَّةُ جميعًا﴾ وحكاه ابن جرير. وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ﴾ يعني: الذكر والتلاوة والدعاء، قاله غير واحد من السلف. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله هو ابن مسعود ره: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تبارك الله، أخذهنَّ ملك فجعلهنَّ تحت جناحه ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهنَّ على جمع إِلَيْهِ من الملائكة إلا واستغفروا لقائلهنَّ حتى يجيء بهنَّ وجه الله ◌َ، ثم قرأ عبد الله ( يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّْلِحُ يَرْفَعُمْ﴾(٦). وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق (١) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((نعم)). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المؤمنون آية ١٤. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٦ (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن المخارق سكت عنه البخاري في التاريخ الكبير وكذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٢٥/٢).