Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سُورَةُ السَّجَدَةِ (١٢، ١٤) عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله وَّجه إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي ويّير: ((يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن))، فقال ملك الموت: يا محمد طِب نفساً وقِرّ عيناً، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدرّ ولا شعر في برّ ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر: بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان، ولقّنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله في تلك الحال العظيمة(١). وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة قال: سمعت مجاهداً يقول: ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر إلا وملك الموت يطوف به كل يوم مرتين(٢). وقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه(٣)، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم. ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنِهَا وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ ،فَذُوقُواْ بِمَا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُمْ وَأُلنَّاسِ أَجْمَعِينَ تَعْمَلُونَ يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وحالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين يدي الله ريَّ، حقيرين ذليلين ناكسي رؤوسهم؛ أي: من الحياء والخجل يقولون: ﴿رَبَّنَآَ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي: نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وهكذا هؤلاء يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا﴾ أي: إلى دار الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى دار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفاراً يكذبون بآيات الله ويخالفون رسله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَنَا نُرَّةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٢٧]، وقال لهُهنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَدهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من الصنفين فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك. ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: يقال لأهل النار (١) سنده ضعيف جداً لأن عمرو بن شمر: متروك (ينظر: الإصابة ٢٧٧/٢) وفي متنه نكارة. (٣) سنده مرسل. (٢) سنده مرسل. ١٤٢ • سُوَرَّةُ السََّادَةِ (١٧،١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به واستبعادكم وقوعه وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له ﴿إِنَّا نَسِينَكُمْ﴾ أي: سنعاملكم معاملة الناسي، لأنه تعالى لا ينسى شيئاً ولا يضلُّ عنه شيء، بل من باب المقابلة كما قال تعالى: ﴿وَقِلَ الْمَ نَسَنَّكُمْ كَا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب كفركم وتكذيبكم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿ إِلَّا حَيمًا وَغَسَاقًا (٢٥) جَزَآءُ وِفَاقًا فِيَ إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا ﴿ فَذُوقُواْ فَلَنْ وَكَذَبُواْ ثَايَئِنَا كِذَابًا نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (®َ﴾ [النبأ]. ] ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا﴾ أي: إنما يصدق بها ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا﴾ أي: استمعوا لها وأطاعوها قولاً وفعلاً ﴿وَسَبَّعُواْ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن أتباعهم والانقياد لها كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنََّ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ثم قال تعالى: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَصَارِعِ﴾ يعني: بذلك قيام الليل وترك النوم والإضطجاع على الفرش الوطيئة. قال مجاهد والحسن في قوله تعالى: ﴿نَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ﴾ يعني: بذلك قيام الليل(١). وعن أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبي حازم وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين(٢). وعن أنس أيضاً: هو انتظار صلاة العتمة(٣). ورواه ابن جرير بإسناد جيد. وقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة وصلاة الغداة في جماعة. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: خوفاً من وبال عقابه وطمعاً في جزيل ثوابه ﴿وَمِمَا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء وسيدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله وَسير، كما قال عبد الله بن رواحة (١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه أبو داود بسند صححه الألباني عن الحسن. (سنن أبي داود، الصلاة، باب وقت قيام النبي ◌َّر من الليل ح ١٣٢١، وصحيح سنن أبي داود ح١١٧٣). (٢) قول أنس أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن المنكدر وأبي حازم أخرجاهما محمد بن نصر في مختصر قيام الليل ص٩ والبيهقي في السنن الكبرى ١٩/٣. (٣) أخرجه الطبري والترمذي كلاهما عن عبد الله بن أبي زياد عن عبد الله الأويسي عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عن أنس وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (السنن، التفسير، باب ومن سورة السجدة ح٣١٩٦) وجود سنده الحافظ ابن كثير. ١٤٣ سُوَّرَةُ السَّحْدَةِ (١٧،١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفينا رسولُ الله يتلو كتابه [أرانا الهدى بعد العَمَى، فقلوبُنا يبيتُ يجافي جنبه عن فراشه إذا انشقَ معروفٌ من الصبحِ ساطعُ به موقناتٌ أن ما قال واقع](١) إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وقال الإمام أحمد: حدثنا روح وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مُرَّة الهمذاني، عن ابن مسعود، عن النبي وَّ قال: ((عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حيه وأهله إلى صلاته فيقول ربنا: أيا ملائكتي انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه من حيه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزموا، فعلم ما عليه من الفِرار وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، فيقول الله ربك للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ورهبة مما عندي حتى أهريق دمه))(٢). وهكذا رواه أبو داود في الجهاد عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به بنحوه(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ◌َّر في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: ((لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسَّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل))، ثم قرأ: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَصَاحِعِ﴾، حتى بلغ: ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ((ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟)) فقلت: بلى يا رسول الله فقال: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله))، ثم قال: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟)) فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه ثم قال: (كُفَّ عليك هذا)). فقلت: يا رسول الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم)) (٤)، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم من طرق عن معمر به. وقال الترمذي: حسن صحيح (٥). (١) زيادة من (ح) و(حم). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦١/٧ - ٦٢ ح ٣٩٤٩)، وحسن سنده محققوه، ونقلوا عن الدار قطني تصحيحه موقوفاً . (٣) السنن، الجهاد، باب في الرجل الذي يشري نفسه (ح٢٥٣٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٢١١). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٤/٣٦ ح٢٢٠١٦)، وصحح سنده محققوه بالمتابعات والشواهد. (٥) سنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة (ح٢٦١٦) وقال: حسن صحيح، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] (ح١١٣٩٤)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب كف اللسان في الفتنة (ح٣٩٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٢٠٩). ١٤٤ • سُورَةُ التَّجَادَةِ (١٧،١٥) 0000000000000000000000000000000000000000010000000000000000000000000000000000000000 ورواه ابن جرير من حديث شعبة، عن الحكم قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث عن معاذ بن جبل أن رسول الله وَ * قال له: ((ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل))، وتلا هذه الآية ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ®)، ورواه أيضاً من حديث الثوري، عن منصور بن المعتمر، خَوفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، عن النبي وَّر بنحوه. ومن حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم عن ميمون بن أبي [شبيب] (١)، عن معاذ مرفوعاً بنحوه. ومن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر، عن معاذ أيضاً، عن النبي وَّ في قوله تعالى: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال: ((قيام العبد من الليل))(٢). وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت والحكم وحكيم بن جرير، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي وَّر في غزوة تبوك فقال: ((إن شئت أنبأتك بأبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل))، ثم تلا رسول الله وَله: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴾﴾(٣). ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله وَلّم: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع﴾ الآية، فيقومون وهم قليل)) (٤). وقال البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن العطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال بلال: لما نزلت هذه الآية: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية، كُنَّا نجلس في المجلس وناس من أصحاب رسول الله وَّل يصلّون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية ﴿نَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع﴾ ثم قال: لا نعلم روى أسلم، عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق(٥). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية؛ أي: فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لما أخفوا (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: ((سبيب)). (٢) أخرج هذه الروايات كلها الطبري بالأسانيد نفسها ويقوي بعضها بعضاً، ويشهد لها جميعاً الرواية الصحيحة السابقة. (٣) أخرجه الحاكم من طريق حبيب بن أبي ثابت به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤١٢/٢ - ٤١٣) ويشهد له ما سبق. (٤) سنده ضعيف فيه سويد بن سعد وشهر وكلاهما فيهما مقال. (٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٥٠) وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن سبيب (مجمع الزوائد ٩٠/٧). · سُورَةُ التَجَدَة (١٧،١٥) ١٤٥ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أعمالهم كذلك أخفى الله لهم من الثواب، جزاء وفاقاً، فإن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم، فأخفى الله لهم ما لم ترَ عين ولم يخطر على قلب بشر(١). رواه ابن أبي حاتم. قال البخاري: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ظنه، عن رسول الله وَله قال: ((قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن فُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ . قال: وحدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال الله مثله. قيل لسفيان: روايةً؟ قال: فأي شيء (٢)؟ ورواه مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي: حسن صحيح(٣). ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة تظله، عن النبي وَله: ((يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخراً من بله ما اطلعتم عليه))، ثم قرأ: ﴿فَلَا (٣). قال أبو معاوية عن الأعمش، عن تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَّهُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أبي صالح: قرأ أبو هريرة: ((قُرَّات أعْيُنٍ)). انفرد به البخاري من هذا الوجه (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله وَله: ((إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))(٥) أخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق(٦)، ورواه الترمذي في التفسير، وابن جرير من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن رسول الله وَّ بمثله، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(٧). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت بن أبي رافع، عن أبي هريرة ﴿به قال حماد: أحسبه عن النبي وَّ قال: ((من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين (١) أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان وفيه مقال، ورواية ابن أبي حاتم دائماً فيها متابعة لسفيان لكن هذا الجزء والجزء الباقي من تفسير ابن أبي حاتم مفقود. (٢) أخرجه البخاري بسنديه ومتنيه (الصحيح، التفسير، سورة السجدة باب ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ح ٤٧٧٩). (٣) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها (ح٢٨٢٤)، وسنن الترمذي التفسير، باب ومن سورة السجدة (ح ٣١٩٧). (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (المصدر السابق ح ٤٧٨٠). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٣/٢) وسنده صحيح. (٦) أخرجه من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، صحيح البخاري، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿يُرِيِدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَمَ اَللَّهُ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٤٩٨). (٧) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الواقعة (ح٣٢٩٢) وتفسير الطبري. ١٤٦ سُورَةُ السَّجْدَةِ (١٧،١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)). رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به (١). وروى الإمام أحمد: حدثنا هارون، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي رظُه يقول: شهدت مع رسول الله وَّر مجلساً وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: ((فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))، ثم قرأ هذه الآية: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾(٢) . وأخرجه مسلم في صحيحه عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد، كلاهما عن ابن وهب به (٣) . وقال ابن جرير: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله وَّر يروي عن ربه ري قال: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))(٤). لم يخرجوه. وقال مسلم أيضاً في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر وغيره، حدثنا سفيان، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن سعيد، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال: سمعته على المنبر يرفعه إلى النبي ◌َّ قال: سأل موسى ظلَّلا ربه ريق: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربِّ كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربِّ، فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله، ومثله فقال فى الخامسة، رضيت رضيت ربي، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت ربِّ، قال: ربِّ فأعلاهم منزلةٍ؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه من كتاب الله ريات: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية(٥)، ورواه الترمذي، عن ابن أبي عمر وقال: حسن صحيح. قال: ورواه بعضهم عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح(٦). قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير المدائني، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا زياد بن خيثمة، عن محمد بن جحادة، عن عامر بن عبد الواحد قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد، فيمكث معها سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا التى قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. (١) صحيح مسلم، الجنة، باب في دوام نعيم أهل الجنة (ح٢٨٣٦). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٤/٥) وسنده صحيح. (٣) المصدر السابق (ح ٢٨٣٥). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق. (٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (ح١٨٩). (٦) سنده مرسل، ومتنه فيه نكارة. ١٤٧ • سُوَرَّةُ التََّجَدَةِ (٢٢،١٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ ويخبرون أن الله عنهم راضٍ(١). وروى ابن جرير: حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني - أو غيره -، قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك، والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها اللؤلؤ، وآنيتها اللؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر(٢)، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَّهُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٧ وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ، عن الروح الأمين قال: ((يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ينقص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة واحدة وسَّع الله له في الجنة))، قال: فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا الحديث، قال: فقلت: فأين ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِيَ أَصْحَبٍ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ [١﴾ [الأحقاف]، قلت: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قال: العبد يعمل سراً أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسرَّ الله له يوم القيامة قُرَّة أعين(٣). ﴿أَفَعَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقَأَ لَّا يَسْتَوُنَ ﴿٨ أَمَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّثُ الْمَأْوَى نُزْلٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَدُوَاْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُم بِهِ، تُكَذِبُونَ ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ اُلْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ اُلْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌ُكْرَ بِثَيَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (بَ)﴾ يخبر تعالى عن عدله وكرمه أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمناً بآياته متبعاً لرسله، بمن كان فاسقاً؛ أي: خارجاً عن طاعة ربه، مكذباً لرسل الله إليه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَِّنَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءُ تَخَْهُمْ وَمَمَانُهُمَّ سَآءُ مَا (1) [الجاثية]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اْأَرْضِ أَمْ يَعْلُمُونَ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَمْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ (١) سنده مرسل. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل وفيه تردد الراوي بقوله أو غيره. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الغطريف هو أبو هارون بن عبيد الله اليماني (كذا في المستدرك ٤/ ٢٥٢)، أو العماني ذكره ابن أبي حاتم والبخاري وسكتا عنه. وأخرجه الحاكم من طريق مسدد عن المعتمر به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢٥٢/٤). ١٤٨ سُورَةُ السَّجَادَةِ (١٨، ٢٢) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 [الحشر]، ولهذا قال تعالى لههنا: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَأَ لَّا الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ يَسْتَوُنَ ﴾﴾ أي: عند الله يوم القيامة. وقد ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي مُعيط(١)، ولهذا فصل حكمهم فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها وهي الصالحات ﴿فَلَهُمْ جَنَتُ الْمَأْوَى﴾ أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية ﴿نُزْلاً﴾ أي: ضيافة وكرامة ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: خرجوا عن الطاعة فمأواهم النار، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، كقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِهَا﴾ [الحج: ٢٢]. قال الفضيل بن عياض: ((والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللَّهب ليرفعهم، والملائكة تقمعهم)) ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً . وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه(٢). وروي مثله عن أبي بن كعب وأبي العالية والحسن وإبراهيم النخعي والضحاك وعلقمة وعطية ومجاهد وقتادة وعبد الكريم الجزري وخصيف(٣). وقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به إقامة الحدود عليهم (٤). وقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر(٥). وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله ﴿وَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ اُلْعَذَابِ اٌلْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ (١) قول عطاء بن يسار أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار، وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق، وقول السدي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم والسدي فيه تشيع، وأخرجه الواحدي (أسباب النزول ص٢٩١)، وابن عساكر (تاريخ دمشق ٢٣٥/٦٣ و١٧ ل ٨٧٦ صورة عن النسخة الظاهرية)، كلاهما من طريق عبيد الله بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال الذهبي: إسناده قوي، لكن سياق الآية يدل على أنها في أهل النار. (سير أعلام النبلاء ٤١٥/٣) لكن فيه وعبيد الله بن موسى فيه تشيع. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه. (٣) قول أبي بن كعب أخرجه الطبري من عدة طرق عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً، وقول أبي العالية أخرجه الطبري والبيهقي (شعب الإيمان رقم ٩٨٢٢)، كلاهما بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن، وقول النخعي أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة، عن ابن عباس. (٥) قول البراء لم أجده، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى عنه، وأبو يحيى هو القتات وهو لين الحديث (التقريب ص٦٨٤)، وقول أبي عبيدة أخرجه هناد (الزهد رقم ٣٤٥). ١٤٩ سُورَةُ السَّجَدَة (٢٥،٢٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الْأَكْبَرِ﴾ قال: سنون أصابتهم(١). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عروة، عن الحسن العُرني، عن يحيى الجزار، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب في هذه الآية: ﴿وَلَنُذِيقَتَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبرِ﴾ قال: القمر والدخان قد مضيا والبطشة واللزام(٢). ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفاً نحوه(٣). وعند البخاري، عن ابن مسعود نحوه (٤) . وقال عبد الله بن مسعود أيضاً في رواية عنه: العذاب الأدنى ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر(٥)، وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم(٦). قال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأُصيبوا أو غرموا، ومنهم من جمع له الأمران. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِئَايَتِ رَبِهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاً﴾ أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها . قال قتادة: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغترَّ أكبر الغرَّة، وأعوز أشد العوز، وعظم من أعظم الذنوب، ولهذا قال تعالى متهدداً لمن فعل ذلك ﴿إِنَّا مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام. وروى ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن [عياش](٧)، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نسي، عن جُنادة بن أبي أمية، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله يقول: ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عقَّ والديه، أو مشى مع ظالم ينصره فقد أجرم، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾(٨). ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش به وهذا حديث غريب جداً . ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَابِهِ، وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ ٢٣ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةُ يَهْدُونَ بِأَتِنَا لَمَا صَبِرُواْ وَكَانُواْ بَِايَِنَا يُوقِنُونَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بينهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٣٥)﴾ . يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله موسىفَلَّه أنه آتاه الكتاب، وهو التوراة، وقوله (١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، ح١١٣٩٥) وسنده صحيح. (٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٨/٥) وسنده صحيح. (٣) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب نزول أهل الجنة (ح٢٧٩٩). (٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة الدخان (ح ٤٨٢٠). (٥) أخرجه سفيان الثوري عن السدي عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤١٤/٢). (٦) سنده صحيح. (٧) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((عباس)). (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد العزيز بن عبيد الله وهو الحمصي. ١٥٠ • سُوَدَّةُ السَّحْدَةِ (٢٣، ٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تعالى: ﴿فَلاَ تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْ لِقَائِهِ،﴾ قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء. ثم روي عن أبي العالية الرياحي قال: حدثني ابن عم نبيكم؛ يعني ابن عباس، قال: قال رسول الله ◌َ: ((أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلاً مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن النار والدجال)) في آيات أراهن الله إياه ﴿فَلاَ تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ﴾ أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به (١). وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا روح بن عبادة. حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ قال: جُعل موسى هدى لبني إسرائيل(٢). وفي قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْ لِقَابِهِ﴾ قال: من لقاء موسى ربه رَّ . وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُ﴾ أي: الكتاب الذي آتيناه ﴿هُدَّى لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ كما قال تعالى في سورة الإسراء ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِّبَنِىَ إِسْرَّهِيلَ أَلَّا تَكَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا وقوله: ﴿وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَتْرِنَا لَمَا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَئِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم لما بدَّلوا وحرفوا وأوَّلوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عملاً صالحاً ولا اعتقاداً صحيحاً، ولهذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمِنَا لَمَا صَبَرُواْ﴾ . قال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا، وكذلك قال الحسن بن صالح، قال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا. قال وكيع: قال سفيان: لا بدّ للدين من العلم، كما لا بدّ للجسد من الخبز. وقال ابن بنت الشافعي: قرأ أبي على عمِّي أو عمِّي على أبي: سئل سفيان عن قول علي رظه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ألم تسمع قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَتْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ﴾، قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوساء. قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ الْكِتَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ [وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اُلَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَءَاتَّيْنَهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ﴾ [الجاثية] كما قال هنا](٣): ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي: من الاعتقادات والأعمال. (١) تقدم تخريجه في بداية تفسير سورة الإسراء. (٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٦٠/١٢ ح ١٢٧٥٨) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٩٠) ولكن في سنده شيخ الطبراني: محمد بن عثمان بن أبي شيبة كذبه الإمام أحمد وقال ابن خراش كان يضع الحديث. (ينظر لسان الميزان ٢٨٠/٥). (٣) زيادة من (ح) و(حم). ١٥١ • سُورَةُ السََّجْدَةِ (٢٧،٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 ] ﴿أَوَلَمْ يَهْدٍ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُهُمّ أَفَلَا يُبْصِرُونَ يقول تعالى: أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًّا﴾ [مريم: ٩٨] ولهذا قال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَكِنِمْ﴾ أي: هؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين، فلا يرون منها أحداً ممن كان يسكنها ويعمرِها، ذهبوا منها ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاً﴾ [الأعراف: ٩٢] كما قال: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوَأْ﴾ [النمل: ٥٢] وقال: ﴿فَكَيِّنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ◌َاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَهُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِىِ الصُّدُورِ ﴾﴾ [الحج] ولهذا قال لههنا: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِّ﴾ أي: إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبراً ومواعظ ودلائل متناظرة. ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: أخبار من تقدم كيف كان أمرهم. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح، وهو ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أقواته، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ اٌلْجُرُرِ﴾ وهي التي لا نبات فيها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزَّا ﴾﴾ [الكهف] أي: يبساً لا تنبت شيئاً، وليس المراد من قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُرِ﴾ أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود وإن مُثل بها كثير من المفسرين فليست هي المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعاً من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطراً لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء وذلك الطين أيضاً، لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود أبداً . قال ابن لهيعة: عن قيس بن حجاج عمَّن حدثه قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص، حين دخل بؤنة من أشهُر العجم، فقالوا: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إن كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤنة(١) والنيل لا يجري حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه (١) أي: أقاموا شهراً وهو ما يسمى بؤنة عند العجم كما تقدم في بداية الرواية. ١٥٢ • سُورَةُ السَجْدَةِ (٣٠،٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم(١). رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب السُّنة له، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُرِ فَنُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمَّ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (®﴾ كما قال فَأَنْبَتَنَا فِيهَا حَبًّا أَنَا صَبَّنَا اٌلْعَآءَ صَبَّا (٣٥َ ثُمَّ شَقَفْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (ِيََّ) تعالى: ﴿فَيَظُرِ الْإِسَنُ إِلَ طَعَامِهِ ( وَعِنَبًا وَقَضْبًا جَ وَزَيْتُونَا وَنَخْلاً وَفَكِهَةُّ وَأَبَّا ﴿َجَ مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ (َ﴾ [عبس)، وَحَدَآَبِقَ غُلَبَ لَّـ ٢٩ ولهذا قال لهُهنا: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ . وقال ابن أبي نجيح: عن رجل عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول(٢). وعن ابن عباس ومجاهد: هي أرض باليمن(٣). وقال الحسن تَّتْهُ: هي قرى بين اليمن والشام(٤). وقال عكرمة والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد: الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي مغبرة (٥) . قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمُ الْأَرْضُ الْمَنْتَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ (ج لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمٌ (٣٥) ﴾ [يس]. أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوَا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ ﴿ فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ وَأَنْتَظِرْ إِنَّهُم مُّنْتَظِرُونَ يقول تعالى مخبراً عن استعجال الكفار ووقوع بأس الله بهم، وحلول غضبه ونقمته عليهم، استبعاداً وتكذيباً وعناداً ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْفَتْحُ﴾ أي: متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتاً علينا وينتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين (١) سنده ضعيف الإبهام شيخ قيس بن حجاج. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري كلاهما من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ضًا. (٣) أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) قول الحسن عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٥) قول عكرمة والسدي عزاهما السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((المُغبّرة)) . ١٥٣ • سُورَةُ السََّجْدَةِ (٢٨، ٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ذليلين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ أي: إذا حلَّ بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى ﴿لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَانُهُمْ وَلَ هُ يُنظَرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ اُلْعِلْمِ﴾ الآية [غافر: ٨٣]. ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله ◌َّه إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريباً من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَنُهُمْ وَلَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل كقوله: ﴿فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٨] الآية، وكقوله: ﴿قُلّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِلْحَقِّ وَهُوَ اُلْفَتَاحُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [سبأ]، وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَنَّارٍ عَنِيدٍ ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَىَ [إبراهيم] وقال تعالى: اُلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البقرة: ٨٩] وقال تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]. ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ وَأْتَظِرْ إِنَّهُم مُّتَظِرُونَ (٣)﴾ أي: أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلّغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله: ﴿أَلَّعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَْ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوّ وَأَعْرِضْ عَنِ [الأنعام]، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعد وسينصرك على من خالفك، إنه لا الْمُشْرِكِينَ يخلف الميعاد. وقوله: ﴿إِنَّهُم مُنتَظِرُونَ﴾ أي: أنت منتظر وهم منتظرون ويتربصون بكم الدوائر ﴿أَمَّ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّبَّصُ بِهِ، رَيّبَ الْمَنُونِ (٣٥)﴾ [الطور] وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غبَّ ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم. آخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة. ١٥٤ • سُورَةُ الأَجْزَائ (١، ٣) 00000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000 POD 00 47 00000 سُورَةُ الأَخْزَابِ [وهي](١) مدنية قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زِرّ قال: قال لي أبي بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها؟ قال: قلت ثلاثاً وسبعين آية، فقال: قط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالاً من الله، والله عليم حكيم(٢)، ورواه النسائي من وجه آخر عن عاصم وهو ابن أبي النجود (٣)، وهو [ابن] (٤) بهدلة به، وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضاً، والله أعلم. بسم الله الرحمن الحسم ] ﴿بَّأَيُّهَا النَُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمَُّفِفِيْنَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَأَنَّبِعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّكْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وکِيلًا (@)﴾. هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله. وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَّفِقِينَ﴾ أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَّبِعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّكْ﴾ أي: من قرآن وسُنَّة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: فلا تخفى عليه خافية، وتوكل على الله؛ أي: في جميع أمورك وأحوالك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: وكفى به وكيلاً لمن توكل عليه وأناب إِليه. (١) زيادة من (ح) و(حم). (٢) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده بسنده ومتنه (المسند ١٣٢/٥)، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٩/٤). (٣) السنن الكبرى، الرجم، باب نسخ الجلد عن الثيب (ح ٧١٥٠). (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((أبوه)). ١٥٥ سُورَةُ الأَخْزَابِ (٤، ٥) 000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 ﴿َّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِه، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَِّى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُتَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَوْعِيَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ﴿ آدْعُوهُمْ لَآيِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الَهِّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا يقول تعالى موطئاً قبل المقصود المعنوي أمراً معروفاً حسياً، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنتِ عليَّ كظهر أُمي أُماً له، كذلك لا يصير الدعيّ ولداً للرجل إِذا تبناه فدعاه ابناً له، فقال: ﴿َّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَِّىِ تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَهَتِكُمْ﴾ كقوله رَتْ: ﴿مَا هُنَ أُنَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ ﴾ الآية [المجادلة: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة ظُه مولى النبي ◌َّه(١)، كان النبي وَل قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَءَكُمْ﴾ كما قال تعالى في أثناء السورة ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ الَّهِ وَخَتَمَ النَّبْنُّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾﴾ [الأحزاب] وقال ههنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَهِكُمْ﴾ يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقياً، فإِنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون أبوان كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَ وَهُوَ يَهْدِى اُلسَّبِيلَ﴾ قال سعيد بن جبير: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي: العدل(٢). وقال قتادة: ﴿وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ أي: الصراط المستقيم(٣). وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًّا عليه. هكذا روى العوفي، عن ابن عباس، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة(٤) واختاره ابن جرير(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس يعني: ابن أبي ظبيان، قال: إن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفٍِ﴾ ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله وَله يوماً يصلي فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين: قلباً معكم وقلباً معهم، فأنزل الله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفٍِ﴾(٦). وهكذا (١) سيأتي تخريجه في الروايات التالية. (٢) معناه صحيح. (٣) معناه صحيح. (٤) قول العوفي عن ابن عباس أخرجه الطبري وسنده ضعيف ويتقوى بالمراسيل التالية: وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٥) رجحه الطبري. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٣/٤ ح ٢٤١٠)، وضعف سنده محققوه لضعف قابوس. ١٥٦ • سُوَرَّةُ الأَخْزَاب (٤، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني، وعن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس، كلاهما عن زهير وهو: ابن معاوية به. ثم قال: وهذا حديث حسن(١)، وكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير به(٢). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِئٍ﴾ قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل: يقول ليس ابن رجل آخر ابنك(٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد أنها نزلت في زيد بن حارثة ربه(٤)، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير والله ◌ُ أعلم. وقوله رَّ: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء، فأمر تبارك وتعالى بردِّ نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر. قال البخاري رَّتُهُ: حدثنا مُعلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر قال: إن زيد بن حارثة به مولى رسول الله وَلّ ما كنا ندعوه إِلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿آدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾(٥). وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن موسى بن عقبة به (٦). وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة حثها: يا رسول الله إِنا كنا ندعو سالماً ابناً، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإِنه كان يدخل علي وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً، فقال وهلفيه: ((أرضعيه تحرمي عليه)) الحديث(٧) . ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح تبارك وتعالى زوجة الدعيّ، وتزوج رسول الله صل بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة ربه، وقال ◌َ: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَجِ أَدْعِيَابِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرً﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقال تبارك وتعالى في آية التحريم: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَآَبِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احترازاً عن زوجة الدعيّ فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعاً بقوله و ﴿ في الصحيحين: ((حرّموا من الرضاعة ما يحرم (١) السنن، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح٣١٩٩) وسنده كسابقه. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه وأخرجه الحاكم من طريق زهير بن معاوية وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: قابوس ضعيف (المستدرك ٤١٥/٢) (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية. (٤) قول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة الأحزاب، باب ﴿ آدْعُوهُمْ لِأَبَآِبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] (ح ٤٧٨٢). (٦) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضل زيد بن حارثة ظُه (ح ٢٤٢٥)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح٣٢٠٩)، والسنن، التفسير (ح ١١٣٩٧). (٧) أخرجه مسلم من حديث عائشة ؤها (الصحيح، الرضاع، باب رضاعة الكبير ح١٤٥٣). ١٥٧ • سُوَرَّةُ الأَخْزَابِ (٤، ٥) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000 0000 0000 0 0 0 000 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 من النسب))(١)، فأما دعوة الغير ابناً على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في هذه الآية بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن [الحسن العُرني] (٢)، عن ابن عباس ﴿ه قال: قدّمنا على رسول الله وَله أُغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جُمَع(٣)، فجعل يلطخ (٤) أفخاذنا ويقول: ((أُبَيْنِيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس))(٥)، قال أبو عبيدة وغيره: أُبَيْنِيّ تصغير بَني وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر. وقوله: ﴿آدْعُوهُمْ لِأَبَآبِهِمْ﴾ في شأن زيد بن حارثة ظُه، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضاً ففي صحيح مسلم من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن الجعد أبي عثمان البصري، عن أنس بن مالك رضيُه قال: قال رسول الله وَل: (يا بُنيَّ)) (٦)، ورواه أبو داود والترمذي(٧). وقوله رَّت: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ﴾ أمر تعالى بردِّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم فهم إخوانهم في الدين ومواليهم؛ أي: عوضاً عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله وَليل يوم خرج من مكة عام عمرة القضاء وتبعتهم ابنة حمزة رضيّا تنادي: يا عمِّ يا عمِّ، فأخذها علي ظُه وقال لفاطمة ◌َّا: دونك ابنة عمك، فاحتملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ﴿ّ في أيُّهم يكفلها، فكلُّ أدلى بحجة، فقال علي رُ: أنا أحقُ بها وهي ابنة عمي: وقال زيد: ابنة أخي، وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي وخالتها تحتي؛ يعني: أسماء بنت عُميس، فقضى بها النبي ◌َّ لخالتها وقال: ((الخالة بمنزلة الأُم))، وقال لعلي رَؤُه: ((أنت مني وأنا منك)). وقال لجعفر ◌َُّّه: ((أشبهت خَلْقي وخُلُقي)). وقال لزيد رضيبه: ((أنت أخونا ومولانا))(٨)، ففي الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه وَلقر حكم بالحق، وأرضى كّلاً من المتنازعين. وقال لزيد ظ ◌ُله: ((أنت أخونا ومولانا)) كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَتُكُمْ فِ اٌلِيِنِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾ . (١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﴿ّا بنحوه (صحيح البخاري، النكاح، باب ﴿وَأُنَهَتُكُمُ الَِّىَ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ح ٥٠٩٩)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة (ح ١٤٤٤). (٢) كذا في (ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل صُحف إلى: ((الحسن العوفي)). (٣) أي: مزدلفة. (٤) أي: يضرب. (٥) أخرجه الإمام أحمد، المسند (٥٠٨/٣ ح٢٠٨٩)، وصححه محققوه بالشواهد، وأخرجه أبو داود (السنن، المناسك، باب التعجيل من جُمَع ح ١٩٤٠)، والنسائي (السنن، الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس ٢٧٠/٥)، وابن ماجه (السنن، الحج، باب من تقدم من جُمَع إلى منى ح٣٠٢٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٤٥١). (٦) صحيح مسلم، الآداب، باب جواز قوله لغير ابنه: يا بُنيَّ (ح٢١٥١). (٧) سنن أبي داود، الأدب، باب في الرجل يقول لابن غيره: يا بُنيّ (ح ٤٩٦٤)، وسنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء في: يا بُنيَّ (ح ٢٨٣١). (٨) أخرجه البخاري من حديث البراء ظُه مطولاً (الصحيح، الصلح، باب كيف يُكتب ((هذا ما صالح فلان بن فلان ... )) ح٢٦٩٩). ١٥٨ • سُوَرَّةُ الأَخْزَاب (٤، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بَكرة ◌َُّه: قال الله وَى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهَّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَأْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾، فأنا ممن لا يعرف أبوه فأنا من إخوانكم في الدين، قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حماراً لانتمى إليه(١). وقد جاء في الحديث: ((من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه كفر))(٢). وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: ﴿آدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَلِيَكُمْ﴾ . ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ،﴾ أي: إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإِن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله تبارك وتعالى آمراً عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله وَ ل قال: ((قال الله وعيّ: قد فعلت))(٣). وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص ، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر))(٤). وفي حديث آخر: ((إن الله تبارك وتعالى رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما يكرهون عليه))(٥). وقال تبارك وتعالى لههنا: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي: وإنما الإثم على من تعمد الباطل، كما قال رَى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]. وفي الحديث المتقدم: (([ليس من رجل] (٦) ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر))(٧). وفي القرآن المنسوخ: فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم(٨). قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عتبة بن أنه قال: إن الله تعالى بعث محمداً وَل بالحق، وأنزل مسعود، عن ابن عباس، عن عمر معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله و98َّ ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، وأن رسول الله وج لال قال: ((لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فإنما أنا عبد الله، فقولوا عبده ورسوله)) وربما قال معمر: ((كما أطرت النصارى ابن مريم))(٩). (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٢) أخرجه البخاري من حديث أبي ذرِّ رَظُله بنحوه (الصحيح، المناقب، باب رقم ٥ ح ٣٥٠٨). (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٧٩. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٦. (٥) تقدم تخريجه في آخر تفسير سورة الأعراف آية ١٥٧. (٦) كذا في صحيح البخاري كما في حديث أبي ذرِّ ◌ُبه، وفي النسخ الخطية بلفظ: ((من). (٧) تقدم تخريجه في الحديث السابق. (٨) لم أجد تخريجه حتى في كتب الناسخ والمنسوخ. (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٤/١ ح٣٣١)، وصحح سنده محققوه. ١٥٩ • سُوَرَّةُ الأَجْزَائِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ورواه في الحديث الآخر: ((ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم)) (١). ﴿ ﴿الَِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهُ أُمَهَئُهُمُّ وَأُوْلُواْ اْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِىِ كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِنَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا قد علم الله تعالى شفقة رسوله على أمته ونصحة لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مقدماً على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾﴾ [النساء]. وفي الصحيح: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين))(٢). وفي الصحيح أيضاً أن عمر تظله قال: يا رسول الله، والله لأنتَ أحبُّ إِليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ◌َ : ((لا يا عمر حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك)) فقال: يا رسول الله، والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من كل شيء حتى من نفسي، فقال ◌َّرَ: ((الآن يا عمر)) (٣). ولهذا قال تعالى في هذه الآية ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ . وقال البخاري عند هذه الآية الكريمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فُليح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رَظ ◌ُه، عن النبي ◌َّ قال: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إِن شئتم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمّ﴾ فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه)) (٤)، تفرد به البخاري ورواه أيضاً في الاستقراض(٥)، وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن فُليح به مثله، ورواه أحمد من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة تعظُه، عن رسول الله وَل بنحوه(٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله رَؤُه، عن النبي ◌َّ كان يقول: ((أنا أولى بكلِّ مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك ديناً فإليَّ، ومن ترك مالاً فهو لورثته))(٧) ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل به نحوه (٨). وقال تعالى: ﴿وَأَزْوَجُ: أُمَّهَُهُمْ﴾ أي: في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام والإعظام، (١) أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضيُبه، (الصحيح، الجنائز، باب التشديد في النياحة ح٩٣٤). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٢٤. (٣) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب كيف كان يمين النبي ◌َّ (ح ٦٦٣٢). (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، (صحيح البخاري، التفسير، سورة الأحزاب باب رقم (١) ح ٤٧٨١). (٦) (المسند ٣٥٦/٢). (٥) باب الصلاة على من ترك ديناً (ح٢٣٩٩). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٤/٢٢ ح١٤١٥٨)، وصحح سنده محققوه. (٨) سنن أبي داود، البيوع والإجارات، باب في التشديد في الدَّين (ح٣٣٤٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٨٥٩). ١٦٠ • سُوَّةُ الأَخْزَابِ (٦) ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإِن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين كما هو منصوص الشافعي نظراته في (المختصر)، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية وأمثاله: خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء ﴿ه، ونصَّ الشافعي ◌ُبه على أن يقال ذلك، وهل يقال لهن: أمهات المؤمنين فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليباً؟ وفيه قولان: صحَّ عن عائشة ◌َّا أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ظُته. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس ظن ◌ًّا أنهما قرآ (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم)(١). وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن(٢)، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي ظه، حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود تَخَّتُهُ: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله وَّ: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أَعَلِّمُكُم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه)). وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة(٣). وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن عجلان(٤). والوجه الثاني: أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله ﴿مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْمُهَجِرِينَ﴾ أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله اليوم(٥)، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره من السلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثاً عن الزبير بن العوام فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي من ساكني بغداد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام ◌َظُه قال: أنزل الله رَك فينا خاصة معشر قريش والأنصار: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنّا معشر قريش لما قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم وأورثناهم، فآخى أبو بكر ظُه خارجةَ بن زيد، وآخى عمر ◌َُّبه فلاناً، (١) أخرجه الحاكم من طريق طلحة عن عطاء عن أبي عباس ﴿يا، وصححه وتعقبه بقوله: بل طلحة ساقط. (المستدرك ٤١٥/٢). (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان وفيه مقال. (٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ح٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٦). (٤) سنن النسائي، الطهارة، باب النهي عن الاستطابة بالروث ٣٨/١، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة (ح٣١٣). (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٧٥.