Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
سُورَةُ النَّهُلِّ (٥٤، ٥٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعدما عقروا الناقة: هَلمَّ فلنقتل صالحاً، فإن كان
صادقاً عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله فدمغتهم
الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم منشدخين(١) قد
رضخوا (٢) بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم همُّوا به فقامت عشيرته دونه، ولبسوا
السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبداً وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان
صادقاً فلا تزيدوا ربكم عليكم غضباً، وإن كان كاذباً فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم
ليلتهم تلك(٣).
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لما عقروا الناقة قال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَثَةَ
أَّامِ ذَلِكَ وَعْدُ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام،
فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث، وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه،
فخرجوا إلى كهف؛ أي: غار هناك ليلاً فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إذا فرغنا منه
إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم فخشوا أن تشدخهم
فتبادروا، فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون
ما فعل بقومهم، فعذب الله هؤلاء ههنا، وهؤلاء ههنا، وأنجى الله صالحاً ومن معه ثم قرأ:
﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا
دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٨ فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أي: فارغة ليس فيها أحد ﴿بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ
@) (٤).
وَأَغَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
فِي ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أَِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْحَالَ
﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (@)
﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَلَ
شَهْوَةً مِّن دُونِ اٌلِسَآِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
فَأَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِنَ
٥٦
لُوطٍ مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ
٢٥٨
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط علّ أنه أنذر قومه نقمة الله بهم في فعلهم الفاحشة التي لم
يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة استغنى
الرجال بالرجال، والنساء بالنساء فقال: ﴿أَتَأْتُونَ اُلْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؛ أي: يرى بعضكم
بعضاً، وتأتون في ناديكم المنكر ﴿ أَبِّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُونِ اُلْتِسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
أي: لا تعرفون شيئاً لا طبعاً ولا شرعاً كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُنَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ ◌َ
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ ﴾ [الشعراء]، ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ
قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِعُوْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴾﴾؛ أي: يتحرجون من
فعل ما تفعلون، ومن إقراركم على صنيعكم فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون
(١) الشدخ هو كسر الشيء الأجوف كالرأس ونحوه. (٢) الرضحَ هو كسر الرأس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ به.

٦٨٢
• سُوَرَُّ النَّصْلِ (٦٠،٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المجاورتكم في بلادكم فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، قال الله تعالى:
﴿فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَمُ قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِنَ ﴾﴾؛ أي: من الهالكين مع قومها، لأنها
كانت ردءاً لهم على دينهم وعلى طريقتهم، في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها
على ضيفان لوط ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله صلوات الله وسلامه
عليه لا كرامة لها .
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم قَطَرًا﴾؛ أي: حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما
هي من الظالمين ببعيد ولهذا قال: ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ أي: الذين قامت عليهم الحجة،
ووصل إليه الإنذار فخالفوا الرسول وكذبوه وهموا بإخراجه من بينهم.
﴿﴿ أَمَّنْ خَلَقَ
] ﴿قُلِ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىْ ءَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ
الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُنْبِتُواْ شَجَرَهَأْ أَهُ مَّعَ اللَّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (®)﴾.
يقول تعالى آمراً رسوله و ل أن يقول: ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ﴾؛ أي: على نعمه على عباده من النعم التي
لا تعد ولا تحصى وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على
عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله أفضل الصلاة
والسلام، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى، هم
الأنبياء(١)، قال: وهو كقوله: ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
وَالْحَمْدُ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
(٨٢) ﴾ [الصافات].
وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد وَل﴿ ورضي عنهم أجمعين(٢)، وروي نحوه عن ابن
عباس أيضاً(٣)، ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى
والأحرى. والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة
والنصر والتأييد وما أحلَّ بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن
يسلموا على عباده المصطفين الأخيار.
وقد قال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا
الحكم بن ظهير عن السدي - إن شاء الله -، عن أبي مالك، عن ابن عباس ﴿وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ
(٤)
اٌلَّذِينَ أُصْطَفَيُ﴾ قال: هم أصحاب محمد وَّه اصطفاهم الله لنبيه ضخما
.
وقوله تعالى: ﴿ءَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.
(٢) قول الثوري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن المبارك عنه، وقول السدي ذكره ابن أبي
حاتم بحذف السند.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف جداً بسبب الحكم بن ظهير وهو متروك الحديث كما في
التقريب .
(٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢٤٣)، وسنده كسابقه ينظر: (مجمع الزوائد ٧/ ٨٧).

٦٨٣
سُورَةُ النَّصْلِ (٦١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أخرى. ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ
خَلَقَ الشَكَوَتِ﴾؛ أي: خلق تلك السموات في ارتفاعها وصفائها. وما جعل فيها من الكواكب
النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة. وخلق الأرض في استفالها وكثافتها وما جعل فيها من
الجبال والأطواد والسهول والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار، والثمار والبحار،
والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَّاءِ مَآءَ﴾؛ أي: جعله رزقاً للعباد ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ﴾؛
أي: بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾؛ أي: منظر حسن وشكل بهي ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنِتُواْ
شَجَرَهَا﴾؛ أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها. وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق
المستقل بذلك المتفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد كما يعترف به هؤلاء المشركون كما
قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَيِن سَأَلْتَهُم مَّنْ
نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]؛ أي: هم معترفون
بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا
يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة، من هو المتفرد بالخلق والرزق ولهذا قال تعالى: ﴿أَِلَهٌ مَّعَ
اللهِ﴾؟ أي: أإله مع الله يعبد، وقد تبيَّن لكم ولكل ذي لبّ مما يعترفون به أيضاً أنه الخالق
الرازق.
ومن المفسرين من يقول معنى قوله: ﴿أَعَهُ مَعَ اللَّهِ﴾ فعل هذا وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن
تقدير الجواب أنهم يقولون ليس ثم أحد فعل هذا معه بل هو المتفرد به، فيقال فكيف تعبدون
معهٍ غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا
يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]. وقوله تعالى ههنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أمّن في هذه الآيات كلها
تقديره، أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر
الآخر لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك. وقد قال الله تعالى: ﴿وَللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
ثم قال في آخر الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: يجعلون الله عدلاً ونظيراً. وهكذا قال
تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَبَرْجُوْ رَحْمَةَ رَيِّهِ، قُلْ﴾ [الزمر: ٩]؛ أي:
أمن هو هكذا كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِىِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا
يَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩]، ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ الَهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبَِّّ فَوَيْلٌ لِلْفَسِيَةِ
®﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿أَفَّنْ هُوَ قَائِؤُّ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ
قُلُوبُهُم مِّنِ ذِكْرِ اللَّهَّ أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ
بِمَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: أمن هو شهيد على أفعال الخلق حركاتهم وسكناتهم يعلم الغيب جليله وحقيره
كمن هو لا يعلم و يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها من دون الله؟ ولهذا قال:
﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكََّ قُلْ سَقُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وهكذا هذه الآيات الكريمة كلها.
- ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا
◌َهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَّمُونَ
يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾؛ أي: قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا

٦٨٤
سُورَةُ النَّصْلِ (٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ترجف بهم فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة بل جعلها من فضله ورحمته
مهاداً بساطاً ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَلَّةَ بِنَآءُ﴾ [غافر: ٦٤].
﴿وَجَعَلَ خِلَلَهَآ أَنْهَرًا﴾؛ أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة شقها في خلالها وصرَّفها فيها ما
بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيَّرها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً بحسب مصالح عباده في
أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء الأرض وسيَّر لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه
﴿وَجَعَلَ لَمَا رَوَسَِ﴾؛ أي: جبالاً شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بهم ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ
الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾؛ أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزاً؛ أي: مانعاً يمنعها من الاختلاط
لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقضاء كل منهما على صفته المقصودة
منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة
زلالاً يسقى الحيوان والنبات والثمار منها. والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من
كل جانب، والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحاً أجاجاً لئلا يفسد الهواء بريحها كما قال تعالى:
وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اٌلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَنًا وَحِجْرًا تَّحْجُوَّا (9)
[الفرقان]، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾؟ أي: فعل هذا، أو يعبد على القول الأول
والآخر؟. وكلاهما متلازم صحيح ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: في عبادتهم غيره.
] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ اُلُّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضُِ أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِلًا
مَّا نَذَكَّرُونَ
ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ
الشُُّ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الضُّرُ فَإِلَيْهِ
تَجْثَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، وهكذا قال ههنا: ﴿أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾؛ أي: من هو الذي لا
يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.
قال الإمام أحمد: أنبأنا عفان: أنبأنا وهيب، أنبأنا خالد الحذاء، عن أبي تميمة الهجيمي،
عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله إلامَ تدعو؟ قال: ((أدعو إلى الله وحده الذي إن
مسك ضرٌّ فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته ردًّ عليك، والذي إن
أصابتك سنة فدعوته أنبت لك)) قال: قلت: أوصني، قال: ((لا تسبنَّ أحداً ولا تزهدنَّ في
المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تُفِرِغَ من دلوك في إناء
المستقي، واتّزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار
من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة))(١).
وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن
سلمة، حدثنا يونس هو: ابن عبيد، حدثنا عبيدة الهجيمي، عن أبي تميمة الهجيمي، عن جابر بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٩/٣٤ ح ٢٠٦٣٦)، وصحح سنده محققوه.

٦٨٥
سُورَةُ النَّصْلِ (٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله وَّر وهو مُحتَبٍ بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه فقلت:
أيكم محمد رسول الله؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية وفيّ
جفاؤهم فأوصني، قال: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو
أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك، فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه
يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا
يحب المخيلة، ولا تسبن أحداً)) قال: فما سببت بعده أحداً ولا شاة ولا بعيرا (١). وقد روى أبو
داود والنسائي لهذا الحديث طرقاً وعندهما طرف صالح منه (٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم، حدثنا عبدة بن نوح، عن عمر بن
الحجاج، عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل عليَّ طاوس يعودني فقلت له: ادعُ الله لي يا أبا
عبد الرحمن، فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه(٣)
وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول أن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي
فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً ومن
لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه(٤).
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف
بالدقي الصوفي قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي
ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة فقال لي: خذ في هذه فإنها
أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب، فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر ووادٍ
عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه
وسل سكيناً معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه،
فقال هو لي: وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن
رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجِّل، فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني
منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى:
﴿أَمَّنْ يُحِبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ الشُّوَءَ﴾ فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة
فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال:
أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت
سالماً .
وذكر في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجيلة قالت: هزم الكفار يوماً المسلمين في
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٢٣٧/٣٤ ح ٢٠٦٣٥)، وصححه محققوه بالمتابعة.
(٢) سنن أبي داود، اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (ح ٤٠٨٤)، والسنن الكبرى للنسائي، الزينة
(ح٩٦٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٤٤٢).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبدة بن نوح ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح
والتعديل ٦/ ٩٠).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه.

٦٨٦
• سُوْرَةِ النَّعْلِ (٦٣)
0000000000000000000000000000000000000000
000000
00000000000000000000000000000000000
غزوة فوقف جواد جيد بصاحبه وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟
ويلك؛ إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم، فقال له الجواد: وما لي لا أقصر وأنت تكل العلوفة
إلى السواس فيظلمونني ولا يطعمونني إلا القليل؟ فقال: لك علي عهد الله أن لا أعلفك بعد هذا
اليوم إلا في حجري، فجرى الجواد عند ذلك ونجى صاحبه وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في
حجره، واشتهر أمره بين الناس وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك وبلغ ملك الروم أمره، فقال:
ما تضام بلدة يكون هذا الرجل فيها، واحتال ليحصله في بلده فبعث إليه رجلاً من المرتدين
عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حسنت نيته في الإسلام وقومه حتى استوثق، ثم خرجا يوماً
يمشيان على جنب الساحل، وقد واعد شخصاً آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره،
فلما اكتنفاه ليأخذاه رفع طرفه إلى السماء وقال: اللَّهم إنه إنما خدعني بك فاكفنيهما بما شئت.
قال: فخرج سبعان فأخذاهما ورجع الرجل سالماً.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: يخلف قرناً لقرن قبلهم وخلفاً لسلف كما قال
تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَغْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَآءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ◌َآخَرِنَ
(َ﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾
[الأنعام: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠]؛
أي: قوماً يخلف بعضهم بعضاً كما قدمنا تقريره، وهكذا هذه الآية ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِ﴾؛
أي: أُمة بعد أُمة، وجيلاً بعد جيل، وقوماً بعد قوم، لو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد،
ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين كما خلق آدم من تراب، ولو
شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض، ولكن لا يميت أحداً حتى تكون وفاة الجميع في وقت
واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض، وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم، ويتضرر بعضهم ببعض،
ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة، ويذرأهم في
الأرض، ويجعلهم قروناً بعد قرون، وأمماً بعد أمم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البرية، كما قدَّر
ذلك تبارك وتعالى، وكما أحصاهم وعدَّهم عداً، ثم يقيم القيامة ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ
الكتاب أجله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ الشُّوَّهَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ
اُلْأَرْضِّ أَوِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؛ أي: يقدر على ذلك أو أإله مع الله يعبد؟ وقد علم أن الله هو المتفرد
بفعل ذلك وحده لا شريك له؟ ﴿قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى
الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
﴿أَمَنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِعٌ أَعِلَهُ مَّعَ
اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾؛ أي: بما خلق من الدلائل
[النحل]، وقال
السماوية والأرضية كما قال تعالى: ﴿وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (1)﴾
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِبْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، الآية
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ﴾؛ أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث الله

٦٨٧
• سُوَّرَةُ النَّصْلِ (٦٤، ٦٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
به عباده المجدبين الأزلين القنطين ﴿أَعِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
2- ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُّا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ أَِلَهٌ مَعَ اللَّهَّ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ
أي هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ بَطْشَ
﴾ [البروج]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ
رَبِّكَ لَشَدِيدُ ﴿ إِنَُّ هُوَ بَيْدِئُ وَبُعِيدُ
وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةِ﴾ [الروم: ٢٧].
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بما ينزل من مطر السماء وينبت من بركات الأرض كما
قال تعالى: ﴿وَالتَِّ ذَاتِ الرَّحِ ﴿﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾﴾ [الطارق]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى
الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَِّ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤]، فهو تبارك وتعالى ينزل من
السماء ماءً مباركاً فيسكنه في الأرض، ثم يخرج به منها أنواع الزروع والثمار والأزاهير وغير
﴾ [طه]، ولهذا قال
ذلك من ألوان شتى ﴿كُوْ وَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى
تعالى: ﴿أَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾؛ أي: فعل هذا وعلى القول الآخر بعد هذا ﴿قُلّ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ﴾ على
صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في ذلك وقد علم أنه لا حجة لهم
ولا برهان كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبِِّ؛ إِنَّهُ
لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المؤمنون].
- ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهَ وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿ بَلِ أَذَّرَ
عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ
يقول تعالى آمراً رسوله و القر أن يقول معلماً لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السموات
والأرض الغيب إلا الله.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ اللَّهُ﴾ استثناء منقطع؛ أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله ري فإنه المنفرد بذلك
وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآية،
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدَّأْ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾﴾ [لقمان]، والآيات في هذا
كثيرة .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات
والأرض بوقت الساعة كما قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْنَةٌ﴾ [الأعراف:
١٨٧] أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن
أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي إيّا، قالت: من زعم أنه يعلم - يعني النبي ◌َّ -
ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية لأن الله تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
الْغَيْبَ إِلََّّ اللَّهُ﴾ .

٦٨٨
سُورَةُ النَّصْلِ (٦٥، ٦٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء وجعلها يهتدى بها
وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه،
وتكلف ما لا علم له به. وإن أناساً جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة، من أعرس
بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا
وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن
والدميم، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله تعالى أنه لا
يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون(١). رواه ابن أبي حاتم
بحروفه وهو كلام جليل متين صحيح (٢).
وقوله: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةِّ بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِنْهًا﴾؛ أي: انتهى علمهم وعجز عن معرفة
وقتها، وقرأ آخرون ((بل أدرك علمهم))(٣)؛ أي: تساوى علمهم في ذلك كما في الصحيح لمسلم
أن رسول الله وسلم قال لجبريل وقد سأله عن وقت الساعة: ((ما المسؤول عنها بأعلم من
السائل))(٤)؛ أي: تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ﴾؛ أي: غاب(٥).
وقال قتادة: ﴿بَلِ أُذَّرَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَ﴾ يعني: بجهلهم بربهم، يقول: لم ينفذ لهم علم في
الآخرة(٦).
هذا قول وقال ابن جريج: عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِىِ الْآَخِرَةَ﴾
حين لم ينفع العلم(٧).
وبه قال عطاء الخراساني والسدي: أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم
ذلك(٨)، كما قال تعالى: ﴿أَسَّعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِ ضَلَلٍ مُِّينٍ
٣٨)
[مریم].
وقال سفيان، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن: أنه كان يقرأ (بل أدرك علمهم)) قال: اضمحل
علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة(٩).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ وما يرويه هنا ليس من
نسخة أبي العالية، وقد توبع في رواية البخاري لكن بدون ذكر هذه الآية فقد أخرجه البخاري من طريق
وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر به وقد ورد فيه آيات غير الآية المذكورة أعلاه (الصحيح،
التفسير، سورة النجم ح٤٨٥٥).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) وهي قراءة متواترة.
(٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (ح٨).
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد هذا ضعيف كما في التقريب.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، وعطاء لم يسمع من ابن عباس رهـ
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به وسنده ضعيف لضعف عمرو بن عبيد كما في التقريب.

٦٨٩
• سُورَةُ التَِّ (٦٧، ٧٥)
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِ شَّكِ مِنْهَا﴾ عائد على الجنس، والمراد الكافرون، كما قال تعالى:
﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَقَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرََّّ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا (٣)﴾ [الكهف]؛
أي: الكافرون منكم. وهكذا قال ههنا: ﴿بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِنْهَا﴾؛ أي: شاكون في وجودها
ووقوعها ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾؛ أي: في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها .
، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَئِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَاؤُنَا أَبِنَا لَمُخْرَجُونَ ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا مِن
وَلَا
قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
تَّحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِّمَا يَمْكُرُونَ
يقول تعالى مخبراً عن منكري البعث من المشركين: إنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد
صيرورتها عظماً ورفاتاً وتراباً، ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾؛ أي: ما زلنا نسمع
بهذا نحن وآباؤنا ولا نرى له حقيقة ولا وقوعاً.
وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ﴿إِلَّ أَسَطِيرُ
الْأَوَِّينَ﴾؛ أي: أخذه قوم عمَّن قبلهم من كتب يتلقاه بعض عن بعض وليس له حقيقة، قال الله
تعالى مجيباً لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء ﴿سِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ
فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: المكذبين بالرسل وبما جاؤوهم به من أمر المعاد وغيره
كيف حلَّت بهم نقمة الله وعذابه ونكاله ونجى الله من بينهم رسله الكرام ومن اتبعهم من
المؤمنين، فدلَّ ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته.
ثم قال تعالى مسلياً لنبيه وَله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: المكذبين بما جئت به ولا تأسف
عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات ﴿وَلَا تَكُنْ فِ ضَيْقٍ مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: في كيدك، ورد ما
جئت به فإن الله مؤيدك وناصرك ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب.
﴿وَيَقُولُونَ مَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى
تَسْتَعْجِلُونَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ
١) وَمَا مِنْ غَلِبَةٍ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّ فِ كِنَبٍ تُبِينٍ (٢٥)﴾.
صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك ﴿ وَيَقُولُونَ
مَتَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾؟ قال الله تعالى مجيباً لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ
رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ﴾ [قال ابن عباس: أن يكون قرب أو أن يقرب لكم(١) بعض الذي
تستعجلون](٢)، وهكذا قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي(٣)، وهذا هو
المراد بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هُوٌ؟ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]، وقال تعالى:
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) زيادة من (ح) و(حم).
(٣) قول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وبقية الأقوال ذكرها ابن أبي
حاتم بحذف السند.

٦٩٠
سُورَةُ النَّسُلِ (٧٦، ٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴾ [العنكبوت]، وإنما دخلت اللام في قوله:
٥٤
﴿يَسْتَعْبِلُونَكَ بِلْعَذَابٍ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَفِينَ
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ لأنه ضمن معنى عَجِلَ لكم، كما قال مجاهد في رواية عنه: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ
لَهُمْ﴾ عجل لكم(١). ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: في إسباغه نعمه
عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا
تُكِنُ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾﴾؛ أي: يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر ﴿سَوَآءٌ مِّنكُم مَنْ
أَسَرَّ الْقَوَّلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] ﴿يَعْلَمُ اَلِزَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ
مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض وأنه عالم
الغيب والشهادة، وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، فقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَلِبَةٍ فِىِ السَّمَاءِ
وَاُلْأَرْضِ﴾.
قال ابن عباس: يعني وما من شيء(٢) ﴿فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِ كِنَبٍ تُبِينٍ﴾ وهذه كقوله: ﴿أَلَمَّ
تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِىِ كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (®﴾ [الحج].
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُضُّ عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيَلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (® وَإِنَّهُ لَدَّى وَرَحْمَةٌ
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ
لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِزُ الْعَلِيمُ
وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمْىِ عَن
﴿ إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُمِعُ الْهُمَّ اُلُّعَّةَ إِذَا وَلَّوْ مُدْيِينَ
الْمُبینِ
ضَلَتِهِوِّ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِتَابَِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ (َ]﴾.
يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان أنه يقصُّ على
بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل ﴿أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كاختلافهم في عيسى
وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه عبد
من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى
أَبْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣)﴾ [مريم].
وقوله: ﴿وَإِنَُّ لَمُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ أي: هدى لقلوب المؤمنين به ورحمة لهم في
العمليات.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيِزُ﴾؛ أي: في
انتقامه ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ﴾؛ أي: في جميع أمورك وبلغ رسالة ربك
﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾؛ أي: أنت على الحق المبين وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليه
الشقاوة وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا
◌ُْمِعُ الْمَوْقَ﴾؛ أي: لا تسمعهم شيئاً ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة وفي آذانهم وقر
الكفر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُمِعُ الَُّ الذُّعَّءَ إِذَا وَلَوْ مُدْبِرِينَ ﴾ وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمِ عَنْ ضَلَلَتِهِمْ
إِن تُسْجِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بَِايَِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾﴾؛ أي: إنما يستجيب لك من هو سميع بصير،
(١) تقدم تخريجه كما في الرواية السابقة.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.

٦٩١
سُورَةُ التَّعْلِ (٨٢)
السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضعُ الله ولما جاء عنه على ألسنة الرسل
﴿﴿﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَِنَا لَا
يُوقِنُونَ
هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق،
يخرج الله لهم دابة من الأرض، قيل: من مكة، وقيل: من غيرها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله
تعالى فتكلم الناس على ذلك، قال ابن عباس والحسن وقتادة.
ويروى عن علي ظه: تكلمهم كلاماً؛ أي: تخاطبهم مخاطبة(١).
وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون(٢). ويروى هذا
عن علي واختاره ابن جرير وفي هذا القول نظر لا يخفى، والله أعلم.
وقال ابن عباس في رواية؛ تجرحهم، وعنه رواية قال: كلّا تفعل هذا وهذا(٣)، وهو قول
حسن ولا منافاة، والله أعلم.
وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة فلنذكر منها ما تيسر والله المستعان.
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أُسيد الغفاري
قال: أشرف علينا رسول الله صل﴿ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: ((لا تقوم الساعة حتى
تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابَّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج
عيسى ابن مريم ظلّ، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف
بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل
معهم حيث قالوا))(٤). وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من طرق عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل
عامر بن واثلة، عن حذيفة موقوفاً. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم أيضاً من حديث
عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عنه مرفوعاً، فالله أعلم(٥).
" (طريق أخرى) قال أبو داود الطيالسي: عن طلحة بن عمرو وجرير بن حازم، فأما طلحة
فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي: أن أبا الطفيل حدثه عن حذيفة بن أُسيد
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول قتادة
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند
صحيح من طريق يونس بن عبيد عنه، وقول علي أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه رجل مبهم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه وعثمان ضعيف، ويتقوى بما سبق.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جداً من طريق نفيع الأعمى عن ابن عباس، ونفيع متروك كما في
التقريب.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/٤) وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (ح٢٩٠١)، وسنن أبي داود،
الملاحم، باب أمارات الساعة (ح٤٣١١)، وسنن الترمدي، الفتن، باب ما جاء في الخسف (ح ٢١٨٣)،
وسنن ابن ماجه، الفتن، باب أشراط الساعة (ح٤٠٤١).

٦٩٢
سُورَةُ النَّهُلِ (٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الغفاري أبي سريحة، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عبيد، عن رجل من آل عبد الله بن
مسعود. وحديث طلحة أتم وأحسن قال: ذكر رسول الله وَ﴿ الدابَّة فقال: ((لها ثلاث خرجات
من الدهر: فتخرج خرجة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمناً
طويلاً، ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية ويدخل ذكرها القرية))
يعني: مكة، قال رسول الله وَّر: ((ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها
المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي تدنو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفضَّ
الناس عنها شتى ومعاً، وبقيت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فبدأت بهم
فجلَّت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولَّت في الأرض لا يدركها طالب، ولا
ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن
تصلي، فيقبل عليها فَتَسمْه في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في
الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى إن
الكافر ليقول: يا مؤمن اقضني حقي))(١). ورواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أُسيد
موقوفاً، والله أعلم. ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعاً (٢)، وأن ذلك في زمان عيسى ابن
مريم، وهو يطوف بالبيت ولكن إسناده لا يصح.
(حديث آخر) قال مسلم بن الحجاج: حدثنا أبا بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن
أبي حيان، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله وَلخير حديثاً لم أنسه
بعد، سمعت رسول الله وَل* يقول: ((إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج
الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً))(٣).
(حديث آخر) روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى
الحُرقَةَ، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َبه أن رسول اللهِ وَّل قال: ((بادروا بالأعمال ستاً، طلوع
الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة)) (٤) تفرد به، وله
من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هريرة ظه، عن النبي وَّ قال:
((بادروا بالأعمال ستاً: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر
العامة، [وخُوَيْصة](٥) أحدكم))(٦).
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، عن
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ١٠٦٩)، وسنده ضعيف من الطريقين فالأول فيه طلحة بن
عمرو وهو متروك (التقريب ص٢٨٣) والطريق الثاني فيه إبهام شيخ عبد الله بن عبيد.
(٢) أخرجه الطبري من طريقين وفي كل واحد منهما رجل ضعيف.
(٣) صحيح مسلم، الفتن، باب في خروج الدجال (ح٢٩٤١).
(٤) صحيح مسلم، الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال (ح٢٩٤٧).
(٥) كذا في (ح) و(حم) وصحيح مسلم، وفي الأصل صحفت إلى: ((خويصية)).
(٦) المصدر السابق (ح٢٩٤٧/١٢٩).

٦٩٣
• سُوَدَّةُ النَّصْلِ (٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وَ* قال: ((بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة،
والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة))(١) تفرد به.
(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أوس بن
خالد، عن أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله وَله: ((تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم
سليمان السّه، فتخطم أنف الكافر بالعصا، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على
الخوان يعرف المؤمن من الكافر)»(٢). ورواه الإمام أحمد عن بهز وعفان ويزيد بن هارون ثلاثتهم،
عن حماد بن سلمة به، وقال: ((فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن
أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر)) ورواه ابن ماجه، عن
أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد المؤدب، عن حماد بن سلمة به(٣).
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا أبو تميلة، حدثنا
خالد بن عبيد، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: ذهب بي رسول الله وَّ إلى موضع
بالبادية قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله وسطفيه: ((تخرج الدابة من هذا
الموضع)) فإذا فتر في شبر، قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين فأرانا عصاً له، فإذا هو
بعصاي هذه كذا وكذا (٤).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة أن ابن عباس قال: هي دابة ذات زغب(٥) لها أربع
قوائم من بعض أودية تهامة (٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية
قال: قال عبد الله: تخرج الدابة من صدع من الصفا، كجري الفرس ثلاثة أيام لم يخرج
ثلثها (٧) .
وقال مجمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح قال: سئل عبد الله بن عمرو، عن الدابة فقال:
الدابة تخرج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج
الدابة من تحتها. قيل: فتصنع ماذا يا عبد الله بن عمرو، فقال: تستقيل المشرق فتصرخ صرخة
تنفُذُه، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل
اليمن فيصرخ صرخة تنفذه، ثم تروح من مكة فتصبح بُعسْفَانَ، قيل: ثم ماذا؟ قال لا أعلم (٨).
(١) سنن ابن ماجه، الفتن، باب الآيات (ح٤٠٥٦)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه
ح٣٢٧٩).
(٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح٢٥٦٤)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.
(٣) المسند ٢٩٥/٢، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب دابة الأرض (ح ٤٠٦٦) وسنده ضعيف كسابقه.
(٤) المصدر السابق (ح ٤٠٦٧) وضعفه البوصيري (مصباح الزجاجة ٢٥٩/٣).
(٥) هو صغار الريش والشعر.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن عباس.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يعلى بن عبيد عن محمد بن إسحاق به، وفي سنده محمد بن إسحاق لم
يصرح بالسماع.

٦٩٤
• سُوَرَّةُ النَّصْلِ (٨٣، ٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعن عبد الله بن عمر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جَمْعٍ(١). رواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده
ابن البيلمان.
وعن وهب بن منبه: أنه حكى من كلام عُزَير ◌ِلَّا أنه قال: وتخرج من تحت سدوم دابة تكلم
الناس كل يسمعها، وتضع الحُبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجاً، ويتعادى الأخلاء
وتحرق الحكمة، ويرفع العلم، وتكلم الأرض التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا
يبلغون، ويتعبون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون، رواه ابن أبي حاتم(٢) عنه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي
مريم أنه سمع أبا هريرة ظته يقول: إن الدابة فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب (٣).
وقال ابن عباس: هي مثل الحربة الضخمة (٤) .
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ظُبه أنه قال: إنها دابة لها ريش، وزغب، وحافر، وما لها
ذنب، ولها لحية، وإنها لتخرج حُضْر (٥) الفرس الجواد ثلاثاً، وما خرج ثلثها، رواه ابن أبي حاتم(٦).
وقال ابن جريج، عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير،
وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر،
وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً،
تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء،
فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم
سليمان، فتفشو تلك النكتة السوداء حتى يسود بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق بكم ذا
يا مؤمن، بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون على مائدتهم فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم
تقول لهم الدابة: يا فلان أبشر أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار. فذلك قول الله
تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَابَةً مِنَ الْأَرْضِ ثُكَلِمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِحَايَِّنَا لَا يُوقِنُونَ (َ﴾﴾﴾()
٧)
﴿وَبَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَن يُكَذِّبُ بِثَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿٨ حَّ إِذَا جَاءُو قَالَ
أَكَذَّبْتُم ◌ِثَايَتِ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلَمَا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ
﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾
.
يقول تعالى مخبراً عن يوم القيامة وحشر الظالمين من المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين
يدي الله ق ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعاً وتوبيخاً وتصغيراً وتحقيراً فقال تعالى:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، وقابوس فيه لين كما في التقريب.
(٥) الحُضْر: عَدْوٌ مع وثب.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر. وكل هذه الأوصاف للدابة من الإسرائيليات.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الحسن بن يحيى الخشني عن ابن جريج به، والحسن صدوق
سيئ الحفظ.

٦٩٥
• سُوَّرَّةُ النَّهُلِ (٨٧، ٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَبَوْمَ نَخْشُرُ مِن كُلِّ أُمَِّّ فَوْجًا﴾؛ أي: من كل قوم وقرن فوجاً؛ أي: جماعة ﴿مِّمَن يُكَذِّبُ ◌َِايَِنَ﴾
كما قال تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا اُلْنُّفُوسُ زُوِّجَتْ
﴾﴾ [التكوير]، وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال ابن عباس ◌ًَّا: يدفعون(١).
وقال قتادة: وزعة يردُّ أولهم على آخرهم (٢) .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون(٣).
﴿حََّ إِذَا جَاءُو﴾ ووقفوا بين يدي الله رَتْ في مقام المساءلة ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بَِايَتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا
عِلْمَا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: فيسألون عن اعتقادهم وأعمالهم! فلما لم يكونوا من أهل السعادة
وَلَكِنْ كَذَّبَ وَوَلَ (٣)﴾ [القيامة]، فحينئذٍ قامت
وكانوا كما قال الله عنهم: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَّى يَـ
عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوَمُ لَا يَنْطِقُونَ
وَلَا
٣٥
يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ ﴾﴾ الآية [المرسلات]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوَّلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا
يَطِقُونَ ﴾﴾﴾؛ أي: بهتوا فلم يكن لهم جواب لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد
ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.
ثم قال تعالى منبهاً على قدرته التامة وسلطانه العظيم وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته والانقياد
لأوامره وتصديق أنبيائه فيما جاؤوا به من الحق الذي لا محيد عنه، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ
لِيَسْكُنُواْ فِيهِ﴾؛ أي: في ظلام الليل لتسكن حركاتهم بسببه وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب
في نهارهم ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾؛ أي: منيراً مشرقاً، فبسبب ذلك يتصرفون في المعاش والمكاسب
والأسفار والتجارات وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها ﴿إِنَ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوَّهُ دَاخِرِينَ
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُّ مَزَ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
مَن ◌َجَآءَ بِالْحَسَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّنِ فَزَعَ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ ﴿ وَمَنْ جَآءَ يِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ
M
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾.
يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وهو كما جاء في الحديث قرن ينفخ فيه.
وفي حديث الصور: إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولاً نفخة الفزع
ويطولها وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء فيفزع من
في السموات ومن في الأرض ﴿إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ وهم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم
يرزقون .
قال الإمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن
النعمان بن سالم، سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن
عمرو نظره، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.

٦٩٦
• سُوَّرَةُ النَّفِْ (٨٧، ٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً،
إنما قلت أنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً يخرب البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال
رسول الله قال: ((يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً
أو أربعين عاماً - فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس
سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلايبقى على وجه
الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد
جبل لدخلته عليه حتى تقبضه)) قال: سمعتها من رسول الله وَ ل قال: ((فيبقى شرار الناس في خفة
الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا
تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّ رزقهم حسن عيشهم،
ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً، قال: وأول من يسمعه رجل
يلوط(١) حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطراً كأنه
الطل - أو قال: الظل، نعمان الشاك، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام
ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون، ثم يقال: أخرجوا
بعث النار، فيقال: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوم يجعل
الولدان شيباً، وذلك يوم يكشف عن ساق))(٢).
وقوله ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً. الليت هو صفحة العنق؛
أي: أمال عنقه ليستمعه من السماء جيداً، فهذه نفخة الفزع، ثم بعد ذلك نفخة الصعق وهو
الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين وهو النشور من القبور لجميع الخلائق، ولهذا
قال تعالى: ﴿وَكُلُّ أَتَوْهُ دَلِخِرِينَ﴾ قرئ بالمد وبغيره(٣) على الفعل، وكل بمعنى واحد، وداخرين؛
أي: صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْنَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾
[الإسراء: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وفي
حديث الصور أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ
إسرافيل فيه بعد ما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج
أرواح المؤمنين نوراً، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقول الله : وعزتي وجلالي لترجعن كل روح
إلى جسدها. فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدبُّ السُّم في اللديغ، ثم يقومون
ينفضون التراب من قبورهم(٤)، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ سِرَاعًا كَأَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
[المعارج].
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: تراها كأنها ثابتة باقية على
ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب؛ أي: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ
(١) أي: يطينه ويصلحه.
(٢) صحيح مسلم، الفتن، باب خروج الدجال (ح ٢٩٤٠).
(٣) القراءتان متواترتان.
(٤) تقدم تخريج حديث الصور الطويل في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣ من حديث عبد الله بن عمرو .

٦٩٧
سُورَةُ النَّصْلِ (٩١، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرً ﴾﴾ [الطور]، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْجِبَالِ فَقُلْ يَنِفُهَا رَبِ نَسْفًا
مَوْرًا
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (٨) لَا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (®)﴾ [طه]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُيِّرُ
١٠٥
اْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾؛ أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة ﴿الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ
شَىْءٍ﴾؛ أي: أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾؛ أي:
هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.
ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذٍ، فقال: ﴿مَن جَآَّ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَ﴾.
قال قتادة: بالإخلاص(١).
وقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله (٢)، وقد بيَّن تعالى في الموضع الآخر أن له عشر
أمثالها ﴿وَهُم مِّنْ فَعَ يَوْمَيٍِّ ◌َامِنُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَحْزُنُّهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾
[الأنبياء: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُ أَم مَّن يَأْنِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِ اٌلْغُرُفَتِ ◌َامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَآءَ يِالسَّيِّئَةِ قَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ
فِي النَّارِ﴾؛ أي: من لقي الله مسيئاً لا حسنة له، أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه،
ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وقال ابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة رضيه، وأنس بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة
ومجاهد وإبراهيم النخعي، وأبو وائل وأبو صالح ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم، والزهري
والسدي والضحاك والحسن وقتادة وابن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ جَآءُ بِلسَِّّئَةِ﴾ يعني: بالشرك(٣).
﴿إِنََّاَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
وَأَنْ أَتْلُواْ أَلْقُرْءَانٌّ فَمَنِ أُهْتَدَى فَإِنََّا يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَأْ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
اُلْمُسْلِمِينَ
وَقُلِ الْحَمَدُ لِلَّهِ سَيُرِكُمْ ءَنِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبِّكَ يِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
يقول تعالى مخبراً رسوله وآمراً له أن يقول: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا
وَلَمُ كُلُّ شَىْءٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿قُلْ بَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ شَكٍْ مِّن دِينِ فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَقَّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤]، وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل
الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّنْ
التشريف لها والاعتناء بها، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ
جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (!)﴾ [قريش].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِى حَرَّمَهَا﴾؛ أي: الذي إنما صارت حراماً شرعاً وقدراً بتحريمه لها، كما
ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله وسلم يوم فتح مكة: ((إن هذه البلد حرمه الله
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من قول ابن مسعود څته.
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس فقد أخرجه بسند ثابت من طريق علي بن أبي
طلحة عنه.

٦٩٨
سُوْدَةُ النَّصْلِ (٩١، ٩٣)
يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر
صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها)) الحديث بتمامه(١). وقد ثبت في الصحاح
والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام،
ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ﴾ من باب عطف العام على الخاص؛ أي: هو ربُّ هذه البلدة
وربُّ كلِّ شيء ومليكه لا إله إلا هو ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: الموحدين المخلصين
المنقادين لأمره المطيعين له.
وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَ﴾؛ أي: على الناس أبلغهم إياه كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوُهُ عَلَيْكَ مِنَ
اَلْآَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ [آل عمران]، وكقوله تعالى: ﴿نَثْلُواْ عَلَيْكَ مِن ◌َّبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِآلْحَقِّ﴾
الآية [القصص: ٣]؛ أي: أنا مبلغ ومنذر، ﴿فَمَنِ اُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَأْ مِنَ
الْمُنذِرِينَ﴾؛ أي: لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم،
وخلصوا من عهدتهم وحساب أممهم على الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا
الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، وقال: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢].
﴿وَقُلِ لْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُبِكُمْ مَئِهِ، فَعْرِفُونَهَا﴾؛ أي: لله الحمد الذي لا يعذب أحداً إلا بعد قيام
الحجة عليه، والإنذار إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿سَيِكُمْ ءَايَئِ فَعْرِفُونَهَا﴾ كما قال تعالى:
﴿سَنُرِيِهِمْ ءَئِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بل هو شهيد على كل شيء.
قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر، حدثنا أبو أمية بن يعلى
الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله: ((يا أيها الناس
لا يغترن أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلاً شيئاً لأغفل البعوضة والخردلة والذرة))(٢).
وقال أيضاً: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي: أخبرني خالد بن قيس،
عن مطر، عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفِلاً شيئاً لأغفل ما تعفي الرياح من أثر
قدمي ابن آدم(٣) .
وقد ذُكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين إمّا له وإمّا لغيره:
خَلَوتُ ولكن قل عليَّ رَقِيبُ
إذا ما خَلَوتَ الدّهْرَ يوما فلا تَقُل
ولا أن ما يَخْفَى عليه يَغِيبُ
ولا تَحْسَبَّن الله يغفل ساعة
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه معلق.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.

٦٩٩
· فهرس الموضوعات
00000
0 0
1000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
فهرس الموضوعات
الموضوع
سورة الإسراء
تفسير الآيتان: ٢ - ٣
تفسير الآيات : ٤ - ٨
٤٣
٩٥
تفسير الآية: ٦٦
٤٤
٩٦
تفسير الآيات: ٦٧ - ٦٩
٤٦
تفسير الآيات: ٩ - ١١
تفسير الآية: ٧٠
٤٧
تفسير الآية: ١٢
٩٨
٩٧
تفسير الآيتان: ٧١ - ٧٢
تفسير الآيات: ٧٣ - ٧٧
١٠٠
٥٠
تفسير الآية: ١٥
تفسير الآية: ١٦
تفسير الآيتان: ٧٨ - ٧٩
٥٩
١٠١
تفسير الآيتان: ٨٠ - ٨١
١١١
٦٠
تفسير الآيات: ١٧ - ١٩
١١٣
تفسير الآيات: ٨٢ - ٨٤
٦١
٦٢
تفسير الآيات: ٨٦ - ٨٩
٦٦
١١٧
تفسير الآيات: ٩٠ - ٩٣
١١٨
تفسير الآيتان: ٩٤ - ٩٥
١٢١
تفسير الآيتان: ٩٨ - ٩٩
٧٢
تفسير الآية: ٣٣
٧٣
تفسير الآيتان: ٣٤ - ٣٥
تفسير الآيتان: ١٠٥ - ١٠٦
١٢٧
تفسير الآية: ٣٦
٧٤
١٢٨
تفسير الآيات: ١٠٧ - ١١١
٧٥
سورة الكهف
تفسير الآيات: ١ - ٥
١٣٥
٧٩
تفسير الآيات: ٩ - ١٢
١٣٧
تفسير الآيات: ١٣ - ١٦
١٤٠
تفسير الآيتان: ٤٧ - ٤٨
٨٢
٨٤
تفسير الآية: ١٧
١٤٣
تفسير الآيات: ٤٩ - ٥٢
تفسير الآية: ٥٣
تفسير الآية: ١٨
٨٦
١٤٤
١٤٥
تفسير الآيتان: ١٩ - ٢٠
٨٧
تفسير الآيات: ٥٤ - ٥٧
تفسير الآيتان: ٥٨ - ٥٩
الصفحة
الصفحة
الموضوع
تفسير الآية: ٦٠
٩١
تفسير الآية: ١
٩٢
تفسير الآيتان: ٦١ - ٦٢
٩٣
تفسير الآيات: ٦٣ - ٦٥
٤٨
تفسير الآيتان: ١٣ - ١٤
تفسير الآيتان: ٢٠ - ٢١
تفسير الآيات: ٢٢ - ٢٤
تفسير الآية : ٢٥
٦٧
تفسير الآيات: ٢٦ - ٢٨
تفسير الآيتان: ٢٩ - ٣٠
٦٩
١٢٢
تفسير الآيتان: ٩٦ - ٩٧
٧١
تفسير الآيتان: ٣١ - ٣٢
١٢٣
تفسير الآيتان: ٣٧ - ٣٨
تفسير الآيات: ٣٩ - ٤١
تفسير الآيات: ٤٢ - ٤٤
تفسير الآية: ٤٤
تفسير الآيتان: ٤٥ - ٤٦
٧٧
٧٨
تفسير الآيات: ٦ - ٨
١٣٦
تفسير الآيات: ١٠٠ - ١٠٤
١٢٤
٨١
00000000000000000000000000000000000000000001
٨٩ تفسير الآية: ٢١
١٤٦
تفسير الآية : ٨٥
١١٤

٧٠٠
• فهرس الموضوعات
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصفحة
الموضوع
الصفحة
الموضوع
٢١٤
تفسير الآيات: ١٦ - ٢١
تفسير الآيتان: ٢٢ - ٢٣
٢١٩
تفسير الآيات: ٢٤ - ٢٦
٢٢٢
١٥٤
تفسير الآية: ٢٩
٢٢٦
تفسير الآيات: ٣٤ - ٣٧
٢٢٨
تفسير الآيات: ٣٨ - ٤٠
١٥٥
تفسير الآيتان: ٣٠ - ٣١
٢٣١
تفسير الآيات: ٤١ - ٤٨
١٥٧
تفسير الآيات: ٣٧ - ٤١
٢٣٥
تفسير الآيتان: ٥٤ _ ٥٥
١٥٩
تفسير الآيات: ٤٢ - ٤٤
٢٣٧
تفسير الآيتان : ٥٦ - ٥٧
١٦٠
تفسير الآيتان: ٤٥ - ٤٦
٢٣٨
تفسير الآية: ٥٨
١٦٤
تفسير الآيات: ٤٧ - ٤٩
٢٣٩
تفسير الآيتان: ٥٩ - ٦٠
١٦٦
تفسير الآية: ٥٠
٢٤٣
تفسير الآيات: ٦١ - ٦٣
٢٤٤
تفسير الآيتان: ٦٤ _ ٦٥
١٦٩
تفسير الآيتان: ٥٢ - ٥٣
تفسير الآية: ٥٤
تفسير الآيات: ٦٦ - ٧٠
١٧٠
٢٤٧
تفسير الآيتان: ٧١ - ٧٢
٢٤٨
٢٥٣
تفسير الآية: ٧٥
٢٥٤
٢٥٥
تفسير الآيات: ٧٦ - ٨٠
١٨٠
٢٥٧
تفسير الآيات: ٨١ - ٨٤
٢٥٩
تفسير الآيات: ٨٥ - ٨٧
١٨٢
تفسير الآيات: ٧٧ - ٨١
٢٦٢
تفسير الآيات: ٨٨ - ٩٥
تفسير الآيات: ٩٦ - ٩٨
١٨٦
سورة طه
٢٦٨
٢٧٢
تفسير الآيات: ٩ - ١٦
٢٧٥
تفسير الآيات: ١٧ - ٢١
٢٧٦
تفسير الآيات: ٢٢ - ٣٥
١٩٤
تفسير الآيات: ٩٧ - ٩٩
١٩٨
تفسير الآيات: ١٠٠ - ١٠٦
٢٠٠
تفسير الآيتان: ١٠٧ - ١٠٨
٢٧٩
تفسير الآيات: ٣٦ - ٤٠
٢٠١
تفسير الآيتان: ١٠٩ - ١١٠
سورة مريم
٢٠٦
تفسير الآيات: ١ - ٦
٢٠٩
تفسير الآية: ٧
٢٩٢
تفسير الآيات : ٥٣ - ٥٦
٢٩٣
تفسير الآيات : ٥٧ - ٥٩
٢١٠
تفسير الآيات: ٨ - ١١
تفسير الآيات: ١٢ - ١٥
تفسير الآيات: ٤٠ - ٤٤
٢٨٨
تفسير الآيات: ٤٥ - ٤٨
٢٩٠
تفسير الآيات: ٤٩ - ٥٢
٢٩١
٢٩٤
٢١١ / تفسير الآيات: ٦٠ - ٦٤
١٤٧
تفسير الآية: ٢٢
٢١٧
١٤٨
تفسير الآيتان: ٢٣ - ٢٤
١٥٠
تفسير الآيتان: ٢٥ - ٢٦
تفسير الآيتان: ٢٧ - ٢٨
١٥١
تفسير الآيات: ٢٧ - ٣٣
١٥٦
تفسير الآيات: ٣٢ - ٣٦
٢٣٣
تفسير الآيات: ٤٩ - ٥٣
١٦٨
تفسير الآية: ٥١
تفسير الآيات: ٥٥ - ٥٩
١٧١
١٧٢
تفسير الآيات: ٦٠ - ٦٥
١٧٩
تفسير الآيات: ٦٦ - ٧٠
تفسير الآيات: ٧١ - ٧٣
١٨١
تفسير الآيات: ٧٤ - ٧٦
تفسير الآيتان: ٨٣ - ٨٤
١٨٨
تفسير الآيات: ١ - ٨
١٩١
تفسير الآيات: ٨٩ - ٩١
تفسير الآيات: ٩٢ - ٩٦
١٩٢
تفسير الآيات: ٨٥ - ٨٨
١٨٣
تفسير الآية: ٨٢
٢٦٣
تفسير الآيتان: ٧٣ - ٧٤