Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
• سُورَةُ الشعراء (٢٣، ٢٨)
10000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُم تُوقِنِينَ
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
٢٤
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتِعُونَ ﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَبَابِكُمُ الْأَوَّلِينَ (4)
لَمَجْنُونٌ ﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاٌ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾
وذلك أنه كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ.
چ
فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، وكانوا يجحدون الصانع جلَّ وعلا، ويعتقدون أنه لا ربَّ لهم سوى
فرعون، فلما قال له موسى: ﴿إِنِّ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦]. قال له فرعون: ومن هذا
الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال
السدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَُّّكُمَا يَمُوسَى: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى (®َ﴾ [طه] (١) ومن زعمَ من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط،
فإنَّه لم يكن مقرًّا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحداً له بالكلية فيما يظهر، وإن
كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن ربِّ العالمين ﴿قَالَ
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَنَهُمَاً﴾؛ أي: خالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه، وإلهه لا
شريك له، هو الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت
والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقِفار وجبال وأشجار وحيوانات ونبات
وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون
ذليلون.
﴿إِن كُم ◌ُوقِنِينَ﴾؛ أي: إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار نافذة، فعند ذلك التفتَ فرعون
إلى مَن حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلاً لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى
فيما قاله: ﴿أَلَا تَسْتِعُونَ﴾؟ أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهاً غيري؟ فقال لهم
موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين، الذين كانوا قبل
فرعون وزمانه. ﴿قَالَ﴾؛ أي: فرعون لقومه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَحْنُونٌ﴾؛ أي: ليس له
عقل في دعواه أن ثم ربًّا غيري. ﴿قَالَ﴾؛ أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز
من الشُبهة، فأجاب موسى بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: هو الذي
جعل المشرق مشرقاً تطلع منه الكواكب، والمغرب مغرباً تغرب فيه الكواكب: ثوابتها وسياراتها،
مع هذا النظام الذي سخّرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقاً،
فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغرباً والمغرب مشرقاً، كما أخبر تعالى عن ﴿الَّذِى حَجَّ إِبَهِكَمَ فِىِ
رَبِّهِةٍ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِنَّهِمُ بَقَ الَّذِى يُحْىِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِىءَ وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِمُ
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[البقرة: ٢٥٨]، ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته، عدَل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه،
واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ظلَّا، فقال ما أخبر الله تعالى عنه:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٦٢٢
• سُورَةُ الشعراء (٤٨،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ج﴾ قَالَ
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ
2] ﴿قَالَ لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
وَرْعَ يَدُهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ
فَأَلَّقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
فَأَتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (4)
لِلنَّظِرِينَ ﴿َ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ عَلِيمٌ ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَبْعَتْ فِىِ الْمَلِيْنِ حَشِينَ ( يَأْتُوَكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ
٣٥١
لمّا قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظنَّ أنه
ليس وراء هذا المقام مقال، فقال: ﴿لَبِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فعند ذلك قال
موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ﴾؟ أي: ببرهان قاطع واضح ﴿قَالَ فَأَتِ ◌ِهِةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (®)﴾؛ أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة،
ذات قوائم، وفم كبير، وشكل هائل مزعج ﴿ وَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: من جيبه ﴿فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ﴾؛
أي: تتلألأ كقطعة من القمر، فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد، فقال للملإ حوله ﴿إِنَّ هَذَا
لَسَحِرُ عَلِيمٌ﴾؛ أي: فاضل بارع في السحر، فروَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل
المعجزة، ثم هيَّجهم وحرضَّهم على مخالفته والكفر به، فقال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِخْرِهِ.
فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾﴾؛ أي: [أراد] (١) أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره
وأتباعه، ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ ﴿قَالُواْ أَرْجِةٍ
وَأَخَهُ وَأَبْعَثْ فِىِ لْدَلِنِ حَشِينَ ﴿ يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ ()؛ أي: أَخِّره وأخاه حتى تجمع له
من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سخّار عليم يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت،
وتكون لك النصرة والتأييد، فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك
ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.
ـ لَعَلََّ نَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مَجْتَمِعُونَ
﴿فَجُيِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (
كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَا نَحْنُ الْغَلِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ
إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ
٤٢
قَالَ لَهُمْ قُوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨) فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَا
لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ ﴿﴿ فَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿ فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿ قَالُواْ ءَامَنَّا
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (مية
ذكر الله تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى ظلّلا والقِبط في سورة الأعراف، وفي سورة
طه، وفي هذه السورة، وذلك أنَّ القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتمَّ
نوره ولو كره الكافرون، وهذا شأن الكفر والإيمان ما تواجها وتقابلا إلّا غلبه الإيمان ﴿بَلْ نَفْذِفُ
بِأَلْنِيَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ ﴿4﴾ [الأنبياء] ﴿وَقُلْ جََّ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ
الْبَاطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾﴾ [الإسراء]، ولهذا لما كاء السحرة وقد جمعوهم من أقاليم بلاد
مصر، وكانوا إذ ذاك من أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلاً في ذلك، وكان السحرة جمعاً
كثيراً وجماً غفيراً، قيل: كانوا اثني عشر ألفاً، وقيل: خمسة عشر ألفاً، وقيل: سبعة عشر ألفاً،
(١) زيادة من (ح) و(حم).

٦٢٣
• سُورَةُ الشعراء (٤٩، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقيل: تسعة عشر ألفاً، وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً، وقيل: ثمانين ألفاً، وقيل: غير ذلك، والله
أعلم بعدتهم.
قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعاً إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم، وهم: سابور، وعاذور،
وحطحط، ويصفى، واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿لَعَلَنَا نَّعُ السَّحَرَةَ إِن
كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ ﴾﴾ ولم يقولوا نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على
دين ملكهم ﴿فَلَّا جَآءَ السَّحَرَةُ﴾؛ أي: إلى مجلس فرعون، وقد ضربوا له وطاقاً، وجمع خدمه
وحشمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السحرة بين يديّ فرعون يطلبون منه الإحسان
إليهم والتقرب إليه إن غلبوا؛ أي: هذا الذي جمعتنا من أجله، فقالوا: ﴿أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ
الْغَلِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ ﴾﴾؛ أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين
عندي وجلسائي؛ فعادوا إلى مقام المناظرة ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى
٦٥
قَالَ بَلْ أَلْقُواْ﴾ [طه: ٦٥، ٦٦] وقد اختصر هذا ههنا، فقال لهم موسى: ﴿أَلْقُوْ مَآ أَنْتُم مُلْقُونَ
٤٣
فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ ﴾﴾ وهذا كما تقول الجهلة من العوام إذا
فعلوا شيئاً هذا بثواب فلان، وقد ذكر الله تعالى في سورة الأعراف أنهم ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ
وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَهُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [١١٦]. وقال في سورة طه: ﴿فَإِذَا جِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ
أَّا تَتْعَى فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِفَةً مُوسَى ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٨َ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ نَلَقَفْ مَا
صَنَعُوَاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَى (٣)﴾ وقال ههنا: ﴿فَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ
تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾﴾؛ أي: تخطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئاً. قال الله
تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ (9) وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ
قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (®)﴾ [الأعراف] فكان هذا أمراً عظيماً جداً،
وبرهاناً قاطعاً للعذر، وحجَّة دامغة، وذلك أن الذي استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، غلبوا
وخضعوا، وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، سجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موسى وهارون
بالحق وبالمعجزة الباهرة، فغلب فرعون غلباً لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحاً جريئاً، عليه
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهدَّدهم
ويتوعَّدهم ويقول: ﴿إِنَُّ لَكَبِيرُّكُمْ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّخْرُّ﴾ [طه: ٧١] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى
الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣].
﴿قَالَ ءَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُ
وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قَالُوْ لَا ضَيْرٌّ لِّآ إِلَى رَيْنَا مُنقَلِبُونَ ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبَُّ
﴾.
خَطَآ أَنْ كُتَّ أَوَلَ الْمُؤْمِنِينَ
تهدَّدهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعَّدهم فما زادهم إلا إيماناً وتسليماً، وذلك إنه قد كشف عن
قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحقُّ بعلمهم ما جهل قومهم من أن هذا الذي جاء به موسى لا
يصدر عن بشر إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه،
ولهذا لما قال لهم فرعون: ﴿وَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما

٦٢٤
• سُورَةُ الشعراء (٥٢، ٥٩)
فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم فإني أنا الحاكم
المطاع ﴿إِنَّهُ لَكِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَّكُمُ السِّخْرَ﴾ وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا
بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل.
ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب فقالوا: ﴿لَا ضَيْرٌّ﴾؛ أي: لا حرج، ولا
يضرنا ذلك، ولا نبالي به ﴿لِّآَ إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: المرجع إلى الله مت، وهو لا يضيع أجر
من أحسن عملاً، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء، ولهذا قالوا:
﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَيَنَآً﴾؛ أي: ما قارفنا من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر ﴿أَن
كُنَّآَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القِبط إلى الإيمان. فقتلهم كلَّهم.
﴿﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَقَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُ مُتَبَعُونَ
نه
ـهَ إِنَّ
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى الْمَلَايِنِ حَشِرِينَ
﴿ وَلِنَّهُمْ لَنَا لَغَ يِظُونَ
هَؤُلَاءٍ لَشِرْزِمَةٌ قَلِلُونَ
وَإِنَّا ◌َجَمِيعُ حَذِرُونَ
OV
وگُنُوزٍ
فَأَخْرَحْنَهُم مِّنِ جَتَّتٍ وَعُونٍ
٥٦
وَمَقَامٍ كَرِيِرٍ (٨ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ
لما طال مقام موسى ظلّ ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم
مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبقَ لهم إلا العذاب والنّكال، فأمر الله تعالى موسىعَلَّا أن
يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى لعلّ ما أمره به
ربه ، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حلياً كثيراً، وكان خروجه بهم فيما ذكره غير
واحد من المفسرين وقت طلوع القمر.
وذكر مجاهد تَخَّتُهُ أنه كسف القمر تلك(١) الليلة، فالله أعلم، وأن موسى لعلَّا سأل عن قبر
يوسف عظلّ*، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي
حمله بنفسه عَلَّا، وكان يوسف لعلّها قد أوصى بذلك، إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم.
وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم تَخُّْ فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا
عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا [ابن فضيل](٢)، عن يونس بن أبي إسحاق، عن ابن
أبي بردة، عن أبيه، أبي موسى قال: نزل رسول الله ولو بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله وَله:
((تعاهدنا؟)) فأتاه الأعرابي، فقال له رسول الله وَله: ((ما حاجتك؟)) قال: ناقة برحلها وأعنز
يحتلبها أهلي، فقال: ((أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟)) فقال له أصحابه: وما عجوز
بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: ((إن موسى ظلّا لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضلَّ الطريق،
فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف لعلّلا لما
حضرته الوفاة أخذ علينا موثقاً من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم
موسى: فأيّكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها فقال
لها: دلِّيني على قبر يوسف، فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، فقال لها: وما حكمك؟
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: ((ابن فضل)).

٦٢٥
سُورَةُ الشعراء (٦٠، ٦٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة، فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها - قال -
فانطلقت معهم إلى بحيرة - مستنقع ماء - فقالت لهم: انضبوا هذا الماء، فلما أنضبوه قالت:
احفروا، فلما حفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار))(١) وهذا
حديث غريب جداً، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.
فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون، واشتدَّ غضبه على بني
إسرائيل لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعاً في بلاده حاشرين؛ أي: من يحشر الجند
ويجمعه كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ يعني: بني إسرائيل ﴿لَشِرْزِمَةٌ قَلِلُونَ﴾؛ أي:
الطائفة قليلة ﴿وَإِنَهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ (®﴾؛ أي: كل وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا ﴿وَإِنَّا ◌َجَمِيعُ حَذِرُونَ
(@))؛ أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد
خضراءهم، فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
وَكُرٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (®﴾؛ أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية
والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق، والملك والجاه الوافر في الدنيا ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِّ إِسْرَِّيلَ
﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِىِ بَرَّكْنَا فِيهَا
وَثَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ وَمَا
كَانُواْ يَعْرِشُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّهُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِ الْأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ (
وَثُمَكِّنَ لَمْ فِ اَلْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َا
كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص].
٠َ قَلَ كَلَّ إِنَّ مَّعِىَ
٦٣
﴿فَتْبَعُهُمْ مُشْرِفِينَ ﴾ فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
رَبِ سَيَهْدِينِ ﴿﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْرِ اٌلْعَظِيمِ
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴿٨ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا
أَجْمَعِينَ
وَأَنْجَيَّنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ:
وَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ وَّ
(٦٨)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَمُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ
ذكر غير واحد من المفسرين أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير، هو عبارة عن
مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحلِّ والعقد والدول من الأمراء والوزراء والكبراء
والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات من أنه خرج في ألف ألف وستمائة
ألف فارس ومنها مائة ألف علی خیل دهم.
وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم (٢)، وفي ذلك نظر، والظاهر أن ذلك من
مجازفات بني إسرائيل، والله ◌َُّلَ أعلم.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يونس: صدوق يهم قليلاً ولعله هو الذي رفع الحديث،
وأخرجه ابن حبان (موارد الظمآن ح٢٤٣٥)، والحاكم كلاهما من طريق محمد بن فضيل به وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٧١/٢)، وأخرجه أبو يعلى وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (مجمع
الزوائد ١٧٠/١٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب بلفظ: ((على =

٦٢٦
• سُورَةُ الشعراء (٦٨،٦٠)
والذي أخبر به القرآن هو النافع، ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته، ألا أنهم خرجوا بأجمعهم.
﴿فَتْبَعُوهُمْ تُشْرِفِينَ ﴾﴾؛ أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها، ﴿فَلَمَّا تَرََّا
الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك ﴿قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ﴾ وذلك
أنهم انتهى بهم السير إلى سيف البحر (١)، وهو بحر القلزم(٢)، فصار أمامهم البحر وقد أدركهم
فرعون بجنوده، فلهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ ﴾ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ (٣)﴾؛ أي: لا يصل
إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير ههنا بكم، وهو رجل لا يخلف
الميعاد، وكان هارون لعلّل في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، ومؤمن آل فرعون، وموسىلفَّ
في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن
نون أو مؤمن آل فرعون، يقول لموسى لعلّلها: يا نبي الله ههنا أمرك ربك أن تسير؟ فيقول: نعم،
فاقترب فرعون وجنوده ولم يبقَ إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسىظلَّله أن يضرب بعصاه
البحر، فضربه وقال: انفلق بإذن الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن
حمزة بن محمد بن يوسف، عن عبد الله بن سلام أن موسى ظلّ لما انتهى إلى البحر قال: يا
من كان قبل كلِّ شيء، والمكوّن لِكلِّ شيء، والكائن بعد كلِّ شيء، اجعل لنا مخرجاً،
فأوحى الله إليه ﴿أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ﴾(٣).
وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع،
فبات البحر تلك الليلة وله اضطراب، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه
موسى، قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله أين أمرك ربك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب
البحر، قال: فاضربه (٤).
وقال محمد بن إسحاق، أوحى الله - فيما ذُكر لي - إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه
فانفلق له، قال: فبات البحر يضطرب ويضرب بعضه بعضاً فرقاً من الله تعالى، وانتظاراً لما
أمره الله، وأوحى الله إلى موسى ﴿أَنِ أُضْرِبِ يِّعَصَاكَ الْبَحْرِّ﴾ فضربه بها، ففيها سلطان الله الذي
أعطاه، فانفلق(٥)، ذكر غير واحد أنه جاء فكنَّاه، فقال: انفلق عليّ [أبا خالد] (٦) بحول الله.
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَوْرِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: كالجبل الكبير، قاله ابن مسعود
وابن عباس ومحمد بن كعب والضحاك وقتادة وغيرهم(٧).
= سبعين ألفاً من دُهُم الخيل))، والخبر من الإسرائيليات.
(٢) أي: البحر الأحمر.
(١) أي: شاطئ البحر.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.
(٤) أخرج ابن أبي حاتم جزء منه بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والخبر من
الإسرائیلیات.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق.
(٦) زيادة من (ح) و(حم).
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا خبر ابن عباس فقد أخرجه بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة
عنه .

٦٢٧
سُورَة الشعراء (٦٠، ٦٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عطاء الخراساني: هو الفجّ بين الجبلين(١).
وقال ابن عباس: صار البحراثني عشر طريقاً لكل سبط طريق(٢).
وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيلة كالحيطان.
وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبساً كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَأَضْرِبْ لَمْ
طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾(٣) [طه: ٧٧].
وقال في هذه القصة ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (9)﴾؛ أي: هنالك. قال ابن عباس وعطاء الخراساني
وقتادة والسدي ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾؛ أي: قرَّبنا من البحر فرعون وجنوده، وأدنيناهم إليه (٤) ﴿ وَجَيْنَا مُوسَى
وَمَنْ مَّ
٦٦
أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على
؛
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ
مَّعَهٌُ أَجْمَعِينَ
دينهم، فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك.
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة،
حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله هو: ابن
مسعود أن موسى علا حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك، فأمر بشاة فذبحت، وقال: لا
والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط، فانطلق موسى حتى انتهى إلى
البحر، فقال له: انفرق، فقال له البحر: قد استكبرت يا موسى، وهل انفرقت لأحد من ولد
آدم، فأنفرق لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرجل، أين أمرت يا
نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه، قال: والله ما كذب ولا كذبت، ثم اقتحم الثانية فسبح
ثم خرج، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال: والله ما كذب ولا
كذبت، قال: فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه، فانفلق،
فكان فيه اثنا عشر سبطاً لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى، وتتام أصحاب
فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم(٥).
وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خرج آخر
أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، انطمَّ عليهم البحر، فما رُئي سواد أكثر من يومئذٍ،
وغرق فرعون(٦) لعنه الله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ﴾؛ أي: في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد
لعباد الله المؤمنين، لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ()
تقدم تفسيره.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه أبو سعد الأعول وهو ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: ((كهيئة الطيقان)).
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عنه، وقول عطاء أخرجه ابن أبي
حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول
السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، وسنده حسن.

٦٢٨
• سُوَرَّةُ الشعراء (٦٩، ٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُ لَا
إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ
﴿وَقْلُ عَلَيْهِمْ تَبَّأَ إَِّهِيمَ (®
قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا كَذَلِكَ
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (
عَكِفِينَ
يَفْعَلُونَ
قَالَ أَفَوَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿ أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَعُونَ ﴿ فَإنَهُمْ عَدُوٌّ لِيَّ إِلَّا رَبَّ
VE
W
اُلْعَلَمِينَ
هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ظلَّل إمام الحنفاء، أمر الله تعالى
رسوله محمداً ل﴿ أن يتلوه على أُمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا
شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل؛ أي: من صغره
إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله رَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ
وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ (®)﴾؛ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُ لَهَا
لَكِفِينَ (®﴾؛ أي: مقيمين على عبادتها ودعائها ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ
قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (®﴾ يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئاً من
يَضُرُونَ
ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون، فعند ذلك قال لهم إبراهيم:
﴿أَفََّيْتُم مَّا كُتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٢ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَعُونَ ﴿٣ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾؛ أي:
إن كانت هذه الأصنام شيئاً ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أبالي بها ولا
أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبراً عن نوح لعلّها: ﴿فَأَحِعُواْ أَمْرَّكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُّكُمْ
عَلَيْكُمْ غُمَّةُ ثُمَّ ◌َقْضُوْاْ إِلَىَ وَلَا نُظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]، وقال هودالعظنّه: ﴿إِنِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّا أَنِى
بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ مِن دُونٍِّ، فَكِيدُونِىِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُظِرُونِ ﴿ إِ تَوَكَّتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّا
هُوَ ءَاِخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ [هودا، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال:
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٨١]. وقال تعالى:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُنْوَّةُ حَسَنَةٌ فِىِّ ◌َِهِيمَ وَلَّذِيْنَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤًا مِنْكُمْ وَمَِّّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
كَفَرَّنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبْدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِلَهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ
قَالَ إِبَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَةٌ
فِى عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (®﴾ [الزخرف]، يعني: لا إله إلا الله.
42 ﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ ﴿ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِيْنِ ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
٨٠
وَالَّذِى يُسِتُنِ ثُمَّ يُحْبِينِ ﴿ وَاَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَقِ يَوْمَ الذِيْنِ
يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء ﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ (®﴾؛ أي: هو الخالق
الذي قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء
ويضلُّ من يشاء ﴿وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَسَّقِينِ ﴾﴾؛ أي: هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من
الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزن، وأنزل الماء وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل
الثمرات رزقاً للعباد، وأنزل الماء عذباً زلالاً يسقيه مما خلق أنعاماً وأناسي كثيراً.
وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾﴾ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه
وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدباً، كما قال تعالى آمراً للمصلي أن يقول: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ

٦٢٩
• سُورَةُ الشعراء (٨٣، ٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[الفاتحة]، فأسند
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ
الْمُسْتَقِيمَ
الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدباً، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت
الجن: ﴿وَأَنَّا لَ نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ اْلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾﴾ [الجنا، وكذا قال
إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾﴾؛ أي: إذا وقعت في مرض، فإنه لا يقدر على شفائي
أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه ﴿وَلَّذِى يُمِتُنِ ثُمَّ يُحْبِينِ ﴾﴾؛ أي: هو الذي
يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِ
خَطِيَّقِ يَوْمَ الذِينِ (٨)﴾؛ أي: لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر
الذنوب إلا الله، وهو الفعَّال لما يشاء.
وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ ﴿ وَجْعَلْنِى
﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ
وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلّيْنَ ﴿ وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ
(٨٥)
مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ
وَلَا بَنُونَ ﴿َ إِلَّا مَنْ أَنَ اللَّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
وهذا سؤال من إبراهيم عليّ أن يؤتيه ربه حكماً. قال ابن عباس: وهو العلم(١).
وقال عكرمة: هو اللّب(٢)(٣).
وقال مجاهد: هو القرآن(٤).
وقال السدي: هو النبوة(٥).
وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِى بِلصَّالِحِينَ﴾؛ أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال
النبيِ نَّه عند الاحتضار: ((اللَّهم في الرفيق الأعلى))(٦). قالها ثلاثاً.
وفي الحديث في الدعاء: ((اللَّهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير
خزايا ولا مبدلين)) (٧)
وقوله: ﴿وَأَجْعَل لِِّ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِرِينَ ﴾﴾؛ أي: واجعل لي ذكراً جميلاً بعدي أذكر به
كَذَلِكَ نَجْزِى
ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ آَخِرِينَ ﴿١٣٨ سَلَمُ عَلَىَ إِزَهِيمَ
الْمُحْسِنِينَ (19)﴾ [الصافات].
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جداً فيه مطر بن ميمون وهو متروك كما في التقريب.
(٢) أي: العقل.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن مسلم عن عكرمة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط السدي.
(٦) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﴿ه (صحيح البخاري، الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءَه
ح٦٥٠٩، وصحيح مسلم، السلام، باب استحباب رقية المريض ح٢١٩١).
(٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبيد الزرقي ظُه (المسند ٢٤٦/٢٤، ٢٤٧ ح ١٥٤٩٢)، وقال محققوه:
رجاله ثقات، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح٦٩٩)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد
(ح ٥٣٨)، وأخرجه الحاكم وصححه واستدرك عليه الذهبي بقوله: والحديث مع نظافة إسناده منكر، أخاف
أن يكون موضوعاً (المستدرك ٥٠٦/١).

٦٣٠
• سُورَةُ الشَّجَرَاءِ (٨٣، ٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال مجاهد وقتادة: ﴿وَأَجْعَل لَّىِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْأَخِرِينَ ﴾﴾ يعني: الثناء الحسن(١).
قال مجاهد: [كقوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢]] وكقوله: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ فِ
الدُّنْيَا وَإِنَُّ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾(٢) [العنكبوت: ٢٧].
وكقوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢].
قال ليث بن أبي سُليم: كلُّ مِلَّة تحبه وتتولاه(٣)، وكذا قال عكرمة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَجْعَلْنِ مِنْ وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَِّيمِ ﴾﴾؛ أي: أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل
بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم.
وقوله: ﴿وَأَغْفِرٍ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ ﴾﴾، كقوله: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَىَّ﴾ [إبراهيم: ٤١] وهذا
مما رجع عنه إبراهيم علَّله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ قَّوْعِدَةٍ
وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَهُ, عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ إِنَّ إِبْزَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ (19)﴾ [التوبة] وقد قطع تعالى
الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ فِىَّ إِثَهِيمَ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ
إِنَّا بُرَهَاؤًا مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَِّ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ:
إِلَّا قَوْلَ إِبَزِهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقوله: ﴿وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٣)﴾؛ أي: أجرني من الخزي يوم القيامة يوم يبعث الخلائق
أولهم وآخرهم. قال البخاري عند هذه الآية: قال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن
سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رَظُه، عن النبي وَّر قال: ((إن إبراهيم رأى
أباه يوم القيامة عليه الغَبَرة والقَتَرة))(٤).
حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن
النبي ◌َّ﴿ قال: ((يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا ربِّ إنك وعدتني أنك لا تخزني يوم يبعثون،
فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين))(٥) هكذا رواه عند هذه الآية. وفي أحاديث
الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفرداً به، ولفظه: ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر
فترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول
إبراهيم: يا ربِّ إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد
فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم انظر تحت رجلك،
فينظر، فإذا هو بذيخ(٦) متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار))(٧).
وقال عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير: وقوله: ﴿وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ
(١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الحكم بن عتيبة عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حسين الجعفي عن ليث.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه هكذا معلقاً (الصحيح، التفسير، سورة الشعراء، باب ﴿وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
[الشعراء: ٨٧] ح ٤٧٦٨) وقد وصله البخاري كما في الحديث التالي والذي يليه.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٤٧٦٩).
(٦) الذيخ: هو ذكر الضباع (النهاية ١٧٤/٢).
(٧) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﴿له مرفوعاً (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى:
﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].

٦٣١
سُورَةُ الشعراء (٩٠، ١٠٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن
عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَاليه:
((إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال:
لكني اليوم لا أعصيك واحدة، قال: يا رب وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه
فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم إني حرمتها على الكافرين فأخذ منه. قال: يا إبراهيم أين
أبوك؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل منك، فنظر، فإذا [ذيخ](١) يتمرغ في نتنه، فأخذ
بقوائمه فألقي في النار)) وهذا إسناد غريب، وفيه نكارة، والذيخ هو الذكر من الضباع، كأنه حول
آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته فيلقى في النار كذلك(٢)، وقد رواه البزار بإسناده من حديث
حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي وَلَّ(٣) وفيه غرابة،
ورواه أيضاً من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي وَّ بنحوه (٤).
وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (®)﴾؛ أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى
بملء الأرض ذهباً ﴿وَلَا بَنُونَ﴾؛ أي: ولو افتدى بمن على الأرض جميعاً، ولا ينفع يومئذٍ إلا
الإيمان بالله وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ ﴾﴾؛ أي: سالم من الدنس والشرك.
قال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله
يبعث من في القبور(٥).
وقال ابن عباس: ﴿إِلَّا مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾﴾ حَيِيَ أن يشهد أن لا إله إلا الله(٦).
وقال مجاهد والحسن وغيرهما ﴿يِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يعني: من الشرك(٧).
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب
المنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة، المطمئن إلى السنة.
وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِيِنَ
٩٠
﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
مِن دُونِ
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
٩١
اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ أَوْ يَنَصِرُونَ
٩٣
فَكُبْكِبُواْ فَِهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ
وَحُدُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٥) قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا
٩٤
وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّ الْمُجْرِمُونَ
يَخْلَصِمُونَ ﴿٨ تَلَّهِ إِن كُنَا لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴿٨ إِذْ نُوِّيَكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ (١)
فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ
) وَلَ صَدِيِقٍ حَيِمٍ ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةٌ
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَّوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (3َ﴾﴾.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾؛ أي: قرُبت وأدنيت من أهلها مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين
(١) كذا في (ح) و(حم) والسنن الكبرى للنسائي، وفي الأصل صُحف إلى: ((بذبح)).
(٢) السنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح١١٣٧٥)، ويتقوى بسابقه.
(٣) يشهد له روايات البخاري السابقة.
(٤) يشهد له روايات البخاري السابقة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه يحيى بن عمرو بن مالك: وهو ضعيف كما في التقريب.
(٧) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند
جید من طريق جسر اليمامي عنه.

٦٣٢
• سُوَدَّةُ الشعراء (١١٠،١٠٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴾؛ أي: أظهرت
اَلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
﴿وُرّزتِ
رغبوا فيها على ما في الدنيا، وعملوا لها في الدنيا
وكشف عنها، وبدت منها عنق فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر، وقيل: لأهلها تقريعاً
وتوبيخاً ﴿أَيْنَ مَا كُمْ تَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ أَوْ يَنْنَصِرُونَ (٣)﴾؛ أي: ليست الآلهة التي
عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تُغني عنكم اليوم شيئاً، ولا تدفع عن أنفسها،
فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون.
وقوله: ﴿فَكُبِكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴾﴾ قال مجاهد: يعني فَدُهْوِرُوا فيها(١). وقال غيره: كُبُّوا
فيها، والكاف مكررة، كما يقال: صرصر، والمراد أنه ألقي بعضهم على بعض من الكفار
وقادتهم الذين دعوهم إلى الشك ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (9)﴾؛ أي: أُلقوا فيها عن آخرهم ﴿قَالُواْ
وَهُمْ فِيَهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٨ تَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿﴿ إِذْ نُوِّيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (®)﴾؛ أي: يقول
الضعفاء للذين استكبروا ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]؟
ويقولون: وقد عادوا على أنفسهم بالملامة ﴿قَلَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿ إِذ ◌ُوِيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
(٣)﴾؛ أي: نجعل أمركم مطاعاً كما يطاع أمر ربِّ العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين ﴿وَمَآ
(93)﴾؛ أى: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ (19)﴾ قال
أَضَلَّنَآ إِلَّا الْمُجْرِفُونَ
بعضهم: يعني: من الملائكة كما يقولون: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَتَعَمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى
كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وكذا قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ (٣) وَلَا صَدِيقٍ حَيٍ ﴾﴾؛ أي:
قریب.
قال قتادة: يعلمون واللهِ أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً
شفع(٢).
﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ وذلك أنهم يتمنون أن يردُّوا إلى دار الدنيا ليعملوا
بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم لو ردّهم إلى دار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم
لكاذبون، وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (ص) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقّ
تَخَاصُُ أَهْلِ النَّارِ ﴿٣)﴾ [صّ] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ تُؤْمِنِينَ (®)﴾؛ أي: إن
في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآية؛ أي: لدلالة واضحة جلية على
١٠٤)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَرِزُ الَّحِيمُ
أن لا إله إلا الله ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (9)
فَاتَّقُواْ
] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُ أَلَا نَنَّقُونَ ﴿ إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿َ) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
هذا إخبار من الله رَك عن عبده ورسوله نوح ظلّ*، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض
بعد ما عبدت الأصنام والأنداد، فبعثه الله ناهياً عن ذلك ومحذراً من وبيل عقابه، فكذبه قومه،
فاستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى: ونزل الله تعالى
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع من مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن سعيد المسمعي عن قتادة، ويحيى لم أقف على ترجمة له.

٦٣٣
• سُورَةُ الشِرَاءِ (١٢٢،١١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إِذْ قَالَ لَمْ
١٠٥٦
تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل، فلهذا قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ
أَخُوهُمْ نُعُ أَلَا نَتَّقُونَ (3)﴾؛ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (®)﴾؛ أي:
إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص
﴿ وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الآية؛ أي: لا أطلب منكم جزاء على
منها ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
فقد وضح لكم وبان صدقي
نصحي لكم، بل أدّخر ثواب ذلك عند الله ﴿فَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ
ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به [وائتمنني](١) عليه.
قَالُوَأْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (٨) قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (19) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّ
5
:إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
عَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ (
يقولون: لا نؤمن لك، ولا نتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل، الذين اتبعوك وصدقوك
وهم أراذلنا، ولهذا ﴿ قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
أي: وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي؟ ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه، لا يلزمني التنقيب
عنهم والبحث والفحص، إنما عليّ أن أقبل منهم تصديقهم إياي، وأكل سرائرهم إلى الله رَك ﴿إِنّ
·كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه،
حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ (٣) وَمَّ أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِينَ ◌َ
فأبى عليهم ذلك وقال: ﴿وَمَآ أَنَأْ يِطَارِدِ الْمُؤْمِينَ ﴿ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾؛ أي: إنما بعثت نذيراً،
فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وأنا منه، سواء كان شريفاً أو وضيعاً، أو جليلاً أو حقيراً.
فَافْتَحْ بینِ
﴿قَالُواْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ يَنَنُوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ (٦)
ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ
﴿ فَأَيْنَهُ وَمَن ◌َعَهُ فِىِ الْقُلْكِ اُلْمَشْحُونِ
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَِّى وَمَن ◌َّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الْبَاقِينَ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
.
لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم، يدعوهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وكلما
كرر عليهم الدعوة صمَّموا على الكفر الغليظ والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر: ﴿قَالُواْ لَيْنِ لَّمْ
تَنْتَهِ يَدْنُعُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (٣٦)﴾؛ أي: لئن لم تنته من دعوتك إيانا إلى دينك، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْمَرْجُوبِينَ﴾؛ أي: لنرجمنك، فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمى
كَذَّبُنِ فَأَفْتَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَِّى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1)﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا
وَفَجَّرْنَا اُلْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَفَى الْمَآءُ عَلَىَ أَمْرٍ قَدْ
) فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُنْهَمٍِ
رَبَّهُوَ أَنِى مَغُلُوبٌ فَأَنْنَصِرْ
قُدِّرَ ﴿﴿ وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجِ وَدُسُرِ ﴿٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَآءٍ لِّمَنْ كَنَ كُفِرَ ﴾﴾﴾ [القمر]، وقال ههنا:
ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (٣)﴾ والمشحون هو المملوء بالأمتعة
﴿فَأَنَّنَهُ وَمَنْ مَعَهُ فِ اَلْقُلْكِ اُلْمَشْحُونِ
والأوزاج التي حمل فيها من كل زوجين اثنين؛ أي: أنجينا نوحاً ومن اتبعه كلهم، وأغرقنا من
كفر به وخالف أمره كلهم أجمعين ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
اٌلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: ((وايتمني))

٦٣٤
• سُورَةُ الشعراء (١٢٣، ١٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُوَّ أَلَا نَنَقُونَ
﴿كَتَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ
فَأَنَّقُواْ
(٢٥)
إِنِّيِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينُ
ءَايَةٌ تَعْبَثُونَ
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِبع
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٨) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِ الْعَلَمِينَ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَأَنَّقُواْ
وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ (٣٩) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَّارِينَ
اُلَّذِىّ أَمَتَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ
(٢٥) .
عَظِيمٍ
أَمَدَّكُ بِأَنْعَمِ وَبَنِينَ (٣) وَحَنَاتٍ وَعُيُونٍ
إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ
وهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود ظلَّلها، أنه دعا قومه عاداً، وكان قومه يسكنون
الأحقاف، وهي جبال الرمل قريباً من حضرموت، من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم
نوح، كما قال في سورة الأعراف: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِ الْخَلْقِ
بَصْطَةً﴾ [٦٩]، وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول
المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع
ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هوداً إليهم رجلاً منهم رسولاً وبشيراً ونذيراً، فدعاهم إلى الله
وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه، فقال لهم كما قال نوح لقومه إلى أن قال:
(٢٨)
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةً تَعْبَثُونَ
اختلف المفسرون في الربع بما حاصله أنه المكان المرتفع عند جواد (١) الطرق المشهورة، يبنون
هناك بنياناً محكماً هائلاً باهراً، ولهذا قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةً﴾؛ أي: معلماً بناء مشهوراً
﴿تَعْبَثُونَ﴾؛ أي: وإنما تفعلون ذلك عبثاً لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللَّهو وإظهار القوة،
ولهذا أنكر عليهم نبيهم معللا ذلك، لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما
لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
(٢٩)
قال مجاهد: والمصانع البروج المشيدة والبنيان المخلد(٢)، وفي رواية عنه: بروج الحمام(٣).
وقال قتادة: هي مأخذ الماء(٤).
قال قتادة: وقرأ بعض الكوفيين: ((وتتخذون مصانع كأنكم خالدون))(٥).
وفي القراءة المشهورة ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَاِعَ لَعَلَّكُمْ تَّخْلُدُونَ (19)﴾؛ أي: لكي تقيموا فيها أبداً وذلك
ليس بحاصل لكم بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم.
وروى ابن أبي حاتم لكَّتُهُ: حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن
عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، أن أبا الدرداء رضيبه لما رأى ما أحدث المسلمون في
الغوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه،
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون، ألا تستحيون؟ تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما
(١) أي: الطريق الكبير الذي يجمع الطرق.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند فيه مسلم بن خالد الزنجي وهو صدوق كثير الأوهام.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة والقراءة شاذة تفسيرية.

٦٣٥
سُورَة الشعراء (١٣٦، ١٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون
فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غروراً، وأصبح جمعهم بوراً، وأصبحت مساكنهم
قبوراً، ألا إن عاداً ملكت ما بين عدن وعمان خيلاً وركاباً، فمن يشتري مني ميراث عاد
بدرهمين(١)؟
وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (٣)﴾؛ أي: يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ ﴾؛ أي: اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم، ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم، فقال:
﴿َ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ
وَجَنَّتِ وَعُيُونٍ
:أَمَتَّكُمْ بِأَنْعَمِ وَيَنِينَ
﴿ وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ
عَظِيمٍ (9))؛ أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع.
﴿قَالُواْ سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَعِظِينَ (٣) إِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ اُلْأَوَّلِينَ (49) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (®﴾.
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَهُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ◌َِ
(٣٨
يقول تعالى: مخبراً عن جواب قوم هود له بعد ما حذرهم وأنذرهم، ورغبهم ورهبهم، وبين
لهم الحق، ووضحه ﴿قَالُواْ سَوَلَهُ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَعِظِينَ ﴾﴾؛ أي: لا نرجع عما
نحن عليه ﴿وَمَا نَّحْنُ بِتَارِكِيِّ ءَالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣]، وهكذا الأمر،
فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [البقرة]،
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٧) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَقَّى يَرَوَأ
اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ [يونس].
وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَلِينَ (٣)﴾ قرأ بعضهم (إن هذا إلا خَلْق الأولين) بفتح الخاء
وتسكين اللام(٢). قال ابن مسعود والعوفي عن عبد الله بن عباس وعلقمة ومجاهد: يعنون ما
هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين(٣)، كما قال المشركون من قريش ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ
الْأَوَّلِينَ [اكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةُ وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ
رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾(٤) [النحل] وقرأ آخرون ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
٣٧)﴾ بضم
الخاء واللام(٥)، يعنون دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الآباء والأجداد،
ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا
معاد، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِعُعَذَّبِينَ
قال علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (٣)﴾ يقول: دين الأولين(٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٢) القراءتان متواترتان.
(٣) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسندين صحيحين من طريق علقمة عنه، وقول العوفي عن ابن عباس أخرجه
ابن أبي حاتم بسند ضعيف وقد أخرجه هو والطبري بطريق آخر ثابت عن علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس، وقول علقمة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عامر الشعبي عنه وقول مجاهد
أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) زيادة من (ح) و(حم).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) وهي قراءة متواترة.

٦٣٦
• سُورَةُ الشعراء (١٤١، ١٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقاله عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير (١).
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُهُ فَأَهْلَكْنَهُمْ﴾؛ أي: استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده،
فأهلكهم الله وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحاً صرصراً
عاتية؛ أي: ريحاً شديدة الهبوب، ذات برد شديد جداً، فكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم
كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال تعالى: ﴿أَلَّمْ تَرَ
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿﴿ إِرَمَ ذَاتِ اَلْعِمَادِ ﴾﴾ [الفجر] وهم عاد الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ، أَهْلَكَ
عَادًا أَلْأُولَى
[النجم] وهم من نسل إرم بن سام بن نوح ﴿ذَاتِ اَلْعِمَادِ﴾ الذين كانوا يسكنون
٥٠
العمد، ومن زعم أن إرم مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس
(ب)﴾ [الفجر]؛ أي: لم يخلق مثل
لذلك أصل أصيل، ولهذا قال: ﴿أَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ
هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها
في البلاد، وقال تعالى: ﴿فَمَّا عَادٌ فَأَسَتَكْبَرُواْ فِ الْأَرَضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوَاْ أَنَّـ
اَللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِشَايَقِنَا يَجْحَدُونَ ﴾﴾ [فصلت]، وقد قدمنا أن الله تعالى لم
يرسل عليهم من الريح إلا مقدار أنف الثور، عتت على الخزنة، فأذن الله لها في ذلك، فسلكت
فحَصَبت بلادهم، فحَصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَيِهَا فَأَصْبَحُوا لَا
يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَلِبَةِ ﴾ سَخَّرَهَا
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦، ٧]؛ أي: كاملة ﴿فَرَىَ الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَعْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]؛ أي: بقوا أبداناً بلا رؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل
منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه، فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه،
كأنهم أعجاز نخل منقعِر، وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في
الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئاً ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَّةَ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ [نوح:
٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوُهُ فَأَهْلَكْنَهُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ (٣٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
١٤٠
اٌلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
١٤٣
إِنِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
◌َ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَلِحُ أَلَا نَتَّقُونَ
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٢٨) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (®
وهذا إخبار من الله ◌َ عن عبده ورسوله صالح ظلَّلا، أنه بعثه إلى قومه ثمود، وكانوا عرباً
يسكنون مدينة الحجر التي بين وداي القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة، وقد قدمنا
في سورة الأعراف(٢) الأحاديث المروية في مرور رسول الله وَلي بهم حين أراد غزو الشام،
فوصل إلى تبوك ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك، وكانوا بعد عاد وقبل الخليل عليّلها. فدعاهم
(١) قول عكرمة ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عطاء الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف
فيه عثمان بن عطاء، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه،
وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، - وهو عبد الله - عنه.
(٢) آية ١٣ - ٧٨.

٦٣٧
• سُورَةُ الشِّعراءِ (١٤٦، ١٥٢)
00000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
نبيهم صالح إلى الله ربك أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلَّغهم من الرسالة، فأبوا
عليه وكذبوه وخالفوه، وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجراً منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك
من الله ◌َ، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم، فقال.
وَزُوعِ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيٌ
﴿﴿ فِي جَثَتٍ وَعُيُونٍ
﴿أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ
(١٤٨
فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَلَا تُطِيعُواْ أَفَ الْمُسْرِفِينَ ﴿َ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ
فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
يقول لهم واعظاً لهم، ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكراً بأنعم الله عليهم فيما رزقهم
من الأرزاق الدارّة وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لهم من
العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات، ولهذا قال: ﴿وَتَخْلٍ طَلْعُهَا حَضِيرٌ﴾ .
قال العوفي، عن ابن عباس: أينع وبلغ، فهو هضيم(١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. يقول: معشبة(٢).
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن أبي عمرو - وقد أدرك الصحابة - عن ابن عباس
في قوله: ﴿وَتَخْلٍ طَلْعُهَا حَضِيمٌ﴾ قال: إذا رطب واسترخى(٣)، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال:
وروي عن أبي صالح نحو هذا (٤).
وقال أبو إسحاق، عن أبي العلاء ﴿وَتَخْلٍ طَلْعُهَا حَضِيمٌ﴾ قال: هو المذنب من الرطب(٥).
وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر(٦).
وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم، وأبا أُمية، سمعت مجاهداً يقول: ﴿ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا
هَضِيمٌ﴾ قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم،
تقبض عليه فتهشمه(٧) .
وقال عكرمة وقتادة: الهضيم الرطب اللين(٨).
وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة وركب بعضها بعضاً، فهو هضيم(٩).
وقال مُرَّة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر.
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له ما يليه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحارث النقال يرويه عن مردان بن معاوية عن إسماعيل به،
والحارث النقال: ضعيف (الجرح والتعديل ٧٦/٣) ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع منه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج به.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من سماك عن عكرمة.
(٩) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.

٦٣٨
• سُوَرَّةُ الشعراء (١٥٣، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 000
وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له (١).
وقال أبو صخر: ما رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم؟ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو
(٢)
الهضيم (٢).
وقوله: ﴿وَتَنْحِقُونَ مِنَ اُلْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ (19)﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني: حاذقين(٣).
وفي رواية عنه: شرهين أشرين(٤)، وهو اختيار مجاهد وجماعة(٥)، ولا منافاة بينهما، فإنهم
كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشراً وبطراً وعبثاً من غير حاجة إلى سكناها،
وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم، ولهذا قال:
﴿ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾﴾؛ أي: أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة من عبادة ربكم
اُلَّذِينَ
الذي خلقكم ورزقكم لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ﴿وَلَا تُطِيعُواْ أَفَ الْمُسْرِفِينَ
يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر
يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
ومخالفة الحق.
] ﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ ﴿َ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بَِايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ وَلَا تَمَنُوهَا بِسُوَّهِ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥٤
وَإِنَّ
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوْ نَدِمِينَ ﴿٤) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَيِزُ الرَّحِيمُ
يقول تعالى مخبراً عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح عليّ حين دعاهم إلى عبادة ربهم رَّ
(١٥٣)
أنهم ﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنَتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ
(٦)
قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين"
.
وروى أبو صالح عن ابن عباس ﴿مِنَ الْمُسَخَّرِينَ﴾ يعني: من المخلوقين(٧)، واستشهد بعضهم
على هذا بقول الشاعر:
(٨)
عصافير من هذا الأنام المسحّر
فإن تسألينا: فيم نحن؟ فإننا
يعني الذين لهم سحور، والسحر هو الرئة. والأظهر في هذا القول مجاهد وقتادة أنهم
(١) أخرجه البستي وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق عن عطاء وإسماعيل عن الحسن البصري، وسنده
حسن، وعطاء هو ابن السائب، وإسماعيل هو ابن أبي خالد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مفضل عن أبي صخر.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بتاليه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) قول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه وقول قتادة أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٧) أخرجه الطبري والخطيب البغدادي (تاريخ بغداد ٤٢٣/١٠) كلاهما بسند ضعيف من طريق أبي صالح عن
ابن عباس، وأبو صالح هو باذام أو باذان مولى أم هانئ وهو ضعيف، ومعناه صحيح.
(٨) استشهد به الطبري ونسبه إلى لبید
ـنَّه .

٦٣٩
• سُودَةُ الشعراء (١٦٠، ١٧٥)
يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك، ثم قالوا: ﴿مَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ يعني:
فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى ﴿أَغْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَشِرُ ﴾﴾ [القمر].
000
ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع ملؤهم،
وطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء إلى صخرة عندهم - من صفتها كذا
وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح. العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به
وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح علا فصلى، ثم دعا الله ومت أن يجيبهم إلى سؤالهم،
فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم
وكفر أكثرهم ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾﴾ يعني: ترد ماءكم يوماً، ويوماً
تردونه أنتم ﴿ وَلَا تَمَتُوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَّكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (6)﴾ فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء،
فمكثت الناقة بين أظهرهم حيناً من الدهر، ترد الماء وتأكل الورق والمرعى - وينتفعون بلبنها يحلبون
منها ما يكفيهم شرباً ورياً، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها
﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوْ نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وهو أن أرضهم زلزلت زلزالاً شديداً، وجاءتهم صيحة
عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، وأصبحوا في ديارهم
جاثمين ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴿﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
١٥٩
2- ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٢) إِذْ قَالَ لَمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلَ نَنَّقُونَ ﴿٨َ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله لوط ظلّا، وهو لوط بن هاران بن آزار وهو ابن أخي
إبراهيم الخليل فعله، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم علـّ*، وكانوا
يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها الله بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة
ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرك(١) والشوبك(٢)، فدعاهم
إلى الله رَبَّك أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن
معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله،
من إتيان الذكور دون الإناث، ولهذا قال تعالى:
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ اْعَلَمِينَ (﴿٤﴾ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ
قَالُواْ لَيِنِ لَّمْ تَنَتَهِ يَلُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَمِينَ ﴿ قَالَ إِنِّ لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ ﴿ رَبِّ نَجِى وَأَهْلِى مِمَّا
يَعْمَلُونَ
فَنَجَيْنَهُ وَهْلَهُ: أَجْمَعِينُ (١٤) إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَيِينَ ﴿٧ ثُمَّ دَقَرْنَا الْآَخَرِينَ
وَأَمَّطَرْنَا عَيْهِمِ مَّطَرًّاً
فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴿٨ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثُهُ مُؤْمِينَ (3) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
.
لما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم
اللاتي خلقهنَّ الله لهم، ما كان جوابهم له إلا أن قالوا: ﴿لَيِن لَّمْ تَنَتَهِ يَلُوطُ﴾؛ أي: عما جئتنا به
(١) مدينة تقع شرق عمان في الأردن.
(٢) قلعة حصينة تقع بين عمان وإيلات.

٦٤٠
سُورَةُ الشعراء (١٧٦، ١٨٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿لَتَكُنَنَّ مِنَ الْمُخْرَحِينَ﴾؛ أي: ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ»
إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُمْ مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنْطَهَّرُونَ ﴾﴾ [الأعراف]، فلما رأى أنهم لا
يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم وقال: ﴿إِنِّ لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾ ؛
أي: المبغضين، لا أحبه ولا أرضى به، وإنِّي بريء منكم، ثم دعا الله عليهم فقال: ﴿رَبِّ نَِّى
وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ (1)﴾؛ أي: كلهم ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِ
الْغَيِينَ (٣)﴾ وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت مع من بقي من قومها، وذلك كما
أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود، وكذا في الحجر حين أمره الله أن يسري بأهله إلا
امرأته، وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا،
وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا
قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَقَرْنَا الْآَخَرِينَ (٣) وَأَمْطَرْنَا عَهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُ مُؤْمِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَرِزُ الرَّحِيمُ (َا﴾.
إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
- ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ﴿﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَا نَّقُونَ
)﴾.
، وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
هؤلاء - يعني أصحاب الأيكة ــ هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم
وإنما لم يقل ههنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل: شجر ملتف
كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: كذَّب أصحاب الأيكة المرسلين لم يقل: إذ قال لهم
أخوهم شعيب، وإنما قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ﴾ فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا
إليه، وإن كان أخاهم نسباً. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير
أهل مدين، فزعم أن شعيباً عليها بعثه الله إلى أُمتين، ومنهم من قال: ثلاث أُمم.
وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي - وهو ضعيف - حدثني ابن السدي عن أبيه، وزكريا بن
عمر عن خُصيف، عن عكرمة، قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً، مرة إلى مدين فأخذهم الله
بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة، فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة(١).
وروى أبو القاسم البغوي عن هدية، عن همَّام، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾
[الفرقان: ٣٨] قوم شعيب(٢).
وقوله: ﴿أَصْحَبُ لَكَةِ﴾ قوم شعيب.
قال إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر(٣): أصحاب الأيكة ومدين هما واحد، والله أعلم.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن
أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف،
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَله: ((إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أُمتان، بعث الله
(١) سنده ضعيف لضعف إسحاق بن بشر.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق هدبة بن خالد به.
(٣) قول جويبر أخرجه ابن أبي حاتم وقد توبع في رواية الطبري من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.