Indexed OCR Text

Pages 601-620

·
سُورَةُ الفُرْقَانَ (٦٠،٥٥)
٦٠١
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَفًا وَحِجْرًا﴾؛ أي: بين العذب والمالح ﴿بَرْزَنًا﴾؛ أي: حاجزاً وهو
اليبس من الأرض، ﴿وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾؛ أي: مانعاً من أن يصل أحدهما إلى الآخر، كقوله تعالى:
﴿مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ يَلْنَفِيَانِ ﴿ يَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَانِ (٥) فَأَتِّ ءَالَاِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ [الرحمن]، وقوله
تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَهَا أَنْهَرًّا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَّاً
أَلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [النمل].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا﴾ الآية؛ أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه
وعدله وجعله كامل الخلقة ذكراً وأنثى، كما يشاء، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فهو في ابتداء أمره ولد
نسيب، ثم يتزوج فيصير صهراً، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين،
ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ .
وَمَا
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَ يَضُرُّهُمُّ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيًّا
٥٧
أَرْسَلْنَكَ إِلَّا مُبَشْرًا وَنَذِيرًا ﴿﴿ قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيَّهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِهِ، سَبِيلًا
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ، بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبِيْرًا ﴿﴿ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْبُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًاُ (جَ]﴾
يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك له ضراً ولا
نفعاً، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدَّتهم إليه بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم
يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم، ويعادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ
اَلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾؛ أي: عوناً في سبيل الشيطان على حزب الله وحزب الله هم الغالبون،
كما قال تعالى: ﴿وَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةٌ لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَمْ جُنْدٌ
تُحْضَرُونَ (٣)﴾ [يس]؛ أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصراً، وهؤلاء الجهلة
للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويذبُّون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله
وللمؤمنين في الدنيا والآخرة.
قال مجاهد: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾ قال: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه(١).
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾ يقول: عوناً للشيطان على ربه بالعداوة
والشرك (٢).
وقال زيد بن أسلم: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾ قال: موالياً(٣).
ثم قال تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا مُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴿6﴾؛ أي: بشيراً
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث بن أبي سُليم عن مجاهد، وليث فيه مقال.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه ابن
أبي حاتم بسند ضعيف من طريق محمد بن أبان عن زيد بن أسلم، ومحمد بن أبان ضعيف (المجروحين
٢٦٠/٢).

٦٠٢
سُورَةُ الفُرْقَانَ (٦٠،٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
للمؤمنين ونذيراً للكافرين، مبشراً بالجنة لمن أطاع الله ونذيراً بين يدي عذاب شديد لمن خالف
أمر الله ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من
أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى ﴿لِمَن شَآءُ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيَمَ ﴾﴾ [التكوير].
﴿إِلَّا مَنْ شَآءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَيْهِ، سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقاً ومسلكاً ومنهجاً يقتدي فيها بما جئت به.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾؛ أي: في أمورك كلها كن متوكلاً على الله
الحي الذي لا يموت أبداً، الذي هو ﴿اَلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]،
الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم ورب كل شيء ومليكه اجعله ذخرك وملجأك، وهو
الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلْغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ نَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ [المائدة: ٦٧].
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت
على معقل يعني: ابن عبيد الله، عن عبد الله بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب قال: لقي
سلمان النبيَّ ◌َ﴿ في بعض فجاج المدينة فسجد له، فقال: ((لا تسجد لي يا سلمان، واسجد
للحيّ الذي لا يموت))(١) وهذا مرسل حسن.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِهٍ﴾؛ أي: أقرن بين حمده وتسبيحه، ولهذا كان رسول الله وليه
يقول: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك))(٢)؛ أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ
الَْشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَخِذْهُ وَكِيلًا ﴾﴾ [المزمل]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَكَّنَا﴾ [الملك: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ، بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾؛ أي: بعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية ولا
يعزب عنه مثقال ذرة.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية؛ أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق
كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق قدرته السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين
السبع في سفولها وكثافتها ﴿فِى سِنَّةِ أَنَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ﴾؛ أي: يدبر الأمر، ويقضي
الحق، وهو خير الفاصلين.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم
به، فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد
صلوات الله وسلامه عليه، سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن
الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما قاله فهو الحق، وما أخبر به فهو الصدق، وهو الإمام
المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب ردّ نزاعهم إليه، فما وافق أقواله وأفعاله فهو
الحق، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان، قال الله تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْتُمْ فِ
شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِّ﴾
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال شهر بن حوشب، وفي شهر مقال أيضاً.
(٢) تقدم تخريجه في الاستعاذة قبل سورة الفاتحة.

٦٠٣
• سُوْرَةُ الفُرْقَانِ (٦١، ٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ أي: صدقاً في
الإخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي، ولهذا قال تعالى: ﴿فَشَْلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾.
قال مجاهد: في قوله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك(١).
وكذا قال ابن جريج(٢).
وقال شمر بن عطية في قوله: ﴿فَسْشَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ هذا القرآن خبير به(٣).
ثم قال تعالى منكراً على المشركين الذي يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: ﴿وَإِذَا قِيلَ
لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه
الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي ول18 للكاتب: (اكتب بسم الله الرحمن
الرحيم)) فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللَّهم،
ولهذا أنزل الله تعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾(٤) [الإسراء:
١١٠]؛ أي: هو الله وهو الرحمن وقال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا
الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: لا نعرفه ولا نقر به ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا﴾؛ أي: لمجرد قولك ﴿وَزَادَهُمْ تُفُورًا﴾ فأما
المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهية، ويسجدون له، وقد اتفق
العلماء رحمهم الله على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها
ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
﴿بَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًّا غُنِيْرًا ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
يقول تعالى ممجداً نفسه ومعظماً على جميل ما خلق في السماوات من البروج، وهي
الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة(٥).
وقيل: هي قصور في السماء للحرس، يروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب
وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضاً (٦)، والقول الأول
أظهر. اللَّهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال
(١) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين بن داود وهو ضعيف ويشهد له سابقه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد بن حميد عن شمر، وعبيد لم أجد له ترجمة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفل المُزني ◌َُه (المسند ٣٥٤/٢٧ ح ١٦٨٠٠)، وصحح سنده
محققوه، وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٥١/٥).
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول أبي صالح فقد أخرجه بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي
خالد عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول علي ابن أبي طالب أخرجه بسند ضعيف جداً من طريق
سعد بن طريق عن أصبغ بن نباتة عنه، وسعد وأصبغ وكلاهما متروك. كما أخرجه ابن أبي حاتم بسند
حسن عن عطية العوفي.

٦٠٤
• سُوَّرَةُ الفُرْقَانِ (٦١، ٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِمَصَِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلِشَّيَاطِينِّ﴾ [الملك: ٥]، ولهذا قال تعالى:
﴿ثَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَآِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا﴾ وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في
الوجود، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا (®)﴾ [النبأ].
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾؛ أي: مشرقاً مضيئاً بنور آخر من غير نور الشمس، كما قال تعالى: ﴿هُوَ
الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، وقال مخبراً عن نوح عليّله، أنه قال لقومه:
﴿أَمَ تَرَوْأْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا ﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَ نُرًا وَجَعَلَ اُلشَّمْسَ سِرَاجًا (﴿4﴾ [نوح]،
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ﴾؛ أي: يخلف كل واحد منهما صاحبه،
يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ
لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَبِبَيْنِ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٣]، وقال: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُمُ حَثِيثًا﴾ الآية
[الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكِ
يَسْبَحُونَ (٤)﴾ [يس].
وقوله تعالى: ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾؛ أي: جعلهما يتعاقبان توقيتاً لعبادة عباده
له ، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في
الليل، وقد جاء في الحديث الصحيح: ((إن الله رَك يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط
يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)) (١) .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا [أبو حرة](٢)، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب أطال صلاة
الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي عليَّ من وردي شيء،
فأحببت أن أتمَّه، أو قال أقضيه، وتلا هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ
.(٣)(G
يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية: يقول من فاته شيء من الليل أن يعمله
أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل(٤)، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن(٥).
وقال مجاهد وقتادة: خلفة؛ أي: مختلفين؛ أي: هذا بسواده وهذا بضيائه(٦).
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ته، (الصحيح، التوبة، باب غيرة الله تعالى ح٢٧٥٩).
(٢) كذا في تفسير ابن أبي حاتم ومن ترجمته لأن أبا حرة معروف بالتدليس عن الحسن البصري (تهذيب
التهذيب ١٠٤/١١)، وفي النسخ الخطية صُحف إلى: (أبو حمزة).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي داود الطيالسي به، وسنده ضعيف لأن أبا حُرة يدلس عن الحسن،
والحسن لم يسمع من عمر څته.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، وقول سعيد بن جبير أخرجه
ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح
عن معمر عنه.
(٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم
بسند حسن من طريق عمر بن قيس بن ماهر عن مجاهد بنحوه.

٦٠٥
سُورَةُ الفُرْقَانَ (٦٣، ٦٧)
وَالَّذِينَ
- ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا
يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا ﴾ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمَ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا
إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
هذه صفات عباد الله المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾؛ أي: بسكينة ووقار من غير
جبرية(١) ولا استكبار، كقوله تعالى: ﴿وَلَ تَّمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ
طولًا ﴾﴾ [الإسراء]، فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشِر ولا بِطر،
وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعاً ورياء، فقد كان سيد ولد آدم و ﴿ إذا مشى كأنما ينحط
من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي
عن عمر أنه رأى شاباً يمشي رويداً، فقال: ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين،
فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة.
وإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله وله: ((إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها
وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا))(٢).
وقال عبد الله بن المبارك: عن معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن البصري في قوله:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآية، قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلَّت منهم - والله - الأسماع والأبصار
والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم والله أصحاء، ولكنهم دخلهم من
الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب
عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة،
ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله، تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن
لم ير لله نعمةً إلا في مطعم أو مشرب، فقد قل علمه وحضر عذابه (٣) .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾؛ أي: إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيء لم
يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيراً، كما كان رسول الله وَل و لا تزيده
شدة الجاهل عليه إلا حلماً، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ
أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ ﴾﴾ [القصص]. وروى الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر،
حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال
رسول الله وَّل، وسبَّ رجل رجلاً عنده، فجعل قال: المسبوب يقول: عليك السلام، الرجل فقال
رسول الله وَّه: ((أما إن ملكاً بينكما يذبُّ عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنتَ وأنتَ أحق به،
وإذا قلت له: وعليك السلام، قال: لا بل عليك وأنت أحق به))(٤). إسناده حسن، ولم يخرجوه.
(١) الجبرية: بفتح الباء وإسكانها: التكبُّر.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي قتادة ظه، (صحيح البخاري، الأذان، باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة
٦٣٥، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ح ٦٠٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك، وفي سنده يحيى بن المختار وهو مستور كما في التقريب.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٤/٣٩ ح٢٣٧٤٥)، وقال محققوه: حسن لغيره، وقال الهيثمي : =

٦٠٦
• سُوَّرَةُ الفُرْقَانَ (٦٣، ٦٧)
00000000000000000000 0 000000 00 0000000000 0000000000000000000 00 0 0000000 0 0000000 0 0 0 0 0 0
وقال مجاهد: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ يعني: قالوا سداداً(١).
وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفاً من القول(٢).
وقال الحسن البصري: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ حلماء لا يجهلون إن جهل عليهم حلموا، يصاحبون
عباد الله نهارهم بما يسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل(٣)، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ
سُجَدًا وَقِيَمًا (2)؛ أي: في طاعته وعبادته، كما قال تعالى: ﴿كَانُوْ قَلِيلًا مِّنَ الَِّلِ مَا يَهْجَعُونَ
وَبِالْأَسَْارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾﴾ [الذاريات]، وقال: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ ﴾﴾ [السجدة]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَِّلِ سَاجِدًا وَقَآَيِمًا يَحْذَرُ
اُلْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾﴾ الآية [الزمر: ٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ
جَهَتَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾﴾؛ أي: ملازماً دائماً، كما قال الشاعر:
(٤)
إن يعذب يكن غراماً
وإن يُعط جزيلاً، فإنه لا يبالي
ولهذا قال الحسن في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ كل شيء يصيب ابن آدم ويزول
عنه، فليس بغرام، وإنما الغرام الملازم ما دامت السموات والأرض(٥)، وكذا قال سليمان
(٦) .
.
التیمي
وقال محمد بن كعب: ﴿إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يعني: ما نعموا في الدنيا، إن الله تعالى
سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار(٧).
﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٣)﴾؛ أي: بئس المنزل منظراً، وبئس المقيل مقاماً.
﴾ حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن
وقال ابن أبى حاتم عند قوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار
هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأساً من سمِّ
الأساود(٨) والعقارب، قال: فيميز (٩) الجلد على حِدة، والشعر على حِدة، والعصب على حِدة،
والعروق على حِدةٌ (١٠).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن
رجاله رجال الصحيح غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧٥/٨).
=
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.
(٤) استشهد به الطبري ونسبه إلى الأعشى.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند حسن من طريق جعفر بن سليمان عن سليمان التيمي.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وموسى ضعيف كما في
التقريب .
(٨) الأساود: جمع أسود وهو أخبث الحيات وأعظمها (ينظر الصحاح ٤٩١/٢.
(٩) أي: يعزل (الصحاح ٨٩٧/٣).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح ولكنه مرسل.

٦٠٧
• سُوَّرَةُ الفُرْقَانِ (٦٣، ٦٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مجاهد، عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجباباً (١) فيها حيات أمثال البُخْت(٢)، وعقارب
أمثال البغال الدُلْم(٣)، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت بشفاههم
وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام يعني ابن مسكين، عن [أبي
ظلال](٥)، عن أنس بن مالك عنه، عن النبيِ وَّر قال: ((إن عبداً في جهنم لينادي ألف سنة: يا
حتَّان يا منَّان، فيقول الله ريك لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل فيجد أهل النار
مُكبِّين يبكون، فيرجع إلى ربه ◌َ فيخبره، فيقول الله وم، ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا،
فجيء به فيوقفه على ربه رَق، فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا ربِّ
شر مكان وشر مقيل، فيقول الله رَ ردُّوا عبدي، فيقول: يا ربِّ ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها
أن تردني فيها، فيقول الله ◌َ، دَعُوا عبدي))(٦) .
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية؛ أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم،
فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلاً
خياراً، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، كما قال تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلّ الْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُومًا تَّحْسُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقال
الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن
[ضَمِرة](٧)، عن أبي الدرداء، عن النبي ◌ّر قال: ((من فقه الرجل رفقة في معيشته))(٨). ولم
يخرجوه.
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا مسكين بن عبد العزيز العبدي،
حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((ما
عال من اقتصد))(٩) لم يخرجوه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون،
حدثنا سعيد بن حكيم، عن مسلم بن حبيب، عن بلال - يعني: العبسي - عن حذيفة قال: قال
رسول الله : ((ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في
(١) جبابا: جمع جُب وهو الواسعة (ينظر لسان العرب ٢٥٠/١).
(٢) البُخْت: البخْتية هي الأنثى من الجمال البخت وهي جمال طوال الأعناق (ينظر النهاية ١/ ١٠١).
(٣) الدُلْم: جمع أدلم وهو الأسود الطويل (النهاية ١٣١/٢).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.
(٥) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: (أبي طلال).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٠/٢١ ح١٣٤١١)، وقال محققوه: إسناده ضعيف جداً، أبو
ظلال: واسمه هلال بن أبي هلال مجمع على ضعفه، وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢٦٧/٣).
(٧) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صحف إلى: (حمزة).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/٣٦ ح٢١٦٩٥)، وضعفه محققوه لضعف أبي بكر بن عبد الله بن
أبي مریم.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٢/٧ ح ٤٢٦٩) وضعف سنده محققوه لضعف إبراهيم الهجري.

٦٠٨
• سُوْرَةُ الفُرْقَانِ (٦٨، ٧١)
ـي (١)
العبادة)) ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة
وقال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف(٢).
وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى، فهو سرف (٣).
وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله ريك (٤).
﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَيَخْلٌُّ فِيهِ مُهَانًا ﴿ إِلَّا مَنْ
يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ()
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَنُبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (﴾﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله هو: ابن
مسعود قال: سئل رسول الله * أي الذنب أكبر؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) قال:
ثم أي: قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) قال: ثم أي؟ قال: ((أن تزاني حليلة
جارك)) قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾(٥)، وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري، عن
أبي معاوية به(٦)، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش ومنصور زاد البخاري
وواصل ثلاثتهم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود
به، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
الحديث(٧)، طريق غريب.
قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري
يعني: ابن إسماعيل، حدثنا الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله، خرج رسول الله وَ ◌ّ ذات
يوم فاتبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت
خلوته وقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ أي: الذنب أكبر؟ قال: ((أن تدعو لله نداً وهو
خلقك)) قلت: ثم مه؟ قال: ((أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك)) قلت: ثم مه؟ قال: ((أن تزاني
حليلة جارك)) ثم قرأ: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآية (٨).
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المسند ح ٣٦٠٤) قال الهيثمي: رواه البزار عن سعيد بن حكيم عن
مسلم بن حبيب، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله
ثقات (مجمع الزوائد ٢٥٢/١٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة (المصنف ٩٦/٩) بسند حسن من طريق هشام عن الحسن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق جعفر بن أبي إياس عن إياس بن معاوية.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٤/٦ ح٣٦١٢) وصحح سنده محققوه.
(٦) السنن الكبرى، التفسير، (ح ١١٣٦٨).
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن السري بن إسماعيل: متروك (التقريب ص٢٣٠).

٦٠٩
سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ (٦٨، ٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف [عن](١)
سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ◌َّ﴿ في حجة الوداع: ((ألا إنما هي أربع)) فما أنا بأشح عليهنَّ
مني منذ سمعتهنَّ من رسول الله وَله: ((لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا
بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا))(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني لَُّ، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا
محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود ظلاله يقول:
قال رسول الله ﴿﴿ لأصحابه: ((ما تقولون في الزنا؟)) قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم
القيامة، فقال رسول الله وَ﴿ لأصحابه: ((لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني
بامرأة جاره)). قال: ((فما تقولون في السرقة؟)) قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: ((لأن
يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره)) (٣).
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم،
عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي وَلير قال: ((ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة
وضعها رجل في رحم لا يحل له))(٤).
وقال ابن جريج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يحدث أن ناساً من
أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً وَله فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه
لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآية،
ونزلت ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾(٥) الآية [الزمر: ٥٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي
فاختة قال: قال رسول الله وَ﴿ لرجل: ((إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن
تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك)). قال سفيان: وهو قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآية(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ﴿أَثَامًا﴾ وادٍ
في جهنم(٧).
وقال عكرمة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أودية في جهنم يعذب فيها الزناة(٨). وكذا روي عن سعيد بن جبير
ومجاهد(٩).
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: (بن).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣١.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣٦.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (الورع ح١٣٧)، وسنده ضعيف لضعف ابن أبي مريم وإرساله الهيثم.
(٥) أخرجه مسلم من طريق ابن جريج به (الصحيح، الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله ح ١٩٣).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل لأن أبا فاختة تابعي، وأخرجه البستي من طريق ابن أبي
عمر العدني به.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي أيوب السختياني عن عبد الله بن عمرو.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الحسين بن يزيد النحوي عن عكرمة.
(٩) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.

٦١٠
• سُوَرَّةُ الفُرْقَانَ (٦٨، ٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نكالاً، كنا نحدث أنه وادٍ في جهنم(١).
وقد ذُكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنا، فإن أوله مخافة وآخره ندامة (٢).
وقد ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره عن أبي أمامة الباهلي موقوفاً ومرفوعاً: أن
غياً وآثاماً بئران في قعر جهنم (٣)، أجارنا الله منهما بمنه وكرمه.
وقال السدي: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ جزاء(٤)، وهذا أشبه بظاهر الآية، وبهذا فسره بما بعده مبدلاً
منه، وهو قوله تعالى: ﴿يُضَعَفْ لَهُ اٌلْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾؛ أي يكرر عليه ويغلظ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ،
مُهَاًا﴾؛ أي: حقيراً ذليلاً.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؛ أي: جزاؤه على ما فعل من هذه
الصفات القبيحة ما ذكر ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾؛ أي: في الدنيا إلى الله رم من جميع ذلك، فإن الله
يتوب عليه، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء ﴿وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
عَظِيمًا (15)﴾ [النساء]، فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب لأن هذه
مقيدة بالتوبة، ثم قد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الآية
[النساء: ٤٨].
قد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله وَله بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقرراً من قصة الذي
قتل مائة رجل ثم تاب، فقبلَ الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ في معنى قوله:
﴿يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قولان:
(أحدهما): أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال:
هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى
الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات(٥)، وروي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينشد
عند هذه الآية:
بدلن بعد حره خريفاً
وبعد طول النفس الوجيفا (٦)(٧)
يعني تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها .
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة لكنه مرسل.
(٣) تقدم تخريجه وتضعيفه في تفسير سورة مريم آية ٥٩.
الحسين وهو ابن داود: ضعيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) الوجيف هو: ضرب من سير الإبل والخيل (النهاية ١٥٧/٥).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر بن يزيد عن مجاهد به، وجابر ضعيف.

O
سُوْدَةُ الفُرْقَانِ (٦٨، ٧١)
٦١١
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة ثم يبدله الله بها خيراً(١).
وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال
المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات(٢).
وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيء العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصاً،
وأبدلهم بالفجور إحصاناً، وبالكفر إسلاماً (٣)، وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين.
والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذلك إلا
لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة
وإن وجده مكتوباً عليه، فإنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحَّت
به الآثار المروية عن السلف ، وهذا سياق الحديث:
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرِّ رُه
قال: قال رسول الله وَله: ((إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً
إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول نحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملتَ يوم
كذا، كذا وكذا، وعملتَ يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن يُنكر من ذلك شيئاً،
فيقال: فإن لكَ بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها ههنا)) قال: فضحك
رسول الله ◌َ﴿ حتى بدت نواجذه(٤)، انفرد بإخراجه مسلم (٥).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثني هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني
أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال
رسول الله ◌َ: ((إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد
في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات، فإذا أراد
أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعاً وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثاً وثلاثين
تسبيحة فتلك مائة))(٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سلمة وعارم، قالا: حدثنا ثابت يعني: ابن يزيد أبو زيد،
حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطي الرجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها،
فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد
بدلت حسنات(٧) .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه رجل مجهول.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس عن الحسن
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٠/٥) وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ١٩٠).
(٦) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٩٦/٣ ح٣٤٥١)، وسنده ضعيف لضعف محمد بن إسماعيل
ولم يثبت سماعه من أبيه (ينظر مجمع الزوائد ١٢١/١٠).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٦١٢
• سُورَةُ الفُرْقَانَ (٦٨، ٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود،
حدثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ليأتين الله رَك بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد
استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات(١).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو
حمزة، عن أبي الضيف - قلت: وكان من أصحاب معاذ بن جبل - قال يدخل أهل الجنة الجنة
على أربعة أصناف المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين قلت: لم سُمُّوا أصحاب
اليمين؟ قال: لأنهم قد عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم فقرؤوا سيئاتهم حرفاً
حرفاً، وقالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات،
فعند ذلك قالوا: ﴿مَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فهم أكثر أهل الجنة(٢).
وقال علي بن الحسين زين العابدين ﴿يُدِّلُ اَللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: في الآخرة (٣).
وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات (٤)، رواهما ابن أبي حاتم.
وروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب مثله(٥).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم،
حدثنا أبو جابر، أنه سمع مكحولاً لا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على
عينيه، فقال: يا رسول الله، رجل غدر وفجر ولم يدع حاجة ولا داجة (٦) إلا اقتطفها بيمينه، لو
قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله وص له: ((أأسلمت؟))
فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فقال
النبي: ((فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات)) فقال: يا رسول الله وغدراتي
وفجراتي؟ فقال: ((وغدراتك وفجراتك)) فولّى الرجل يهلللّ ويُكبر(٧).
وروى الطبراني من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عمر، عن عبد الرحمن بن جبير،
عن أبي فروة شطب(٨) أنه أتى رسول الله وسلّه، فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك
حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: ((أسلمت؟)) فقال: نعم، قال: ((فافعل الخيرات واترك
السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها)) قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: ((نعم)) فما زال يُكبِّر
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن سليمان بن موسى الزهري فيه لين كما في التقريب
ويشهد له ما سبق من الروايات.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأبو الضيف لم أعرف من هو.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق علي بن زيد عن علي بن الحسين، وعلي بن زيد هو ابن
جدعان ضعيف، ویشهد له ما سبق.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن عبد العزيز عن مكحول.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب، ويشهد له ما سبق.
(٦) أي: الكبيرة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات، والشيخ الكبير هو شطب المحدود أبو الطويل، كما
سيأتي في الرواية التالية، قال الحافظ ابن حجر: هو على شرط الصحيح (الإصابة ١٥٢/٢).
(٨) في الأصل غير منقوط.

٦١٣
سُورَّةُ الفُرْقَانَ (٧٢، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حتى توارى(١).
ورواه الطبراني من طريق أبي فروة الرهاوي عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي، عن
يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعاً (٢).
وقال أيضاً(٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان،
عن فُليح الشماس، عن عُبيد بن أبي عُبيد، عن أبي هريرة ظُه قال: جاءتني امرأة فقالت: هل
لي من توبة؟ إني زنيت، وولدت وقتلته، فقلت: لا، ولا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي
تدعو بالحسرة، ثم صلَّيت مع النبي ◌َّ الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها،
فقال رسول الله وَله: ((بئسما قلت، أما تقرأ هذه الآية؟)) ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾
إلى قوله: ﴿إِلَّ مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ
غَفُورًا رَحِيمًا (٣)﴾، فقرأتها عليها، فخرت ساجدة وقالت: الحمد الله الذي جعل لي مخرجاً (٤).
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يعرف، والله أعلم. وقد رواه ابن جرير من
حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا
حسرتا أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله وَلي، تطلّبها في جميع دور
المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله وَ القتل،
فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجاً وتوبة مما عملت، وأعتقت جارية كانت
معها وابنتها، وتابت إلى الله فيك(٥).
ثم قال تعالى مخبراً عن عموم رحمته بعباده، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب
كان جليلاً أو حقيراً، كبيراً أو صغيراً، فقال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَنُبُ إِلَى اللَّهِ
مَتَابًا ﴾﴾؛ أي: فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ
(19)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ
يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا
عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىّ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[الزمر]. أي: لمن تاب إليه.
] ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَهُواْ كِرَامًا ﴿﴾ وَاَلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بَِايَتِ
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
رَبِّهِمْ لَمْ يَخِزُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا
وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا
VE
وهذه أيضاً من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام،
وقيل: الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل.
(١) أخرجه الطبراني من طريق المغيرة به، (المعجم الكبير ٣١٤/٧ ح ٧٢٣٥)، ويشهد له سابقه.
(٣) أي: ابن أبي حاتم القائل.
(٢) المعجم الكبير ٧/ ٥٣، ويشهد له ما سبق.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عيسى بن شعيب فيه لين، وعبيد بن أبي عبيد مقبول كما في التقريب.
(٥) أخرجه الطبري، وسنده کسابقه.

٦١٤
سُورَةُ الفُرْقَانِ (٧٢، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال محمد بن الحنفية: هو اللغو والغناء(١).
وقال أبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد
المشركين(٢).
وقال عمرو بن قيس، هي مجالس السوء والخنا(٣).
وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث:
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر)).
وقيل المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾؛ أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمداً على
غيره، كما في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله وَلا ير: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟))
ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ((الشرك بالله وعقوق الوالدين)) وكان متكئاً، فجلس فقال:
((ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (٤).
والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور أي: لا يحضرونه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا
مُرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾؛ أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنَّسوا منه
بشيء، ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسن العجلي، عن محمد بن
مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أن ابن مسعود مرَّ بلهو معروضاً، فقال رسول الله وَعليه: (لقد
أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً))(٥).
وحدثنا الحسين بن محمد بن سلمة النحوي، حدثنا حبان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن
مسلم، أخبرني ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مرَّ بلهو معرضاً فلم يقف، فقال رسول الله وَله:
(لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً)). ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ مَنُواْ كِرَامًا﴾(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَالَِّنَ إِذَا ذُكِرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا (®)﴾ وهذه أيضاً
من صفات المؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ مَايَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، بخلاف الكافر، فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثّر فيه ولا يتغيَّر عما كان
عليه بل يبقى مستمراً على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
فَمِنْهُمِ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةٍ إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
وَأَمَّا
١٢٤
الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، فقوله: ﴿لَمْ يَخِرُواْ
عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾؛ أي: بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثّر فيه، فيستمر على حاله
كأن لم يسمعها أصمُ أعمى.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه إسماعيل بن سليمان الأزرق وهو ضعيف كما في التقريب.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند الأقوال الضحاك فقد أسنده.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلمة بن جعفر البجلي عن عمرو بن قيس.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣١.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إبراهيم بن ميسرة لم يسمع من ابن مسعود.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو كسابقه.

٦١٥
• سُورَةُ الفُرْقَانِ (٧٢، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال مجاهد قوله: ﴿لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَهُمْيَانًا﴾ قال: لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا
شيئاً(١).
وقال الحسن البصري ظُله: كم من رجل يقرؤها ويخرُّ عليها أصمٌ أعمى(٢).
وقال قتادة: قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا (®)﴾ يقول:
لم يصمُّوا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أُسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حمران، حدثنا ابن عون قال
سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجوداً ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال: فتلا
هذه الآية (٤): ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَهُمْيَانًا (٣)﴾ يعني أنه لا
يسجد معهم، لأنه لم يتدبر أمر السجود، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة بل يكون على بصيرة
من أمره ويقين واضح بين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعني: الذين
يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرِّياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.
قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة(٥).
قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين(٦).
وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه
ومن حميمه طاعة الله، لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولداً أو ولد ولد أو أخاً أو
حميماً مطيعاً لله ربَت(٧).
قال ابن جريج في قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ قال: يعبدونك فيحسنون
عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر(٨).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم
للإسلام.
وقال الإمام أحمد: حدثنا [يعمر](٩) بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن
عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً،
فمرَّ به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللَّتين رأتا رسول الله وَّ لودِدنا أنا رأينا ما رأيت
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي الأشهب عن الحسن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق كثير بن زياد عن الحسن.
(٨) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
(٩) كذا في (ح) و(حم) ومسند الإمام أحمد، وفي الأصل صُحف إلى: (معمر).

٦١٦
• سُوَّرَةُ الفُرْقَانِ (٧٥، ٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 000 0 00
وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيراً، ثم أقبل إليه
فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيبه الله عنه لا يدري لو شهدہ کیف یکون فيه،
والله لقد حضر رسول الله * أقوام أكبَّهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه،
أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم
قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي ◌َّر على أشدِّ حال بعث عليها نبياً من الأنبياء في فترة
جاهلية، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرَّق به بين الحق والباطل،
وفرَّق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه
للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقرُّ عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها التي
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِيَّدِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾(١) وهذا إسناد
صحيح، ولم يخرجوه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن
أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير(٢). وقال غيرهم: هداة مهتدين دعاة إلى الخير، فأحبوا أن تكون
عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعدياً إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر
ثواباً، وأحسن مآباً، ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضيُبه قال: قال رسول الله وَلَه:
((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو
صدقة جارية))(٣).
(vo
خَلِدِين فِيهَا
﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَمًّا
حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٨٦) قُلْ مَا يَعْبَؤُّأْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمَّ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَّاماً.
لمّا ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة، والأقوال والأفعال
الجليلة، قال بعد ذلك كله ﴿أُوْلَئِكَ﴾؛ أي: المتصفون بهذه ﴿يُجْزَوْنَ﴾ يوم القيامة ﴿الْغُرْفَةَ﴾
وهي: الجنة.
قال أبو جعفر الباقر وسعيد بن جبير والضحاك والسدي(٤)، سُمِّيت بذلك لارتفاعها ﴿بِمَا
صَبَرُواْ﴾؛ أي: على القيام بذلك ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة ﴿تَحِيَّةُ وَسَلَامًا﴾؛ أي:
يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن
الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقوله تعالى:
﴿خَلِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون ولا يزولون عنها ولا يبغون
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٠/٣٩ ح ٢٣٨١٠)، وصحح سنده محققوه. وكذا الحافظ ابن
کثیر .
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه بنحوه، وبقية
التابعين ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٨.
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول الضحاك فأخرجه بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.

٦١٧
• سُوَّرَّةُ القُرْقَانَ (٧٥، ٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ
عنها حولاً، كما قال تعالى:
(١٨) ﴾ [هود].
إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّك عَطَآءُ غيرَ مَجْذُونٍ
وقوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾؛ أي: حَسُنت منظراً وطابت مقيلاً ومنزلاً، ثم قال
تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤْ يَكُتْ رَبِّ﴾؛ أي: لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق
الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلاً.
قال مجاهد وعمرو بن شعيب ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُتْ رَبِّ﴾ يقول: ما يفعل بكم ربي (١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلّ مَا يَعْبَؤْ بِكُمْ رَبٍِ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يقول:
لولا إيمانكم. وأخبر تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم
حاجة لحبَّب إليهم الإيمان كما حبّبه إلى المؤمنين(٢) .
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أيها الكافرون ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾؛ أي: فسوف يكون
تكذيبكم لزاماً لكم، يعني مقتضياً لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في
ذلك يوم بدر، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن كعب القرظي
ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم .
وقال الحسن البصري: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾؛ أي: يوم القيامة(٤)، ولا منافاة بينهما، والله
أعلم.
(١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه،
وقول عمرو بن شعيب أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي يعلى عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا خبر السدي أخرجه بسند حسن من طريق إسرائيل عن السدي
عن أبي مالك، وأما قول ابن مسعود فقد أخرجه النسائي بسند صحيح من طريق مسروق عنه (السنن
الكبرى، التفسير) وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.

٦١٨
سُورَةُ الشعراء (١، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
7
000
00000
سُورَةُ الشّعراء
وهي مكية
ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة.
بير هه الرحمن الرحيم
﴿طِّرّ ١ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِنَبِ الْمُبِينِ ﴿﴿ لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿ إِن تَشَأْ نُنْزِّلْ
عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ عَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ * وَمَا يَأْنِهِم مِّنِ ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ
فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمّ أَثْنَا فِهَا مِن كُلِّ زَوْجَ
كَرِيرٍ ﴿﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾.
أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة
البقرة. وقوله تعالى: ﴿ِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾﴾؛ أي: هذه آيات القرآن المبين، أي البيّن
الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَنِعٌ﴾؛ أي: مُهلك ﴿نَفْسَكَ﴾؛ أي: مما تحرص وتحزن عليهم ﴿أَلَّ يَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ﴾ وهذه تسلية من الله لرسوله و 18 في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال
تعالى: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَتِهِمْ حَسَرَبٍ﴾ [فاطر: ٨]، كقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ
يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾﴾ [الكهف]. قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن
وغيرهم: ﴿لَّكَ بَيْعٌ نَفْسَكَ﴾؛ أي: قاتل نفسك(١).
قال الشاعر:
لشيء نَحَتهُ عن يديه المقادر(٢)
ألا أيهذا الباخع الحزن نفسه
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَيَّةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ ﴾﴾؛ أي: لو نشاء لأنزلنا
آية تضطرهم إلى الإيمان قهراً، ولكنَّا لا نفعل ذلك لأنَّا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبِّكَ لَآَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًَ أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
[يونس]. وقال تعالى: ﴿وَلَوَ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ الآية [هود: ١١٨]، فنفذ قدره،
٩٩
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول مجاهد أخرجه بسند ضعيف من طريق أبي يحيى القتات
عنه، وأبو القتات فيه لين ويتقوى بقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك
أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٢) استشهد به الطبري ونسبه إلى ذي الرُّمة.

٦١٩
• سُورَةُ الشِّعرَاءِ (٢٢،١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.
؛ أي: كلما
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ (@)
جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ
﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ
حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٣)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَثْرَأْ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهٌ﴾ الآية
[المؤمنون: ٤٤]، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين ﴿وَسَيَعْلَهُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء]، ثم نبَّه تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين
اجترؤوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر الذي خلق الأرض
وأنبت فيها من كل زوج كريم من زروع وثمار وحيوان.
قال سفيان الثوري عن رجل عن الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم،
ومن دخل النار فهو لئيم(١) .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَّةٌ﴾؛ أي: دلالة على قدرة الخالق للأشياء الذي بسط الأرض ورفع بناء
السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره، وارتكبوا نهيه.
وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ﴾؛ أي: الذي عزَّ كل شيء وقهره وغلبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: بخلقه فلا
يعجل على من عصاه بل يؤجله وينظره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف
أمره وعبد غيره(٢) .
وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب(٣)
.
قَالَ رَبِّ إِنِّ أَخَافُ
- ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ أَنْتِ اٌلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَنَّقُونَ
أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنَطَلِّقُ لِسَانِ فَأَرْسِلْ إِلَى هَدِرُونَ (٣) وَلَهُمْ عَلَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
أَنْ
مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (49)
قَالَ كَلَا فَأَذْهَبَا بِشَايَتِنَآ إِنَّا
(١٤
أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيِّ إِسْرَِّلَ ﴿ قَالَ أَلَمَ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِئْتَ فِيْنَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ ﴿﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اُلَِّى
قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِّ
فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِينَ
حُكْمَا وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿﴿ وَقِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ
يخبر تعالى عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ظلَّه حين ناداه من جانب الطور
الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى:
(١) سنده ضعيف الإبهام شيخ الثوري.
(٢) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه
ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وقول قتادة والربيع بن أنس ذكرهما ابن أبي حاتم
بحذف السند، وسند الربيع يدخل في سند أبي العالية المتقدم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.

٦٢٠
سُورَةُ الشعراء (٢٢،١٠)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنَطَلِقُ
١٢
﴿أَنِ أَنْتِ اٌلْقَوْمَ الظَّالِمِينَقَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَنَّقُونَ ﴿﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ
لِسَانِ فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ ﴿ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣)﴾ هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه،
بَثَ يَفْقَهُواْ
وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِ
كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ رَبِّ ◌ٌشْرَحْ لِ صَدْرِى ® وَيَسِرْ لِيِّ أَمْرِى
قَوْلِ ﴿١٨) وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِىِ ®َ هَرُونَ أَخِى (9َ أُشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى
کَیْ نُسَبِحَكَ كَثِيرًا
(٣٢)
وَأَشْرِكِهُ فِيّ ◌َمْرِى
(٢)﴾ [طه].
،وَنَذْكُرَ كَثِيرًا ﴿ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٢٥) قَالَ قَدْ أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣)﴾؛ أي: بسبب قتل ذلك القبطي الذي كان
سبب خروجه من بلاد مصر ﴿قَالَ كَلَّا﴾؛ أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كقوله:
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: برهاناً، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَأْ بَِايَتِنَُّ أَنْتُمَا وَمَنِ
أُتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] ﴿فَذْهَبَا بِثَايَتِنَاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ كقوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ
وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]؛ أي: إنني معكما بحفظي وكلائتي ونصري وتأييدي.
﴿فَأْتِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾
[طه: ٤٧]؛ أي: كل منا أرسل إليك ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِّ إِسْرَقِيلَ ﴾؛ أي: أطلقهم من إسارك
وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنَّهم عباد الله المؤمنون وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب
المهين، فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك بالكلية، ونظر إليه بعين الازدراء
والغمص، فقال: ﴿أَّمَّ تُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِنَا [ مِنْ عُرِكَ سِنِينَ ﴿٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَِّى فَعَلْتَ وَأَنْتَ
مِنَ الْكَفِينَ ﴾﴾؛ أي: أما أنت الذي ربيناه] (١) فينا وفي بيتنا وعلى فراشنا، وأنعمنا عليه مدة
من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الأحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلاً، وجحدت نعمتنا
عليك، ولهذا قال ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾؛ أي: الجاحدين قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن
زيد بن أسلم واختاره ابن جرير: (قال فعلتها إذاً)؛ أي: في تلك الحال ﴿وَأَنَأْ مِنَ الضَّالِينَ﴾؛ أي:
قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة.
قال ابن عباس ﴿ثها ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَنَأْ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: الجاهلين(٢).
قال ابن جريج: وهو كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رَُّّه ﴿فَفَرَّرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ
رَبِّ حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾(٣)؛ أي انفصل الحال الأول وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله
إليك فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت، ثم قال موسى: ﴿وَلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَدَتَّ بَنِيِّ
إِسْرَةِ يلَ
(٣)﴾؛ أي: وما أحسنت إليَّ وربّيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيداً
وخدماً تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيَفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى
مجموعهم، أي ليس ما ذكرته شيئاً بالنسبة إلى ما فعلت بهم.
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن
أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر
عنه .
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن ابن مسعود: (وأنا من الجاهلين)، وهي قراءة شاذة تفسيرية، وسنده
ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن مسعود.