Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ سُورَةُ الْنُوزِ (٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِ أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُنَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض؛ أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى، وله الحمد والمنّة، فإنه وَّ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه. ثم لما مات رسول الله ◌َي﴿ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلمّ شعث ما وهى بعد موته وَّلَه، وأَطّدَ جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ظله، ففتحوا طرفاً منها، وقتلوا خلقاً من أهلها. وجيشاً آخر صحبة أبي عبيدة ظلبه ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثاً صحبة عمرو بن العاص نظرته إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بُصرى ودمشق ومخالفيهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله رَّك واختار له ما عنده من الكرامة. ومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياماً تاماً، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتمَّ في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس. وكَسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحذر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتمّ سلام وأزكى صلاة . ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جداً، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ظُه، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، ويبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها)) (١)، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنّا. (١) أخرجه مسلم من حديث ثوبان به مطولاً (الصحيح، الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ح٢٨٨٩). ٥٦٢ • سُورَةُ الَّنُوزِّ (٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرة قال: سمعت رسول الله وَّهُ يقول: ((لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً)) ثم تكلم النبي وسط* بكلمة خفيت عني، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله وَر فقال: قال: ((كلهم من قريش))(١). ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به(٢)، وفي رواية لمسلم: أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أُخر (٣)، وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلاً وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر، فإن كثيراً من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش يلون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين؛ بل يكون وجودهم في الأمة متتابعاً ومتفرقاً، وقد وجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ◌ّه، ثم كانت بعدهم فترة، ثم وجد منهم من شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى. ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله وَّ﴾، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جهمان، عن سفينة مولى رسول الله * أن رسول الله وسلم قال: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً))(٤). وقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَغْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَيُبَِّلَهُ مِنُ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ... ) الآية، قال: كان النبي ◌ِّر وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سراً، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموها فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغيروا بذلك من شاء الله، ثم إن رجلاً من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ولين : ((لن تصبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيه حديدة)) وأنزل الله هذه الآية(٥)، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله تعالى قبض نبيه ◌َّ، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا (١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح ٦/١٨٢١). (٣) المصدر قبل السابق (ح ١٨٢٢). (٢) صحيح البخاري، الأحكام (ح ٧٢٢٢). (٤) أخرجه المذكورون بدون لفظ: ((عضوضاً)) (المسند ٢٤٨/٣٦ ح٢١٩١٩)، وحسنه محققوه، وسنن أبي داود، السنة، باب في الخلفاء (ح٤٦٤٦)، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في الخلافة (ح٢٢٢٦)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٢٤/١٥ ح ٦٦٥٧)، وحسنه محققه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٧١/٣)، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر والألباني (ينظر: السلسلة الصحيحة ح ٤٦٠). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به، وسنده مرسل، ويشهد له ما أخرجه الحاكم من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠١/٢)، وأخرجه الضياء المقدسي وحسنه محققه (المختارة ٣٥٣/٣ ح ١١٤٥). ٥٦٣ • سُورَةُ النّورِ (٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيه، فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فغير بهم، وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر ها حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية. وقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد (١)، وهذه الآية الكريمة، كقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُمْ مِنَ الَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ [الأنفال]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، كما قال تعالى عن موسى عليّا أنه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ اٌلْأَرْضِ ... ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَجْعَلَهُمْ أَبِنَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ﴾ وَتُمَكِنَ لَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص]. وقوله: ﴿وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ ... ﴾ الآية، كما قال رسول الله وَّ لعدي بن حاتم حين وفد عليه: ((أتعرف الحيرة؟)) قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها. قال: ((فوالذي نفسي بيده ليتمَّن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز)) قلت: كسرى بن هُرمُز، قال: «نعم كسرى بن هُرمُز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد)). قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله وَّه قد قالها(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((بشر هذه الأمة بالسنا(٣) والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب))(٤). وقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُنَ بِ شَيْئًا﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا أن رديف النبي وَّر على حمار ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال: ((يا معاذ)). قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ثم سار ساعة، ثم قال: ((يا معاذ بن جبل)). قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: ((يا معاذ بن جبل)). قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: «هل تدري ما حق الله على العباد؟)) قلت: الله ورسوله أعلم .. قال: ((فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)). قال: ثم سار ساعة، ثم قال: ((يا معاذ بن جبل)). قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: ((فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن البراء وظيفته، ويشهد له ما سبق. (٢) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة ح٣٥٩٥). (٣) أي: بارتفاع المنزلة والقدر. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٤/٣٥ ح ٢١٢٢٠)، وقال محققوه: إسناده قوي، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١١/٤)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٢٠/١٠). وما نقله ابن حجر عن المسند من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سفيان به (إتحاف المهرة ١٨٨/١). ٥٦٤ • سُورَةُ الَّنُوزِ (٥٦، ٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ((فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم)) (١)، أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة(٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ أي: فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد خرج عن أمر ربه، وكفى بذلك ذنباً عظيماً، فالصحابة ظه لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ◌َّ بأوامر الله رَّك وأطوعهم لله، كان نصرهم بحسبهم أظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييداً عظيماً، وحكموا في سائر العباد والبلاد، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله وسلم أنه قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة))، وفي رواية: ((حتى يأتي أمر الله وهم كذلك))، وفي رواية: ((حتى يقاتلوا الدجال))، وفي رواية: ((حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون))(٣)، وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها. ] ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْجُونَ ﴿﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِ اْأَرْضَِّ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (﴾﴾. يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بإقام الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله وَليت؛ أي سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعلَّ الله يرحمهم بذلك، ولا شكَّ أن من فعل هذا، أن الله سيرحمه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُوْلَكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] . وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَّ﴾ أي: [لا تظن يا محمد أن] (٤) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: خالفوك وكذبوك ﴿مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِّ﴾ أي: لا يعجزون الله؛ بل الله قادر عليهم وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَأْوَنُمُ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿النَّارُ وَلَيِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المآل مآل الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد. ﴿ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اَلْهُمُ مِنْكُرْ ثَثَ مَرَّتٍ مِن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِنَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِّنَ اُلَّهِيَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَآءِ ثَلَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاٌ بَعْدَهُنُّ ◌َّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمُ فَلْيَسْتَنْذِنُوْ كَمَا أُسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمْ (٥٨ وَأْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرَجُونَ نِكَحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ هُنَاحُ أَنْ ءَايَتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ يَضَعْنَ ثِبَابَهُنَ غَرَ مُتَبَرِحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَُّّ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾﴾. هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٢/٥)، وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل (ح ٥٩٦٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً (ح٣٠). (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨١. (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((يا محمد))، وبعدها بياض قدر كلمة. ٥٦٥ سُورَةُ النّورِ (٥٦، ٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال: (الأول): من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نياماً في فرشهم. - ﴿وَحِيْنَ تَضَعُونَ بِيَابَكُمْ مِّنَ اُلَّهِيَرَةِ﴾(١) أي: في وقت القيلولة، لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله. - ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَآءِ﴾(٢) لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: ﴿ثَلَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال، فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك ولا عليهم إن رأوا شيئاً في غير تلك الأحوال؛ لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم طوافون عليكم؛ أي: في الخدمة وغير ذلك. ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم، ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن النبي 8﴿ قال في الهرة: «إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم أو والطوافات))(٣). ولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء وكان عمل الناس بها قليلاً جداً، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس. كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْذِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُواْ الْحُلُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَرَّتٍّ ... ﴾ إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ فَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨]، والآية في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (٤). وروى أيضاً من حديث إسماعيل بن مسلم - وهو ضعيف -، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يََّأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْذِنَكُمُ الَّيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية(٥). وروى أبو داود: حدثنا ابن الصباح بن سفيان وابن عبدة وهذا حديثه: أخبرنا سفيان عن (١) وهو الحال الثاني. (٢) وهو الحال الثالث. (٣) الموطأ، الطهارة، باب الطهور للوضوء (ح١٣)، (ومسند أحمد ٢١١/٣٧ ح ٢٢٥٢٨)، وصححه محققوه، وسنن أبي داود، الطهارة، باب في سؤر الهرة (ح٧٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٦٨)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة (ح٩٢) وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي، الطهارة، باب سؤر الهرة ١/ ٥٥، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك (ح ٣٦٧). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده، وسنده جيد، ويشهد له الأخبار التالية. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن مسلم به، ويشهد له سابقه ولاحقه. ٥٦٦ • سُورَةُ الْنُوزِ (٥٦، ٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس: يأمر به(١). وقال الثوري، عن موسى بن أبي عائشة: سألت الشعبي: ﴿لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ﴾؟ قال: لم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله. ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به(٣). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود عن القعنبي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، به(٤). وقال السدي: كان أناس من الصحابة ﴿م يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن(٥)، وقال مقاتل بن حيان: بلغنا - والله أعلم - أن رجلاً من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي وير طعاماً فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا، إنه ليدخل على المرأة وزوجها - وهما في ثوب واحد - غلامهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْذِينَكُ الَّذِينَ مَكَتْ أَيْمَئُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُمُ مِنْكُرْ ... ﴾ الآية (٦). ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ قوله: ﴿ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَثِّ وَلَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُ فَلْيَسْتَشْذِئُواْ كَمَا اسْتَقْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث. قال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعياً(٧)، فإنه يستأذن في العورات (١) سنن أبي داود، الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث (ح٥١٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٣٢٣). (٢) أخرجه الطبري بسندين صحيحين من طريق الثوري به. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير. (٤) سنن أبي داود، الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث (ح٥١٩٢)، وحسنه الألباني (ح ٤٣٢٢). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف عن مقاتل، وسنده حسن لكنه معضل؛ لأن مقاتل بن حيان تابع تابعي. (٧) أي: طوله أربعة أشبار (النهاية ١١٨/٢). ٥٦٧ • سُورَةُ النّذِ (٥٦، ٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال(١). وهكذا قال سعيد بن جبير(٢). وقال في قوله: ﴿كَمَا أُسْتَشْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه(٣). وقوله: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد (٤). ﴿ الَّتِ لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لم يبق لهن تشوُّق إلى التزوج ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِرَ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِبَابَهُنَ غَرَ مُتَبَّرِّحَتٍ بِينَةٍ﴾ أي: ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ ... ) الآية [النور: ٣١]، فنسخ واستثنى من ذلك ﴿القَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَامًا﴾ الآية(٥). قال ابن مسعود في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِبَابَهُنَ﴾ قال: الجلباب أو الرداء(٦). وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم(٧). وقال أبو صالح: تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع(٨) والخمار(٩). وقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبد الله بن مسعود: ((أن يضعن من ثيابهن)) وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق(١٠). وقال سعيد بن جبير في الآية: ﴿عَرَ مُتَبَرِحَتٍ بِينَةٌ﴾ يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة(١١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبد الله، حدثنا ابن المبارك، حدثني سوار بن ميمون، حدثتنا طلحة بنتُ عاصم، عن أُم الضياء أنها قالت: دخلت على عائشة ◌َّا، فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات؛ أي لا يحل لكن أن يروا منكن محرماً(١٢). (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأوزاعي به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد. (٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، اللباس، باب في قول الله وَّ: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِمِنَّ﴾ [النور: ٣١] ح ٤١١١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٦٤). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بعدة طرق صحاح عن ابن مسعود . (٨) أي: القميص. (٧) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عمران بن سليمان المرادي عن أبي صالح، وهو باذام مولى أم هانئ. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير به، وسنده ضعيف، لأن سعيداً لم يسمع من ابن مسعود. (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير. (١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وطلحة بنت عاصم لم أجد لها ترجمة ومعناه صحيح. ٥٦٨ • سُوَرَّةُ النُّورِ (٦١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال السدي: كان شريك لي يقال له: مسلم، وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يوماً إلى السوق وأثر الحناء في يده، فسألته عن ذلك فأخبرني أنه خضب رأس مولاته وهي امرأة حذيفة، فأنكرت ذلك، فقال: إن شئت أدخلتك عليها؟ فقلت: نعم، فأدخلني عليها فإذا هي امرأة جليلة، فقلت لها: إن مسلماً حدثني أنه خضب لك رأسك؟ فقالت: نعم يا بُني إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً، وقد قال الله تعالى في ذلك ما سمعت(١). وقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَُّ﴾ أي: وترك وضعهن لثيابهن وإن كان جائزاً خير وأفضل لهن ﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ] ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ هَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ: أَوْ صَدِيقِكُمُّ لَيْسَ عَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُوْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَأْ فَإِذَا دَخَلْتُم ◌ُنَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِّبُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ اختلف المفسرون رحمهم الله في المعنى الذي لأجله رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ههنا، فقال عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنها: نزلت في الجهاد(٢)، وجعلوا هذه الآية ههنا كالتي في سورة الفتح، وتلك في الجهاد لا محالة؛ أي إنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَا أَخْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوَأْ وَأَعْيُنُهُمْ نَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُفِقُونَ ﴾﴾ [التوبة]، وقيل: المراد ههنا أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج؛ لأنه لا يتمكن من الجلوس فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية، رخصة في ذلك، وهذا قول سعيد بن جبير ومقسم. وقال الضحاك: كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذراً وتعززاً، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية(٣). (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده من طريق أسباط عن السدي، والسدي في هذا المتن يُنبه على تشيعه، فالإسناد ضعيف . (٢) قول عطاء الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عنه، وعثمان ضعيف، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه لكنه معضل؛ لأن عبد الرحمن تابع تابعي. (٣) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك وهو مرسل، ويتقوى بما یلیه . ٥٦٩ سُورَةُ النُّورِ (٦١) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى اٌلْأَعْمَى حَرَجٌ ... ) الآية، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو بالأعرج أو بالمريض إلى بيت أبيه أو أخيه أو بيت أخته أو بيت عمته أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم(١). وقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن ربَّ البيت ليس ثمَّ، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَأْكُلُوْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانً﴾(٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليستأذنه به ما بعده في الحكم، وتضمن هذا بيوت الأبناء؛ لأنه لم ينصّ عليهم، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((أنتَ ومالك لأبيك))(٣). وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَبَابِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَئِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ هذا ظاهر. وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما. وأما قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ فقال سعيد بن جبير والسدي: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان(٤)، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف (٥). وقال الزهري، عن عروة عن عائشة ﴿ها قالت: كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله وَيقر فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحلّ لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله: ﴿أَوْ هَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ﴾(٦). وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكٌّ﴾ أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا یشق عليهم ولا يكرهون ذلك. (١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بما سبق. (٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﴿ها، (المسند ٢٦١/١١ ح ٦٦٧٨)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه أبو داود (السنن، الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده ح ٣٥٣٠)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح٣٠١٥)، وابن ماجه (السنن، البيوع، ح ٢٢٩٢). (٤) القهرمان: القائم بأمور الرجل باللغة الفارسية (ينظر: النهاية ١٢٩/٤). (٥) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به. ٥٧٠ • سُورَةُ الْنّوْرِ (٦١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه(١). وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحلّ لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكٌّ﴾ وكانوا أيضاً يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخّص الله لهم في ذلك، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانً﴾(٢). وقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَّكُمْ جُنَاعُ أَن تَأْكُلُوْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾(٣). فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أبرَك وأفضل. كما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده: أن رجلاً قال للنبي وَله: إنا نأكل ولا نشبع، قال: ((لعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)) (٤). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم به (٥). وقد روى ابن ماجه أيضاً من حديث عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، عن رسول الله و القول أنه قال: ((كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة))(٦). وقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني فليسلم بعضكم على بعض(٧). وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٨٥/٢٥ ح ١٦٠٧٨)، وقال محققوه: حسن بشواهده، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٠٣/٢)، وحسنه الألباني (السلسلة الصحيحة ح ٦٦٤). (٥) سنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام (ح٣٢٨٦)، وسنن أبي داود، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام (ح٣٧٦٤)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٦٥٧). (٦) أخرجه ابن ماجه، الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام (ح٣٢٨٧)، وضعفه البوصيري (مصباح الزجاجة ٧٧/٣)، وذكر الألباني أنه ضعيف جداً ... والجملة الأولى ثابتة، (السلسلة الصحيحة ح٢٦٩١). (٧) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول الحسن البصري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد ابن أبي عروبة عنه. ٥٧١ • سُورَةُ الَّنُورِ (٦١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة، قال: ما رأيته إلا يوجبه(١). قال ابن جريج: وأخبرني زياد، عن ابن طاوس: أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته فليسلم، قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، ولا آثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إلي وما أدعه إلا ناسياً(٢). وقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين(٣). وروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد، إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: بسم الله والحمد لله، السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين(٤). وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يُؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة تردُّ عليه(٥). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عويد بن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن أنس قال: أوصاني النبي ◌َّ بخمس خصال قال: ((يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلِّم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت - يعني بيتك - فسلم على أهلك يكثر خير بيتك، وصلِّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأوّابين قبلك، يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة)) (٦). وقوله: ﴿تَجِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ﴾ قال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقول: ما أخذت التشهد، إلا من كتاب الله سمعت الله يقول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُوْنًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَّخِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ﴾ فالتشهد في الصلاة، التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم يدعو لنفسه ويسلم. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث ابن إسحاق(٧). والذي في صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله - * يخالف هذا(٨)، والله أعلم. (١) أخرجه البخاري من طريق ابن جريج به (الأدب المفرد ح١٠٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٨٣٣). (٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به لكن في سنده الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الكريم الجزري عن مجاهد. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق الثوري به (المصنف ٦٤٩/٨). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل. (٦) سنده ضعيف جداً؛ لأن عويد بن أبي عمران الجوني: متروك، وروى عن أبيه أحاديث منكرة (ينظر: لسان الميزان ٣٨٦/٤، ٣٨٧). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن. (٨) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس تها بلفظ: ((التحيات المباركات الصلوات الطيبات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)) (الصحيح، الصلاة، باب التشهّد في الصلاة ح ٤٠٣). ٥٧٢ • سُوَرَّةُ الَّنُورِ (٦٢، ٦٣) وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَِّبُّ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لمَّا ذكر تعالى ما في هذه السور الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة المبرمة، نبّه تعالى عباده على أنه يبين لعباده الآيات بياناً شافياً؛ ليتدبّروها ويتعقّلوها . ﴿إِنَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرِ جَامِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعْذِئُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعَذِنُونَكَ أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولٍِ، فَإِذَا اسْتَخْذَنُكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وهذا أيضاً أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا يتفرقوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته وإن من يفعل ذلك فإنه من المؤمنين الكاملين، ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء، ولهذا قال: ﴿فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَّ ... ) الآية. وقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حدثنا بشر هو: ابن المفضل، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ظبه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة))(١)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به. وقال الترمذي: حديث حسن(٢). لَا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَذَا فَلَيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرٍِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ قال الضحاك، عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله رَّ عن ذلك إعظاماً لنبيه و الهر، قال: فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله(٣)، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير (٤). وقال قتادة: أمر الله أن يُهاب نبيه وََّ، وأن يُبجّل وأن يُعظّم وأن يُسوّد(٥). (١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في السلام إذا قام من المجلس ح ٥٢٠٨)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٣٤٠)، وحسنه السيوطي (الجامع الصغير مع شرح فيض القدير ٣٠٥/١ ح ٤٩٧). (٢) سنن الترمذي، الاستئذان، باب ما جاء في التسليم عند القيام وعند القعود (ح٢٧٠٦)، والسنن الكبرى (ح ١٠٢٠١). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ويتقوى بالمراسيل التالية. (٤) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سالم الأفطس عنه، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وهو مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة . ٥٧٣ • سُورَةُ النّورِ (٦٢، ٦٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال مقاتل في قوله: ﴿لَّا تَجْعَلُوْ دُعَلَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يقول: لا تسموه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله يا رسول الله(١). وقال مالك: عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَّا تَجْعَلُوْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قال: أمرهم الله أن يشرفوه (٢)، هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْتُْنَا وَأَسْمَعُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤]. وقوله: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَّجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿﴿ وَلَوْ أَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي ◌َّر والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته. والقول الثاني في ذلك: أن المعنى في ﴿لَّ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَ﴾ أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا، حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي، والله أعلم(٣). وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا﴾ قال مقاتل بن حيان: هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة، ويعني بالحديث: الخطبة، فيلوذون ببعض أصحاب محمد ◌ّ حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي ◌َّ﴿ في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي و # فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي وَلـ يخطب بطلت جمعته(٤). وقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض حتى يتغيّوا عنه فلا يراهم(٥). وقال قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا﴾: [يعني: لواذاً عن نبي الله وعن كتابه(٦). وقال سفيان: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا﴾ قال: من الصف(٧)، ﴿لِوَاذَا﴾](٨) خلافاً(٩) . وقال مجاهد في الآية: (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل، وسنده معضل ويتقوى بما سبق. (٢) سنده صحيح وهو مرسل، ويشهد له ما سبق. (٣) قول ابن عباس وعطية أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم عن الحسن البصري. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل لأن مقاتلاً؛ تابع تابعي. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مهران، وهو ابن أبي عمر العطار. (٨) زيادة من (ح) و(حم). (٩) أخرجه البستي والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد، ويتقوى بما سبق. ٥٧٤ سُورَةُ النّورِ (٦٤) وقوله: ﴿فَلَيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله بَّه وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))(١)؛ أي فليحذر وليخشَ من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً. ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ﴾ أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدنيا بقتل أو حدّ أو حبس أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً ، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلّم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها)). أخراجه من حديث عبد الرزاق(٢). ﴿أَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنْبِّئُهُم ١٦٤ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ يخبر تعالى أن مالك السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهِم وجهرهم، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقد للتحقيق، كما قال قبلها ﴿قَدْ يَعْلَمُ اَللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا﴾ [النور: ٦٣] وقال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَيِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اَللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾﴾ [المجادلة]، وقال: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُئُكَ الَّذِى يَقُولُونٌّ فَإَِهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (﴾﴾ [الأنعام]، وقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بقد، كقول المؤذن تحقيقاً وثبوتاً: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: هو عالم به مشاهد له لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: ﴿وَتَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿ الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ ﴿ وَتَقْلُبُّكَ فِىِ السَّجِدِينَ ﴿َ إِنَُّ هُوَ السَّيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِ شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَ ﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّ فِ كِنَبٍ مُبِينٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر، وقال تعالى: ﴿َلَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]، وقال تعالى: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُم ◌َنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، ... ﴾ الآية [الرعد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٣١. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ١٧. ٥٧٥ • سُوَرَّةُ الَّنّورِ (٦٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِ كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [هود]، وقال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ◌ُلُمَتِ اٌلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ ﴾﴾ [الأنعام]، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً. وقوله: ﴿وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ويوم ترجع الخلائق إلى الله، وهو يوم القيامة ﴿فَيْبِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: يخبرهم بما فعلوا في الدنيا من جليل وحقير وصغير وكبير، كما قال تعالى: ﴿يَوّ )﴾ [القيامة]، وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ الْإِسَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( يَوَيْلَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَخْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلُِّ رَبُّكَ أَحَدًا (®)﴾ [الكهف]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . والحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام. ٥٧٦ • سُوَّرَةُ الفُرْقَانَ (٢،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 OOD 00000 00000 سُورَةُ الفُرْقَانِ وهي مكية بير هه الرحمن الرحيم ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴿﴿ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِكٌ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرً (﴾﴾. يقول تعالى حامداً لنفسه الكريمة على ما نزَّله على رسوله الكريم من القرآن العظيم، كما قال تعالى: ﴿اَلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَمَا ﴾ قَبِمَا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّكُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾﴾ [الكهف] وقال ههنا: ﴿تَبَارَكَ﴾ وهو تفاعل من البركة المستقرة [الثابتة الدائمة] ﴿الَّذِى نَزَّلَ اٌلْفُرْقَانَ﴾ نزَّل فعل من التكرر والتكثر كقوله: ﴿وَاَلْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل منجماً مفرقاً مفصلاً آيات بعد آيات، وأحكاماً بعد أحكام، وسوراً بعد سور، وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه، كما قال في أثناء هذه السورة ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَّتَ بِهِ فُؤَادَكٌ وَرَثَلْتَهُ تَرْبِيلًا (٣) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (﴾﴾ [الفرقان] ولهذا سماه ههنا الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال، والغي والرشاد والحلال والحرام. وقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ هذه صفة مدح وثناء لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله وهي ليلة الإسراء، فقال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه ﴿وَأَنَّهُ لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾﴾ [الجنا وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا وقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ أي: إنما خصَّه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ [فصلت] الذي جعله فرقاناً عظيماً إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء ويستقل على الغبراء، كما قال ◌َله: (بُعثتُ إلى الأحمر والأسود)) وقال: ((أُعطيتُ خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي)) فذكر منهن أنه ((كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))(١) كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٥١. ٥٧٧ سُورَةُ الفُرْقَانِ (٣، ٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿نَذِيرًا﴾ أي: الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال ههنا: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَنَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيٌ فِى اٌلْمُلْكِ﴾ ونزه نفسه عن الولد، وعن الشريك. ثم أخبر أنه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرً﴾ أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت [قهره](١) وتدبيره وتسخيره وتقديره. ﴿ ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء، المالك لأزمّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فكيف يملكون لعابديهم؟ ﴿وَلَا يَعْلِكُونَ مَوْتًا وَلَ حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا﴾ أي: ليس لهم من ذلك شيء بل ذلك كله مرجعه إلى الله ريك الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم ﴿َّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] كقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا ﴾ [القمر] وقوله: ﴿فَّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ فَإِذَا هُم بِلسَّاهِرَةِ ﴾﴾﴾ ٥٠ (٣)﴾ [الصافات] ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةُ وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعُ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس] مُ يَنْظُرُونَ فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي لا ولد ولا والد له ولا عديل ولا نديد، ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَهُ وَعَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ مَاخَرُونٌَ فَقَدْ جَءُو ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ أَلِزَّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيًّا يقول تعالى مخبراً عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ﴾ أي: كذب ﴿اقْتَهُ﴾ يعنون: النبيِ وَّ: ﴿وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ مَاخَرُونٌ﴾ أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين، فقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَءُو ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: فقد افتروا هم قولاً باطلاً، وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَبَهَا﴾ يعنون: كتب الأوائل؛ أي استنسخها ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: في أول النهار وآخره. وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم يعلم كل أحد بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمداً رسول الله وسيم لم يكن يعاني شيئاً من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((قدره). ٥٧٨ سُورَةُ الفُرْقَانِ (٧، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحواً من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبرَّه وأمانته وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم كانوا يسمّونه في صغره وإلى أن بعث ((الأمين))، لما يعلمون من صدقه وبرِّه، فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، وقال الله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٣)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الْبِرَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخباراً حقاً صدقاً مطابقاً للواقع في الخارج ماضياً ومستقبلاً ﴿الَّذِى يَعْلَمُ التِرَ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيًا﴾ دعاء لهم إلى التوبة والإنابة وإخبار لهم بأن رحمته واسعة وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَاءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدُ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ ◌َ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (®﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ ﴾﴾ [البروج] قال الحسن البصري: الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَّ بَتُوبُوْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنََّ وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة(١). ﴿وَقَالُوْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِىِ فِي الْأَسْوَاقُ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاً وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَيُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا جَ تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِلسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن فَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (١٣) وَإِذَا أُلَّقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُّقَرَّبِنَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا (٣) لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا (٦٦)﴾. يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما [تعللوا](٢) بقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ يعنون كما نأكله ويحتاج إليه كما نحتاج إليه ﴿وَيَمْشِى فِىِ الْأَسْوَاقُ﴾ أي: يتردد فيها وإليها طلباً للتكسب والتجارة ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يقولون: هلَّا أنزل إليه ملك من عند الله فيكون له شاهداً على صدق ما يدعيه، وهذا كما قال فرعون: ﴿فَلَوْلَا أُلْفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (OF) (١) لم أجد من أخرجه. (٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((تقللوا)). ٥٧٩ سُورَةُ الفُرْقَانَ (٧، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [الزخرف] وكذلك قال هؤلاء على السواء تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْ﴾ أي: علم كنز ينفق منه ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: تسير معه حيث سار، وهذا كله سهل يسير على الله ولكن له الحكمة في ترك ذلك وله الحجة البالغة ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَشَّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قال الله تعالى: ﴿أَنْظُرُ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُوا﴾ أي: جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك من قولهم ساحر مسحور مجنون كذاب شاعر، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك، ولهذا قال: ﴿فَضَلُواْ﴾ عن طريق الهدى ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى، فإنه ضالّ حيثما توجه، لأن الحق واحد ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضاً. ثم قال تعالى مخبراً نبيه أنه إن شاء لآتاه خيراً مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِّن ذَلِكَ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا قال مجاهد: يعني في الدنيا، قال: وقريش يسمّون كل بيت من حجارة قصراً كبيراً كان أو صغيراً(١). قال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة: قيل للنبي وَله: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبياً قبلك، ولا نعطي أحداً من بعدك ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: ((اجمعوها لي في الآخرة)) فأنزل الله ◌َ في ذلك ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (٣)﴾(٢). وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ﴾ أي: إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيباً وعناداً لا أنهم يطلبون ذلك تبصراً واسترشاداً بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال ﴿ وَأَعْتَدْنَا﴾ أي: أرصدنا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِلَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أي: عذاباً أليماً حاراً لا يطاق في نار جهنم. قال الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير ﴿سَعِيرًا﴾، وادٍ من قيح جهنم. وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أي: جهنم ﴿مِّن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يعني في مقام المحشر(٣). قال السدي: من مسيرة مائة عام(٤) ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي: حنقاً عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوْ فِيهَا سَمِعُوْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ ﴿٣ تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْفَيْظِ﴾ [الملك: ٧، ٨] أي: يكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها على من كفر بالله. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف الواسطي، أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي، عن أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دريك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ قال: قال رسول الله: ((من يقل عليَّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، (١) أخرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٥٠٩/١١)، والطبري كلاهما من طريق سفيان به، وسنده مرسل لأن خيثمة تابعي. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به، وسنده مرسل. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي، وسنده مرسل. ٥٨٠ • سُوَّرَّةُ الفُرْقَانَ (٧، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار - وفي رواية - فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً)) قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: ((أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾)) الآية(١)؟ ورواه ابن جرير، عن محمد بن خداش، عن محمد بن يزيد الواسطي به (٢). وقال أيضاً: حدثنا أبي(٣)، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سليم، عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله يعني ابن مسعود ومعنا الربيع بن خُثَيم، فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خُثَّيم إليها، فتمايل الربيع ليسقط، فمرَّ عبد الله على أتون (٤) على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا ﴿4﴾﴾ فصعق، يعني: الربيع، ڑلط، (٥) يُعَنْهُ وحملوه إلى أهل بيته، فرابطه عبد الله إلى الظهر، فلم يفق . وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف، هكذا رواه ابن أبي حاتم بإسناده مختصراً (٦). وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا ربِّ ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف(٧)، وهذا إسناد صحیح . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن منصور، عن مجاهد، عن عُبيد بن عُمير في قوله: ﴿سَمِعُوْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ لوجهه ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم لعلّ ليجثو على ركبتيه ويقول: ربِّ لا أسألك اليوم إلا نفسي(٨) . وقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّبِينَ﴾ قال قتادة: عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكن خالد بن دريك معروف بالإرسال ولم يصرح باسم الصحابي حتى نعلم هل أدرك ذلك الصحابي، أما إبهام الصحابي فلا يضر لأنهم كلهم عدول، وللحديث شواهد في الصحيحين إلا السؤال الأخير وجوابه. (٢) أخرجه بسنده ومتنه، وحكمه کسابقه. (٣) أي: والد ابن أبي حاتم. (٤) أي: مكان موقد النار. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو يحيى وهو القتات لين الحديث كما في التقريب. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه، وقد صحح سنده الحافظ ابن كثير. (٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده رجاله ثقات لكنه مرسل.