Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سُورَةُ المؤمنُون (٥٠) ﴿وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات(١)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة(٢). قال ابن عباس: وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ يقول: ذات خصب ﴿وَمَعِينٍ﴾ يعني: ماء ظاهراً(٣). وقال مجاهد: ﴿رَبْوَقٍ﴾ مستوية (٤). وقال سعيد بن جبير: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ استوى الماء فيها . وقال مجاهد وقتادة: ﴿وَمَعِينٍ﴾ الماء الجاري(٥). ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة: من أي أرض هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر، والماء حين يسيل يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى(٦)، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا(٧)، وهو بعيد جداً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي دمشق(٨). قال: وروي عن عبد الله بن سلام والحسن وزيد بن أسلم وخالد بن معدان نحو ذلك(٩). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: أنهار دمشق(١٠). (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر، وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، ومعناه صحيح. (٢) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٣) هذا الأثر تتمة لسابقه عن ابن عباس. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) تقدم نحوه قبل الرواية السابقة. (٦) أخرجه الطبري عن سعيد بن المسيب وليس عن عبد الرحمن وعزاه السيوطي إلى الطبري، وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فلعله سقط من تفسير الطبري. (٧) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٢١٢/١). (٨) سنده صحيح، أخرجه البستي من طريق ابن أبي عمر العدني عن سفيان به. (٩) قول عبد الله بن سلام ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث رواه عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن سلام في قوله تعالى: ﴿وَءَاوَبْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] قال: دمشق، قال أبي: لم يتابع عبد الوهاب على رواية هذا الحديث، رواه ليث بن أبي سليم والثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك والدراوردي وسليمان بن بلال كلهم عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب .. قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال: أولئك أحفظ، والله أعلم أيهما أصح، ويحتمل أن يكون سمي لعبد الوهاب: عبد الله بن سلام، ولم يسم لهم (علل الحديث ٦٦/٢). (١٠) سنده حسن. ٠ ٤٦٢ • سُوْرَةُ المُؤْمنُونَ (٥١، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد ﴿وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قال: عيسى ابن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها(١). وقال عبد الرزاق: عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله بن عمِّ أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله تعالى: ﴿إِلَى رَبْوَقٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي الرملة من فلسطين(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف [الفريابي](٣)، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا عبد الله بن عباد الخواص أبو عتبة، حدثنا الشيباني، عن ابن وعلة، عن كريب السحولي، عن مرة البهزي قال: سمعت رسول الله وَ له يقول لرجل: ((إنك تموت بالربوة، فمات بالرملة))(٤)، وهذا حديث غريب جداً، وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَءَاوَيْنَهُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّ﴾ [مريم: ٢٤](٥). وكذا قال الضحاك (٦) وقتادة ﴿إِلَى رَبْوَقٍ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ وهو بيت المقدس(٧)، فهذا - والله أعلم - هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة ثم الآثار. ] ﴿بَّأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿ وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتِكُمْ أَمَّةً فَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبْرً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٨) فَذَرُهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ يَ@) (٥٦) حَّ حِينٍ ﴿٥َ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن قَالٍ وَبَنِنَّ ﴿® ◌ُارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَل لَا يَشْعُرُونَ يأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء لا بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولاً وعملاً ودلالةً ونصحاً، فجزاهم الله عن العباد خيراً. قال الحسن البصري في قوله: ﴿يَأَتُهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ﴾ قال: أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه. وقال سعيد بن جبير والضحاك: ﴿ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ يعني: الحلال(٨). (١) يشهد له ما سبق. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق بشر بن رافع به (التاريخ الكبير ٤٩/٩)، ومن الطريق نفسه أخرجه الطبري وابن عساكر (تاريخ دمشق ٢١٢/١)، وسنده ضعيف لضعف بشر بن رافع (التقريب ص١٢٣). (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((القرماني)). (٤) في رفعه نظر، ولهذا استغربه ابن كثير جداً، وقد أخرجه الطبري من طريق عباد أبي عتبة الخواص به، وعباد هذا أظنه هو الذي ورد باسم عبد الله بن عباد الخواص، فإن كان هو فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق يهم، وقد أفحش ابن حبان فقال: يستحق الترك (التقريب ص ٢٩٠). (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به. (٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٨) لم أجد تخريجه ومعناه صحيح. ٤٦٣ سُوْدَّةُ المُؤْمِنُونَ (٥٦،٥١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو إسحاق السبيعي: عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه(١). وفي الصحيح: ((وما من نبي إلا رعى الغنم)) قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: ((نعم وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة))(٢). وفي الصحيح: ((إن داود عُلَّا كان يأكل من كسب يده)) (٣). وفي الصحيحين: ((إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى)) (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب: أن أم عبد الله أخت شداد بن أوس قال: بعثت إلى النبي ◌َّو بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها أنَّى كانت لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن، مرئية(٥) لك من طول النهار، وشدة الحر، فرددت إليَّ الرسول فيه، فقال لها: ((بذلك أمرت الرسل: أن لا تأكل إلا طيباً، ولا تعمل إلا صالحاً)) (٦). وقد ثبت في صحيح مسلم، وجامع الترمذي ومسند الإمام أحمد واللفظ له، من حديث فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ظوبه قال: قال رسول الله قال: ((يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّتِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (@)﴾ وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، فأنى يستحاب لذلك))، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق(٧) . وقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ أي: دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ﴾ وقد تقدم (١) أخرجه البستي والطبري كلاهما من طريق عبيد بن إسحاق الضبي عن حفص بن عمر الفزاري عن أبي إسحاق السبيعي به، وسنده ضعيف لضعف عبيد بن إسحاق، وهو مرسل أيضاً. (٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ظه (الصحيح، الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط ح ٢٢٦٢). (٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رؤيته (الصحيح، البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده ح٢٠٧٣). (٤) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا (صحيح البخاري، التهجد، باب من نام عند السحر ح ١١٣١، وصحيح مسلم، الصيام، باب النهي عن صوم الدهر .. ح ١١٥٩). (٥) أي: توجعاً لك وإشفاقاً عليك (ينظر: النهاية ١٩٦/٢). (٦) أخرجه الحاكم من طريق أبي بكر بن أبي مريم به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: وابن أبي مريم: واهٍ. (المستدرك ١٢٥/٤)، وهو كما قال، فقد ضعفه الحافظ ابن حجر (التقريب ص٦٢٣). (٧) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (ح١٠١٥)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة (ح٢٩٨٩)، والمسند ١٥٩/٦. ٤٦٤ • سُورَةُ المؤمنُونَ (٥١، ٥٦) 10000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 الكلام على ذلك في سورة الأنبياء وأن قوله: ﴿أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ منصوب على الحال. وقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوْ أَقْرَهُرْ بَيْنَهُمْ زُبٌ﴾ أي: الأمم الذين بعثت إليهم الأنبياء ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَتِهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولهذا قال متهدداً لهم ومتوعداً: ﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ﴾ أي: في غيهم وضلالهم ﴿حَّى حِينٍ﴾ أي: إلى حين حينهم وهلاكهم، كما قال تعالى: ﴿فَهِّلِ اَلْكَفِرِينَ أَتْهِلَهُمْ رُوَِّدًا (٣)﴾ [الطارق]، وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَثَّعُواْ وَيُذْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [الحجر]. وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبِنٌ ﴿ ◌َُارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُونَ ﴾﴾ يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟ كلَّا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿فَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم؛ بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجاً وإنظاراً وإملاء، ولهذا قال: ﴿بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (@) إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الَْدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ (®)﴾ [القلم]، وقال: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿﴿ وَجَعَلْتُ لَهُم مَالًا (٤٤ وَمَهَّدتُّ لَهُمْ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿ كَلَّ إِنَّهُ كَانَ لََِِّّ عَنِيدًا وَبَنِينَ شُهُودًا ◌َ مَمْدُودًا [المدثر]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِلَتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَ إِلَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ ٠ صَلِحًا فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضّْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَاتِ ◌َاِنُونَ (®)﴾ [سبأ]، والآيات في هذا كثيرة. قال قتادة في قوله: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِيْنٌّ ﴿٥َ نَُارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ٠ قال: مُكِرَ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح(١). وقال الأمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مُرَّة الهمداني، حدثنا عبد الله بن مسعود عظ ته قال: قال رسول الله وَّر: ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه؛ ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه))، قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: ((غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث))(٢). (١) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المندر وابن أبي حاتم. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لضعف الصباح بن محمد (المسند ١٨٩/٦ ح ٣٦٧٢). ٤٦٥ سُوْدَةُ المؤمنُون (٥٧، ٦١) وَالَّذِيْنَ هُم وَلَّذِينَ هُم بِثَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ ] ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴾ـ ٥٩ ◌ْ لَا يُشْرِكُن بر؟ الْخََّتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم تُشْفِقُونَ ﴾﴾ أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمناً(١). ﴿وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخباراً عن مريم ◌ِلَّ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] أي: أيقنت أن ما كان، إنما هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمراً فممّا يحبه ويرضاه، وإن كان نهياً فهو ممّا يكرهه ويأباه، وإن كان خبراً فهو حق، كما قال الله: ﴿وَلَّذِينَ هُم بِيَّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي: لا يعبدون معه غيره؛ بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأنه لا نظير له ولا كفء له. وقوله: ﴿وَلَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَّةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴾﴾ أي: يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مغول، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: ((لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله رَمات))(٢). وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مغول بنحوه، وقال: ((لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيََّتِ﴾)) وقال الترمذي: وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي (وَ لل نحو هذا(٣)، وهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية (٤). وقد قرأ آخرون هذه الآية ((والذين يأتون ما(٥) آتوا وقلوبهم وجلة)) أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعاً إلى النبي ◌َير أنه قرأها كذلك. (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عن الحسن. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه؛ لأن عبد الرحمن بن سعيد لم يدرك عائشة (المسند ١٥٦/٤٢ ح٢٥٢٦٣)، وأخرجه ابن ماجه من طريق مالك بن مغول به (السنن، الزهد، باب التوقي على العمل ح٤١٩٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٤٠٩/٢، وأخرجه الحاكم من طريق مالك بن مغول به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٣/٢)، وهذا التحسين والتصحيح هو بالشواهد كما سيأتي. (٣) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المؤمنون (ح٣١٧٥). (٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه. (٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية، قرأ بها عائشة وابن عباس وقتادة والأعمش والحسن البصري وإبراهيم النخعي (ينظر: البحر المحيط ٦/ ٤١٠). ٤٦٦ سُورَةُ المُؤْمنُونَ (٦٢، ٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جويرية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثنا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة ثنا، فقالت: مرحباً بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا؟ فقال: أخشى أن أملّك، فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسألك عن آية من كتاب الله ريك: كيف كان رسول الله وَ﴿ يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوْ﴾ أو ((والذين يأتون ما أتوا)) فقالت: أيتهما أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعاً، أو الدنيا وما فيها. قالت: وما هي؟ فقلت: ((والذين يأتون ما أتوا)) فقالت: أشهد أن رسول الله هم كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف(١). فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، والمعنى على القراءة الأولى، وهي قراءة فجعلهم الجمهور السبعة وغيرهم أظهر؛ لأنه قال: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ من السابقين؛ ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم. وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةِ مِّنْ (@) لا هَذَا وَلَمْ أَعْمَلُ مِّنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ ﴿﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم ◌ِلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْثَرُونَ تَجْتَرُواْ الْيَوْمِّ إِنَّكُ مِنَا لَ نُصَرُونَ ﴿ قَدْ كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) ٦٧ مُسْتَكْبِنَ بِهِ، سَِرًا تَهْجُرُونَ يقول تعالى مخبراً عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها؛ أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء، ولهذا قال: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَبٌ يَطِقُ بِآلْحَقِّ﴾ يعني: كتاب الأعمال، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يبخسون من الخير شيئاً، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين، ثم قال منكراً على الكفار والمشركين من قريش: ﴿بَلّ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةٍ﴾ أي: في غفلة وضلالة ﴿مِنْ هَذَا﴾ أي: القرآن الذي أنزله على رسوله وَّل. وقوله: ﴿وَلَمْ أَعْمَلُ مِّنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ قال الحكم بن أبان: عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَلَمْ أَعْمَلُ﴾ أي: سيئة ﴿مِّن دُونِ ذَلِكَ﴾؛ يعني: الشرك ﴿هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ قال: لا بدّ أن يعملوها(٢)، كذا روي عن مجاهد والحسن وغير واحد(٣). وقال آخرون: ﴿وَّمْ أَعْمَلُ مِّنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ أي: قد كتبت عليهم أعمال سيئة لا بدّ أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٥/٦)، وأخرجه أبو عمر الدوري من طريق إسماعيل المكي به (قراءات النبي ◌َ ﴿ ص ١٣٠)، وسنده ضعيف فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، كما قرر الحافظ ابن كثير، وفيه أيضاً أبو خلف مولى بني جمح: مجهول الحال (تعجيل المنفعة ص ٤٨١). (٢) في سنده الحكم بن أبان: صدوق له أوهام (التقريب ص١٧٤). (٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بعدة طرق يقوي بعضها بعضاً، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طریق حُمید عنه. ٤٦٧ سُورَةُ المؤمنُون (٦٢، ٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١)، وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: ((فوالذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها))(٢). وقوله: ﴿حَّىَ إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِيهِم ◌ِلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْثَرُونَ (٣)﴾ يعني: حتى إذا جاء مترفيهم، وهم المنعمون في الدنيا، عذاب الله وبأسه ونقمته بهم ﴿إِذَا هُمْ يَحْثَرُونَ﴾ أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ﴿ إِنَّ لَدَيْنَآَ أَنْكَالًا وَحِيمًا ﴿﴿ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ [المزمل]، وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكَّا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْدٍ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص]. وقوله: ﴿لَا تَجْتَرُواْ أَلْيَوْمٍّ إِنَّكُ مِنَّا لَا تُصَرُّونَ ﴾﴾ أي: لا يجيركم أحد مما حل بكم سواء جأرتم أو سكتم لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَتِى نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَى أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ ﴾﴾ أي: إذا دعيتم أبيتم وإن طلبتم امتنعتم ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَُ كَفَّرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾﴾ [غافر]. وقوله: ﴿مُسْتَكْبِيْنَ بِهِ، سَِرًا تَهْجُرُونَ ﴾﴾ في تفسيره قولان: (أحدهما): أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه استكباراً عليه، واحتقاراً له ولأهله، فعلى هذا الضمير في به فيه ثلاثة أقوال: (أحدها): أنه الحرم؛ أي: مكة، ذُقُّوا لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهجر من الكلام. (والثاني): أنه ضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. (والثالث): أنه محمد وهم كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو كذاب أو مجنون، فكل ذلك باطل؛ بل هو عبد الله ورسوله الذي أظهره الله عليهم وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء. وقيل: المراد بقوله: ﴿مُسْتَكْبِينَ بِهِ﴾ أي: بالبيت يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه وليسوا به، كما قال [النسائي] (٣) من التفسير في سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية ﴿مُسْتَكْبِينَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ ﴾﴾ فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله سامراً قال: كانوا يتكبرون ويسمرون فيه ولا يعمرونه ويهجرونه(٤). وقد أطنب ابن أبي حاتم ههنا بما هذا حاصله. (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب - وهو عبد الله - عن عبد الرحمن بن زيد. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٣٢. (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((النسئي)). (٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، التفسير (ح١١٣٥١)، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٤/٢). ٤٦٨ سُورَةُ المؤمنُون (٦٨، ٧٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَرُواْ الْقَوْلَ أَمْرِ جَهُم مَّا لَ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ (٦ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُمُ مُنْكُرُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِآلْحَقِّ وَأَكْثَرُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ ﴿ وَلَوِ أَنَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِرَبَّهْ بَلْ أَنَيْلَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم ◌ُعْرِضُونَ ﴿٨ أَمْ قَثَلُهُمْ خَرْحًا فَخَاجُ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ عَنِ ٧٣ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَِّقِينَ ﴿ وَلِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِمِ ﴿ وَلَوْ رَحْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنِ ضُيّ لَّلَجُوْ فِ مُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ الصِّرَطِ لَتَكِبُونَ يقول تعالى منكراً على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله عليهم بقبولها والقيام بشكرها وتفهمها والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول وَ لّ ورضي عنهم. وقال قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ أَلْقَوَّلَ﴾ إذ والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه ولكنهم أخذوا بما تشابه منه فهلكوا عند ذلك. ثم قال منكراً على الكافرين من قريش: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكُرُونَ ﴾﴾ أي: أفهم لا يعرفون محمداً وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم؛ أي أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه، ولهذا قال جعفر بن أبي طالب به للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك إن الله بعث فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم، وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النبي وَ لقر ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفاراً لم يسلموا، ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّهُ﴾ يحكي قول المشركين عن النبي ◌ّ أنه تقول القرآن؛ أي افتراه من عنده أو أن به جنوناً لا يدري ما يقول، وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يطاق ولا يدافع وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله إن استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين، ولهذا قال: ﴿بَلّ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ﴾ يحتمل أن تكون هذه جملة حالية؛ أي في حالة كراهة أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم. وقال قتادة: ذُكرَ لنا أن نبي الله وَّ﴿ لقي رجلاً فقال له: ((أسلم)) فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره، فقال نبي الله وَليقول: ((وإن كنت كارهاً)). وذكر لنا أنه لقي رجلاً فقال له: ((أسلم)) فتصعده ذلك، وكَبَّر عليه، فقال له نبي الله وَّه: «أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلاً تعرف وجهه وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟)) قال: نعم. قال: ((فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه))، وذُكر لنا أن نبي الله وَ ل ◌ّ لقي رجلاً فقال له: ((أسلم)) فتصعده ذلك، فقال له نبي الله وَجه: ((أرأيت لو كان فتيكَ أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدّى إليك، أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذلك وإذا ائتمنته خانك؟)) قال: بل فتاي الذي ٤٦٩ سُورَةُ المؤمنُونَ (٦٨، ٧٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 إذا حدثني صدقني وإذا انتمنته أدّى إلى، فقال نبي الله وَ لاير: ((كذاكم [أنتم](١) عند ربكم))(٢). وقوله: ﴿وَلَوِ أَنَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو: الله رَك(٣)، والمراد: لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِرَهُ﴾؛ أي لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾، ثم قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢]، وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ إِذَا لَأَسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِفَاقِّ وَكَانَ الْإِسَنُ قَتُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْثُونَ النَّاسَ نَقِيًّا (٥)﴾ [النساء]، ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه، تعالى وتقدس، فلا إله غيره ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿بَّ أَنَّهُم ◌ِذِكْرِهِمْ﴾ أي: القرآن ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ﴾ . وقوله: ﴿أَمَّ تَتَلُهُمْ خَرْهًا﴾ قال الحسن: أجراً (٤). وقال قتادة: جعلاً(٥) ﴿فَخَرَجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي: أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلاً ولا شيئاً على دعوتك إياهم إلى الهدى؛ بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْئُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَأْ مِنَ الْتُكَلِفِينَ ﴾﴾ [ص]، وقال: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ اٌلْقُرْبِىّ﴾ [الشورى: ٢٣] وقال: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَثَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ (٣) أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسَتَلُكُمْ أَجْرً وَهُم مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠، ٢١]. وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَةِ عَنِ الصِّرَطِ لَكِبُونَ وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الَّ ٠ قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رسول الله مر أتاه فيما يرى النائم ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حِلّة حَبِرة (٦)، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضاً معشبة وحياضاً رِواء(٧) تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم وأوردهم، رياضاً معشبة وحياضاً رِواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((سقط)). (٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وسنده ضعيف؛ لأن قتادة أرسله وهو لم يسمع إلا من پئه. أنس بن مالك (٣) قول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل ابن أبي خالد، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شعبة عنه. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٦) أي: ثوب مخطط. (٧) أي: كثير الماء أو عذب الماء. ٤٧٠ سورة المؤمنون (٦٨، ٧٥) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أن تتبعوني؟ قالوا : بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضاً أعشب من هذه وحياضاً هي أروى من هذه فاتبعوني، قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (١). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب وظُبه قال: قال رسول الله وَّ: ((إني ممسك بحجزكم هلم عن النار هلم عن النار، وتغلبونني تقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معاً وأشتاتاً أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي ربِّ قومي، أي رب أمتي، فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيراً له رغاء ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً لها حمحمة فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلغت، ولأعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلغت))(٢). وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري [القمي] (٣). (قلت): بل قد روى عنه أيضاً أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح، ووثقه النسائي وابن حبان. وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَطِ لَكِبُونَ ﴾﴾ أي: لعادلون جائرون منحرفون، تقول العرب: نكب فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها. وقوله: ﴿﴿ وَلَوْ رَمْنَهُمْ وَكَثَفْنَا مَا بِهِم مِّنِ ضُرٍ لَّلَبُّواْ فِ مُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣٥)﴾ يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم بأنه لو أزاح عنهم الضرّ وأفهمهم القرآن لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَواْ وَهُم مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأنفال]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَةٌ وَلَا تُكَذِّبَ بِكَايَتِ رَيْنَا وَنَكُونَ مِنَ الْؤْمِينَ ﴿ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوَ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (®) وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣)﴾ [الأنعام]، فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، ولو کان کیف یکون. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه، لضعف علي بن زيد بن جدعان (المسند ٤/ ٢٢٧، ٢٢٨ ح ٢٤٠٢). (٢) عزاه الهيثمي إلى أبي يعلى في المسند الكبير وإلى البزار وقال: ورجال الجميع ثقات (مجمع الزوائد ٨٥/٣). (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((العمر)). ٤٧١ سُوْرَةُ المؤمنُونَ (٧٦، ٨٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال الضحاك، عن ابن عباس: كل ما فيه (لو) فهو مما لا يكون أبداً(١). 2- ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِلْعَذَابِ فَمَا أُسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ ﴿ حَتََّةٍ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ وَهُوَ الَّذِىّ أَنَشَأَ لَكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَ وَالْأَفْئِدَةً قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿﴾ وَهُوَ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِهِ مُبْلِسُونَ الَّذِى ذَرَأَكُمُّ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٨ وَهُوَ الَّذِى يُحِ وَيُمِيتُ وَلَهُ أَخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَمْقِلُونَ ( لَقَدْ وُعِدْنَا ﴿﴿﴿ قَالُواْ أَءِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا أَهِنَا لَمَبْعُوتُونَ بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ◌َحْنُ وَءَابَآؤْنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم ◌ِلْعَذَابِ﴾ أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد ﴿فَمَا اسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَضَرَّعُونَ﴾ أي: فما ردَّهم ذلك عمَّا كانوا فيه من الكفر والمخالفة؛ بل استمروا على غيهم وضلالهم ﴿فَمَا أُسْتَكَانُواْ﴾ أي: ما خشعوا ﴿وَمَا يَنَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما دعوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [الأنعام]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبي، عن يزيد - يعني النحوي - عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله وَل# فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز - يعني: الوبر والدم -، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُمْ بِلْعَذَابٍ فَمَا اُسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ (®)﴾(٢)، وكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه به(٣)، وأصله في الصحيحين: أن رسول الله وَّر دعا على قريش حين استعصوا، فقال: ((اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف))(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال: حُبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتاً من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُمْ بِلْعَذَابٍ فَمَا اُسْتَكَانُواْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَضَرَّعُونَ ﴿4﴾ قال: وصام وهب ثلاثاً متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أحدث لنا فأحدثنا، يعني: أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة(٥). وقوله: ﴿حََّ إِذَا فَتَحْنَا عَلَتِهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِهِ مُبْلِسُونَ (49)﴾ أي: حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتةً، فأخذهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبلسوا من كل خير وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم، ثم ذكر تعالى نعمه على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم التي يدركون بها الأشياء ويعتبرون بما (١) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس (٢) أخرجه ابن حبان من طريق علي بن الحسين بن واقد عن أبيه به (الإحسان ٢٧٤/٣ ح ٩٦٧)، ومن الطريق نفسه أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٤/٢)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٥١٠/٦). (٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٣٥٢). (٥) سنده حسن. (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة يوسف آية ٩٩. ٤٧٢ • سُوْدَّةُ الْمُؤْمِنُونَ (٨٤، ٩٠) في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار لما يشاء. وقوله: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: ما أقل شكركم الله على ما أنعم به عليكم، كقوله: ﴿وَمَّآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [يوسف]، ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في برئه الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا ذكراً ولا أنثى، ولا جليلاً ولا حقيراً، إلا أعاده كما بدأه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُحِ وَيُمِيتُ﴾ أي: يحيي الرمم ويميت الأمم، ﴿وَلَّهُ أَخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، يتعاقبان لا يفتران ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا أَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (®)﴾ [يس]. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم الذي قد قهر كل شيء، وعزَّ كل شيء وخضع له كل شيء؟ ثم قال مخبراً عن منكري البعث الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين؟ ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ اُلْأَوَّلُونَ ﴿﴿ قَالُواْ أَِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَبًا وَعِظَمَا أَوِنَا لَمَبْعُوتُونَ ﴾﴾ يعني: يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ يعنون: الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلافهم، وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله إخباراً عنهم ﴿أَِذَا كُنَّا عِظَمًا فَخِرَةٌ ﴾ قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ ﴿﴿ فَإِّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ (٣)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ خَصِيرٌ مُّبِينُ (٨٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحِبِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ (®﴾ [يس]. ٨٥ سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ] ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨َ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بَِدِهِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُّجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) تُسْحَرُونَ ﴿﴿ بَلْ أَتَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَئِذِبُونَ يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال لرسوله محمد صل* أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئاً ولا يملكون شيئاً ولا يستبدون بشيء؛ بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى الَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]، فقال: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا﴾ أي: من مالكها الذي خلقها ومن فيها من (٨) سَيَقُولُونَ الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ لِلّهِ﴾ أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنه لا ٤٧٣ سُورَةِ الْمُؤْمنُونَ (٨٤، ٩٠) تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٦ أي: من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم؛ يعني: الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن رسول الله وَليم أنه قال: ((شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا)) وأشار بيده مثل القبة(١). وفي الحديث الآخر: ((ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة)) (٢)، ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمي عرشاً لارتفاعه(٣). وقال الأعمش، عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش كالقنديل المعلق بين (٤) السماء والأرض (٤). وقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري، عن عمار الدّهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر قدره أحد (٦)، وفي رواية: إلا الله رَك، وقال بعض السلف: العرش من ياقوتة حمراء(٧)، ولهذا قال ههنا: ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: الكبير. وقال في آخر السورة: ﴿وَرَبُّ العَرشِ الكريم﴾ أي: الحسن البهي، فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو والحسن الباهر، ولهذا قال من قال: إنه من ياقوتة حمراء. وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه. وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴾﴾ أي: إذا كنتم تعترفون بأنه ربُّ السموات وربُّ العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب ((التفكر والاعتبار)): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبيد الله بن جعفر، أخبرني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﴾ كثيراً ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل معها ابن لها يرعى غنماً، فقال لها ابنها: يا أمه من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: (١) أخرجه أبو داود (السنن، السنة، باب في الجهمية ح٤٧٢٦)، وفي سنده محمد بن إسحاق ولم يصرح بالسماع. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٥٥. (٣) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٤) سنده مرسل، ويشهد له الحديث السابق. (٥) سنده مرسل، وله شاهد کسابقه. (٦) أخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٨٢/٢). (٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٣. ٤٧٤ • سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ (٩١، ٩٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فمن خلقني؟ قالت: الله. قال: فمن خلق السموات؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله. قال: فإني أسمع لله شأناً ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله وَل كثيراً ما يحدثنا هذا الحديث، قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر كثيراً ما يحدثنا بهذا الحديث(١)، قلت: في إسناده عبد الله بن جعفر المديني، والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه، فالله أعلم. ﴿قُلّ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: بيده الملك ﴿مَّا مِن دَابَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَهَاً﴾ [هود: ٥٦] أي: متصرف فيها، وكان رسول الله ﴿ يقول: ((لا والذي نفسي بيده))(٢)، وكان إذا اجتهد في اليمين قال: ((لا ومقلب القلوب))(٣)، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحداً لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه، ولهذا قال الله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقال الله: ﴿لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ [الأنبياء] أي: لا يسأل عما يفعل لعظمته وكبريائه وغلبته وقهره وحكمته وعدله، فالخلق كلهم يسألون عن أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْشَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨) عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٩٣ [الحجر]. وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له ﴿قُلٌّ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَهُمْ بِآلْحَقِّ﴾ وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: في عبادتهم مع الله غيره ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ ؛ فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبٍِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ (َ﴾ إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعاً لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاءَابَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَِهِم ◌ُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ﴿مَا أَتَّخَذَ اَللَّهُ مِنْ وَلٍَ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٨ عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُثْرِكُونَ ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة، فقال تعالى: مَا أُتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلٍَ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَيٍ بِمَا خَلَقَ وَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾ أي: لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم (١) سنده ضعيف لضعف عبد الله بن جعفر المديني (التقريب ص٢٩٨). (٢) تقدم تخريجه في سورة المائدة آية رقم ٧٩. (٣) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ◌ًا (الصحيح، القدر، باب يحول بين المرء وقلبه ح ٦٦١٧). ٤٧٥ • سُورَةُ المؤمنُونَ (٩٣، ٩٨) متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوْتٍ﴾ [الملك: ٣]، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض، والمتكلمون ذكروا هذا المعنى، وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعداً فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزاً ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالاً، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكناً؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهوراً، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عمّا يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علواً كبيراً ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه ﴿فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدّس وتنزّه وتعالى رَ عمَّا يقول الظالمون والجاحدون. وَإِنَّا عَلَى أَن رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (@) - ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا نُرِيَنِ مَا يُؤْعَدُونَ ( وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ ﴿ أَدْفَعْ بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (َ ٩٨ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ يقول تعالى آمراً نبيه محمداً ﴿ ﴿ أن يدعو بهذا الدعاء عند حلول النقم ﴿رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنّ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك، فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه: ((وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّني إليك غير مفتون))(١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ ﴾﴾ أي: لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال تعالى مرشداً له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه، ليستجلب خاطره فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ﴾، وهذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿آدَفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَُّ وَلِىُّ حَمِيمٌ ﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَآ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ ﴿إلَّا عَظِيمٍ (9)﴾ [فصلت] أي: وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة أو الصفة أي: على أذى الناس فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم القبيح ﴿وَمَا يُلَقَُّهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ ﴾﴾ أمره الله أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف، وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله وَالد كان يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه))(٢). (١) أخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل تظلبه، وضعف سنده محققوه (المسند ٤٢٢/٣٦، ٤٢٣ ح٢٢١٠٩)، وأخرجه الترمذي وصححه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة صّ ح٣٢٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٨٢). (٢) تقدم في بداية التفسير. ٤٧٦ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ (٩٩، ١٠٠) وقوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴿4﴾ أي: في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور، وذلك لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، ولهذا روى أبو داود أن رسول الله ◌َ لو كان يقول: ((اللَّهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت)) (١). وقال الإمام أحمد، حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله لو يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: ((باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)) قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيراً لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه(٢). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق. وقال الترمذي: حسن غريب(٣). ] ﴿حَقََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْنُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ كَلِمَةُ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بََّغُ إِلَى يَّرِ يُبْعَثُونَ ١٠٠ لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّ إِنَّهَا ٩٩٦ يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى، وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ولهذا قال: لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَكْتُ كَلََّ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِن ◌َا رَزَقْنَكُم مِّن ٩٩ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ قَبْلِ أَنْ بَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَبِىِّ إلَىْ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِينَ وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَّةَ أَجَلُهَاْ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [المنافقون]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ نُِّبْ دَعْوَتَكَ وَتَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ (٤)﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلَهُ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنِ زَوَالٍ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّا أَوْ نُرَّدُّ فَتَغَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآَ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (٣)﴾ [السجدة]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى الَّارِ فَقَالُواْ ◌َيْلَنَا نُرَدُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيْنَا وَنَكُونَ مِنَ اٌلِْينَ ﴿ بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبّلٌ وَلَوْ رُوْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا اُلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّنِ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أُنْنَتَيْنِ فَأَعْتَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ﴾ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ (١) أخرجه أبو داود من حديث أبي اليسر رظُه (السنن، الصلاة، باب في الاستعاذة ح١٥٥٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٧٣). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث محتمل للتحسين (المسند ٢٩٥/١١، ٢٩٦ ح ٦٦٩٦)، ويؤكد ما يلي. (٣) أخرجه أبو داود (السنن، الطب، باب في الرقي ح٣٨٩٣)، والنسائي (في السنن الكبرى ح ١٠٦٠١)، وحسنه الألباني دون قوله: ((فكان عبد الله .. )) (صحيح سنن أبي داود ح ٣٢٩٤). ٤٧٧ • سُوْدَّةُ المُؤْمنُونَ (٩٩، ١٠٠) (١)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِمُونَ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَلْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ فِيَهَا رَبَّثَآَ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ الَّذِيْرِ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن تَصِيرٍ (٦)﴾ [فاطر]، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار وهم في غمرات العذاب في الجحيم. وقوله ههنا: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ﴿كَلََّ﴾ حرف ردع وزجر؛ أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي لا بدّ أن يقولها(١)، لا محالة كل محتضر ظالم، ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله: كلّا؛ أي لأنها كلمة؛ أي سؤاله الرجوع ليعمل صالحاً هو كلام منه وقول لا عمل معه، ولو رد لما عمل صالحاً ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ (٨) لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَركَةُ﴾ قال: فيقول الجبار: ﴿كَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾(٢) . وقال عمر بن عبد الله مولى غُفْرة: إذا قال الكافر: ربِّ ارجعون لعلي أعمل صالحاً، يقول الله تعالى: كلا، كذبت. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى أنا يرجع إلى الأهل ولا إلى عشرية ولكن تعنى بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا بالله، وعن محمد بن كعب القرظي نحوه. وقال [أبو](٣) محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل - يعني: ابن عياض - عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: إذا وضع - يعني: الكافر - في قبره فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: ربِّ ارجعون أتوب وأعمل صالحاً، قال: فيقال: قد عَمَّرتَ ما كنت مُعمراً، قال: فيضيق عليه قبره ويلتئم، فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها(٤). وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثني سلمة بن تمام، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة يها أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه وحية عند رجليه يقرصانه حتى يلتقيا في (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب - وهو عبد الله - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب ذكر ابن رجب في شرح العلل عن ابن معين أن ما رواه أبو معشر عن محمد بن كعب في التفسير فهو حسنٌ. انظر: شرح العلل ٦٥٨/٢، تحقيق نور الدين عتر ويقصد بالحسن: حسن المتن. (٣) زيادة يقتضيها السياق، فإن هذه الرواية عزاها السيوطي إلى ابن أبي حاتم صاحب التفسير الشهير، وكنيته أبو محمد. (٤) سنده حسن، وله شواهد صحيحة. ٤٧٨ • سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ (١٠١، ١٠٤) 000000000000000000000000 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِم بَّزَغُ إِلَى يَوَّرِ يُبْعَثُونَ﴾(١). وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآيِهِم﴾ يعني: أمامهم. وقال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة(٢). وقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم(٣). وقال أبو صخر: البرزخ: المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون (٤)، وفي قوله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِم بَرَّزَغُ﴾ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال تعالى: ﴿مِّنْ وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمْ﴾ [الجاثية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ أي: يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: ((فلا يزال معذباً فيها)»(٥)؛ أي في الأرض. ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ ] ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَآَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِّدُونَ (٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيَا كَلِحُونَ يخبر تعالى أنه إذا نفح في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور ﴿فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا تنفع الأنساب يومئذٍ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْتَلُ حَمِيمٌ حَيْمًا ﴿ يُضَرُونَهُمْ﴾ [المعارج] أي: لا يسأل القريب عن قريبه وهو يبصره ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعزّ الناس عليه في الدنيا ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى: ﴿يَؤْمَ ◌َفُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِ ﴿ وَأَمِّهِ وَأَبِهِ (٢٥) وَصَحِيَتِهِ، وَنِهِ ﴿ لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ (®﴾ [عبس]. وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، ثم نادى منادٍ: ألا مَن كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقّه، قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفُخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَلَّلُونَ (®)﴾(٦). رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أُم بكر (١) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) يشهد له سابقه. (٣) یشهد له سابقه. (٥) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ◌ُه وحسنه (السنن، الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح ١٠٧١)، قال الألباني: وسنده جيد (السلسلة الصحيحة ح١٣٩١). (٦) أخرجه المروزي في زوائده على ابن المبارك في الزهد رقم ١٤١٦، والطبري وأبو نعيم (الحلية ٤/ ٢٠١)، كلهم بسند حسن من طريق زاذان عن ابن مسعود. ٤٧٩ سُوْدَةُ المؤمنُونَ (١٠١، ١٠٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بنت المسور بن مخرمة، عن عبد الله بن أبي رافع، عن المسور - هو: ابن مخرمة - ظُعنه قال: قال رسول الله قال: ((فاطمة بضعة مني، يغيظني ما يغيظها، وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري))(١). وهذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول الله وَّ قال: ((فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها))(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير، عن عبد الله بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله 18 يقول على هذا المنبر: ((ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله وَ ل﴿ لا تنفع قومه؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيها الناس فرط لكم إذا جئتم)) قال رجل: يا رسول الله أنا فلان بن فلان، وقال أخوه: أنا فلان بن فلان فأقول لهم: ((أما النسب فقد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى))(٣). وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه رضيبه أنه لما تزوج أُم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﴿ّ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله والله يقول: ((كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي)) رواه الطبراني والبزار والهيثم بن كليب ﴿لله(٤). والبيهقي، والحافظ الضياء في المختارة، وذكرنا أنه أصدقها أربعين ألفاً إعظاماً وإكراماً فقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ولقد من طريق أبي القاسم البغوي: حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله وَ لين: ((كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري))(٥)، وروى فيها من طريق عمار بن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((سألت ربي ◌َ أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلي أحد منهم إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك)). ومن حديث عمار بن سيف، عن إسماعيل، عن عبد الله بن [عمرو](٦)(٧). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (3)﴾ أي: من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس: ﴿فَأُؤْلِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه، دون قوله: ((وإن الأنساب يوم القيامة ... )) فهو حسن بشواهد (المسند ٢٠٧/٣١ ح ١٨٩٠٧). (٢) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله وَير (ح٣٧١٤)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي ◌َ﴾ (ح٢٤٤٩). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٢١٩/١٧، ٢٢١ ح ١١١٣٨). (٤) المعجم الكبير للطبراني ٤٥/٣، ومسند البزار كما في كشف الأستار (ح٢٤٤٥)، والمختارة (ح٢٨١)، ويشهد له ما تقدم. (٥) أخرجه ابن عساكر بسنده ومتنه (تاريخ دمشق ٢١/٦٧)، ويشهد له ما سبق. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. (٧) أخرجه الطبراني من طريق عمار بن سيف به (المعجم الأوسط ح٣٩٦١)، وسنده ضعيف (التقريب ص٤٠٧). ٤٨٠ سُورَةُ المؤمنُونَ (١٠١، ١٠٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا(١). ﴿وَمَنْ خَفَتْ مَوَزِينُهُ﴾ أي: ثقلت سيئاته على حسناته ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: خابوا وهلكوا وفازوا بالصفقة الخاسرة. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك يرفعه قال: إن لله ملكاً موكلاً بالميزان، فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً. إسناده ضعيف فإن داود بن المحبر: ضعيف متروك (٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها دائمون مقيمون فلا يطعنون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَتَعْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣)﴾ [الأنبياء]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي [المغراء](٣)، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّم قال: ((إن جهنم لما سيق لها أهلها تلقاهم لهبها، ثم تلفحهم لفحة (٤) فلم يبق لهم لحم إلا سقط على العرقوب))(٥) . وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان، حدثنا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القطان، حدثنا سعد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء ◌َُّه قال: قال رسول الله وَّه في قول الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: ((تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم)) (٦). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني عابسون(٧). وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﴿وَهُمْ فِيَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم ترَ إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه(٨). وقال الإمام أحمد: أخبرنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله - هو: ابن المبارك تَُّهُ -، (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٥. (٢) سنده ضعيف جداً؛ لأن داود بن المحبر: متروك، كما قرر الحافظ ابن كثير. (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((الغرا)). (٤) لفح النار: حرها ووهجها (النهاية ٢٦٠/٤). (٥) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن سليمان الأصبهاني به (المعجم الأوسط ح ٢٨٠)، وقال الهيثمي: فيه محمد بن سليمان الأصبهاني، وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٣٩٣/١٠). (٦) سنده ضعيف؛ لأن سعد بن سعيد المقبري: لين الحديث (التقريب ص٢٣١). (٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٨) أخرجه الطبري والحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٥).