Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ • سُورَةُ قَرْتَرًا (٢٤، ٢٦) يقول: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِنًا﴾ نهر أخرجه الله لتشرب منه))(١). وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه. وأيوب بن نَهيك هذا هو الحبلى، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون: المراد بالسري: عيسى ظلّلا، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٢) والقول الأول أظهر. ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ بِذْعُ النَّخْلَةِ﴾ أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس(٣). وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة(٤). وقال الثوري: [عن أبي داود](٥) نفيع الأعمى: كانت صرفانة (٦)، والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه (٧)، ولهذا امتنَّ عليها بذلك بأن جعل عندها طعاماً وشراباً فقال: ﴿تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنًا﴾ أي: طيبي نفساً، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة (٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَ ل: ((أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليهلها، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها)) وقال رسول الله وَلقر: ((أطعموا نساءكم الوُلّد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران)) هذا حديث منكر جداً ورواه أبو يعلى عن شيبان به (٩) . وقرأ بعضهم ﴿تَسَّاقط﴾ بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها(١٠). وقرأ أبو نهيك: ((تُسْقط عليك (١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣٤٦/١٢ ح١٣٣٠٣)، وضعف سنده الحافظ ابن كثير لضعف أیوب بن نَهیك. (٢) قول الحسن ذكره الحافظ ابن حجر ونسبه إلى الطبري وقال: وهذا شاذ (فتح الباري ٤٧٩/٦)، ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن. وبهذا يكون أخرجه الطبري بسند صحيح عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله وهب، عنه. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن مجاهد. (٥) كذا في (حم)، وترجمته في التقريب، وهو متروك وكذبه ابن معين (التقريب ص٥٦٥)، وفي الأصل: ((أبو الأسود)). (٦) الصَرَفان: نوع من التمور الجيدة، واحدته: صرفانة. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب: أنه الرطب. (٨) أخرجه عبد الرزاق والبستي والطبري بسند صحيح من طريق حصين - وهو ابن عبد الرحمن الكوفي - عن عمرو بن ميمون. وكلامه صحيح مجرب. (٩) أخرجه العقيلي (الضعفاء الكبير ٢٥٦/٤)، وابن عدي (الكامل ٢٤٢٤/٦)، وأبو يعلى (المسند ٣٥٣/١ ح ٤٥٥) كلهم من طريق مسرور بن سعيد التميمي به، وسنده ضعيف لضعف مسرور، وعروة لم يسمع عن علي ◌َّاته. وقال الألباني: موضوع (السلسلة الضعيفة ح ٢٦٣). (١٠) القراءتان متواترتان. ٢٢٢ سُورَةُ فَرَفَ (٣٣،٢٧) رطباً جنياً))(١) وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها ((يَسّاقَطُ))(٢) أي: الجذع، والكل متقارب. وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: مهما رأيت من أحد ﴿فَقُولِيِّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِمَ الْيَّوْمَ إِنسِيًّا﴾ قال أنس بن مالك في قوله: ﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال: صمتاً (٣)، وكذا قال ابن عباس والضحاك(٤)، وفي رواية عن أنس: صوماً وصمتاً(٥)، وكذا قال قتادة وغيرهما(٦). والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد(٧). وقال أبو إسحاق عن [حارثة](٨) قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلّم الناس وسلّم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحداً لا يصدقها أنها حملت من غير زوج - يعني بذلك مريم عليهاله(٩) -؛ ليكون عذراً لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: ﴿أَلَّا تَحْزَّفِ﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة؟ أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه (١٠)، وكذا قال وهب(١١). - ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿ يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَاً سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿ قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَتَنْفِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَفِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّا جَ وَبَرًّا وَالسَّلَمُ عَلَّ يَوْمَ وُلِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا (® يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وأن لا تكلم أحداً من البشر، (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد، وهو: محمد بن حميد الرازي: ضعيف، والقراءة شاذة. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي إسحاق به، والقراءة متواترة. (٣) أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر عن أنس (٤) قول ابن عباس أخرجه البستي بسند جيد من طريق المغيرة بن عبد الله الثقفي عن ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه. (٥) أخرجه أبو عبيد (فضائل القرآن ص١٧٦)، والطبري بسند صحيح من طريق سليمان التيمي، وهو ابن طرخان، عن أنس، وفيه: أنه قرأ، وعليه فإن القراءة شاذة تفسيرية. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٨) كذا في (حم) و(ح)، وفي تفسير الطبري وفي ترجمته في التقريب، وهو ابن مضرِّب. وفي الأصل صُحف إلى: ((جارية)). (٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به. (١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (١١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن وهب. . ٢٢٣ • سُوْدَأُ مَرَيْنَا (٢٧، ٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000 000 000 000 000 فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها، فسلّمت لأمر الله مت واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً، و﴿قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتٍ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي: أمراً عظيماً، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، قال: وكانت من أهل بيت نبوة وشرف فلم يحسوا منها شيئاً، فلقوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيّار أنه قال: رأيت نوراً ساطعاً فتوجهوا حيث قال لهم؛ فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاؤوا حتى قاموا عليها و﴿قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ حِثْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾(٢) أمراً عظيماً. ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ أي: يا شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ أمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَفِيًَّ﴾ أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر (٣)، وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون(٤)، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة، وحكى ابن جرير، عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له: هارون(٥). ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين (الهجستاني حدثنا ابن أبي مريم](٦)، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر عن القرظي في قول الله ريك: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى ﴿فَصُرَتْ بِهِ، عَن ◌ُّبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١](٧). وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل (١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٢) ذكره السيوطي مطولاً وعزاه إلى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، ونوف البكالي مشهور بروايته الإسرائیلیات. (٣) ذكره الطبري وأخرجه بنحوه بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحوه، وهو الذي رجحه الطبري. (٥) ذكره الطبري تعليقاً دون سند وعزو. (٦) كذا في (ح) و(جم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((الهنجاني حدثنا ابن مريم)). (٧) هذا الخبر من الإسرائيليات التي نقلها القرظي، وهو: محمد بن كعب، وقد ردَّ الحافظ ابن كثير هذا الخبر. ٢٢٤ • سُورَةُ مَريمًا (٢٧، ٣٣) على أنه آخر الأنبياء بعثاً، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عنه عن رسول الله وسلم أنه قال: «أنا أولى الناس بابن مريم إلا أنه ليس بيني وبينه نبي))(١)، ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخراً عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ◌َّلها في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاءِ مِنْ بَنِىّ إِسْرَوِيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَجٍِ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَلِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وذكر القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُونَ﴾ الآية [البقرة: ٢٥١]، والذي جرّأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها يسبِّحنَ الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى وهذه هفوة وغلطة شديدة. بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس؛ سمعت أبي يذكره عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله وَير إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﴿ فقال: ((ألا أخبرتهم أنهم كانوا يُسمُّون بالأنبياء والصالحين قبلهم))(٢)، انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه، عن سماك به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس(٣). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال: نُبئت أن كعباً قال: إن قوله: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى قال: فقالت له عائشة: كذبت. قال: يا أم المؤمنين إن كان النبي ◌ّ قاله فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت(٤). وفي هذا التاريخ نظر. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ الآية، قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحاً محبباً في عشيرته وليس بهارون أخي موسى ولكنه هارون آخر(٥)، قال: وذُكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل(٦). (١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذَكُرْ فِ اَلْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنَبَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْفِيًّا (٦)﴾ [مريم] (ح ٣٤٤٢). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ١٤١/٣٠ ح ١٨٢٠١). (٣) صحيح مسلم، الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم (ح٢١٣٥)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة مريم (ح٣١٥٥)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ [مريم: ٢٨] (ح ١١٣١٥). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن محمد بن سيرين لم يسمع الخبر من كعب الأحبار. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) أخرجه الطبري وهو تتمة لسابقه إلا أن قتادة في هذا الشطر لم يصرح باسم شيخه، والخبر متنه غريب جداً. ٢٢٥ سُورَةُ فَرتها (٢٧، ٣٣) وقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا (®)﴾ أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: ﴿ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ صَيِيًّا﴾؟. قال ميمون بن مهران: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهٍ﴾ قالت: كلموه(١)، فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلِّم من كان في المهد صبياً. وقال السدي: لما ((أشارت إليه)) غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلِّم هذا الصبي أشد علينا من زناها ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ صَيِيًّا﴾(٢)؛ أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾، أول شيء تكلم به أن نزَّه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه. وقوله: ﴿ءَاتَدِنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة. قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه واتكأ على جنبه الأيسر وقال: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَنِى نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيَّ﴾(٣). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع أصبعه السبابة فوق منكبه وهو يقول: ﴿إِنِّ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَئِنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنَى نِيًّا﴾ الآية(٤). وقال عكرمة: ﴿َتَدِنَِّ الْكِنَبَ﴾ أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد - هو: العطار -، عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك رضيبه قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمها وهو في بطن أمه، فذلك قوله: ﴿إِنِ عَبْدُ الَّهِ ءَاتَنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾(٦). يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري: وجعلني معلماً للخير(٧). وفي رواية عن مجاهد: نفاعاً (٨). وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، (١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد عن ميمون. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) ذكره السيوطي وعزاه إلى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد والخبر من الإسرائيليات؛ لأن نوف البكالي معروف برواية القصص عن أهل الكتاب. (٤) لم أجده عن ثابت. (٥) أخرجه سفيان الثوري والطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة. (٦) سنده ضعيف جداً لأن يحيى بن سعيد العطار متروك كما قرر الحافظ ابن كثير. (٧) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف عنه، وقول الثوري أخرجه الطبري عن يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا سفيان. ويونس لم يدرك الثوري. (٨) أخرجه الطبري والبيهقي (الجامع لشعب الإيمان رقم ٧٦٦١) بسند ضعيف عن ليث، وهو ابن أبي سليم، عن مجاهد. ٢٢٦ ◌ُودَةُ مريم (٣٤، ٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالماً هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان(١). وقوله: ﴿وَأَوْصَفِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ كقوله تعالى لمحمد رَّهِ: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِينُ (@﴾ [الحجر]. وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: ﴿وَأَوْصَفِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أثبتها لأهل القدر(٢). وقوله: ﴿وَبَرَّا بِوَلِدَتِ﴾ أي: وأمرني بير والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَفِيًّا﴾ أي: ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك. قال سفيان الثوري: الجبار الشقي: الذي يُقبل على الغضب(٣). وقال بعض السلف: لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً، ثم قرأ: ﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا (٣)﴾ قال: ولا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦](٤). قال قتادة: ذُكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهنَّ وأَذنَ له فيهنَّ، فقالت: طوبى للبطن الذي حملَك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى علّلا يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله فاتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً (٥). وقوله: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا (٣)﴾ إثبات منه لعبوديته لله ◌َى، وأنه مخلوق من خلق الله يحيى ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، [صلوات الله وسلامه عليه](٦). - ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَجٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَبِّ وَإِنَّ اللَّهَ رَِّ وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ٣٥ بَحَتَهُ، إِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُنُ فَأَخْتَفَ اُلْأَخْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ذلك الذي قصصناه عليك من خبر (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بلفظ: ((وقد اجتمع الفقهاء))، وسنده جيد. (٢) سنده صحيح. (٣) أخرجه البستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر العدني عن سفيان. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن واقد أبي رجاء عن بعض أهل العلم. (٥) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل، ومثل هذا الخبر لا يؤخذ إلا من حديث مرفوع أو له حكم الرفع. (٦) زيادة من (حم). ٢٢٧ • سُؤَدَلةُ مَرْتَكًا (٣٤، ٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عيسى لعلَّ: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به، ولهذا قرأ الأكثرون ﴿قولُ الحق﴾ برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر ﴿قَوْلَ اَلْحَقِّ﴾(١)، وعن ابن مسعود أنه قرأ ((ذلك عيسى بن مريم قالُ الحق)»(٢)، والرفع أظهر إعراباً، ويشهد له قوله تعالى: ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَ تَكُ مِّنَ اُلْمُمْتَينَ ﴾﴾﴾ [آل عمران] ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبداً نبياً نزه نفسه المقدسة فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهٌُ﴾ أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علواً كبيراً ﴿إِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد شيئاً، فإنما يأمر به فيصير كما يشاء، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُم مِن اُلْحَقُّ مِن رَّبِكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ اُلْمُمْزِِّنَ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَمُ كُنْ فَيَكُنُ (٥)﴾ [آل عمران]. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بَنِي وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ أي: ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿فَأُعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم؛ أي: قويم من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى. وقوله: ﴿فَأَخَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِمْ﴾ أي: اختلف أقوال أهل الكتاب (٣) في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة منهم، وهم جمهور اليهود - عليهم لعائن الله - على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: بل هو ابن الله. وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله، وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ (®)﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: هو ابن الله؛ وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله؛ وهم الإسرائيلية ملوك النصارى - عليهم لعائن الله -. قال الرابع: كذبت؛ بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته؛ وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظُهِرَ على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] قال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿فَأَخْتَلَفَ اُلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً (٤). وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم (١) القراءتان متواترتان. (٢) أخرجه الطبري تعليقاً، وهي قراءة مفسرة، وهو بمعنى قراءة ((قولُ الحق)). (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح. ٢٢٨ • سُورَةُ فَرَتِيرًا (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قريباً من ذلك(١). وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفاً، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ظلّ اختلافاً متبايناً، جداً، فقالت كل شرذمة فيه قولاً، فمائة تقول فيه شيئاً، وسبعون تقول فيه قولاً آخر، وخمسون تقول شيئاً آخر ومائة وستون تقول شيئاً، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة، وثمانية منهم اتفقوا على قول وصمموا عليه، فمال إليهم الملك وكان فيلسوفاً فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة؛ بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعاً كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى لهم حينئذٍ الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام والجزيرة والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا بل رفعه الله إلى السماء. وقوله: ﴿فَوَيَّلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى وزعم أن له ولداً، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلماً وثقة بقدرته عليهم، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود](٢). وفي الصحيحين أيضاً عن رسول الله وسلم أنه قال: ((لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم))(٣). وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا وَبِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (®)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلاَ عَمَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ [إبراهيم] ولهذا قال ههنا: ﴿فَوَيِّلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة. وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت ظُته قال: قال رسول الله وَالى: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)) (٤). وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَبَصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَّوْمَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ قُضِىَ الْأَمَّرْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ يقول تعالى مخبراً عن الكفار يوم القيامة: إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره، كما قال تعالى: (١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢. (٣) صحيح البخاري، الأدب، باب الصبر على الأذى (ح٦٠٩٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﴾ (ح٢٨٠٤). (٤) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ ... ﴾ [آل عمران: ٤٥] (ح ٣٤٣٥) وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً (ح ٣١٠). ٢٢٩ سُورَة مريرًا (٣٨، ٤٠) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة] أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئاً، ولو كان هذا قبل معاينة (١٣) العذاب لكان نافعاً لهم ومنقذاً من عذاب الله، ولهذا قال: ﴿أَسَّعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي: ما أسمعهم وأبصرهم(١) ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ يعني يوم القيامة ﴿لَكِنِ اٌلَّلِّمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلَلٍ ◌ُّبِينٍ﴾ أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك. · ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَْسْرَةِ﴾ أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة ﴿إِذْ قُضِىَ الْأَمِّرِّ﴾ أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار وصار كل إلى ما صار إليه مخلداً فيه، ﴿وَهُمْ﴾ أي: اليوم ﴿فِي غَفَّلَةٍ﴾ عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون به. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وسلم: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟، قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت)) ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الَْسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمِّرِّ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ () وأشار بيده، ثم قال: ((أهل الدنيا في غفلة الدنيا)) هكذا رواه الإمام أحمد (٢)، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك(٣). وقد روى هذا الحديث [الحسن] (٤) بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله(٥)، وفي سنن ابن ماجه وغيره من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه(٦)، وهو في الصحيحين عن ابن عمر(٧). رواه ابن جريج قال: قال ابن عباس .. فذكر من قبله نحوه (٨)، ورواه أيضاً عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون(٩). (١) أخرج نحوه ابن أبي حاتم بسنده صحيح عن ابن عباس (ينظر: فتح الباري ٢٣٧/٨). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ١٧/ ١٢٠ ح ١١٠٦٦). (٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] (ح٤٧٣٠)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ... (ح٢٨٤٩). (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((المسد)). (٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط بن محمد به. (٦) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح٤٣٢٧) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٣٤٩٣). (٧) صحيح البخاري، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب (ح٦٥٤٤) وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ... (ح ٢٨٥٠). (٨) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلقَ ابن عباس، ويشهد له ما تقدم. (٩) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن أبيه، وسنده ضعيف لأن فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، = ٢٣٠ • سُوْدَةُ فَرَتْنًا (٣٨، ٤٠) وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل: حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله - هو ابن مسعود - في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة، ويقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة، قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله منَّ عليكم(١). وقال السدي، عن زياد، عن زِرِّ بن حُبيش، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَذِرْهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرّ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، أُتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادي منادٍ: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتاً من فرح لماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتاً من شهقة ماتوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرّ﴾ يقول: إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره(٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ﴾: من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده(٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَقَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (٤) [الزمر: ٥٦]. ﴾ يخبر تعالى أنه الخالق المالك ١٤٠ وقوله: ﴿إِنَّا نَّحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكاً ولا تصرفاً؛ بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئاً، ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة. قال ابن أبي حاتم: ذكر هدبة بن خالد القيسي، حدثنا حزم بن أبي حزم [القُطعي](٥) قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على خلقه: (إنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون)(٦). ويشهد له ما ثبت في الصحيحين. = (١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح. (٢) يشهد له ما سبق. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((البطعي)). (٦) سنده ضعيف لأن ابن أبي حاتم رواه معلقاً عن هدبة. ٢٣١ • سُورَة مركيًا (٤١، ٤٨) 9000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَّ إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًا نَّيًّا (® يَأَبَتِ إِنِّيِ قَدْ جَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِبًا (® يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِىِ عَنكَ شَيْئًا يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿﴿ يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِشَيْطَانِ وَلِيًّا ٤٥ يقول تعالى لنبيه محمد رَاءٍ: ﴿وَأَذْكُرْ فِ الْكِنَبِ إِبْرَهِيمٌّ﴾ واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن، الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته، وقد كان صديقاً نبياً مع أبيه، كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا﴾ أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضرراً ﴿يَأَبَتِ إِنِّ قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ يقول: وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه ولا جاءك ﴿فَتَّبِعِىّ أَهْدَِ صِرَطًا سَوِيًا﴾ أي: طريقاً مستقيماً موصلاً إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدٍ الشَّيْطَنِّ﴾ أي: لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَذْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَنِّ﴾ [يس: ٦٠] وقال: ﴿إِن يَدْعُونَ (﴾ [النساء]. مِن دُونٍِ إِلَّ إِنَثَّا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَا قَرِيدًا وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: مخالفاً مستكبراً عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله ﴿يَبَتِ إِّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا﴾ يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصراً ولا مغيثاً إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿ثَلَهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُهُمُ الْيَوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣)﴾ [النحل]. ] ﴿قَالَ أَرَغِبُ أَنْتَ عَن ◌َالِهَتِى بَإِزَهِيِّ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا (٨ قَالَ سَلَمُ عَلَّكْ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِىِ عَسَىّ أَلَّآ أَكُنَ بِدُعَِّ رَبِ شَقِيًّا (﴾﴾. يقول تعالى مخبراً عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: ﴿أَرَاغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَإِزَهِيمٌ﴾؟ يعني: إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكٌ﴾ قاله ابن عباس والسدي وابن جريج والضحاك وغيره(١) . (١) قول ابن عباس أخرجه البخاري معلقاً، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس (تغليق التعليق ٢٤٨/٤)، وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٢٣٧/٨)، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، لكنه توبع في رواية ابن أبي حاتم المتقدمة. ٢٣٢ • سُورَةُ فَرْشِيرًا (٤٨،٤١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق: يعني دهراً(١). وقال الحسن البصري: زماناً طويلاً(٢). وقال السدي: ﴿وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ قال: أبداً(٣). وقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس ﴿وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ قال: سوياً سالماً قبل أن تصيبك مني عقوبة(٤)، وكذا قال الضحاك وقتادة وعطية الجدلي وأبو مالك وغيرهم(٥)، واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَمُ عَلَيْكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا ﴾ [القصص]. ٥٥ وَلَكُمْ أَعْمَلُكُرْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْنَفِى الْجَدِهِلِنَ ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَمُ عَلَيْكٌ﴾ يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى وذلك لحرمة الأبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ﴾ ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ قال ابن عباس وغيره: لطيفاً(٦)؛ أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقال قتادة ومجاهد وغيرهما ﴿إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ قال: عَّده الإجابة(٧) . وقال السدي: الحفي: الذي يهتم بأمره، وقد استغفر إبراهيم ◌َليه لأبيه مدة طويلة وبعد أن هاجر إلى الشام، وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق علّ* في قوله: [إبراهيم] وقد استغفر المسلمون لقراباتهم ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِّدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةُ فِىَّ ◌َِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْبِهِمْ إِنَّا بُرَؤْ مِنْكُمْ وَمِنَّا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَيَبْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبَزِهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] يعني: إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به، ثم بيّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ (١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الكريم، وهو الجزري عنه، وقول عكرمة أخرجه سفيان الثوري والطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف ويشهد له سابقه. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((اجتنبني سوياً)). (٥) قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطية الجدلي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قرة بن خالد عنه. (٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٧) قول مجاهد ذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. ٢٣٣ • سُورَةُ فَرَيْهَا (٤٩، ٥٣) 1000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْيَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْحَحِيمِ (١٧) وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَهُ, عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْزَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ (9)﴾ [التوبة]. وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبٍ﴾ أي أجتنبكم وأتبرأ منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله (وأدعو ربي) أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له ﴿عَسَىّ أَلََّ أَكُنَ بِدُعَاءِ رَبِّ شَفِيًّا﴾ وعسى: موجبة لا محالة، فإنه ظلّله سيد الأنبياء بعد محمد دَله . وَوَهَبْنَا لَمُ ﴿فَمَّا أَعْتَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍّ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ٥٠ مِّن رَّحْمَلِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا يقول تعالى: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب؛ يعني: ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقال: ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نصُ القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ولهذا إنما ذكر ههنا إسحاق ويعقوب؛ أي: جعلنا له نسلاً وعقباً أنبياء أقرّ الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلَّا جَعَلْنَا فِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب عليلا قد نبئ في حياة إبراهيم لما اقتصر عليه ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضاً كما قال رسول الله وَّ﴿ في الحديث المتفق على صحته حين سئل عن خير الناس، فقال: (يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله))(١)، وفي اللفظ الآخر: ((إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» (٢). وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَلِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًَّا ﴾﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: الثناء الحسن(٣)، وكذا قال السدي ومالك بن أنس، وقال ابن جرير: إنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين(٤). ﴿ وَدَيْنَهُ مِن جَاِبِ اُلُّورِ الْأَيْمَنِ ] ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصَا وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا وَقَرَّبْنَهُ نِيًّا ﴿ِ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيَنَاَ أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: ﴿وَذَكُرْ فِي الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَُّ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ بعضهم بكسر اللام(٥) من الإخلاص في العبادة. قال الثوري، عن (١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ... ﴾ [البقرة: ١٣٣] (ح٣٣٧٤)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل يوسف ظلَّلا (ح٢٣٧٨). (٢) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ◌ًا (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَيُنِؤُ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَعَلَىْ ءَالِ يَعْقُوبَ ... ﴾ [يوسف: ٦] ح ٤٦٨٨). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) وهي قراءة متواترة. (٤) ذكره الطبري واستشهد له بالشعر. ٢٣٤ • سُورَةُ فَرَتِكًا (٤٩، ٥٣) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 000 عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله؟ قال: الذي يعمل الله لا يحب أن يحمده الناس(١). وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: ﴿إِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. ﴿وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا﴾ جمع الله له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين. وقوله: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اٌلُورِ﴾ أي: الجبل ﴿آلْأَمَنِ﴾ أي من جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح، فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن منه عند شاطئ الوادي، فكلمه الله تعالى وناداه وقربه فناجاه. روى ابن جرير: حدثنا [ابن بشار](٢)، حدثنا يحيى - هو القطان -، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقَرَّتَهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدني حتى سمع صريف القلم (٣)، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم؛ يعنون: صريف القلم بكتابة التوارة (٤). وقال السدي: ﴿وَقَرَّتَهُ نِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة ﴿وَقَرَّيْنَهُ نَجِيَّ﴾ قال: نجا بصدقه(٥). وروى ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي واصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معديكرب قال: لما قرب الله موسى نجياً بطور سيناء قال: يا موسى إذا خلقت لك قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئاً، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئاً (٦). وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمِنَآَ أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا (3﴾﴾ أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبياً، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِّ لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُِّيِّ إِنَّ (٣)﴾ [القصص] وقال: ﴿قَدْ أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦] وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى أَخَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ هَرُونَ ﴿ وَلَهُمْ عَلَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣)﴾ [الشعراء] ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبياً، قال الله تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَيِّنَآَ أَخَاهُ هَرُونَ نِيَّأَ (١) سنده مرسل لأن مثل هذه الروايات لا تؤخذ إلا من حديث رسول الله اله (٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((ابن يسار)). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الثوري عن عطاء به، وأخرجه البستي من طريق ابن بشار، به وسنده حسن. (٤) قول مجاهد أخرجه أبو الشيخ (العظمة ح ٢٨٢)، والطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وكلاهما مرسل يقوي أحدهما الآخر ويتقویان بسابقهما . (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، والخبر من أهل الكتاب. ٢٣٥ • سوداقرنًا (٥٤، ٥٥) قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّاً (63)﴾ قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب نبوته له (١)، وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقاً عن يعقوب وهو: ابن إبراهيم الدّورقي به(٢) . ﴿وَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا فِيًّا ﴿﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوْةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل عَله، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه كان صادق الوعد. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها؛ يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها . وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي تعلِّ وعد رجلاً مكاناً أن يأتيه فيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت قال: لم أكن أبرح حتى تأتيني، فلذلك ﴿ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾(٣). وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولاً حتى جاءه(٤). وقال [ابن شوذب](٥): بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكناً(٦). وقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق، من طريق إبراهيم بن طهمان، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الكريم - يعني: ابن عبد الله بن شقيق -، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء، قال: بايعت رسول الله وَ لل قبل أن يبعث، فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: ((يا فتى لقد شققت عليّ، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك)). لفظ الخرائطي(٧)، وساق آثاراً حسنة في ذلك، ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب معرفة الصحابة بإسناده عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، به (٨). وقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فصدَّق في ذلك، فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أن خُلُّفه من الصفات (٢) سنده كسابقه. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله. (٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وسنده ضعيف لأن الثوري رواه بلاغاً. (٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((سودب)). (٦) وسنده ضعيف كسابقه. (٧) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في العِدة (ح ٤٩٩٦)، ومكارم الأخلاق (ح٣٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ١٠٦٢). (٨) سنده کسابقه. ٢٣٦ • سُورَةَ مَرَتْرًا (٥٤، ٥٥) كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَنْ الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف]. وقال رسول الله وَله: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))(١). ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله ( 18 صادق الوعد أيضاً لا يعد أحداً شيئاً إلا وفّى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: ((حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي)) ولما توفي النبي ◌َّر قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله وَله عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاء جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله وَالر قال: ((لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)) يعني: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابراً فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثليها معها(٢). وقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﴿ قال: ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل)) (٣). وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه. وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَ كَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًا (﴾﴾ هذا أيضاً من الثناء الجميل والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان مثابراً على طاعة ربه رَمَت، آمراً بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَّا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقً نَّحْنُ نَرْزُقُكُ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى [طه]، وقال: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَتِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] أي: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ولا تدعوهم هملاً، فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)) أخرجه أبو داود وابن ماجه(٤). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ها عن النبي وَّه قال: ((إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين، كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له(٥). (١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة الله (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة المنافق ح٣٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق (ح ١٠٧). (٢) أخرجه الشيخان من حديث المسور بن مخرمة له (صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب أصهار النبي ◌َ ﴿ح٣٧٢٩) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة وثقا (ح٢٤٤٩). (٣) صحيح مسلم، الفضائل، باب نسب النبي وَّر (ح ٢٢٧٦). (٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب قيام الليل (ح١٣٠٨)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل (ح١٣٣٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١١٦٠). (٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب قيام الليل (ح١٣٠٩)، والسنن الكبرى للنسائي، قيام الليل، باب ثواب من = ٢٣٧ • سُوْدَةُ مَرَيْنَا (٥٧،٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ إِدْرِسََّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيَّا ٥٦ (٥٧) وَرَفَعْنَهُ مَكَنَا عَلِيًّا هذا ذكر إدريس تعلَّ بالثناء عليه بأنه كان صديقاً نبياً، وأن الله رفعه مكاناً علياً، وقد تقدم في الصحيح أن رسول الله صل﴿ مرّ به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة(١). وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً فقال كعب: أما إدريس، وأنا حاضر فقال له: ما قول الله رَبَ لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة فقال له: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى ازداد عملاً، فحمله بين جناحيه حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هوذا على ظهري. قال ملك الموت: العجب، بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا (69﴾(٢). هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أنه سأل كعباً فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله؛ يعني: ملك الموت، كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل؟ وذكر باقيه، وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض عل* وهو لا يشعر به(٣)، ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس أن إدريس كان خياطاً، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملاً منه، وذكر بقيته كالذي قبله أو نحوه(٤). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنَا عَلِيًّا (3﴾﴾ قال إدريس: رفع ولم يمت کما رفع عيسى(٥). وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿ وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا (69)﴾ قال: السماء الرابعة (٦). استيقظ وأيقظ امرأته فصليا (ح١٣١)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل (ح١٣٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١١٦١). (١) تقدم في تفسير سورة الإسراء آية ١. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، لكنه من أخبار كعب الأحبار المعروف برواية الإسرائيليات. (٣) حکمه کسابقه. (٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وحكم كسابقه .. (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه غريب تفرد به مجاهد، ومثل هذا لا يؤخذ إلا من حديث ثابت مرفوع. (٦) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده صحيح موافق للحديث الصحيح المتقدم في بداية تفسير سورة الإسراء، = ٢٣٨ سُؤَدَلةُ مَرَيْنَا (٥٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا (٥)﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها(١)، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم(٢). الجنة(٣). وقال الحسن وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِيَّةِ إِنْزَهِيَمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَأَجَْبَيْنَا إِذَا نُعْلَى عَلَيْهِ مَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَتَكِيًّاٌ (َ﴾. يقول تعالى: هؤلاء النبيون - وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط؛ بل جنس الأنبياء * استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ مَادَمَ﴾ الآية، قال السدي وابن جريج لَّثُ. فالذي عنى به من ذرية آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم، قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس، فإنه جد نوح(٤). (قلت): هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح بَّاهُ، وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذ من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي ◌َّ: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ولم يقل: والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم السَّاه(٥). وروى ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن محمد: أن إدريس أقدم من نوح، فبعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاؤوا، فأبوا فأهلكهم الله رَكَ(٦). ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءٍ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِ كُلَّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن ذُرِيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَزَّكَرَِا وَيَحْنِى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلٌّ مِنَ الصَِّحِينَ وَهَرُونَّ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ () وَيُونُسَ وَلُوطَّأْ وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿٨ وَمِنْ ءَابَبِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَنِهِمْ وَأَجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٩٠] وقال تُعَلَّ: ﴿مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم ◌َن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]. = وأخرجه ابن أبي شيبة عن سفيان به (المصنف ٥٥٠/١١)، وكذا الطبري. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٢) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان، وهو مخالف لما في الصحيحين أنه في السماء الرابعة . (٣) قول مخالف لما في الصحيحين أنه في السماء الرابعة وليس في الجنة. (٤) ذكره الطبري دون ذكر السدي. (٦) سنده مرسل ولعله من أخبار أهل الكتاب. (٥) تقدم في بداية تفسير سورة الإسراء. ٢٣٩ • سُوْدَةُ فَرَتِكًا (٦٠،٥٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفي صحيح البخاري عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس: أفي ﴿صَّ﴾ سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠] فنبيكم ممن أمر يقتدي بهم، قال: وهو منهم؛ يعني: داود(١). وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا نُثْلَى عَيْهِمْ ءَيَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَتُكِيَّ﴾ أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعاً واستكانة وحمداً وشكراً على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم واتباعاً لمنوالهم. قال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب . سورة مريم، فسجد وقال: هذا السجود فأين البكي؟ يريد البكاء، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (٢)، وسقط من روايته ذكر أبي معمر فيما رأيت، فالله أعلم. (4) إِلَّا مَن تَابَ ﴿و ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُوا الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوّنَ غَيًّا وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا لما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء للَّل، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر أنه ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: قرون أُخر ﴿أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ﴾ وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غياً؛ أي: خساراً يوم القيامة. وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة ههنا فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي(٣)، واختاره ابن جرير ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة(٤) للحديث: ((بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة))(٥). والحديث الآخر: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر))(٦)، وليس هذا محل بسط هذه المسألة. (١) أخرجه البخاري بنحوه (صحيح البخاري، التفسير، سورة ص ح ٤٨٠٧)، وسورة الأنعام باب ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِّةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] (ح٤٦٣٢)، وكأن الحافظ ابن كثير، أورده بالمعنى. (٢) سنده صحيح، وهو كما قال الحافظ ابن كثير فقد أخرجه الطبري من طريق الثوري به دون ذكر أبي معمر. (٣) قول محمد بن كعب القرظي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي صخر عنه. (٤) ورأي الجمهور أن تكفير تارك الصلاة إذا كان جاحداً لها . (٥) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ظه (الصحيح، الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ح ١٣٤). (٦) أخرجه الترمذي من حديث بريدة نظرائه وقال: حسن صحيح غريب (السنن، الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة ح ٢٦٢١)، وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة ح ١٠٧٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٨٨٤). ٢٤٠ • سُورَةُ مَرْتَنَا (٦٠،٥٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ﴾ قال: أي: أضاعوا المواقيت، ولو كان تركاً كان كفراً (١). وقال وكيع عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد، عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ [الماعون] و﴿عَلَى صَلَاِهِمْ دَايِعُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] و﴿عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] فقال ابن مسعود: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذلك الكفر(٢). وقال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهنَّ: إضاعتهنَّ عن وقتهنَّ(٣). وقال الأوزاعي، عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز قرأ: ﴿ فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ خَلَفُّ ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوّنَ غَيًّا الوقت(٤) . وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَتَّبَعُواْ الشَّهَوَنِّ﴾ قال: عند قيام الساعة وذهاب صالحي أمة محمد عليه ينزو بعضهم على بعض في الأزقة(٥)، وكذا روى ابن جريج، عن مجاهد مثله(٦)، وروى جابر الجعفي عن مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة(٧)؛ يعنون: في آخر الزمان. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَنِ﴾ قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون من الناس في الأرض(٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني، أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري (١) أخرجه الطبري وأبو نعيم (الحلية ٦/ ٨٠) كلاهما عن الأوزاعي به، وأخرجه الطبري بسند آخر عن الأوزاعي عن القاسم بن مخيمرة، وأخرجه الطبري بسند آخر من طريق أبي عمرو عن القاسم بن مخيمرة، وهذه الأسانيد يقوي بعضها بعضاً. وهذا الرأي أيضاً يخالف قول الجمهور المتقدم. (٢) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن أبيه، به وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع. (٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف. (٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، والخطيب البغدادي في ((المتفق والمفترق))، وأخرجه الطبري بسند کسابقه. (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وفي سنده الحسين كسابقه، ويتقوى بطريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أخرجه الطبري من طريق جابر به، وفي سنده الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف. (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده إبراهيم بن مهاجر فيه مقال، وقد تابعه ابن أبي نجيح في الرواية قبل السابقة فيتقوى بها .