Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٢٠، ٢١)
0000000002300000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أراد الله وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات(١)، فإنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ
لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿يَصْلَنهَا﴾ أي: يدخلها حتى تغمره من جميع
جوانبه ﴿مَذْهُومًا﴾ أي: في حال كونه مذموماً على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على
الباقي ﴿مَّدْحُورًا﴾ مبعداً مقصياً ذليلاً مهاناً.
روى الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا دُويد، عن أبي إسحاق، عن عروة، عن عائشة
قالت: قال رسول الله وَر: ((الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا
عقل له))(٢).
وقوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ﴾ أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور ﴿وَسَعَى لَا
سَعْيَهَا﴾ أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول بَّلهُ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: قلبه مؤمن؛ أي:
مصدق موقن بالثواب والجزاء ﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم ◌َشْكُورًا﴾ .
اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا
﴿ كُلَّا تُمِّدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا
[يقول تعالى: ﴿كلّ﴾ أي: كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة
نمدهم فيما هم فيه ﴿مِنْ عَطَِّ رَيِّكْ﴾ أي: هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور، فيعطي كلاً ما
يستحقه من السعادة والشقاوة، فلا رادَّ لحكمه، ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراد، ولهذا
قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ مَخْطُورًا﴾ أي: لا يمنعه أحد، ولا يرده راد.
قال قتادة: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ مَخْطُورًا﴾ أي: منقوصاً(٣) .
وقال الحسن وابن جريج وابن زيد أي: ممنوعاً (٤).
ثم قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين
ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيراً، ومن يعمر حتى يبقى شيخاً كبيراً، وبين
ذلك.
﴿وَلَلَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا﴾ أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن
منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العليا
(١) مثل قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَنّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥].
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لأن دويد غير منسوب. (المسند ٤٠ / ٤٨٠
ح٢٤٤١٩) وجود المنذري سنده (الترغيب ٧٧/٤)، والعراقي وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح إلا
دويد وهو ثقة (ينظر كشف الخفاء ٤١٠/١، ومجمع الزوائد ٢٨٨/١٠)، وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (ح ١٩٣٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سهل بن أبي الصلت عن الحسن بلفظ: كلا نعطي من
الدنيا البر والفاجر، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف،
بلفظ: منقوصاً، وبهذا اللفظ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن
زید بن أسلم.

٦٢
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٢٢، ٢٤)
ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاتون في ما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون،
فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين ((إن أهل
الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء)) (١) ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَلَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا﴾ .
وفي الطبراني من رواية زاذان، عن سلمان مرفوعاً: ((ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة
فارتفع، إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها))، ثم قرأ: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾(٢).
﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْمُومَا تَّخْذُولًا (﴾﴾﴾](٣).
يقول تعالى، والمراد المكلفون من الأمة: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكاً
﴿فَنَفْعُدَ مَذْمُومًا﴾ أي: على إشراكك به ﴿تَحْذُولًا﴾ لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت
معه، وهو لا يملك لك ضراً ولا نفعاً، لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي
الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((من أصابته فاقة
فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغنى إما آجلاً وإما غنى عاجلاً)) (٤).
رواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب(٥).
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ
(٢٦) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا
كِلَهُمَا فَلَ تَقُل لَُّمَا أَفِي وَلَ نَنْهُرْهُمَا وَقُلْ أَ
وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّنِ صَغِيرًا (®]﴾ .
يقول تعالى آمراً بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء ههنا بمعنى الأمر.
قال مجاهد: ﴿وَقَضَى﴾ يعني: وصى(٦)، وكذا قرأ أُبي بن كعب وابن مسعود والضحاك بن
مزاحم (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه)(٧) ولهذا قرن بعبادته برّ الوالدين، فقال: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٦٩.
(٢) أخرجه الطبراني بسند ضعيف جداً من طريق أبي الصباح عبد الغفور بن سعيد الأنصاري عن أبي هاشم
الرماني عن زاذان به (المعجم الكبير ٢٣٩/٦ ح ٦١٠١) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه أبو الصباح
عبد الغفور وهو متروك (المجمع ٧/ ٥٢).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم). وقد أشير إلى السقط في حاشية الأصل.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسن سنده محققوه (المسند ٤١٥/٦ ح٣٨٦٩)، وأخرجه الحاكم من
طريق بشير بن سلمان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠٨/١).
(٥) سنن أبي داود، الزكاة، باب في الاستعفاف (ح١٦٤٥) وسنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في الهم في
الدنيا وحبها (ح٢٣٢٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٤٤٨).
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد بلفظ: ((أوصى)). وابن جريج لم يسمع من
مجاهد.
(٧) وهي قراءة شاذة تفسيرية، وقراءة أبي أخرجها الطبري بسند حسن عنه، وقراءة ابن مسعود أخرجها عبد الرزاق =

٦٣
• سُورَةِ الأَشْراءِ (٢٣، ٢٤)
إِحْسَنًا﴾ أي: وأمر بالوالدين إحساناً، كقوله في الآية الأخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلَوَلِدَيْكَ إِلَىَّ
اُلْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَ تَّقُل لَّكُمَا أُنٍ وَلَا نَهُرْهُمَا﴾ [أي: لا تسمعهما
قولاً سيئاً حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيء ﴿وَلَا نَهُرْهُمَا﴾](١) أي: ولا يصدر
منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن رباح في قوله: ﴿وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾ أي: لا تنفض يدك
عليهما(٢).
ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول والفعل الحسن، فقال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا
كَرِيمًا﴾ أي: ليناً طيباً حسناً بتأدب وتوقير وتعظيم، ﴿وَأَخْفِضْ نَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي:
تواضع لهما بفعلك ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبََّنِ صَغِيرًا﴾ أي: في كبرهما وعند وفاتهما، قال ابن
عباس: ثم أنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُؤْلِ قُرْبَ﴾(٣)
[التوبة: ١١٣].
وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنسٍ وغيره أن
النبي مس لما صعد المنبر قال: ((آمين آمين آمين)) قيل: يا رسول الله علامَ أمنَّت؟ قال: ((أتاني
جبريل فقال: يا محمد رَغِمَ (٤) أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك، قل: آمين، فقلت: آمين،
ثم قال: رَغِمَ أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين،
ثم قال: رَغِمَ أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت:
آمین))(٥) .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زرارة بن أوفى،
عن مالك بن الحارث، عن رجل منهم أنه سمع النبي ◌َّ* يقول: ((من ضمَّ يتيماً من أبوين
مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة البتة، ومن أعتق امرأ مسلماً، كان
فكاكه من النار يجزى بكل عضو منه عضواً منه))(٦).
= عن معمر عن قتادة عنه، ورجاله ثقات لكن قتادة لم يسمع من ابن مسعود، وقراءة الضحاك أخرجها الطبري
بسند ضعيف من طريق أبي إسحاق الكوفي، وهو عبد الله بن ميسرة وهو ضعيف، عنه وزيادة لفظ: ((إنهم
الصقوا الواو بالصاد فصارت قافاً)). وردّه ابن الجوزي بقوله: وهذا خلاف ما انعقد عليه الإجماع فلا
يلتفت إليه (زاد المسير ٣٢/٥).
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق واصل الرقاشي عن عطاء بن أبي رباح، وواصل ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أي: ذل.
(٥) أخرجه البزار من طريق سلمة بن وردان عن أنس ظه بنحوه ثم قال البزار: سلمة: صالح وله أحاديث
يستوحش منها، ولا نعلم روى أحاديث بهذه الألفاظ غيره. (مختصر مسند البزار ٤٤١/٢ ح ٢١٧٤)،
ويشهد له حديث أبي هريرة ربه، أخرجه مسلم مختصراً (الصحيح، البر، باب رغم أنف من أدرك
أبويه ... ح٢٥٥١)، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة كاملاً (الأدب المفرد ح٦٤٦ وصححه الألباني في
صحيح الأدب المفرد ح ٥٠٢).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: صحيح لغيرة (المسند ٣٧٠/٣١ ح ١٩٠٢٥) أي: بالشواهد.

٦٤
• سُوَرَّةُ الإِسْرَاءِ (٢٣، ٢٤)
2000000000000000001
ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد فذكر معناه، إلا أنه قال
عن رجل من قومه يقال له: مالك أو ابن مالك، وزاد ((ومن أدرك والديه أو أحدهما، فدخل
النار فأبعده الله))(١).
حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، عن حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن
زرارة بن أوفى، عن مالك بن عمرو القشيري، سمعت رسول الله وَلو يقول: ((من أعتق رقبة
مسلمة فهي فداؤه من النار، فإن كل عظم من عظامه محررة بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد
والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله رَ، ومن ضمَّ يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى
يغنيه الله وجبت له الجنة))(٢).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة،
سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن أبي بن مالك القشيري قال: قال النبي ◌َّ: ((من أدرك والديه
أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه))(٣)، ورواه أبو داود الطيالسي عن
شعبة به، وفيه زيادات أخر (٤).
حديث آخر: قال الإمام أحمد حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح،
عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال: ((رغم أنف، ثم رَغِمَ أنف ثم رَغِمَ أنف رجل أدرك
أحد أبويه أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة)) (٥) صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجوه، سوى
مسلم من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به(٦).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا ربعي بن إبراهيم، قال أحمد وهو: أخو إسماعيل بن
علية وكان يفضل على أخيه، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَّرَ: ((رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، وَرَغِمَ أنف رجل
دخل عليه شهر رمضان فانسلخ فلم يغفر له، ورَغِمَ أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم
(١) هذا الحديث خلط فيه الحافظ ابن كثير من حديثين في المسند: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن علي بن
زيد بن جدعان عن زرارة بن أوفى عن عمرو بن مالك أو مالك بن عمرو، كذا قال سفيان، قال: قال
رسول الله وَّجر: ((من ضمَّ يتيماً بين أبويه فله الجنة البتة))، ثم قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر،
حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن زرارة بن أوفى عن أبي بن مالك، عن النبي وَّر أنه قال: ((من
أدرك والديه أو أحدهما، ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه)) (المسند ٣٧٢/٣١، ٣٧٣
ح ١٩٠٢٦، ١٩٠٢٧)، وما ذكره الحافظ جزء من سند الحديث الثاني ثم جزء من سند الحديث الأول ثم
ذكر متن الحديث الثاني. وكلا الحديثين صحح سندهما محققو المسند.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: صحيح لغيره دون قوله. ((من أدرك أحد والديه ... )) فهو
صحيح (المسند ٣٧٥/٣١ ح ١٩٠٣٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده، دون ذكر حجاج، ومتنه، وصححه محققوه (المسند ٣٧٣/٣١ ح ١٩٠٢٧).
(٤) مسند الطيالسي (ح ١٣٢١).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٦/٢)، وصححه الحافظ ابن كثير وهو على شرط مسلم كما
يلي .
(٦) صحيح مسلم، البر، باب رغم أنف من أدرك أبويه ... (ح٢٥٥١).

٦٥
سُورَةُ الأشراء (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000800000000000000000000000000000000
يدخلاه الجنة)) قال ربعي: ولا أعلمه إلا قال: ((أو أحدهما)) (١). ورواه الترمذي عن أحمد بن
إبراهيم الدورقي عن ربعي بن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه(٢).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل،
حدثنا أسيد بن علي، عن أبيه علي بن عبيد، عن أبي أسيل وهو: مالك بن ربيعة الساعدي قال:
بينما أنا جالس عند رسول الله وَ﴿، إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هل بقي عليَّ
من برِّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار
لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو
الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما»(٣). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن
سليمان وهو ابن الغسيل به (٤).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن
عبد الله بن عبد الرحمن، عن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي وَيّر فقال: يا
رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: فهل لك من أُم؟ قال: نعم قال: فألزمها فإن
الجنة عند رجليها)) ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول (٥)، ورواه النسائي وابن
ماجه من حديث ابن جريج به (٦).
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن بحير بن
سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب، عن النبي وَ ل* قال: إن الله يوصيكم
بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله
يوصيكم بالأقرب فالأقرب)»(٧). وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عياش به (٨).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٤٢١/١٢ ح ٧٤٥١).
(٢) السنن، الدعوات، باب قول رسول الله وَلخير: (رغم أنف رجل (ح٣٥٤٥)، وقال الألباني: حسن صحيح
(صحيح سنن الترمذي ح ٢٨١٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لجهالة حال علي بن عبيد المسند ٢٥/ ٤٥٧
ح١٦٠٥٩)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١٦٢/٢ ح ٤١٨)، والحاكم (المستدرك ١٥٤/٤) كلاهما من
طريق عبد الرحمن بن سليمان به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) سنن أبي داود، الأدب، باب في بر الوالدين (ح٥١٤٢)، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب صلة من كان
أبوك يصله (ح٣٦٦٤).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٢٩٩/٢٤ ح ١٥٥٣٨)، وأخرجه الحاكم
من طريق ابن جريج به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠٤).
(٦) سنن النسائي، الجهاد، باب الرخصة في التخلف لمن له والد ١١/٦، وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب
الرجل يغزو وله أبوان (ح٢٧٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٢٤١).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣١/٤)، وأخرجه البخاري من طريق إسماعيل بن عياش به
(الأدب المفرد ح ٦٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٦٦).
(٨) سنن ابن ماجه، الأدب، باب بر الوالدين (ح٣٦٦١)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ٢٤٠/٢)،
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٩٥٤).

٦٦
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حديث آخر: قال أحمد: حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة، عن الأشعث بن سليم عن أبيه، عن
رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي ◌ّر فسمعته وهو يكلم الناس يقول: ((يد المعطي العليا،
أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك))(١).
حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا
إبراهيم بن المستمر العُروقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن ليث بن
أبي سليم، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن رجلاً كان في الطواف حاملاً
أمه يطوف بها فسأل النبي ◌َ له: هل أديت حقها؟ قال: ((لا ولا بزفرة واحدة)) أو كما قال، ثم
قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه(٢). قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله
أعلم.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِ نُفُوسِكُمَّ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا
.
قال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به،
وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِ نُفُوسِكُنَّ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ﴾(٣).
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا﴾ قال قتادة: للمطيعين أهل الصلاة(٤).
وعن ابن عباس: المسبحين(٥).
وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين(٦)، وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين (٧).
وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى(٨).
وقال شعبة عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا﴾
قال: الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون، ويصيبون الذنب ثم يتوبون (٩). [وكذا رواه عبد الرزاق عن
الثوري، ومعمر عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب بنحوه(١٠)، وكذا رواه الليث وابن
جريج](١١)، عن ابن المسيب به (١٢).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول وصحح سنده محققوه (المسند ١٥٩/٢٧ ح ١٦٦١٣).
(٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢٣٨/٢ ح ١٧٧٧) قال الهيثمي: وفيه الحسن بن أبي
جعفر وهو ضعيف من غير كذب، وليث بن أبي سليم مدلس (مجمع الزوائد ٨/ ١٣٧).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حميد بن زياد عن محمد بن المنكدر.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن عن عون العقيلي.
(٩) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر به.
(١٢) أخرجه الطبري من طريق الليث به وسنده صحيح.
(١١) زيادة من (ح) و(حم).

٦٧
• سُوَّرَّةُ الإِسْرَاءِ (٢٦، ٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكذا قال عطاء بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير(١).
وقال مجاهد، عن عبيد بن عمير في الآية: هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله
منها(٢)، ووافقه مجاهد في ذلك(٣).
وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير في قوله:
﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَِّينَ غَفُورًا﴾ قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت
في مجلسي هذا (٤).
وقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع من المعصية
إلى الطاعة مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه(٥)، وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأواب مشتق
من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ﴾﴾ [الغاشية].
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله وَ ﴿ كان إذا رجع من سفر قال: ((آيبون تائبون، عابدون
لربنا حامدون»(٦)
﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ
L
الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كُفُورًا ﴿ وَإِمَا تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا
مَیْسُورًا
لما ذكر تعالى برَّ الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث
((أمك وأباك ثم أدناك أدناك))(٧) وفي رواية ((ثم الأقرب فالأقرب))(٨)، وفي الحديث ((من أحب أن
يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله، فليصل رحمه))(٩).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا [أبو يحيى التميمي](١٠)، حدثنا
فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما نزلت ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ دعا
رسول الله * فاطمة فأعطاها فدك، ثم قال: لا نعلم حدَّث به عن فضيل بن مرزوق إلا [أبو
(١) قول عطاء بن يسار أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عقبة من مسلم عنه بنحوه وقول سعيد بن جبير
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد به.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) ذكره الطبري بنحوه.
(٦) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ظه (الصحيح، العمرة، باب ما يقول: ((إذا رجع من الحج أو العمرة
أو الغزو ح ١٧٩٧)»).
(٧) تقدم تخريجه في تفسير الآية ٢٣، ٢٤ من السورة نفسها.
(٨) تقدم تخريجه في تفسير الآية ٢٣، ٢٤ من السورة نفسها.
(٩) أخرجه الشيخان من حديث أنس ظه (صحيح البخاري، البيوع، باب من أحب البسط في الرزق ح ٢٠٦٧،
وصحيح مسلم، البر، باب صلة الرحم ح٢٥٥٧).
(١٠) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((أبو نجي))، وفي مسند البزار: ((أبو يحيى التيمي)).

٦٨
سُورَةُ الأَشْراءِ (٢٦، ٢٨)
يحيى التميمي}(١) وحميد بن حماد بن أبي الخوار(٢).
وهذا الحديث مشكل لو صحَّ إسناده، لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من
الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذاً حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله
أعلم.
وقد تقدم الكلام على المساكين وأبناء السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ههنا .
وقوله: ﴿ وَلَا نُبَذِرْ تَبْذِيرًا﴾ لما أمر بالإنفاق، نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطاً كما قال في
الآية الأخرى ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦﴾﴾ [الفرقان]، ثم قال
منفراً عن التبذير والسرف ﴿ إِنَّ الْمَُذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ ﴾ أي: أشباههم في ذلك.
قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق (٣). وكذا قال ابن عباس (٤).
وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذراً، ولو أنفق مداً في غير حق كان
مبذراً (٥).
وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق والفساد(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن
أبي هلال، عن أنس بن مالك ربه أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله وَلقول فقال: يا
رسول الله إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق، وكيف أصنع؟ فقال
رسول الله وَم: «تخرج الزكاة من مالك إن كان، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف
حق السائل والجار والمسكين؛ فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ فقال: فآت ذا القربى حقه
والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك
فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله وَّيّة: نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت
منها ولك أجرها، وإثمها على من بدَّلها)»(٧).
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: أبو نجي"، وفي مسند البزار: (أبو يحيى التيمي)).
(٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه مع الفرق السابق (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٩٠ ح ١٤٧٦) وضعفه الهيثمي
لضعف عطية العوفي (مجمع الزوائد ٧/ ٥٢) ومتنه فيه غرابة لأن الآية مكية كما وضح الحافظ ابن كثير.
وحكم عليه بأنه منكر. وفي سنده أيضاً عباد بن يعقوب رافضي يستحق الترك (ينظر التقريب ص٢٩١).
وهذا يؤكد ما قاله الحافظ ابن كثير أنه من وضع الرافضة، فعباد متهم به.
(٣) أخرجه الطبري بأسانيد كثيرة صحيحة من طريق أبي العبيدين - وهو معاوية بن سبرة - عن ابن مسعود (
وأخرجه البخاري من الطريق نفسه وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٣٤٥) وكذا الحاكم
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦١).
(٤) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً بعضاً عن ابن عباس، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه
الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٣٤٦).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، وفي سنده
أيضاً الحسين وهو ابن داود: ضعيف، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين لكن قيل في رواية سعيد بن =

٦٩
سُورَةُ الأَشْرَاءِ (٢٩، ٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب
معصيته، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ أي: جحوداً؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم
يعمل بطاعته؛ بل أقبل على معصيته ومخالفته.
وقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ أَثْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّكَ﴾ الآية، أي: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك
بإعطائهم وليس عندك شيء، أعرضت عنهم لفقد النفقة ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ أي: عدهم وعداً
بسهولة ولين، إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾
بالوعد، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد(١)
إِنَّ رَبَّكَ
- ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خِرًا بَصِيرًا (﴾﴾.
يقول تعالى آمراً بالاقتصاد في العيش، ذاماً للبخل، ناهياً عن السرف ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى
◌ُنُفِكَ﴾ أي: لا تكن بخيلاً منوعاً، لا تعطي أحداً شيئاً، كما قالت اليهود - عليهم لعائن الله -
﴿ يَدُ اَللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب.
وقوله: ﴿وَلَا نَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ أي: ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، وتخرج
أكثر من دخلك فتقعد ملوماً محسوراً، وهذا من باب اللف والنشر؛ أي: فتقعد إن بخلت ملوماً
يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة:
(٢)
على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن كان ذا مال فيبخل بماله
ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو الدابَّة التي
عجزت عن السير فوقفت ضعفاً وعجزاً، فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال:
٣ ثُمَّ أَتَجِ الْعَرَ كََّنِ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا وَهُوَ حَسِيرٌ
﴿فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ
[الملك] أي: كليل عن أن يرى عيباً، هكذا فسر هذه الآية بأن المراد هنا البخل والسرف: ابن
عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم(٣) .
= أبي هلال عن أنس أنها مرسلة (المسند ٣٨٦/١٩ ح١٢٣٩٤)، وأخرجه الحاكم من طريق الليث بن سعد به
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٠)، وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط
ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦٦/٣).
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول عكرمة أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق عمارة بن أبي حفصة عنه بنحوه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق عطاء بن السائب عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عنه، وقول
قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٢) دیوان زهير ص ٣٠.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، وقول ابن زيد أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.

٧٠
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٣٠،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه سمع
رسول الله وهو يقول: ((مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى
تراقيهما(١)، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت(٢) على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو(٣)
أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة منها مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع))
هذا لفظ البخاري في الزكاة(٤).
وفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء
بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله وَلجر: ((أنفقي هكذا وهكذا وهكذا ولا توعي فيوعي الله
عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك)). وفي لفظ: (ولا تحصي فيحصي الله عليك))(٥).
وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام عن أبي هريرة ظُبه قال: قال
رسول الله وقال : ((إن الله قال لي: أنفق، أنفق عليك))(٦). وفي الصحيحين من طريق معاوية بن
أبي مُزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة وظ به قال: قال رسول الله وَّ: ((ما من يوم يصبح
العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللَّهم أَعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر:
اللَّهم أَعِطِ ممسكاً تلفاً))(٧).
وروى مسلم عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً
((ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله))(٨).
وفي حديث أبي كثير عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً ((إياكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم،
أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا))(٩).
وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الأعمش، [عن ابن بريدة] (١٠)،
عن أبيه قال: قال رسول الله وَ ير: ((ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطاناً))(١١).
(١) التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين.
(٣) أي: تمحو أثر مشيته.
(٢) أي: كُمُلت واتسعت.
(٤) صحيح البخاري، الزكاة، باب مثل المتصدق والبخيل (ح١٤٤٣)، وصحيح مسلم، الزكاة باب مثل المنفق
والبخيل (ح١٠٢١).
(٥) صحيح البخاري، الزكاة باب التحريض على الصدقة (ح١٤٣٣)، وصحيح مسلم، الزكاة باب الحث على
الإنفاق (ح١٠٢٩).
(٦) صحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة (ح٩٩٣).
(٧) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ... ﴾ (ح١٤٤٢)، وصحيح مسلم، الزكاة،
باب في المُنفق والمُمسك (ح ١٠١٠).
(٨) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع (ح٢٥٨٨).
(٩) أخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن الحارث عن أبي كثير الزبيدي به وأطول وصحح سنده محققوه
(المسند ٢٦/١١ ح٦٤٨٧)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٥٧٩/١١ ح٥١٧٦)، والحاكم كلاهما من طريق
عبد الله بن الحارث به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١١).
(١٠) زيادة من المسند والسنن الكبرى.
(١١) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى ١٨٧/٤)، وأخرجه ابن خزيمة (الصحيح ١٠٥/٤ ح ٢٤٥٧)، والحاكم
كلاهما من طريق أبي معاوية به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤١٧/١)، وأخرجه الإمام =

٧١
• سُوَّةُ الإِسْرَاءِ (٣٢،٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة [الحداد](١)، حدثنا سُكين بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم
الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ويقول: ((ما عال من
اقتصد))(٢).
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ إخباراً أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط
المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة، ولهذا
قال: ﴿إِنَُّ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: خبيراً بصيراً بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر، كما جاء
في الحديث: ((إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من
عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه))(٣). وقد يكون الغنى في حق
بعض الناس استدراجاً، والفقر عقوبة، عياذاً بالله من هذا وهذا.
] ﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِنَّاكُنَّ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (®﴾.
هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل
الأولاد كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان
أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿وَلَ نَقْتُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةً
إِمْلَقٍ﴾ أي: خوف أن تفتقروا في ثاني حال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُفُهُمْ
وَإِيَّاكُمْ﴾ وفي الأنعام: ﴿وَلَا تَقْدُلُوا أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: من فقر ﴿فَّحْنُ
نَرْزُقُكُمْ وَإَِاهُمٌ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أي: ذنباً عظيماً، وقرأ بعضهم: كان خطأ كبيراً وهو
بمعناه، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم: قال: ((أن
تجعل لله نداً وهو خلقك - قلت: ثم أي؟ - قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك - قلت: ثم
أي؟ - قال: أن تزاني بحليلة جارك))(٤).
- ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّ ◌ِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا
يقول تعالى ناهياً عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الرِّفٌ إِنَّهُ كَانَ
=
أحمد من طريق أبي معاوية به (المسند ٦٠/٣٨ ح٢٢٩٦٢)، وقال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين
غير الأعمش لم يسمع من ابن بريدة فيما يظن أبي معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، وصححه الألباني
في السلسلة الصحيحة (ح٢٦٨).
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((الجعاد)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لضعف إبراهيم الهجري (المسند ٧/ ٣٠٢ ح ٤٢٦٩).
(٣) أخرجه أبو نعيم من طريق الحسن بن يحيى الخشني عن صدقة بن عبد الله عن هشام الكناني عن أنس (حلية
الأولياء ٣١٨/٨) قال ابن رجب: الحسن بن يحيى الخشني عن صدقة بن عبد الله الدمشقي الدمشقي وهما
ضعيفان (جامع العلوم والحكم ص٣١٤) وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في العلل المتناهية (١٣١/١).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٦٥.

٧٢
١١ (٣٣)
سورة الاسراء
فَاحِشَةً﴾ أي: ذنباً عظيماً ﴿ وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ أي: بئس طريقاً ومسلكاً.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [حريزً (١)، حدثنا سليم بن عامر، عن
أبي أمامة أن فتى شاباً أتى النبي ◌َ ﴿ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه
فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه فدنا منه قريباً، فقال: (اجلس" فجلس، فقال: ((أتحبه
لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: ((أفتحبه
لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال:
أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال:
( أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه
لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا
الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللَّهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن
فرجه قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء(٢).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بَقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن
الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي وسلم قال: " ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة
وضعها رجل في رحم لا يحل له (٣) .
سَ، ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ وَمَن قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا
يُسْرِف فِي الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ◌َ﴾.
يقول تعالى ناهياً عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وله
قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث:
النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة (٤).
وفي السنن لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم (٥) .
وقوله: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَانًا﴾ أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه إن
شاء قتله قوداً، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجاناً، كما ثبتت السنة بذلك(٦) .
(١) كذا في المسند وفي الأصل و(ح) و(حم) صُحف إلى: ((جرير".
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٤٥/٣٦ ح ٢٢٢١١) وصحح سنده محققوه. وأخرجه الطبراني من
طريق حُريز به (المعجم الكبير ١٩٠/٨ ح ٧٦٧٩) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١/
١٣٤)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ٣٧٠).
(٣) أخرجه ابن الجوزي من طريق ابن أبي الدنيا به (ذم الهوى ص ١٩٠) وسنده ضعيف لإرسال الهيثم بن مالك
فهو ليس بصحابي.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٩٢.
(٥) أخرجه الترمذي (السنن، الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن ح١٣٩٥)، والنسائي (السنن، تحريم
الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو ظته، وصححه الألباني بمجموع طرقه (غاية
المرام ص ٢٥٣٪ .
(٦) كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ظلبه (صحيح البخاري، الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير =

٧٣
سُورَة الأشْراءِ (٣٥،٣٤)
وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك
لأنه كان وليَّ عثمان، وقد قتل مظلوماً نظ له، وكان معاوية يطالب علياً ظله أن يسلمه قتلته حتى
يقتصّ منهم؛ لأنه أموي، وكان علي ظُه يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب
علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك، حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع علياً هو
وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قال ابن عباس واستنبطه من
هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجب.
وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن
النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شَوْذَب عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي قال: كنا
في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم بحديث ليس بسرِّ ولا علانية؛ إنه لما كان من أمر هذا
الرجل ما كان (يعني عثمان)، قلت لعلي: اعتزل فلو كنتَ في جحرٍ طُلبت حتى تُستخرج
فعصاني، وايم الله ليتأمرنَّ عليكم معاوية، وذلك أن الله يقول: ﴿ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ،
سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِ الْقَتْلِّ﴾ الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمنَّ عليكم
النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذٍ بما يعرف نجا، ومن ترك - وأنتم تاركون -
كنتم كقرن من القرون هلك فيمن هلك(١) .
وقوله: ﴿فَلَا يُسْرِف فِ الْقَتْلِّ﴾ قالوا: معناه فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو
يقتص من غير القاتل. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ أي: إن الولي منصور على القاتل شرعاً وغالباً
قدراً .
] ﴿وَلَ نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَتِ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
وَأَوْفُوْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
مَسْئُولًا
يقول تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِيمِ إِلَّا بِلَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: لا تتصرفوا في مال
اليتيم إلا بالغبطة ﴿ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَنْ
كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌّْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﴿ ﴿ قال لأبي ذرّ: ((يا أبا ذرّ إني أراك ضعيفاً، وإني
أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تَولَّينَ مال اليتيم،(٢).
وقوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِلْعَهْدِّ﴾ أي: الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن
العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إِنَ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي عنه.
وقوله: ﴿وَأَوْفُوْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أي: من غير تطفيف ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ﴿وَزِيُواْ
= النظرين ح ٦٨٨٠، وصحيح مسلم، الحج، باب تحريم مكة مصيرها ... ح١٣٥٥).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣٢٠/١٠ ح ١٠٦١٣) وفي سنده مطر الوراق صدوق كثير الخطأ
(التقريب ص٥٣٤) وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٢٣٩/٧).
(٢) صحيح مسلم، الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (ح ١٨٢٦).

٧٤
• سُورَةُ الإِسْراءِ (٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بِالْقِسْطَاسِ﴾ قرئ بضم القاف وكسرها(١)، كالقرطاس، وهو الميزان.
وقال مجاهد: هو العدل بالرومية(٢). وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي: الذي لا اعوجاج فيه ولا
انحراف ولا اضطراب ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
أي: مآلا ومنقلباً في آخرتكم.
قال سعيد، عن قتادة: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: خير ثواباً وأحسن عاقبة(٣). وأما ابن
عباس كان يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال،
وهذا الميزان، قال: وذُكر لنا أن نبي الله - عليه الصلاة والسلام - كان يقول: ((لا يقدر رجل
على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو
خير له من ذلك))(٤) .
.
﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنّهُ مَسْئُولًا
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لا تقل(٥). وقال العوفي عنه: لا ترم أحداً بما
ليس لك به علم(٦) .
وقال محمد ابن الحنفية: يعني شهادة الزور(٧) .
وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى
سائلك عن ذلك كله(٨) .
ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال،
كما قال تعالى: ﴿اَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ اُلَّنِ إِنَ بَعْضَ الَِّنِّ إِثْرٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وفي الحديث ((إياكم
والظن فإن الظن أكذب الحديث))(٩) .
وفي سنن أبي داود ((بئس مطية الرجل زعموا))(١٠) وفي الحديث الآخر: ((إن أفرى الفرى أن
(١) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بالسند السابق لكن قتادة لم يسمع من ابن عباس وأما قوله: وذُكر لنا فهو قول قتادة فيكون
السند مرسلاً.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له سابقه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً من طريق أبي عمر البزار، وهو حفص بن سليمان، عن محمد بن
الحنفية، وأبو عمر متروك مع إمامته في القراءة.
(٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٩) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ◌ُه (صحيح البخاري، الأدب، باب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ
الََّنِّ ... ﴾ [الحجرات: ١٢] ح٦٠٦٦، وصحيح مسلم، البر، باب تحريم الظن والتجسس ح ٢٥٦٣).
(١٠) أخرجه أبو داود من حديث أبي مسعود رَظ ◌ُله (السنن، الأدب، باب قول الرجل زعموا ح ٤٩٧٢)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤١٥٨)، والسلسلة الصحيحة (ح ٨٦٦).

٧٥
• سُورَةِ الأَشْرَاءِ (٣٧، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يري الرجل عينيه ما لم تريا))(١).
وفي الصحيح ((من تحلم حلماً كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل))(٢).
وقوله: ﴿كُلُّ أُوْلَئِكَ﴾ أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أي:
سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه عما عمل فيها، ويصح استعمال أولئك مكان تلك،
كما قال الشارع(٣):
ذُمَّ المنازلَ بعد منزلة اللِّوى والعيش بعد أولئك الأيام
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ
﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحِّاً إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ اُلْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ تُولًا
سَبِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا
يقول تعالى ناهياً عباده عن التجبر والتبختر في المشية ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًاً﴾ أي: متبختراً
متمايلاً مشي الجبارين ﴿إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطع الأرض بمشيك، قاله ابن جرير:
واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج(٤):
وقاتم(٥) الأعماق(٦) خاوي (٧) المخترق (٨)
وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ لَلِبَالَ طُولًا﴾ أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازي فاعل
ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح: ((بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان
يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل(٩) فيها إلى يوم القيامة))(١٠) وكذلك أخبر الله
تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض.
وفي الحديث ((من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر
وضعه الله فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير))(١١).
(١) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ﴿ها (الصحيح، التعبير باب من كذب في حلمه ح ٧٠٤٣).
(٢) المصدر السابق (ح ٧٠٤٢).
(٣) هو جرير، والبيت في ديوانه ص٤٥٢. واستشهد به الإمام الطبري.
(٤) ذكره الطبري، والبيت ذكره أيضاً ابن قتيبة (الشعر والشعراء ٦١/١). وهو صدر بيت عجزه: مشتبه الأعلام
لمّاع الخفَق.
(٦) جمع عمق وهو ما بعد من أطراف الصحراء.
(٥) من القَتَمة وهي الغبرة المائلة إلى الحمرة.
(٧) أي: الخالي.
(٨) أي: مكان الاختراق، خرجت الأرض إذ جبتها .
(٩) أي: يغوص في الأرض، والجلجلة حركة مع صوت (النهاية ٢٨٤/١).
(١٠) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (الصحيح البخاري، اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء
ح٥٧٨٩، وصحيح مسلم، اللباس، باب تحريم التبختر في المشي ح٢٠٨٨).
(١١) أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ١٧٢/٨ ح ٨٣٠٧)، والخطيب البغدادي (تاريخ بغداد ١١٠/٢)، كلاهما
من طريق سعيد بن سلام العطار عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر بن
الخطاب. قال الهيثمي: في إسناده سعيد بن سلام العطار وهو كذاب (مجمع الزوائد ٨٥/٨)، وصححه
الألباني بطرقه في السلسلة الصحيحة (ح٢٣٢٨)، والصحيح أن شطره الأول هو الصحيح (ينظر: صحيح
مسلم، البر، باب استحباب العفو والتواضع ح٢٥٨٨).

٧٦
• سُورَةُ الإِشْراءِ (٣٧، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب ((الخمول والتواضع: ((حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير،
حدثنا حجاج بن محمد، عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مرَّ عليه ابن الأهيم
يريد: المنصور، وعليه جباب خزّ قد نضَّد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه،
وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثاني عطفه، مصعر
خده، ينظر في عطفيه؛ أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ
بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها، والله أن يمشي أحدهم طبيعته [يتلجلج](١) تلجلج
المجنون في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال:
لا تعتذر إليَّ وتُب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًّاً إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ
))(٢) .
اْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لِلْجِبَالَ طُولًا
ورأى البختري العابد رجلاً من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا، إن
الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها ورأى ابن عمر رجلاً يخطر في مشيته، فقال:
إن للشياطين إخواناً(٣) .
وقال خالد بن معدان: إياكم والخطر(٤)، فإن الرجل(٥) يده من سائر جسده(٦)، رواهما ابن
أبي الدنيا(٧) .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى عن
سعيد(٨)، عن يُحنس قال: قال رسول الله وَله: ((إذا مشت أمتي المطيطاء(٩)، وخدمتهم فارس
والروم، سلط بعضهم على بعض)) (١٠).
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده بنحوه (التواضع والخمول ص٢١٥ ح٢٣٧) وفي سنده أبو بكر الهذلي: متروك.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق مفضل بن غسان عن أبيه عن العمري العابد (التواضع والخمول ص٢١٨
ح ٢٤٣) وأظنه صُحِّف اسم البختري إلى العمري.
(٤) في رواية ابن أبي الدنيا: الخطران (التواضع والخمول ص٢١٩).
(٥) في الأصل: و(ح) و(حم) بياض قدر كلمه بعد لفظ: ((فإن الرجل))، وفي رواية ابن أبي الدنيا: فإن الرجل:
بنا فؤاده من سائر جسده (التواضع والخمول ص٢١٩، ٢٢٠).
(٦) كذا في الأصل وفي (ح) و(حم): ((من دون سائر جسده)) .
(٧) التواضع والخمول ص٢١٨، ٢١٩.
(٨) يحيى بن سعيد كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي النسخ المطبوعة: يحيى عن سعيد وهو تصحيف. فقد
ورد في المصدر الذي نقل منه الحافظ ابن كثير وهو كتاب التواضع والخمول: يحيى بن سعيد (ص ٢٢٠
ح٢٤٩). وكما سيأتي في التخريج.
(٩) قال ابن أبي الدنيا: سمعت ابن الأعرابي يقول: المطيطاء مشية فيها اختيال (التواضع ص٢٢٠).
(١٠) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه وسنده مرسل لأن يُحنس تابعي (التواضع ص٢٢٠)، وأخرجه البيهقي من
طريق يحيى بن سعيد به (دلائل النبوة ٥٢٥/٦)، وأخرجه الترمذي من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر عن النبي ◌َّر (السنن، الفتن، باب ٧٤ ح ٢٢٦١)، وأخرجه ابن حبان من طريق يحيى بن
سعيد عن عبيد سنوطا عن خولة بنت قيس مرفوعاً بنحوه (الإحسان ١٢٢/١٥ ح ٦٧١٦) وصححه محققه
بشواهده.
وصححه الألباني بطرقه في السلسلة الصحيحة (ح٩٥٦).

٧٧
سُورَةُ الأَشْرَاءِ (٣٩، ٤١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أما من قرأ سيئة (١)؛ أي: فاحشة فمعناه
(٣٨)
وقوله: ﴿كُلَّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ, عِندَ رَبِّكَ مَكَرُوهًا
عنده كل هذا الذي نهيناه عنه من قوله: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشَْةَ إِمْلَقٍّ ﴾ إلى هنا فهو سيئه مؤاخذ
عليها مكروه عند الله لا يحبه ولا يرضاه، وأما من قرأ سيئه على الإضافة فمعناه عنده كل هذا
الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى هنا فسيئه أي فقبيحه
مكروه عند الله، هكذا وجَّه ذلك ابن جرير تَخْذَتُهُ(٢).
٣٩٦
﴿ذَلِكَ مِعَّا أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِ جَهَّمَ مَلُوْمًا مَّدْحُورًا
يقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما
أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ أي: تلومك
نفسك ويلومك الله والخلق، ﴿مَّدْحُورًا﴾ أي: مبعداً من كل خير.
قال ابن عباس وقتادة: مطروداً(٣)، والمراد من هذا الخطاب الأُمة بواسطة الرسول وَل﴾، فإنه
صلوات الله وسلامه عليه معصوم.
﴿ أَفَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَالتَّخَذَ مِنَ الْمَئِكَةِ إِنَّأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا
٤٠
يقول تعالى رادًا على المشركين الكاذبين الزاعمين، عليهم لعائن الله: أن الملائكة بنات الله،
فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في
كل من المقامات الثلاث خطأ عظيماً، فقال تعالى منكراً عليهم ﴿ أَفَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ﴾ أي:
خصصكم بالذكور ﴿ وَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَشَأْ﴾ أي: واختار لنفسه على زعمكم البنات، ثم شدَّد
الإنكار عليهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: في زعمكم أن الله ولداً، ثم جعلكم ولده
الإناث التي تأنفون أن يكن لكم وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذاً قسمة ضيزى، وقال تعالى:
﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا ﴿٨َ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنَشَقُ الْأَرْضُ
وَتَّخِرُّ الْجِبَالُ هَذَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿ إِن كُلُّ مَن فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا (﴿ لَقَدْ أَحْصَنْهُ وَعَذَّهُمْ عَدَّا (١٢) وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
[مريم].
- ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَدِّكَُّواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّقْنَا فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ أي: صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما
فيه من الحجج والبينات والمواعظ، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، ﴿ وَمَا
يَزِيدُهُمْ﴾ أي: الظالمين منهم ﴿إِلَّا نُورًا﴾ أي: عن الحق وبعداً منه.
(١) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(٢) ذكره الطبري.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عنه.

٧٨
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٤٢، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ
2] ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُرَ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّا بَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَشْرِ سَبِيلًا
عُلُوَّا كَبِيرًا (®)﴾.
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن الله شريكاً من خلقه، العابدين معه
غيره، ليقربهم إليه زُلفى لو كان الأمر كما يقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه،
لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما
يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون وساطة بينكم وبينه؛ فإنه لا يحب
ذلك ولا يرضاه؛ بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه، ثم نزَّه
نفسه الكريمة وقدّسها فقال: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون
في زعمهم أن معه آلهة أخرى ﴿عُوَّا كَبِيرًا﴾ أي: تعالياً كبيراً، بل هو الله الأحد الصمد الذي لم
يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
2] ﴿َُُّ لَهُ التَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن ◌ِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّعُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (@)﴾ .
يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن؛ أي: من المخلوقات، وتنزهه
وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته:
ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَخِرُ لَلْجِبَالُ هَذَّا جَ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ
وَلَدًا (®)﴾ [مريم].
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن
ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثنا عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله وَ ليه ليلة
أسري به إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا
حتى بلغ السموات السبع. فلما رجع قال: ((سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت
السموات العلى، من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى ثَلاثَ)(١).
وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِهَذِهِ﴾ أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله
﴿وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس، لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام
في الحيوانات والجمادات والنباتات، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن
مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل(٢).
وفي حديث أبي ذرِّ أن النبي ◌َّر أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا
في يد أبي بكر وعمر وعثمان ظه(٣)، وهو حديث مشهور في المسانيد.
(١) تقدم تخريجه في بداية السورة.
(٢) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح٣٥٧٩).
(٣) أخرجه البيهقي من طريق سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذرِّ رَظُبه (دلائل النبوة ٦٤/٦)، وضعفه الحافظ =

٧٩
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زَبَّان، عن سهل بن معاذ، ابن
أنس، عن أبيه نظ به، عن رسول الله ولو أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل،
فقال لهم: ((اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق
والأسواق، فربَّ مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله تعالى منه))(١).
وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله وّل عن قتل الضفدع، وقال:
(٢)
((نقيقها تسبيح))(٢).
وقال قتادة، عن عبد الله بن بابي، عن عبد الله بن عمرو أن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله،
فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملاً حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله، فهي
كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر، فهي تملأ ما بين السماء
والأرض، وإذا قال: سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحداً من خلقه إلا قرره
بالصلاة والتسبيح. وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصّقعب بن زهير يحدث عن
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي ◌َّر أعرابي عليه جبة
من طيالسة مكفوفة بديباج، [أو مزورة بديباج](٤)، فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل
راع بن راع ويضع كل رأس بن رأس، فقام إليه النبي ويلتر مغضباً فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه
فقال: ((لا أرى عليك ثياب من لا يعقل)) ثم رجع رسول الله وَلّ فجلس، فقال: ((إن نوحاً،ِ لَاهُ
لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال: إني قاص عليكما الوصية آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين،
أنهاكما عن الشرك بالله والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله فإن السموات والأرض وما فيها لو
وضعت في كفة وضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجع ولو أن السموات والأرض
كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما، لقصمتهما أو لفصمتهما، وآمركما بسبحان الله
وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيءٍ))(٥). ورواه الإمام أحمد أيضاً عن سليمان بن
حرب عن حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير به أطول من هذا وتفرد به (٦).
= ابن حجر (فتح الباري ٥٩٢/٦).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالشواهد إلى قوله: ((ولا تتخذوها كراسي)) (المسند ٢٤/
٣٩٢ ح١٥٦٢٩).
(٢) أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو ظُبه بدون قوله: نقيقها تسبيح، (السنن، كتاب الصيد، باب الضفدع
٧/ ٢١٠)، فهذه الزيادة ضعيفة، وأوله صحيح وقد صححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٤٠٦٢).
(٣) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع عبد الله بن
عمر ربه ولبعضه شاهد وهو قوله: وإذا قال: ((سبحان الله ... بالصلاة والتسبيح))، وهذا الشاهد سيأتي
مصححاً في الروايتين التاليتين:
(٤) زيادة من (ح) و(حم) وهي ثابتة في المسند.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٦٧٠/١١ ح٧١٠١)، وأخرجه الحاكم من
طريق الصقعب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٨/١)، وصححه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية
١١٩/١)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ٢١٩/٤).
(٦) المسند ١٦٩/٢.

٨٠
سُورَةُ الأَشْرَاءِ (٤٤)
وقال ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا محمد بن يعلى، عن موسى بن
عبيدة، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله نظريته قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أخبركم
بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً ظلَّلها قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة
الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق)) قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحَدِهِ﴾(١).
إسناده فيه ضعف، فإن الربذي ضعيف عند الأكثرين.
وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِحَدِهِ﴾ قال: الأسطوانة تسبح والشجرة
تسبح(٢) - الأسطوانة: السارية - وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه
قال الله تعالى: ﴿ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ وقال سفيان الثوري عن منصور، عن إبراهيم قال:
الطعام يسبح (٣)، ويشهد لهذا القول آية السجدة في الحج(٤).
وقال آخرون: إنما یسبح ما کان فیہ روح، یعنون: من حیوان ونبات.
قال قتادة في قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيَحُ بِهْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو
شيء فيه [الروح](٥)(٦)
وقال الحسن والضحاك في قوله: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بَدِهِ﴾ قالا: كل شيء فيه الروح(٧).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب، قالا: حدثنا
حُديد (٨) أبو الخطاب، قال: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في طعام، فقدما الخوان، فقال
يزيد الرقاشي: يا أبا سعد، يسبح هذا الخوان؟ فقال: كان يسبح مرة (٩).
قلت: الخوان هو المائدة من الخشب، فكأن الحسن تَّتُهُ، ذهب إلى أنه لما كان حياً فيه
خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث
ابن عباس أن رسول الله وَّه مرَّ بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما
فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين،
ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)) أخرجاه في
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي، ويشهد له سابقه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق يزيد، وهو ابن أبان الرقاشي: ضعيف، عن عكرمة، ومعناه صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الكبير بن عبد المجيد عن سفيان به.
(٤) في قوله تعالى: ﴿أَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُم مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اٌلْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَلْجِبَالُ وَالشَّجَرُ
وَالدَّوَابُ ... ﴾ [الحج: ١٨].
(٥) في الأصل: (ح) و(حم) ورد لفظ كذا، والمثبت من تفسير الطبري وعبد الرزاق وفي النسخ المطبوعة عدم
الإشارة إلى لفظ كذا، وعدم إثبات لفظ الطبري.
(٦) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عن الحسن، وبسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٨) كذا في الأصل وفي (ح) و(حم) والطبعات كلها: جرير والصواب هو المثبت كما في تفسير الطبري الطبعة
المحققة .
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.