Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ • سُوَرَّةُ الىِّجْر (٨٩، ٩٣) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [النحل: ٣٨] ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمُتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء من الدنيا إلا أقسموا عليه فسموا مقتسمين. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله(١) . وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ◌ّ قال: ((إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق))(٢). وقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ﴾﴾ أي: جزءوا كتبهم المنزلة عليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض . قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا (٣) ببعضه(٣) . حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض اليهود والنصارى(٤). الْمُقْتَسِمِينَ مِّها قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والحسن والضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم نحو ذلك(٥) . وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ قال: السحر (٦). وقال عكرمة: العضه: السحر، بلسان قريش تقول للساحرة: إنها العاضهة (٧). وقال مجاهد: عضوه أعضاء(٨)، قالوا: سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين. (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، واستشهد عبد الرحمن بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ﴾ [النمل]. (٢) صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله بض مير (ح ٧٢٨٣)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب شفقته ثير على أمته (ح٢٢٨٣). (٣) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ﴾﴾ [الحجر] (ح ٤٧٠٥). (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ﴾ [الحجر] (ح ٤٧٠٦). (٥) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن مجاهد والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير. (٦) سنده حسن وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن عكرمة. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن عكرمة. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((سحراً أعضاءً)). ٦٦٢ • سُورَةُ الِحْر (٨٩، ٩٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر، وقالوا: مجنون، وقال: كاهن، فذلك العضين(١)، وكذا روي عن الضحاك وغيره(٢). وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم قولوا لأسمع، قالوا: نقول: كاهن، قال: ما هو بكاهن، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر، فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم ﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ﴾﴾ أصنافاً ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْثَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (49) عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (49)﴾ أولئك النفر الذين قالوا لرسول الله (٣). هَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ قال: وقال عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله: ﴿لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عن لا إله إلا الله (٤). وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن ليث هو: ابن أبي سُليم، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨ عَمَّا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (49)﴾ قال: عن لا إله إلا الله(٥). وقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سُليم، عن بشير بن نُهيك، عن أنس، عن النبي ◌َّ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ قال: عن لا إله إلا الله(٦). ورواه ابن إدريس عن ليث، عن بشير، عن أنس موقوفاً(٧). (١) أخرجه الطبري من طريق طلحة عن عطاء، ويشهد له ما سبق. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق فيه إبهام شيخ الطبري، ويشهد له ما سبق. (٣) أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق به (دلائل النبوة ١٩٩/٢)، وسنده حسن سبق بحثه في مقدمة التفسير الصحيح، وأخرجه الحاكم من طريق أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٠٦/٢). (٤) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وعطية فيه مقال وله شواهد لاحقة تقويه. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفيه ليث بن أبي سليم فيه مقال، ولكنه توبع في تفسير الثوري فرواه عن أبيه عن مجاهد. (٦) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الحجر ح٣١٢٦)، والطبري وأبو يعلى (المسند ح ٤٠٥٨) كلهم من طريق ليث به وسنده ضعيف لسوء حفظ الليث تفرد برفعه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث لیث بن أبي سُلیم. (٧) ذكره الترمذي كما في المصدر السابق، وفيه أيضاً ليث. ٦٦٣ سُورَةُ الحِجر (٩٤، ٩٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جرير: حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم، قال: وقال عبد الله - هو ابن مسعود -: والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟(١). وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنََّلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (بَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ قال: يسأل العباد كلهم عن خلَّتين يوم القيامة: عم كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين(٢). وقال ابن عيينة: عن عملك وعن مالك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني(٣)، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله وَله: (يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينّك يوم القيامة واحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك)) (٤). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَشَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ عَمَّا كَانُواْ (٩٣) يَعْمَلُونَ ثم قال: ﴿فَمَهِدٍ لَّا يُكَلُ عَنَ ذَلْبِهِ* إِسُ وَلَا جَآَنُّ (﴿3﴾ [الرحمن] قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لِمَ عملتم كذا وكذا(٥)؟ 4 ﴿فَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَغْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِنَ ﴿﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الَّهِ فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ إِلَهًا ءَاخَرَّ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (9) وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ السَّجِدِينَ يقول تعالى آمراً رسوله و لر بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس في قوله: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أمضه (٦)، وفي رواية: افعل ما تؤمر (٧). وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة (٨). (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق شريك به (المعجم الكبير ح٨٨٩٩)، وفي سنده شريك فيه مقال. (٢) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر به، وسنده جيد. (٣) كذا في الأصل وفي (حم): ((الشيباني)). (٤) أخرجه أبو نعيم من طريق أحمد بن أبي الحواري (الحلية ٣١/١٠) سنده ضعيف لأن أبا حمزة لم يسمع من معاذ ذكر هذا الحافظ ابن كثير كما سيأتي في تفسير سورة الفجر آية ١٤. (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بسابقه. (٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٦٦٤ سُورَةُ الِجْر (٩٤، ٩٩) وقال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ◌َّ مستخفياً حتى نزلت ﴿فَأُصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، فخرج هو وأصحابه(١) . وقوله: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِنَ ﴿﴿ إِنَّا كَفَيَّنَكَ الْمُسْتَهْزِنَ ®﴾ أي بلِّغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله ﴿وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾﴾ [القلم] ولا تخفهم فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم، كقولك تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِن ◌َّْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالَهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كَهمس، عن يزيد بن درهم، عن أنس قال: سمعت أنساً يقول في هذه الآية، ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِنَ ﴿ اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهَا مَاخَرَ﴾ قال: مرَّ رسول الله وَّ فغمزه بعضهم فجاء جبريل، أحسبه قال: فغمزهم، فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا(٢). قال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان(٣) وشرف في قومهم من بني أسد بن عبد العزى بن قصي الأسود بن المطلب أبي زمعة، كان رسول الله وَلقر فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: ((اللَّهم أعم بصره، وأثكله ولده)) ومن بني زهرة الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد بن - عمرو بن ملكان -. فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله وَ﴿ الاستهزاء أنزل الله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ (®) إلى قوله: ﴿فَسَوَّفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله صل وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله وَل إلى جنة، فمر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، ومرَّ به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرحٍ بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنتين، وهو يجز إزاره، وذلك أنه مرَّ برجل من خزاعة يريش نبلاً له، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتفض به فقتله، ومرَّ به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه(٥) فخرج على حمار له يريد (١) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة به بدون ذكر ابن مسعود، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي. (٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه ثم قال: تفرد به يزيد بن درهم عن أنس، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن معين تضعيفه (مختصر زوائد مسند البزار ٨٩/٢ ح١٤٧٥). (٣) أي: الأكابر. (٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وحسنه السيوطي في الدر المنثور. (٥) أي: باطن قدمه. ٦٦٥ • سُورَةُ الِجْر (٩٤، ٩٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الطائف، فربض على شبرقة(١)، فدخلت في أخمص قدمه فقتلته، ومرّ به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخط قيحاً فقتله(٢). قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم(٣)، وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به، عن يزيد، عن عروة بطوله، إلا أن سعيداً يقول: الحارث بن غيطلة، (٤) وعكرمة يقول: الحارث بن قيس " ٠ قال الزهري: وصدقا هو: الحارث بن قيس، وأُمه غيطلة(٥)، وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا خمسة(٦). وقال الشعبي: كانوا سبعة" . والمشهور الأول. وقوله: ﴿اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (4)﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبوداً آخر. (9﴾ أي: قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَّكُنْ مِنَ السَّجِدِينَ وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض فلا يهيدنك ذلك ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكّل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده (@)﴾. كما وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَِّدِينَ جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن [همّار](٨) أنه سمع رسول الله العقل يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره))(٩)، ورواه أبو داود [والنسائي](١٠) من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه (١١)، ولهذا كان (١) بين الطبري الشبرق فقال: الشبرقة: المعروف بالحسك. والحسك: نبات له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم وأوبار الإبل (الوسيط (باب ح س ك)). (٢) إسناده ضعيف لتردد في الراوي هل هو عروة أم غيره؟ (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف الإبهام الراوي عن ابن عباس ظًا ويشهد له ما يليه. (٤) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي بكر الهزلي عن الزهري به، وأبو بكر الهذلي فيه مقال لكن المعنى صحيح. (٦) قول مقسم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة وعثمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحیح من طريق معمر عنه. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عن الشعبي. (٨) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل و(مح) صحّف إلى: ((عمار)). (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٣٧/٣٧ ح٢٢٤٦٩). (١٠) الزيادة من (حم) و(مح). (١١) سنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة الضحى (ح١٢٨٩)، والسنن الكبرى، الصلاة، باب الحث على الصلاة أول النهار ١/ ٤٦٧. ٦٦٦ سُورَةُ الِجْر (٩٤، ٩٩) رسول الله وَل﴿ إذا حزبه أمر صلى(١). وقوله: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأنَكَ اَلْيَقِيْنُ ﴾﴾ قال البخاري: قال سالم: الموت(٢)، وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِينُ ٩٩) قال: الموت(٣)، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره(٤)، والدليل على ذلك قوله تعالى إخباراً عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ 33 3﴾ [المدثر]. حََّ أَتَنْنَا اُلْيَقِينُ ٤٦ وَكُنَّا تُكَذِّبُ بِيَّوْمِ الدِّينِ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ وفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله وَ﴿ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أُم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله وَّي: ((وما يدريك أن الله أكرمه؟)) فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، فمن؟ فقال: ((أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير))(٥). ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ (@) على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلي بحسب حاله. وًَّا أن رسول الله وَ ◌ّه قال: ((صلِّ قائماً، كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب))(٦). ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء لّلُ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين ههنا الموت، كما قدمناه. ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها، فإنه جواد كريم. آخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين، [وحسبنا الله ونعم الوكيل](٧). (١) أخرجه أبو داود من حديث حذيفة بن اليمان ظبه (السنن، الصلاة، باب وقت قيام النبي ◌ّ من الليل ح١٣١٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١١٧١). (٢) أخرجه البخاري معلقاً، ووصله الفريابي في تفسيره وعبد بن حميد والطبري كلهم من طريق الثوري عن طارق بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله (ينظر: تغليق التعليق ٢٣٤/٤)، وسنده حسن. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٥) صحيح البخاري، الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت ... (ح ١٢٤٣). (٦) صحيح البخاري، تقصير الصلاة، باب إذا لم يُطق قاعداً صلى على جنب (ح ١١١٧). (٧) زيادة من (مح). ٦٦٧ سُورَةُ الْحَلِ﴾ (١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 POD 00C 700000 سُورَةُ النَّحْمِ وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم 2- ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعِْلُوَةُ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبراً بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة، كما قال تعالى: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ ﴾﴾ [القمر] وقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي: قرب ما تباعد فلا تستعجلوه، يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أنه يعود على العذاب، وكلاهما متلازم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَ هُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنَِهُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَفِينَ ﴾﴾ [العنكبوت]. وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: فرائضه وحدوده(١) . وقد ردَّه ابن جرير فقال: لا نعلم أحداً استعجل بالفرائض وبالشرائع قبل وجودها بخلاف العذاب، فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعاداً وتكذيباً. قلتٍ: كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَنُّ أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ لَفِى ضَلَلٍ بَعِيدٍ ﴾﴾ [الشورى]. وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وقوله: ((تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها: يا أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم، فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس بعضهم لبعض: هل سمعتم، فيقولون: نعم، ثم ينادي الثالثة، يا أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه))(٢) قال رسول الله وسلم: ((فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبداً، وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه شيئاً أبداً، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبداً (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك. (٢) ذكره بنحوه. ٦٦٨ • سُوَّرَّةُ النَّمَ﴾ (٢، ٤) - قال -: ويشتغل [الناس](١) (٢). ثم إنه تعالى نزَّهَ نفسه عن شركهم به غيره وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علواً كبيراً، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة فقال: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿ يُزِّلُّ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ يقول تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي: الوحي، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَّأْ مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿عَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِنَذِرَ يَوْمَ الَّلَاقِ ﴿ يَوْمَ هُم بَِزُونَ لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءُ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ ﴾﴾ [غافر]. وقوله: ﴿أَنْ أَنَذِرُوَّمْ﴾ أي: لينذروا ﴿أَنَُّر لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال في هذه: ﴿فَتَّقُونِ﴾ أي: فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ ] ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقِّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَصِيمٌ مُبِينٌ (@). يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السموات، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث بل ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] ثم نزَّه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، ثم نبّه على خلق جنس الإنسان من نطفة أي مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبداً لا ضداً، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمُّ وَكَانَ اَلْكَافِرُ عَلَى رَبِهِ، ظَهِيرًا (®﴾ [الفرقان]. قَدِيرًا (@ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ قَالَ مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحْبِيِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ (٧٩) [یس] . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بُسر بن جَخَّاش قال: بصق رسول الله وَله في كفه، ثم قال: ((يقول الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم (١) زيادة من (حم) و(مح). (٢) سنده ضعيف لأنه معلق، وقد أخرجه الحاكم موصولاً من طريق يحيى بن آدم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٣٩/٤)، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٣٢٥/١٧) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة وهو ثقة (مجمع الزوائد ٣٣٤/١). ٦٦٩ • سُوَرَّةُ الْحَمِآَ} (٧،٥) قلت أتصدق، وأنَّى أوان الصدقة))(١). وَلَكُمْ فِهَا جَمَالُ حِينَ ﴿وَأَلْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ فِيهَا دِفْهٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَشِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِّ إِّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ يمتنّ تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة، ولهذا قال: ﴿وَلَكُمْ فِهَا جَمَالُ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وهو وقت رجوعها عشياً من المرعى فإنها تكون أمدَّه خواصر وأعظمه ضروعاً وأعلاه أسنمة ﴿وَحِينَ تَتْرَحُونَ﴾ أي: غدوة حين تبعثونها إلى المرعى ﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ﴾ وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها ﴿إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ﴾ وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ آلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُقِيكُم ◌ِمَا فِىِ بُونِهَا وَلَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴿ وَعَّهَا وَعَلَى اُلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٣)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْحَمَ لِتَرَكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلَتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٨٠ (٧٩) وَيُرِيكُمْ ءَايَتِ فَأَىَّ ءَايَتِ اللَّهِ تُنْكِّرُونَ ﴾﴾ [غافر]، ولهذا قال ههنا بعد تعداد هذه النعم ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم، كما قال: وَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا ﴿أَوْلَمْ يَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِيناً أَنْعَكَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ (49) يَأْ كُونَ ﴿٣)﴾ [يس]، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ * لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيَّةٌ عَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ® وَإِنَّآَ إِلَى رَبِنَ (١)﴾ [الزخرف]. لَمُنْقَلُونَ قال ابن عباس: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِقْءٌ﴾ أي: ثياب(٢)، ﴿وَمَنَفِعُ﴾ ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿رِفْءٌ وَمَنَفِعُ﴾: نسل كل دابة(٣). وقال مجاهد: لكم فيها دفء؛ أي: لباس ينسج، ومنافع: مركب ولحم ولبن(٤). (١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٨٧/٢٩ ح١٧٨٤٤) وحسن سنده محققوه، وأخرجه ابن ماجه (السنن، الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت ح٢٧٠٧) وصحح سنده البوصيري، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢١٨٨). (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٦٧٠ • سُورَةُ الْحَمِ﴾ (٨) وقال قتادة: ﴿رِفْءٌ وَمَنَفِعُ﴾ يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبُلغة (١)، وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة. ﴿وَاْخَلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّصِرَ بُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ هذا صنف آخر مما خلق تبارك وتعالى لعباده يمتن به عليهم، وهو الخيل والبغال والحمير التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام، وأفردها بالذكر، استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإمام أبي حنيفة تَُّهُ ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية، وذهب إليه أكثر العلماء. وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا هشام الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة، أنّ ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾﴾ فهذه للأكل، ﴿وَاَلْخِيَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيَرَ لِنَّكَبُوهَا﴾ فهذه للركوب، وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس (٢) بمثله، وقال مثل ذلك الحكم بن عتيبة أيضاً صوته(٣)، واستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد انه قال: نهى رسول الله وَّر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير(٤). وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام(٥). ورواه أحمد أيضاً من وجه آخر بأبسط من هذا وأدلّ منه فقال: حدثنا أحمد بن عبد الملك حدثنا محمد بن حرب، حدثنا سليمان بن سليم، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معد يكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة، فقرم أصحابنا إلى اللحم فسألوني رمكة(٦) فدفعتها إليهم، فحبلوها(٧) وقلت: مكانكم حتى آتي خالداً فأسأله فأتيته فسألته، فقال: غزونا مع رسول الله وَالل غزوة خيبر فأسرع الناس في حظائر يهود فأمرني أن أنادي الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ثم قال: ((أيها الناس: إنكم قد أسرعتم في حظائر (٨) يهود، (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، والسند الأول فيه مولى نافع بن علقمة لم يصرح باسمه ولكنه توبع في السند الثاني بواسطة سعيد بن جبير فيتقوى سنده، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن علية به (المصنف ٧١/٨). (٣) أخرجه الطبري وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٩/٤) وسنده ضعيف لأن مداره على صالح بن يحيى بن المقدام وهو لين (التقريب ص٢٧٤). (٥) سنن أبي داود، الأطعمة، باب في أكل لحوم الخيل (ح ٣٧٩٠)، وسنن النسائي، الصيد، باب في أكل لحوم الخيل ٢٠٢/٧، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب لحوم البغال (ح٣١٩٨) وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه. (٦) و(٧) و(٨) هذا الغريب وضحه الحافظ ابن كثير بعد الحديث. ٦٧١ • سُوَرَّةُ الْحَلَ (٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الأُتن الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير))(١). والرمكة: هي الحجرة، وقوله: حبلوها؛ أي: أوثقوها في الحبل ليذبحوها، والحظائر والبساتين القريبة من العمران، وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد ومعاملتهم على الشطر، والله أعلم، فلو صحَّ هذا الحديث لكان نصاً في تحريم لحوم الخيل، ولكن لا يقاوم ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله وَلجر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل (٢). ورواه الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله وَلقوله عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل(٣). وفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر﴿ه قالت: نحرنا على عهد رسول الله وَلّ فرساً فأكلناه ونحن بالمدينة (٤). فهذه أدلُّ وأقوى وأثبت، وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأكثر السلف والخلف، والله أعلم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية، فدلّلها الله لإسماعيل بن إبراهيم الشَّاهُ(٥). وذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب، والله أعلم. فقد دلَّ النص على جواز ركوب هذه الدوابّ ومنها البغال، وقد أهديت إلى رسول الله وَ له بغلة فكان يركبها مع أنه قد نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لئلا ينقطع النسل. قال الإمام أحمد: حدثني محمد بن عبيد، حدثنا عمر من آل حذيفة عن الشعبي، عن دحية الكلبي قال: قلت يا رسول الله، ألا أحمل لك حماراً على فرس فتنتج لك بغلاً فتركبها؟ قال: ((إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون)»(٦). ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَبٍ وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية، نبّه على الطرق المعنوية الدينية، (١) المسند ١٩/٤ وفي سنده أيضاً صالح بن يحيى بن المقدام. (٢) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح٤٢١٩)، وصحيح مسلم، الصيد، باب في أكل لحوم الخيل (ح١٩٤١). (٣) المسند ٣٥٦/٣، وسنن أبي داود، الأطعمة، باب أكل لحوم الخيل (ح٣٧٨٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٢١٩). (٤) صحيح مسلم، الصيد، باب في أكل لحوم الإبل (ح ١٩٤٢). (٥) سنده صحيح. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، الشعبي لم يسمع من دحية الكلبي. اهـ. ثم ذكروا له شاهداً صحيح السند (المسند ٩٠/٣١ ح ١٨٧٩٣). ٦٧٢ • سُوَرَّةُ الْحَلَ (١٠، ١١) وكثيراً ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسيّة إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿يَبَنِيّ ءَدَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيِشَّاً وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه فبيَّن أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَكِيلِ﴾ كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِّ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال: ﴿قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ (﴾﴾ [الحجر]. قال مجاهد في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: طريق الحق على الله(١). وقال السدي: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ الإسلام(٢). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: وعلى الله البيان؛ أي: يبين الهدى والضلالة. وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه (٣)، وكذا قال قتادة والضحاك(٤). وقول مجاهد ههنا أقوى من حيث السياق، لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقاً تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾ أي: حائد مائل زائغ عن الحق. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية(٥). وقرأ ابن مسعود (ومنكم جائر)(٦). ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعً﴾ [يونس: ٩٩] وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ◌َجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ ﴿ إِلَّا مَن زَّحِمَ رَبُّكَّ وَلِذَلِكَ خَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ (١٩)﴾ [هود]. جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُشِيمُونَ ﴿ يُنْبِثُ لَكُمْ ◌ِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْنُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء وهو العلو مما لهم فيه بُلغة ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: ﴿لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) لم أجد من أخرجه، ويشهد له سابقه ولا حقه. (٣) أخرجه الطبري من طريق العوفي وابن أبي طلحة كلاهما عن ابن عباس، والطريق الأول ضعيف يتقوى بالثاني. (٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر. (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((الأهواء المختلفة)). (٦) أخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن قتادة عن ابن مسعود، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية . ! ٦٧٣ • سُوَرَّةُ الْفَحَ﴾ (١٢، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: جعله عذباً زلالاً يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحاً أجاجاً ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم. كما قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله: ﴿فِيهِ ◌ُِيمُونَ﴾ أي: ترعون(١). ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي. وروى ابن ماجه أن رسول الله وَّ نهى عن السوم قبل طلوع الشمس(٢). وقوله: ﴿يُثْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ أي: يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ الَمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُطِبِتُواْ شَجَرَهَأُ أَوَِهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾﴾ [النمل] ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِوَّةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَّذَّكَّرُونَ ينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات نوراً وضياء ليُهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِىِ الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (@﴾ [الأعراف] ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ویفهمون حججه. وقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِمَا أَلْوَنُهُ﴾ لما نبه تعالى على معالم السموات نبه على ما خلق فى الأرض من الأمور العجيبة، والأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن، والنباتات والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: آلاء الله ونعمه فيشكرونها. (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف يتقوى بسابقه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٢) أخرجه ابن ماجه من طريق الربيع بن حبيب عن نوفل بن عبد الملك عن أبيه عن علي (السنن، التجارات، باب السوم ح٢٢٠٦)، قال البوصيري في الزوائد: في إسناده نوفل بن عبد الملك، والربيع بن حبيب، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، وأخرجه الحاكم من طريق الربيع به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٣٤/٤)، والراجح ضعفه لأن نوفل بن عبد الملك مستور (التقريب ص٥٦٧)، والربيع ضُعْف في روايته عن نوفل (التقريب ص٢٠٦). ٦٧٤ • سُؤَدَّةُ النََّلِآَ (١٤، ١٨) ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَأَلْقَى فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ أَفَعَنْ يَخْلُقُ كَمَن ١٥ أَنْ تَعِيدٍ بِكُمْ وَأَنْهَرًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾. لَا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها في الحل والإحرام، وما يخلقه فيه من اللالئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره؛ أي: تشقه(١). وقيل: تمخر الرياح(٢)، وكلاهما صحيح، بجؤجئها - وهو صدرها المُسَّم - الذي أرشد العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك إرثاً عن أبيهم نوح ظلّلا، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى ما هناك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: نعمه وإحسانه. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كلَّم الله البحر الغربي وكلَّم البحر الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عباداً من عبادي فكيف أنت صانع فيهم؟ قال: أغرقهم، فقال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وحرمت الحلية والصيد، وكلّم هذا البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عباداً من عبادي فما أنت صانع بهم؟ فقال: أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد. ثم قال البزار: لا نعلم من رواه عن سهل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو، وهو منكر الحديث. وقد رواه سهل عن النعمان بن أبي عياش، عن عبد الله بن عمر موقوفاً(٣). ثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد؛ أي: تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا (٣) ﴾ [النازعات]. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة، سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كانت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً، فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدرِ الملائكة مِمَّ خلقت الجبال(٤). (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٣) أخرجه البزار (ينظر: كشف الأستار ح١٦٦٩) وسنده ضعيف جداً وضعفه البزار والهيثمي حيث قال: وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري وهو متروك (مجمع الزوائد ٢٨٥/٥). (٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل، ويشهد له الأثر بعد التالي. ٦٧٥ • سُورَةُ التَّحْم (١٤، ١٨) وقال سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد، أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً، فأصبحت صبحاً وفيها رواسيها(١). وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثني حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب ظُه قال: لما خلق الله الأرض قَمصت(٢) وقالت: أي ربِّ تجعل عليَّ بني آدم يعملون الخطايا ويجعلون عليَّ الخبث؟ قال: فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج(٢). وقوله: ﴿وَأَنْهَرَّا وَسُبُلًا﴾ أي: جعل فيها أنهاراً تجري من مكان إلى مكان آخر رزقاً للعباد، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوباً وشمالاً، وشرقاً وغرباً، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حيناً وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها سبلاً أي: طرقاً يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممراً ومسلكاً، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١]. وقوله: ﴿وَعَلَمَتْ﴾ أي: دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك، يستدل بها المسافرون براً وبحراً إذا ضلوا الطرق. وقوله: ﴿وَيِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: في ظلام الليل، قاله ابن عباس(٤) . وعن مالك في قوله: ﴿وَعَلَمَتٍّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾ يقول: النجوم وهي الجبال(٥). ثم نبه تعالى على عظمته وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دونٍ ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئاً بل هم يخلقون، ولهذا قال: ﴿أَفَّنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم، فقال: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير ويجازي على اليسير. وقال ابن جرير: يقول: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة (٦). (١) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده صحيح لكنه مرسل لأن قيس بن عباد تابعي، ويتقوى بالرواية التالية . (٢) أي: اصطربت. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وله حكم الرفع. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ومعناه صحيح. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الكلبي، ولم أجد من أخرجه عن مالك. (٦) ذكره الطبري بنحوه. ٦٧٦ • سُوَّرَّةُ النَّخَلِ (١٩، ٢٥) ١٩ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا نُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ يُخْلَقُونَ ﴿َ أَقْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاْءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ثم أخبر أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ شيئاً وهم يخلقون، كما قال الخليل: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ [الصافات]. وقوله: ﴿أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَلٍَّ﴾ أي: هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء؟ إنما يرجى ذلك من الذي يعلم كل شيء وهو خالق كل شيء. - ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدْ قَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُم ◌ُسْتَكْبِرُونَ ﴿﴿ لَا جَرَمَ أَنَّ ﴾. اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكِْينَ ( يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك ﴿أَجَعَلَ اَلْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّاً إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ ﴾﴾ [صّ] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِّ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر] وقوله: ﴿وَهُم ◌ُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ولهذا قال ههنا: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقاً ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكَبِينَ﴾. ] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنَزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلٍَّ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين: ﴿مَّاذَا أَنزَلَ رَبِّكُمْ قَالُواْ﴾ معرضين عن الجواب ﴿أَسَطِيرُ اٌلْأَوَّلِينَ﴾ أي: لم ينزل شيئاً، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين؛ أي: مأخوذ من كتب المتقدمين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان] أي: يفترون على الرسول ويقولون أقوالاً متضادة مختلفة كلها باطلة، كما قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾﴾ [الفرقان] وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ، وكانوا يقولون: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقر أمرهم إلى ما اختلقه لهم شيخهم الوحيد المسمى بالوليد بن المغيرة المخزومي(١) لما ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٣ ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَدّرَ (٣٥ ثُمَّ نَظَرَ ﴿َ ثُمَّ عَ وَ ﴿٣ ثُمَّ أَذَبَرَ وَأُسْتَكْبَرَ ﴿® فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ (٣)﴾ [المدثر] أي: ينقل ويحكى، فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله قال تعالى: (١) سيأتي ذكره في تفسير سورة المدثر آية ١٨ - ٢٤. ٦٧٧ • سُوَرَّةُ الْحَلِآَ (٢٦، ٢٧) 00000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك ليتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)(١). وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْيِلُنَّ أَثْقَهُمْ وَنْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمٌّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [العنكبوت] ولهذا روى العوفي عن ابن عباس في الآية ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أنها كقوله: ﴿وَلَيَحْيُكَ أَتْقَهُمْ وَأَنْقَلًا مَّعَ أَثْقَالِمِّ﴾(٢) . وقال مجاهد: يحملون أثقالهم ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يُخفِّف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً (٣). - ﴿قَدْ مَڪَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بَنْيَنَهُم مِّنَ اٌلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٨ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْزِيِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَلْفِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُّونَ فِيهِمَّ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قال: هو النمرود الذي (٤) بنى الصرح (٤) . قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد نحوه(٥). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض النمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه وكان جباراً أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته، وهو الذي بنى الصرح إلى السماء الذي قال الله تعالى: ﴿فَأَنَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ اٌلْقَوَاعِدِ﴾(٦) . وقال آخرون: بل هو بختنصر (٧)، وذكروا من المكر الذي حكاه الله ههنا كما قال في سورة إبراهيم ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [٤٦]. وقال آخرون: هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته [نوح] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل غيره، كما قال نوح لعلَّل: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ربه (الصحيح، العلم، باب من سنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة ... ح٢٦٧٤). (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه. (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح. (٦) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح إلى زيد بن أسلم لكنه مرسل. (٧) ذكره الطبري بدون سند. ٦٧٨ • سُوَدَّةُ الْحَلِ﴾ (٢٨، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: ﴿بَلّ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ، أَنَدَادََّ﴾ الآية [سبأ: ٣٣]. وقوله: ﴿فَأَقَ اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي: اجتثه من أصله وأبطل عملهم، كقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرَّبِ أَلْفَأَهَا اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿فَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُوْتَهُم بِأَبْدِهِمْ وَأَبِدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُواْ يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢]، وقال الله ههنا: ﴿فَأَنَ اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّفْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْزِيِهِمْ﴾ أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم فيجعله علانية، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآبِرُ [الطارق] أي: تظهر ٠ وتشتهر كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّيقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند أسته بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) (١) وهكذا يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رؤوس الخلائق ويقول لهم الربُّ تبارك وتعالى مقرعاً لهم وموبخاً ﴿أَيْنَ شُرَكَِّىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُونَ فِيهِمْ﴾ تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن ١٠ نصركم وخلاصكم ههنا؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُ أَوْ يَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣] ﴿فَ لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ( [الطارق] فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة، وحقّت عليهم الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذٍ: ﴿إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوْءَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ أي: الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه. ﴿الَّذِينَ تَقَّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِمِيّ أَنْفُسِهِمّ فَأَلْقَوْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْعَّ بَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَّا فَلَتْسَ مَثْوَى الْمُتَكَّرِينَ ﴾﴾. بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمين أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة ﴿فَلَقَواْ السَّلَمَ﴾ أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْءٍ﴾ كما يقولون يوم المعاد ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَعْلِفُونَ لَهُمْ كُلَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] قال الله مكذباً لهم في قيلهم ذلك ﴿بَلَىَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَتَمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّينَ ﴾﴾ أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبراً عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهًا﴾ [فاطر: ٣٦] كما قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْسِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (@)﴾ [غافر]. (١) صحيح البخاري، الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر (ح٣١٨٨)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٧). • سُوَرَّةُ النَّحَلَ (٣٠، ٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000 ٦٧٩ وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرَأْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ اَلْأَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُنَّقِينَ (٣٥ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ لَمْ فِيَهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْرِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ . تَعْمَلُونَ (َ)) الَّذِينَ نَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِينَ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُمْ هذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: ﴿مَاذَا أَنَزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئاً إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء قالوا: ﴿خَيْراً﴾ أي: أنزل خيراً؛ أي: رحمة وبركة لمن اتبعه وآمنٍ به. ثم أخبر عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله فقال: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (4)﴾ [النحل] أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير؛ أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله: ﴿وَقَالَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ وَيَلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَنْزَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وقال تعالى: ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبَقَ ﴾﴾ [الأعلى] وقال لرسوله وَّ: ﴿وَلَلَّخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ﴾﴾ [الضحى] ثم وصف الدار الآخرة فقال: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ اُلْمُتَّقِينَ﴾ . وقوله: ﴿َّتُ عَدْنٍ﴾ بدل من دار المتقين أي لهم في الآخرة جنات عدن؛ أي: مقام يدخلونها ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: بين أشجارها وقصورها ﴿لَمْ فِهَا مَا يَشَدُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُبُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]. وفي الحديث: ((إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئاً إلا أمطرته عليه حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أتراباً، فيكون ذلك)) (١). ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ أي: كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله، ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار أنهم طيبون أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَدّمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ (بَ نَحْنُ نُزُلًا أَوْلِيَآؤُكُمْ فِ اَلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ ﴾ [فصلت]. مِنْ غَفُورٍ زَّحِيم ◌ِ وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَِّتِ فِى الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الَْخِرَةِ وَيُضِلُ الَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾﴾ [إبراهيم]. (١) سيأتي تخريجه وضعفه في تفسير سورة النبأ آية ٣٣. ٦٨٠ • سُوَرَّةُ الْحَلَ﴾ (٣٣، ٣٧) ] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن تَأْنِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ يَأْنِىَ أَمْرُ رَبِّكَّ كَذَلِكَ فَعَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَمَا فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َا كَانُواْ بِهِ. ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يَسْتَهْزِءُونَ يقول تعالى مهدداً للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم لقبض أرواحهم، قاله قتادة(١). ﴿أَ بَأْتِىَ أَثُرُ رَبِّكَ﴾ أي: يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال. وقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِزَّ﴾ أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ﴾ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي: أحاط بهم من العذاب الأليم ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: يسخرون من الرسل إذا (١)﴾ [الطور]. ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُنْتُم بِهَا تُكَّذِّبُونَ توعدوهم بعقاب الله، فلهذا يقال لهم يوم القيامة: ] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ مِن شٍَّ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَهَلْ عَلَى الْرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ (٢٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلٍ أُنٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اُلَّاغُوتُّ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِبْرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿ إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَئُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ (®)﴾. يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ تَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شٍَّ﴾ أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطاناً، ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهاً لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مكننا منه، قال الله تعالى راداً عليهم شبهتهم: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أُمة؛ أي: في كل قرن وطائفة رسولاً، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد 18 الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا ١٢٥﴾ [الأنبياء]، وقوله تعالى: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَّ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ فَاعْبُدُونِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾﴾ [الزخرف] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.