Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
• سُورَةُ الرَّحْلِ (٣١)
البخاري(١). والمراد بالقرآن: هو الزبور.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَأْيَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: من إيمان جميع الخلق ويعلموا، أو يتبينوا ﴿أَن لَّوْ
يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فإنه ليس ثَم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس
من هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله. وثبت في
الصحيح أن رسول الله وسلم قال: ((ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان
الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))(٢)، معناه أن معجزة
كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه، ولا يَخلق عن
كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن
ابتغى الهدى من غيره أضله الله)).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، أنبأنا بشر بن عمارة، حدثنا
عمر بن حسان، عن عطية العوفي قال: قلت له: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية، قالوا
لمحمد *: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان
سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله
هذه الآية. قال: قلت: هل ترون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي وَّر قال: نعم عن
أبي سعيد، عن النبي وَ ﴾(٣). وكذا روى ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب
نزول هذه الآية(٤)، والله أعلم. وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم(٥).
وقوله: ﴿بَل لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًاً﴾ قال ابن عباس: أي: لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن
ليفعل. رواه ابن إسحاق بسنده عنه، وقاله ابن جرير أيضاً(٦).
وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿أَفَلَمَّ يَأْيَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾: أفلم يعلم الذين آمنوا(٧) .
وقرأ آخرون: ﴿أَفَمّ يتبين الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾(٨).
وقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعاً(٩).
وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ أَوْ ثَمُلُّ قَرِيبًا مِن دَارِهِمْ﴾ أي: بسبب
(١) أخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق به (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ
زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ح ٣٤١٧).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٣٨.
(٣) سنده ضعيف لضعف بشر بن عمارة، كما في التقريب.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح من طريق معمر عن قتادة لكنه مرسل.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحوه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن علي بن أبي طالب
ـّه .
(٩) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ (الدر المنثور ٤٥٩/٨).

٥٨٢
سُورَةُ الرَّحْدِ (٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم، ليتعظوا ويعتبروا، كما قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا اُلْأَيَنَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٣)﴾ [الأحقاف] وقال: ﴿أَفَلَا
يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ تَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاْ أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤].
قال قتادة، عن الحسن: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ أي: القارعة(١). وهذا هو الظاهر من
السياق.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في
قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ قال: سرية، ﴿أَقْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ قال
محمد رٍَّ: ﴿حَتَّى يَأْتَِ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: ((فتح مكة))(٢). وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد
في رواية(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ﴾ قال: عذاب من السماء ينزل عليهم
﴿أَوَ تَُّلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ يعني: نزول رسول الله وَّر بهم وقتاله إياهم(٤). وكذا قال مجاهد
وقتادة(٥).
وقال عكرمة في رواية عن ابن عباس: ﴿قَارِعَةٌ﴾ أي: نكبة. وكلهم قال: ﴿حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ﴾
يعني: فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة(٦).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِّفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا
والآخرة ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَاءٍ ﴾﴾ [إبراهيم].
42 ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَلِكَ فَأَلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ
٤٣٢
يقول تعالى مسلياً لرسوله وَ ﴿ه في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾
أي: فلك فيهم أسوة ﴿فَأَغْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: أنظرتهم وأجّلتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذة رابية،
فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا
وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (﴿﴾﴾ [الحج].
وفي الصحيحين: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، ثم قرأ رسول الله وَله :
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ (َ﴾ [هود](٧).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة به.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي داود الطيالسي به.
(٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير تقدم مع رواية ابن عباس
السابقة، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالآثار التالية.
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن البصري.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.

٥٨٣
• سُوَرَّةُ الرَّعْدِ (٣٣)
﴿ ﴿أَفَّنْ هُوَ قَابِرُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكََّ قُلْ سَقُّوهُمْ أَمْ تُتُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ
فِىِ الْأَرْضِ أَمَ بِظَهِرٍ مِّنَ الْقَوَلْ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِّ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ
حَادٍ إِتا
يقول تعالى: ﴿أَفَّنْ هُوَ قَابِرُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: حفيظ عليم رقيب على كل
نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية ﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأَنٍ
وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهٍ﴾ [يونس: ٦١]،
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ
اَلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [هود]، وقال: ﴿سَوَآءٌ
[الرعد]، وقال:
مِنْكُم مَنْ أَسَّ الْقَوَّلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِأَلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِنََّارِ ﴾﴾
﴿يَعْلَمُ السَِّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:
٤] أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك نفعاً
لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء
بدلالة السياق عليه وهو قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآَ﴾ أي: عبدوها معه من أصنام وأنداد
وأوثان.
﴿قُلّ سَتُوهُمَّ﴾ أي: أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا
قال: ﴿أَمْ تُنِّعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا وجود له، لأنه لو كان له وجود في الأرض
لعلمها، لأنه لا تخفى عليه خافية ﴿أَمَ بِظَهِرٍ مِّنَ الْقَوَلْ﴾ قال مجاهد: بظن من القول(١).
وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول(٢)، أي: إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها
تنفع وتضر وسميتموها آلهة ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةٌ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَبَا ؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن
يَتَبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّتِهِمُ الْمُدَى ﴾ [النجم] قال مجاهد: قولهم،
أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه(٣) آناء الليل وأطراف النهار، كقوله تعالى: ﴿﴾
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ فَيَّنُوا لَهُم ◌َا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىّ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم
مِّنَ اُلِْنِّ وَالْإِنسِِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ ﴾﴾ [فصلت]، ﴿وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ من قرأها بفتح الصاد
معناه: أنه لما زين لهم ما هم فيه، وأنه حق دعوا إليه، وصَدوا الناس عن اتباع طريق الرسل،
ومن قرأها بالضم، أي بما زين لهم من صحة ما هم عليه، صُدوا به عن سبيل الله (٤)، ولهذا
قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ كما قال: ﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ
شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، وقال: ﴿إِن تَحْرِضْ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم ◌ِّن
نَّصِرِينَ ﴾﴾ [النحل].
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند فيه الحسين،
وهو ابن داود، وهو ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.
(٤) القراءتان بفتح الصاد وبضمها متواترتان.

٥٨٤
• سُوَّرَّةُ الرَّحْمِ (٣٤، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
٣٤
مَثَلُ
] ﴿لَّمْ عَذَابٌ فِى الْخَةِ الدُّنْيَّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشٌَّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ
الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَّ تَجْرِى مِن ◌َّحْنَهَا الْأَنْهَرِّ أُكُلُهَا دَآئٌِ وَظِلُّهَأْ تِلْكَ عُقْبَىَ الَّذِينَ أَثَّقَواْ وَعُقْىَ
﴾.
الْكَفِرِينَ النَّارُ
ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار، فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من
الكفر والشرك: ﴿لَّمْ عَذَابٌ فِ الَْوِ الدُّنْيًا﴾ أي: بأيدي المؤمنين قتلاً وأسراً، ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ﴾
أي: المدخر مع هذا الخزي في الدنيا ﴿أَشَقُّ﴾ أي: من هذا بكثير، كما قال رسول الله وَهـ
[للمتلاعنين: ((إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة))(١)، وهو كما قال صلوات الله وسلامه
عليه](٢)، فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبداً في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفاً،
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُمْ أَحَدٌ
ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: ﴿فَيَؤْمِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُ، أَحَدٌ رَّ
(٨)﴾ [الفجر]، وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ) إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا
وَإِذَا أُلْقُوْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّيِنَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا (٣) لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَيَحِدًا
تَفَيَّظًا وَزَفِيْرًا
وَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرً ﴿ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرُّ أَمْ جَنَّةُ اٌلْخُلْدِ اَلَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا
٢٠﴾ [الفرقان]، ولهذا قرن هذا بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفتها ونعتها ﴿تَّجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَِّ﴾ أي: سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيراً؛ أي:
يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ مِّنِ مٍَّ غَيْرِ
ءَاسِنٍ وَهَرٌ مِّنِ لٍََّ لَمْ يَنَّ ◌َعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلِشَدِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُّصَفَّىّ وَْ فِهَا مِن كُلِّ الثََّرَتِ
وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنّ هُوَ خَلٌِّ فِ النَّارِ وَسُقُواْ مَآءَ خَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ ﴾﴾ [محمد].
وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآَبِرٌ وَظِلُهَا﴾ أي: فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع [لها](٣) ولا
فناء، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه: قالوا: يا رسول الله
رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت(٤)، فقال: ((إني رأيت الجنة - أو أُريت
الجنة - فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا))(٥).
وقال الحافظ أبو یعلی: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا
أبو عقيل، عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله وَير فتقدمنا، ثم تناول
شيئاً ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة، قال له أبي بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في
الصلاة شيئاً ما رأيناك كنت تصنعه، فقال: ((إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة،
فتناولت منها قطفاً من عنب لأتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء
والأرض لا ينقصونه))(٦).
(١) أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﴿يا مطولاً (الصحيح، كتاب اللعان ح١٤٩٣).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).
(٣) الزيادة من (حم).
(٤) أي: توقفت.
(٥) أخرجاه من حديث ابن عباس ظًا (صحيح البخاري، الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة ح١٠٥٢،
وصحيح مسلم، الكسوف، باب ((ما عرض على النبي ( ﴿ في صلاة الكسوف)) ح ٩٠٧).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بنحوه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر ظه، قال محققوه: إسناده =

٥٨٥
سُورَةُ الرَّحْمِ (٣٤، ٣٥)
000000000000000000000000000000000000 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00000000000
وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهداً لبعضه (١).
وعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابياً سأل النبي وَ ل* عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ قال: ((نعم)).
قال: فما عظم العنقود؟ قال: ((مسيرة شهر للغراب الأبقع(٢) ولا يفتر))، رواه الإمام أحمد(٣).
وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن
عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله وَالآتى:
((إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى)» (٤).
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يتمخطون
ولا يتغوطون، ولا يبولون، طعامهم جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما
یلهمون النفس» رواه مسلم(٥).
وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش، عن ثُمامة بن عقبة، سمعت زيد بن أرقم
قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟
قال: ((نعم، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب
والجماع والشهوة)). قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ قال:
((تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه))(٦).
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث،
عن عبد الله بن مسعود رضيبه قال: قال لي رسول الله وَّيقول: ((إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فيخر
بین یدیك مشوياً))(٧).
وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائراً كما كان بإذن الله تعالى(٨)، وقد قال الله
تعالى: ﴿وَفَكِهَذِ كَثِيرَةِ ﴿ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا تَمْنُعَةِ (٣)﴾ [الواقعة]، وقال: ﴿وَدَائَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلَِّتْ
ضعيف لتفرد عبد الله بن محمد بن عقيل بهذه السياقة (المسند ١٧٣/٣٥، ١٧٤ ح ٢١٢٥٠)، ويشهد لبعضه
=
سابقه في الصحيحين، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق عبد الله بن عمرو به (المختارة ح١١٩٣)، وكذا
الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٦٠٤).
(١) صحيح مسلم، الكسوف، باب ما عرض على النبي ◌َّر من صلاة الكسوف (ح ٩٠٤).
(٢) الغراب الأبقع: الذي جمع لونه بين السواد والبياض.
(٣) أخرجه أحمد عن عتبة مطولاً وقال محققوه: إسناده قابل للتحسين (المسند ١٩١/٢٩، ١٩٢ ح ١٧٦٤٢)، ونقل
الحافظ ابن كثير عن الضياء المقدسي أنه قال: لا أعلم لهذا الإسناد علة (البداية والنهاية ١٥٧/٢)، وقال
الهيثمي: رواه الطبراني والبزار ... ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات (مجمع الزوائد ٤١٤/١٠).
(٤) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الواقعة آية ٢٠.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ١٠.
(٦) أخرجه الإمام أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش به بنحوه، وصححه سنده محققوه (المسند ١٨/٣٢، ١٩
ح١٩٢٦٩)، وأخرجه النسائي من طريق الأعمش به (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٤٧٨) ونسبه الهيثمي إلى
الإمام أحمد وقال: رجاله رجال الصحيح غير ثُمامة وهو ثقة (مجمع الزوائد ٤١٩/١٠).
(٧) أخرجه الحسن بن عرفة بسنده ومتنه (جزء ابن عرفه ح٢٢) وسنده ضعيف للانقطاع، فإن عبد الحارث لم
يسمع من ابن مسعود شيئاً (جامع التحصيل ص٢٠٨).
(٨) أخرجه هناد من طرق ضعيفة (الزهد ١١٨/١، ١١٩).

٥٨٦
• سُوَّرَّةُ الرَّعْلِ (٣٦، ٣٧)
﴾ [الإنسان]، وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْيِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ
(6)﴾ [النساء].
ظِلَّا ظَلِيلًا
وقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله وَ لو قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب
المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها)) ثم قرأ ﴿وَظِلَ تَمْدُورِ (٥)﴾(١). وكثيراً ما
يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنة ويحذر من النار، ولهذا لما ذكر صفة
الجنة بما ذكر قال بعده: ﴿تِلْكَ عُقْقَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَعُقْىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾. كما قال تعالى: ﴿لَا
®®)﴾ [الحشر].
يَسْتَوِىّ أَعْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ اٌلْفَآيِزُونَ
وقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: عباد الله، هل جاءكم مخبر يخبركم أن
شيئاً من عبادتكم تقبلت منكم، أو أن شيئاً من خطاياكم غفرت لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ
عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون]، والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم
ما افترض عليكم، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم ولا تنافسون في جنة ﴿أُكُلُهَا دَآبِرٌ
وَِلُهَاَ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَعُقْبَى الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾. رواه ابن أبي حاتم(٢).
﴿وَالَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكٌ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَّ قُلْ إِنَّمَا أُفِرْتُ
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبيَّأْ وَلَيْنِ أَتَّعْتَ أَهْوَآءَهُم
أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِدَّةٍ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ
بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا وَاقٍ
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِنَبَ﴾ وهم قائمون بمقتضاه ﴿يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكٌ﴾ أي:
من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
[البقرة] وقال تعالى:
الْكِتَبَ يَتْلُونَُ حَقَّ تِلَاوَيِ: أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهُ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ، أَوْ لَا تُؤْمِنُوْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (49) وَيَقُولُونَ
سُبْحَانَ رَبِنَآَ إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا (®)﴾ [الإسراء] أي: إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال
محمد ﴿ لحقاً وصدقاً مفعولاً لا محالة وكائناً، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده
﴿وَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوءً﴾ (َ﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَةٌ﴾
أي: ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك. وقال مجاهد: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: اليهود
والنصارى ﴿مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: بعض ما جاءك من الحق(٣). وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن
زيد بن أسلم(٤)، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَاً
أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَِّ لَا يَشْتَرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمَّ إِنَ اللَّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِدَّةِ﴾ أي: إنما بعثت
(١) تقدم تخريجه في الآية ٢٩ من هذه السورة الكريمة. (٢) أخرجه أبو نعيم (حلية الأولياء ٢٣١/٥).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.

٥٨٧
• سُوْدَّةُ الْرّعَمِ (٣٨، ٣٩)
بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبل ﴿إِلَيْهِ أَدْعُواْ﴾ أي: إلى سبيله أدعو
الناس ﴿وَ إِلَيْهِ مَثَابٍ﴾ أي: مرجعي ومصيري.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبًَّ﴾ أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من
السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكماً معرباً، شرفناك به، وفضلناك على من سواك بهذا
الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ﴿لَّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
(ج)﴾ [فصلت].
وقوله: ﴿وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ أي: آراءهم ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: من الله سبحانه ﴿مَا
لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا
إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةُ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ ◌ِئَايَةٍ إِلَّا بِذْنِ
اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ ﴿ يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ، أُمُّ الْكِتَبِ
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولاً بشرياً، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشراً،
يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجاً
وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف:
١١٠]. وفي الصحيحين أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل
[اللحم](١)، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال: قال أبو أيوب:
قال رسول الله وَّل: ((أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، [والختان](٣) (٤).
وقد رواه أبو عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن
مكحول، عن أبي [الشمال](٥)، عن أبي أيوب ... فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث
الذي لم يذكر فيه أبو [الشمال](٦) (٧).
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الدّسَم)).
(٢) أخرجاه من حديث أنس بن مالك ظه بنحوه (صحيح البخاري، النكاح، باب الترغيب في النكاح ...
ح ٥٠٦٣)، وصحيح مسلم، النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ... ح١٤٠١).
(٣) في المسند والأصول الخطية والطبعات من تفسير ابن كثير: ((الحناء))، وما أثبت هو الصواب كما جزم
الحافظ المزي، وكذا رواه المحاملي عن شيخه الترمذي (نقله ابن القيم في زاد المعاد ٢٥٢/٤) وكذا جزم
العراقي، وقد رَّد من قال بلفظ: ((الحناء)) فقال: والحناء ليس من السنن ولا ذكره المصطفى في خصال
الفطرة، بخلاف الختان (ينظر: فتح القدير للمناوي ٤٦٦/١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع الخلاف المتقدم وضعف سنده محققوه (المسند ٥٥٣/٣٨، ٥٥٤
ح ٢٣٥٨١)، وأخرجه عبد الرزاق من طريق الحجاج بن أرطأة بلفظ: ((الختان)) (المصنف رقم ١٠٣٩٠).
(٥) و(٦) كذا في سنن الترمذي، وفي الأصل (حم) و(مح): ((أبو السماك)) وهو تصحيف، وأبو الشمال مجهول
(التقریب ص٦٤٨).
(٧) أخرجه الترمذي من طريق سفيان به (السنن، النكاح، باب ما جاء في فضل التزوج والحث عليه ح ١٠٨٠)،
وسنده ضعيف لجهالة أبي الشمال.

٥٨٨
• سُورَةُ الرَّحْدِ (٣٨، ٣٩)
0000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْنِىَ ◌ِهَايَةٍ إِلَّا بِذْنِ اللّهِ﴾ أي: لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن
له فيه، ليس ذلك إليه بل إلى الله رَ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ﴿لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ﴾ أي
لكلِّ مدة مضروبة، كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار ﴿أَلَمّ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى
الشَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
٧٠
وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي: لكل كتاب أجل، يعني لكل
كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين(١)، فلهذا ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ منها،
﴿وَيُثْبِثٌ﴾ يعني: حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ﴾ اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم:
عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة،
فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت(٢). وفي رواية: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ
وَيُتَبِثٌ﴾ قال: كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة، فإنهما قد فرغ منهما (٣).
وقال مجاهد: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ﴾ إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة فإنهما لا
يتغيران (٤).
وقال منصور: سألت مجاهداً، فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللَّهم إن كان اسمي في
السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم، واجعله في السعداء؟ فقال: حسن، ثم
لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]،
قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما
يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة فهو ثابت لا يغير(٥).
وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: اللَّهم إن
كنت كتبتنا أشقياء، فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء
وتثبت، وعندك ◌ُم الکتاب. رواه ابن جرير (٦).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن أبي
حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب ظُه، قال وهو يطوف بالبيت
ويبكي: اللَّهم إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم
الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة(٧).
(١) أخرجه الطبري بنحوه بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من الطرق المذكورة.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري من طرق صحيحة عن منصور عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري من طريق منصور به وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف لكنه
يتقوى بالرواية السابقة.
(٦) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٥٨٩
• سُوَدَُّ الرَّحْلِ (٣٨، ٣٩)
وقال حماد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود ظُه أنه كان يدعو بهذا الدعاء
أيضاً. ورواه شريك عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود بمثله (١).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف، عن أبي حمزة، عن إبراهيم،
أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى
يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ الآية(٢).
ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس
لهذا القول بما ورواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان - هو: الثوري -، عن عبد الله بن
عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله وَله: ((إن الرجل ليحرم الرزق
بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)»(٣)، ورواه النسائي وابن
ماجه من حديث سفيان الثوري به (٤)
وثبت في الصحيح: أن صلة الرحم تزيد في العمر(٥).
وفي حديث آخر: ((إن الدعاء والقضاء ليعتلجان(٦) بين السماء والأرض))(٧).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن
عطاء، عن ابن عباس قال: إن الله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من
ياقوت - والدفتان: لوحان - لله ، كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت،
وعنده أم الكتاب(٨).
وقال الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد،
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَّيقول: ((يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في
الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت)) وذكر تمام
(١) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، ويقوي أحدهما الآخر.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن أبا حمزة - وهو: ميمون الأعور - متروك، وروايته عن
إبراهيم لا يتابع عليها، كذا قال العقيلي (ينظر: تهذيب التهذيب ٣٩٥/١٠، ٣٩٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، قال محققوه: حسن لغيره، دون قوله: ((إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب
يصيبه)) (المسند ٦٨/٣٧ ح ٢٢٣٨٦).
(٤) قال المنذري: رواه النسائي بإسناد صحيح (الترغيب والترهيب ٤٨١/٢)، وأخرجه ابن ماجه من طريق وكيع
به (السنن، المقدمة، باب في القدر ح ٩٠) وقال البوصيري: سألت شيخنا أبا الفضل العراقي عن هذا
الحديث فقال: حسن (مصباح الزجاجة ٦٢/١)، وحسنه الألباني باستثناء العبارة السابقة في المسند (صحيح
سنن ابن ماجه ح ٧٣).
(٥) أخرجه الشيخان بنحوه من حديث أنس بن مالك ظته (صحيح البخاري، البيوع ح ٢٠٦٧)، وصحيح مسلم،
(البر والصلة ح ٢٥٥٧).
(٦) أي: يتصارعان.
(٧) أخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: زكريا بن منظور مجمع على ضعفه (المستدرك ٤٩٢/١)،
وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٨٤٣/٢)، مما يؤكد ضعف الحديث.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عنعنة ابن جريج والمتن فيه غرابة.

٥٩٠
سُورَةُ الرَّحْدِ (٣٨، ٣٩)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0
(١)
الحديث. رواه ابن جرير .
وقال الكلبي: يمحو الله ما يشاء ويثبت، قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل
ويزيد فيه، فقيل له: من حدّثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن
النبي ◌َ﴾، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية، فقال: يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس
طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، ودخلت وخرجت،
ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب(٢).
وقال عكرمة، عن ابن عباس: الكتاب كتابان، فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم
الکتاب(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُ الْكِتَبِ
٣٩)
يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلالة، فهو الذي
يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله
وهو الذي يثبت(٤). وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ﴾ يقول: يبدل ما يشاء
فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِندَهُ، أُمُّ الْكِتَبِ﴾ وجملة ذلك عنده في أم الكتاب
الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب(٥).
وقال قتادة في قوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُخْبِتٌ﴾ كقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا تَأْتِ بِخَيْرٍ
مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦](٦).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُتْبِثٌ﴾ قال: قالت كفار
قريش لما نزلت ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ ◌ِّايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾: ما نرى محمداً يملك شيئاً وقد فرغ
من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم، إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا،
ونحدث في كل رمضان، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم
(٧)
وما يقسم لهم(٧).
وقال الحسن البصري: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ﴾ قال: من جاء أجله يذهب، ويثبت الذي
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً، لأن زيادة بن محمد منكر الحديث (التقريب ص٢٢١).
(٢) أخرجه الطبري من طريق همام عن الكلبي به، وسنده ضعيف جداً لأن الكلبي وهو محمد بن السائب متهم
بالكذب بتصريحه، كما في ترجمته في التهذيب التهذيب.
(٣) أخرجه الطبري والحاكم كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عكرمة به وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٤٩/٢).
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده مرسل.

٥٩١
• سُورَةُ الرَّعَلِ (٤٠، ٤١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير تَذَتُهُ، وقوله: ﴿وَعِندَهُ، أُمّ
اٌلْكِتَبِ﴾ قال: الحلال والحرام(١).
وقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله(٢).
وقال الضحاك، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ قال: كتاب عند رب العالمين(٣).
وقال سُنيد بن داود: حدثني معتمر، عن أبيه، عن يسار، عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن أم
الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه: كن كتاباً فكان كتاباً(٤).
وقال ابن جريج عن ابن عباس: ﴿وَعِندَهُ، أُمُّ الْكِتَبِ﴾ قال: الذكر(٥).
] ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفََّنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
أَنَّا نَأَتِى الْأَرْضَ تَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكِةٍ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
٤١
أَلَمْ يَرَوْأ
٤٠
يقول تعالى لرسوله: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد، بعض الذي نعد أعداءك من الخزي والنكال
في الدنيا ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَّنَّكَ﴾ أي: قبل ذلك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ﴾ أي: إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله،
وقد فعلت ما أمرت به ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ أي: حسابهم وجزاؤهم، كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا
أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴿ إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴿﴿ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴿ إِنَّ
إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ٤٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾﴾ [الغاشية]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَأْتِ اُلْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ
أَطْرَافِهَا﴾ قال ابن عباس: أولم يروا أنا نفتح لمحمد بَّر الأرض بعد الأرض(٦).
وقال في رواية: أولم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية(٧).
وقال مجاهد وعكرمة: ﴿تَقُّصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: خرابها (٨).
وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين".
(١٠)
وقال العوفي، عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها
۔
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مالك بن دينار عن الحسن.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد به.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حجاج عن ابن جريج به، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس، وقال
الطبري: لا أدري فيه ابن جريج أم لا. اهـ. فإذا لا يوجد فيه ابن جريج فالانقطاع أشد.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن
عباس، وعلي بن عاصم هو ابن صهيب الواسطي: وهو صدوق يخطئ ويصر (التقريب ص٤٠٣).
(٨) قول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق أبي جعفر الفراء عنه، وأبو جعفر الفراء اختلف في اسمه، وهو ثقة (التقريب ص٦٢٩).
(٩) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري وسعيد بن
منصور (السنن، التفسير قم ١١٧٥) من طريقين يقوي أحدهما الآخر.
(١٠) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

٥٩٢
• سُؤَدَّةُ الرَّحْمِ (٤٢، ٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض(١).
وقال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك(٢)، ولكن تنقص الأنفس والثمرات(٣)،
وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكاناً تقعد فيه، ولكن هو الموت (٤).
وقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها(٥)، وكذا قال
مجاهد أيضاً: هو موت العلماء(٦).
وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري
الواعظ سكن أصبهان، حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري
بمكة قال: أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه:
متى يمُتْ عالم منها يمُت طرف
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها
بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلَّ
والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية [كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى﴾ الآية [الأحقاف: ٢٧]، وهذا اختيار ابن جرير](٧).
- ﴿وَقَّدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِمْ فَلَِّ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِنُ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ
عُقْىَ الدَّارِ (@)).
يقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم
وجعل العاقبة للمتقين، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ (٣٥)﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ ﴿ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فَتِلْكَ بُوتُهُمْ
خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُواْ﴾ الآية [النمل].
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِنُ﴾ أي: أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل
عامل بعلمه (وسيعلم الكافر)، وقرئ ﴿الْكُفَّرُ﴾ (٨)، ﴿لِمَنْ عُقْبَىَ الذَّارِ﴾ أي: لمن تكون الدائرة
والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل، كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ
الْكِنَبِ
يقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أي: ما أرسلك الله ﴿قُلْ كَفَى
(١) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً بنحوه. (٢) أي: مكان قضاء الحاجة.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع، وهو سفيان، وفيه مقال.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الزبير بن الخريت عن عكرمة.
(٥) أخرجه الطبري والحاكم من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس، وصححه الحاكم وتعقبه
الذهبي بأن طلحة بن عمرو: متروك (المستدرك ٢/ ٣٥٠) ويتقوى بالأثر التالي.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد.
(٧) زيادة من (حم) و(مح).
(٨) وكلتاهما قراءتان متواترتان.

٥٩٣
• سُورَّةُ الرَّعْلِ (٤٢، ٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
◌ِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم؛ شاهد علي فيما بلغت عنه
من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان.
وقوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ قيل: نزلت في عبد الله بن سلام. قاله مجاهد(١)، وهذا
القول غريب، لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي وَله
المدينة، والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى(٢).
وقال قتادة: منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري(٣).
وقال مجاهد في رواية عنه: هو الله تعالى(٤).
وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد عبد الله بن سلام ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها
(ومن عنده عُلِمَ الكتابُ) ويقول: من عند الله(٥)، وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري(٦).
وقد روى ابن جرير من حديث هارون الأعور عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن
رسول الله وَل﴿ قرأها ﴿وَمَنْ عِنَدَهُ عُلِمَ اَلْكِتْبُ﴾، ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند
الثقات(٧). قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من طريق هارون بن موسى هذا، عن
سليمان بن أرقم(٨)، وهو ضعيف، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعاً كذلك ولا يثبت،
والله أعلم، والصحيح في هذا أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين
يجدون صفة محمد 18 ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى:
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِهَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ يَقَبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِّ الْأُتِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف]
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةً أَنْ يَعْلَمُ عُلَمَهُأَ بَنِىّ إِسْرَةِيلَ (٢٦) الآية [الشعراء]، وأمثال ذلك مما فيه
الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار
عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة، وهو كتاب جليل: حدثنا سليمان بن
(١) أخرجه الثوري والطبري بسند ضعيف من طريق ليث، وهو ابن أبي سليم، عن مجاهد، ونقد متنه الحافظ
ابن كثير، والصحيح عن مجاهد ما سيأتي بعد روايتين.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الحكم، وهو ابن عتيبة عن مجاهد.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١١٧٧)، والطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو
جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير. والقراءة المذكورة شاذة تفسيرية.
(٦) وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الحكم بن عتيبة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه بنحوه، وسنده ضعيف، لأن فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف،
وأخرجه أبو عمر الدوري من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري به (قراءات النبي ◌َ لوح ٧١ بتحقيقي)
وسنده ضعيف أيضاً لضعف سليمان بن أرقم.
(٨) مسند أبي يعلى (٥٥٧٤).

٥٩٤
سُوَّةُ الرَّحْمِ (٤٢، ٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن
محمد بن حمزة يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عبد الله بن سلام أنه قال لأحبار اليهود:
إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيداً، فانطلق إلى رسول الله وص له وهو بمكة،
فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله وَلقول بمنى والناس حوله، فقام مع الناس، فلما
نظر إليه رسول الله وَ﴿ قال: ((أنت عبد الله بن سلام؟)) قال: قلت: نعم، قال: ((ادن)). قال:
فدنوت منه. قال: ((أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام، أما تجدني في التوراة رسول الله؟)) فقلت
له: انعت ربنا، قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله رَ ﴿ فقال له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ ﴿ أَللَّهُ الضَمَدُ ﴾ ... ﴾ [الإخلاص] إلى آخرها، فقرأها علينا رسول الله وَله، فقال
ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة، فكتم
إسلامه، فلما هاجر رسول الله ﴿ إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجذها، فألقيت نفسي فقالت
أمي: [لله] (١) أنت لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة، فقلت:
والله لأنا أُسر بقدوم رسول الله وَلقر من موسى بن عمران إذ بعث(٢).
وهذا حديث غريب جداً.
آخر تفسير سورة الرعد، ولله الحمد.
(١) زيادة من (مح) و(حم) والتخريج.
(٢) أخرجه أبو نعيم بسنده ومتنه (دلائل النبوة ١٢٥/١)، وفي سنده حمزة بن يوسف لم يدرك جده عبد الله بن
سلام. كذا قال الهيثمي (مجمع الزوائد ١٤٩/٧)، واستغربه الحافظ ابن كثير.

سُورَةُ إِبْرَاهِيمٌَ (٣،١)
٥٩٥
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
POD
.00000
07 00000
سُوْرَةُ ابْرَاهِيمٌ
بسم هه الرحمن الرحيم
﴿الَرَّ كِتَبُ أَنَزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْقُلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضُِ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَأْ أُوْلَئِكَ فِ ضَلٍ
٢٦
بَعِيدٍ
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور ﴿كِتَبُّ أَنَزَلْنَهُ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا
كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على
أشرف رسول بعثه الله في الأرض إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم.
﴿لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْقُلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج الناس مما هم
فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال تعالى: ﴿اللّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ
إِلَى النُّورِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَثُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]. وقال
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يَُّزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَتٍ بَيْنَتٍ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُورِ﴾ الآية [الحديد: ٩].
وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن
أمره يهديهم ﴿إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ﴾ أي: العزيز الذين لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما
سواه، ﴿اْحَمِيدِ﴾ أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه الصادق في خبره.
وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ قرأ بعضهم مستأنفاً مرفوعاً، وقرأ
آخرون على الإتباع صفة للجلالة(١)، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُمْ
جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلَكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨].
وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد
وكذبوك، ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة؛ أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها
ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهي اتباع الرسل
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجاً مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها لا
يضرها من خالفها، ولا من خذلها فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا
يرجى لهم - والحالة هذه - صلاح.
(١) القراءة برفع لفظ الجلالة وبالجر قراءتان متواترتان.

٥٩٦
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٤، ٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
- ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِنَ لَمَّ فَيُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن
يَشَاءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾.
هذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلاً منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون، وما
أرسلوا به إليهم، كما روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عمر بن ذرّ قال: قال مجاهد، عن
أبي ذر: قال: قال رسول الله وَلجر: ((لم يبعث الله رَ نبياً إلا بلغة قومه))(١).
وقوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم،
يضل الله من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق ﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ الذي ما شاء
كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال ويهدي من هو
أهل لذلك، وقد كانت هذه سنته في خلقه أنه ما بعث نبياً في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص
كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله صل بعموم
الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله وجل: ((أُعطيت
خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً
وطهوراً، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى
قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))(٢). وله شواهد من وجوه كثيرة. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا
اَلنَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ
بِأَّلِمِ اَللَّهَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورِ (@)﴾.
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم، تدعوهم إلى
الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا .
قال مجاهد: هي التسع الآيات(٣).
﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أي: أمرناه قائلين له: ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي:
ادعهم إلى الخير ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى [وبصيرة] (٤)
الإيمان، ﴿وَذَكِّرُهُمْ بِأَيَّنِمِ اٌللَّهِ﴾ أي: بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره
وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم
المنَّ والسلوى إلى غير ذلك من النعم، قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد(٥).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٣/٣٥ ح ٢١٤١٠) وضعّف سنده محققوه بسبب الانقطاع بين
مجاهد وأبي ذرّ، وصححوا المتن مستشهدين بالآية نفسها .
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٥٨.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: ((ونصر)).
(٥) قول مجاهد بلفظ: ((بنعم الله)) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وكذا أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظه.

٥٩٧
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٦، ٨)
وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه حيث
قال: حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن أبان الجعفي، عن أبي إسحاق،
عن سعيد بن جبير، [عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي ◌ّ* في قوله تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَنِ اللَّهِ﴾ قال: ((بنعم الله))(١)، ورواه ابن جرير](٢)(٣) وابن أبي حاتم من حديث
محمد بن أبان به، ورواه عبد الله ابنه أيضاً موقوفاً، وهو أشبه (٤).
وقوله: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل
حين أنقذناهم من يد فرعون وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة لكل صبار؛ أي في
الضراء؛ شكور أي في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر.
وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال: ((إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له
قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر، فكان
خيراً له))(٥).
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ الَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَنُكُمْ مِّنْ مَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ
سُّهَ اٌلْعَذَابِ وَيَُّتِحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمَّ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ وَإِذْ
تَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَثُمُ وَمَن
فِي الْأَرْضِ جَيعًا فَإِنَ اَللَّهَ لَغَنِىُّ حِيدٌ (جَ﴾
يقول تعالى مخبراً عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم، إذ أنجاهم من آل
فرعون، وما کانوا یسومونهم به من العذاب والإذلال، حیث کانوا يذبحون من وجد من أبنائهم،
ويتركون إناثهم، فأنقذهم الله من ذلك، وهذه نعمة عظيمة، ولهذا قال: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَءٌ مِّن
زَّيِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها، وقيل:
وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل ﴿بَلَاءٌ﴾ أي: اختبار عظيم، ويحتمل أن
ـذا وهذا، والله أعلم، كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَِّّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[الأعراف: ١٦٧]. وقوله: ﴿وَإِذْ تَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم، ويحتمل أن
يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، كما قال: [﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيْبَعَّثَنَّ
عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوّءَ اٌلْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وقال هاهنا](٦): ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَتَّكُمْ﴾ أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ﴿وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ﴾ أي: كفرتم النعم
(١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومنه وضعّف سنده محققوه وصححوه
بالشواهد (المسند ٦٦/٣٥ ح ٢١١٢٨)، وأخرجه الإمام مسلم من طريق أبي إسحاق به مطولاً وفيه:
((وأيام الله نعماؤه وبلاؤه)) (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل الخضر لعلا ح ١٧٨/٢٣٨٠).
(٢) الزيادة من (حم) و(مح) ومسند أحمد.
(٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن أبان به.
(٤) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده من طريق الطيالسي عن محمد بن أبان موقوفاً (المسند ٦٧/٣٥
ح ٢١١٢).
(٥) أخرجه مسلم من حديث صهيب ته (الصحيح، الزهد، باب المؤمن أمره كله خير ح٢٩٩٩).
(٦) الزيادة من (حم) و(مح).

٥٩٨
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٩)
وسترتموها وجحدتموها ﴿إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾، وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها، وقد
جاء في الحديث: ((إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه))(١).
وفي المسند: أن رسول الله وَّه مرَّ به سائل فأعطاه تمرة، فسخطها ولم يقبلها، ثم مرَّ به آخر
فأعطاه إياها، فقبلها وقال: تمرة من رسول الله وَ له، فأمر له بأربعين درهماً، أو كما قال.
قال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا عمارة الصيدلاني، عن ثابت، عن أنس، قال: أتى
النبي و 38 سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وحش بها - قال -: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال:
سبحان الله تمرة من رسول الله وسلم، فقال للجارية: ((اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهماً التي
عندها))(٢). تفرد به الإمام أحمد، وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان. وقال
ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس
بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه، وعن أحمد أيضاً أنه قال: روى أحاديث منكرة.
وقال أبو داود: ليس بذاك وضعفه الدارقطني. وقال ابن عدي: لا بأس به ممن يكتب حديثه.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُواْ أَنْهُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ أي: هو
غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره، كما قال: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهِ
غَنِىُّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَّ وَإِن تَشْكُرُواْ يَضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. وقال تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّأَ
وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦].
وفي صحيح مسلم: عن أبي ذرِّ، عن رسول الله وَ﴿ فيما يرويه عن ربه ريت أنه قال: ((يا
عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك
في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد
منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في
صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص
المخيط إذا أدخل البحر))(٣). فسبحانه وتعالى الغني الحميد.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودُ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا
يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِىِّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ.
وَإِنَّا لَفِى شَكٍ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ
قال ابن جرير: هذا من تمام قيل موسى لقومه، يعني وتذكيره إياهم بأيام الله بانتقامه من الأُمم
المكذبة بالرسل، وفيما قال ابن جرير نظر (٤)، والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه
(١) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة يونس آية ٣٩.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/٢٠ ح ١٢٥٧٤) وضعف سنده محققوه لاختلاف النقاد في
عمارة الصيدلاني وهو ابن زاذان. وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار باختصار، وفيه عمارة بن زاذان، وهو
ثقة، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠٥/٣).
(٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧).
(٤) ذكره الطبري بنحوه.

٥٩٩
سُورَةُ أَبْرَاهِيمَ (٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأُمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه
وقصصه عليهم، لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة، والله أعلم، وبالجملة فالله تعالى قد
قصَّ علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم
إلا الله رَّ: ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات.
وقال [أبو إسحاق]، (١) عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله أنه قال في قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا
اللَُّ﴾: كذب النسّابون(٢).
وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحداً يعرف ما بعد معد بن عدنان(٣).
وقوله: ﴿فَرَدُّواْ أَيَّدِيَهُمْ فِىَ أَفْوَهِهِمْ﴾ اختلف المفسرون في معناه، قيل: معناه أنهم أشاروا إلى
أفواه الرسل بأمرهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله رأيك.
وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيباً لهم.
وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل.
وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة: ومعناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم(٤).
قال ابن جرير: وتوجيهه أن ﴿فِّ﴾ هنا بمعنى الباء، قال: وقد سمع من العرب: أدخلك الله
بالجنة، يعنون في الجنة، وقال الشاعر:
ولكنني عن سِنبس لست أرغب(٥)
وأرغب فيها عن لقيط ورهطه
يريد أرغب بها. قلت: ويؤيد مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ،
وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مَِّا تَدْعُونَنَآ إِلَيَِّ مُرِيبٍ﴾ فكأن هذا - والله أعلم - تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّواْ أَبْدِيَهُمْ فِّ
أَفْوَهِهِمْ﴾ .
وقال سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله:
﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِّ أَفْوَهِهِمْ﴾ قال: عضوا عليها غيظاً (٦).
وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي هبيرة بن يريم، عن عبد الله أنه قال ذلك أيضاً (٧). وقد
اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٨)، ووجهه ابن جرير مختاراً له بقوله تعالى عن المنافقين:
﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].
وقال العوفي، عن ابن عباس: لما سمعوا كلام الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم(٩).
(١) كذا في رواية الطبري، وفي النسخ الخطية صحف إلى: ((ابن إسحاق).
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، به.
(٣) ذكره السيوطي ونسبه إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح من طريق معمر بن أبي نجيح عنه بنحوه.
(٥) استشهد به الفراء (معاني القرآن ٧٠/٢)، والطبري.
(٦) أخرجه الطبري من طريق الثوري وإسرائيل به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري من طريق شعبة به.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.

٦٠٠
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (١٢،١٠)
﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يقولون: لا نصدقكم فيما
جئتم به، فإن عندنا فيه شكاً قوياً .
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَ أَجَلٍ مُّسَنََّّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا
فَأَتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن تَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ
عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَّا أَنْ تَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ الَهِّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا
نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَنَنَا سُبُلَنَا وَصَبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَلِ الْمُتَوَكِلُونَ
يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم
بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿أَفِ اَللَّهِ شَكٌّ﴾ وهذا
يحتمل شيئين :
(أحدهما): أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن
الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى
النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه:
﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث
والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بدّ لهما من صانع وهو الله لا إله إلا الله هو خالق كل شيء
وإلهه ومليكه.
والمعنى الثاني: في قولهم: ﴿أَفِ اللَّهِ شَكٌّ﴾ أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟
وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم
كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله
زلفى، وقالت لهم رسلهم: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ
إِلَى أَجَلٍ مُّسَنَّىَّ﴾ أي: في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمِنِعَّكُمْ مَّنَهَا حَسَنًّا
إِلَّ أَجَلٍ مُسَتَّى وَبُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهٌ﴾ الآية [هود: ٣]، فقالت لهم الأمم محاجِّين في مقام
الرسالة بعد تقدير تسليمهم المقام الأول، وحاصل ما قالوه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْنَا﴾ أي: كيف
نتبعكم بمجرد قولكم ولمّا نرَ منكم معجزة؟ ﴿فَأَتُنَا بِسُلْطَانِ تُِّينٍ﴾ أي: خارق نقترحه عليكم
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن تَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: صحيح إنا بشر مثلكم في البشرية ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ
يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: بالرسالة والنبوة ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ على وفق
ما سألتم.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ أي: بعد سؤالنا إِياه وإِذنه لنا في ذلك ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: في
جميع أمورهم، ثم قالت الرسل: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَوَكَّلَ عَلَى اَللَّهِ﴾ أي: وما يمنعنا من التوكل
عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ﴿وَصَِّرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَا﴾ أي: من الكلام
السيء والأفعال السخيفة ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّلِ الْمُتَوَكُِّونَ﴾ .