Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ سُورَةُ الرَّعْلِ (١٢، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن [أشعث](١) عن جهم، عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِمٌ﴾(٢). وقد ورد هذا في حديث مرفوع، فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه صفة العرش: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي، حدثنا أبو حنيفة اليماني الأنصاري، عن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة قال: كنت إذا أمسكت عن رسول الله ﴿ ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه قال: ((قال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي))(٣)، وهذا غريب، وفي إسناده من لا أعرفه. ] ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنِشِئُ السَّحَابَ النِّقَالَ ﴿﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُحَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ اِحَالِ يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعاً من خلل السحاب. وروى ابن جرير أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: البرق الماء (٤). وقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال قتادة: خوفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعاً للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله(٥). ﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ الْتِّقَالَ﴾ أي: ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء(٦). الترمذي، وأخرجه الحاكم من حديث حكيم بن حزام بنحوه وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٤٠٢/٤) = وفي سنده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف (التقريب ص ٢٠٧). (١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((أشعب)). (٢) سنده مرسل لأن إبراهيم هو النخعي من التابعين، والخبر من أهل الكتاب. (٣) أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة بسنده ومتنه (صفة العرش ح١٩) وسنده ضعيف لجهالة الهيثم بن الأشعث السلمي (لسان الميزان ٢٠٣/٦)، وضعفه الحافظ ابن كثير من جهة المتن. (٤) أخرجه الطبري من طريق موسى بن سالم أبي جهضم عن ابن عباس، قال الأستاذ محمود شاكر: موسى بن سالم أبو جهضم ثقة، روايته عن ابن عباس مرسلة. اهـ. وللمزيد حول سؤالات ابن عباس لأبي الجلد ينظر: (استدراكات على تاريخ التراث ٣٤/٢ - ٣٧) بقلمي. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٥٦٢ • سُوَدَّةُ الرَّحْلِ (١٢، ١٣) ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ كقوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرني أبي، قال: كنت جالساً إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمرَّ شيخ من بني غفار، فأرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، وسع فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله وَالر، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله وَله؟ فقال الشيخ: سمعت رسول الله (84* يقول: ((إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك))(١) . والمراد - والله أعلم - أن نطقها الرعد وضحكها البرق(٢). وقال موسى بن عبيدة، عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكاً، ولا آنس منه منطقاً، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، عن محمد بن مسلم قال: بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه فذاك البرق(٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو مطر، عن سالم، عن أبيه قال: كان رسول الله ◌َّو إذا سمع الرعد والصواعق قال: ((اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك))(٥)، ورواه الترمذي والبخاري في كتاب الأدب، والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي مطر ولم يسم به (٦) . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة ... رفع الحديث، أنه كان إذا سمع الرعد قال: ((سبحان من يسبّح الرعد بحمده))(٧) . وروي عن علي به أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول: سبحان من سبَّحَت له. وكذا روي عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد، أنهم كانوا يقولون ذلك(٨). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩١/٣٩ ح٢٣٦٨٦) وصحح سنده محققوه. (٢) وكذا قال الرامهرمزي في ((الأمثال)) (ح١٢٤). (٣) موسى بن عبيدة، وهو الربذي ضعيف كما في التقريب، وأخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة وفي سنده أمية بن سعيد الأموي، وهو مجهول كما قال العقيلي (الضعفاء الكبير ٣٥/١). (٤) فيه غرابة ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن الوحي وسنده ضعيف، لإرسال محمد بن مسلم، وهو لم يدرك أحداً من الصحابة . (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٧/١٠، ٤٨ ح ٥٧٦٣) وضعف سنده محققوه لضعف حجاج بن أرطأة وجهالة حال أبي مطر. (٦) سنن الترمذي، الدعوات، باب ما يقول إذا سمع الرعد (ح ٣٤٥٠)، والأدب المفرد (ح٧٢٢) والسنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٧٦٤) والمستدرك (٢٦٨/٤). (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف الإبهام شيخ والد إسرائيل. (٨) قول علي ظ له أخرجه الطبري بسند فيه مسعدة بن اليسع الباهلي وهو منكر الحديث (الجرح والتعديل = ٥٦٣ سُورَةُ الرَّحْمِ (١٢، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة(١) . وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إِن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض. رواه مالك في موطئه، والبخاري في كتاب الأدب(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا محمد بن واسع، عن [سُمير](٣) بن نهار، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لانه قال: ((قال ربكم رَك: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد)) (٤) . وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر، حدثنا عبد الكريم، حدثنا عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلهو: ((إِذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكراً)) (٥) . وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ أي: يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان، كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا عمارة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ظُه أن النبي وَ﴿ قال: ((تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق تلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان))(٦). وقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق، حدثنا علي بن أبي سارة الشيباني، حدثنا ثابت، عن أنس أن رسول الله وَطير بعث رجلاً مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: (اذهب فادعه لي)). قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله وَلقر، فقال له: من رسول الله، وما الله، أمن ذهب هو، أم من فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال: فرجع إلى رسول الله وَ﴿ فأخبره، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا، ٨/ ٣٧٠)، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند فيه الحكم بن أبان، وهو صدوق له أوهام كما في التقريب ص١٧٤، وقول طاوس والأسود أخرجهما الطبري وهي مراسيل لا يعتمد عليها . (١) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ٢١٥/١٠) وهو مرسل أيضاً. (٢) أخرجه الإمام مالك (الموطأ، الكلام، باب القول إذا سمعت الرعد ح٢٦)، والبخاري (الأدب المفرد ح٧٢٤) كلاهما من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٥٦). (٣) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل صُحِّف إلى: ((معمر)). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٧/١٤ ح ٨٧٠٨) وضعف سنده محققوه لضعف صدقة من موسی. (٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٦٤/١١ ح١١٣٧١)، وضعفه الهيثمي لضعف يحيى بن كثير (مجمع الزوائد ١٣٩/١٠). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٣/١٨ ح ١١٦٢٠) وصحح سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طرق محمد بن مصعب به وصححه ووافقه الذهبي مع خلاف بسيط (المستدرك ٤/ ٤٤٤) ٥٦٤ سُورَّةُ الرَّعْدِ (١٢، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فقال لي: ((ارجع إليه الثانية)) فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله وَ له فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: ((ارجع إليه فادعه)) فرجع إليه الثالثة، قال: فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله رحمك سحابة حيال رأسه، فرعدت فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله رَى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ لِلْحَالِ﴾(١)، ورواه ابن جرير من حديث علي بن أبي سارة به(٢). ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبدة بن عبد الله، عن يزيد بن هارون، عن ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس ... فذكر نحوه، وقال: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن النبي وليه بعثه إلى جبار يدعوه فقال: أرأيتم ربكم أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال: فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل عليه صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية(٣). وقال أبو بكر بن عياش، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من نحاس هو، أم من لؤلؤ أو ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾(٤). وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً أنكر القرآن، وكذب النبي صل﴿ فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ﴾ الآية(٥). وذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل [وأربد] (٦) بن ربيعة، لما قدما على رسول الله، وَليقول المدينة فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول الله وَله، فقال له عامر بن الطفيل - لعنه الله -: أما والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً ورجالاً مرداً، فقال له رسول الله وَله: ((يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة)) يعني الأنصار، ثم إنهما همّا بالفتك برسول الله وَل* فجعل أحدهما يخاطبه، والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى منهما وعصمه، فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه عليه الصلاة والسلام، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما عامر بن الطفيل، فأرسل الله عليه الطاعون فخرجت فيه غدة عظيمة، فجعل يقول: يا آل عامر غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، حتى ماتا لعنهما الله، (١) أخرجه أبو يعلى بسنده بنحوه وضعفه محققه لضعف علي بن أبي سارة (المسند ٨٩/٦ ح ٣٣٤٢)، ولكن ابن أبي سارة تابعه ديلم بن غزون، وهو صدوق. كما في التقريب إذ أخرجه أبو يعلى (المسند ٨٧/٦ - ٨٨ ح ٣٣٤١) من طريق ديلم عن ثابت به، وأخرجه ابن أبي عاصم من طريق ديلم به، وصححه الألباني (السنة ٣٠٤/١ ح ٦٩٢) فيكون الإسناد حسناً لغيره. (٢) أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي سارة به بنحوه. (٣) أخرجه البزار کما في كشف الأستار (٥٤/٣ ح٢٢٢١) وسنده حسن. (٤) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر بن عياش به، وهو مرسل ويتقوى بسابقه. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بما سبق. (٦) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صحف إلى: ((زايد))، وأربد بن ربيعة هو أخو لبيد الشاعر لأمه (جمهرة أنساب العرب ٢٨٥/٢). ٥٦٥ • سُوْرَّةُ الرَّعْلِ (١٢، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأنزل الله في مثل ذلك ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ﴾، وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه: أرهب نوءَ السماك والأسد أخشى على أربدَ الحتوفَ ولا ـارس يوم الكريهة النجد(١) فجعني الرعد والصواعق بالفـ وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعيد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن جليد بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله وَله، فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله وَاليه: (لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم)). قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله ◌َّيجر: ((ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل)) قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله بَله: ((لا))، فلما قفلا من عنده قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً، فقال له رسول الله وَير: ((يمنعك الله))، فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد، أنا أشغل عنك محمداً بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فنعطيهم الدية. قال أربد: أفعل، فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله وَلقر فجلسا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله ◌َ* يكلمه، وسلَّ أربد السيف، فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سلَّ السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله وَّ ه فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله و 18 حتى إذا كانا بالحرة - حرة راقم - نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير [الكاتب](٢)، فخرجا حتى إِذا كانا بالرقم(٣)، أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقة ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، ترغب أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعاً، فأنزل الله فيهما ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾ [الرعد: ٨] - إلى قوله : - ﴿وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمداً والتى، ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ الآية (٤). (١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريح بنحوه، وسنده معضل، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس (المعجم الأوسط ٥٠/١٠ ح٩١٢٣)، وفي سنده عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٤١/٧). (٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صحف إلى: ((الغائب)). (٣) الرَقَم: بفتح الراء والقاف، موضع بالمدينة، وإليه تنسب السهام الرميات (معجم البلدان ٩٥٨/٣، ومراصد الإطلاع ٦٢٦/٢). (٤) تقدم تضعيفه وتخريجه في الرواية السابقة. ٥٦٦ • سُوْرَةُ الرَّحْمِ (١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ﴾ أي: يشكّون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ اَلْحَالِ﴾ قال ابن جرير: شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه، وعتا وتمادى في كفره (١)، وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَا دَفَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (®﴾ [النمل]. وعن علي ◌َظُه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ لِلْحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ (٢). وقال مجاهد: شديد القوة(٣). ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِبَلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِلِفٍِ، وَمَا دُعَّةُ الْكَفِينَ إِلَّا فِ ضَلٍ قال علي بن أبي طالب رَّبُهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْمَقِّ﴾ قال: التوحيد. رواه ابن جرير (٤). وقال ابن عباس وقتادة ومالك، عن محمد بن المنكدر: ﴿لَمُ دَعْوَةُ الْحَقّ﴾ لا إله إلا الله (٥) . ﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ﴾ أي: ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَبَسِطِ كَفَتِهِ إِلَى الْمَآءِ لِبَلُغَ فَاهُ﴾ . قال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبداً بيده، فكيف يبلغ فاه(٦)؟ . وقال مجاهد: ﴿كَبَسِطِ كَفَيْهِ﴾ يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبداً (٧). وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه على شيء، كما قال الشاعر(٨): فإني وإياكم وشوقاً إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله وقال الآخر(٩): وبينها من الودّ مثل القابض الماء باليد فأصبحت مما كان بيني وبينها ومعنى هذا الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضاً وإما متناولاً له من بعد كما أنه لا (١) ذكره الطبري بلفظه. (٢) أخرجه الطبري من طريق سيف عن أبي روق عن أبي أيوب عن علي، وسنده ضعيف لضعف سيف، وهو · ابن عمر التميمي، كما في التقريب. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى عن مجاهد وأبو يحيى هو القتات الكوفي، لين الحديث (التقريب ٦٨٦)، ومعناه صحيح. (٤) أخرجه الطبري بالإسناد السابق، ويشهد له ما يليه. (٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه. (٦) أخرجه الطبري بالإسناد السابق الذي فيه سيف بن عمر بنحوه، ومعناه صحيح. (٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) هو ضابيء بن الحارث البُرجمي ذكره أبو عبيد مستشهداً بالبيت نفسه (مجاز القرآن ٣٢٧/١). (٩) استشهد به الطبري وقال محققو تفسير الطبري بإشراف معالي الدكتور عبد الله التركي: هو أبو دهبل الجمحي، والبيت في ديوانه ص١١٥، والأغاني ١٣٩/٧، والدر الفريد ١٢٩/٤، والزهرة ١٨٣/١، ونسب فیہ للأحوص ولا يصح. ٥٦٧ سُورَةُ الرَّحْمِ (١٥، ١٦) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلاً للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهاً غيره، لا ينتفعون بهم أبداً في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا دُعَُّ اَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ . ﴿وَلَِّ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ ﴾ يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعاً من المؤمنين وكرهاً من المشركين ﴿وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِ﴾ أي البُكُرِ ﴿وَاْلْأَصَالِ﴾ وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَخِرُونَ (٣)﴾ [النحل]. ] ﴿قُلَّ مَن رَّبُّ الََّوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَتَّخَذْتُ مِّن دُونٍِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَفْسِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الْقُلُمَتُ وَالنُورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَِّ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِ فَتَشَبَهَ اْخَلْقُّ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ الْقَهَّرُ يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعاً ولا ضراً؛ أي: لا تحصل لهم منفعة ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه؟ ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الْقُلُمَتُ وَالنُورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَبَهَ الْخَلْقُّ عَيْهِمْ﴾ أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره، أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له ولا ولد ولا صاحبة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك(١)، وكما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴿وَلَا تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِ شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَ ﴾﴾ [النجم]، وقال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿ لَّقَدْ أَحْصَنْهُ وَعَدَّهُمْ عَدَّا ﴿ وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا (٥)﴾ [مريم] فإذا كان الجميع عبيداً، فلم يعبد بعضهم بعضاً بلا دليل ولا برهان، بل مجرد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم، تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. (١) تقدم عزوه إلى صحيح مسلم في تفسير سورة يوسف آية رقم ١٠٦. ٥٦٨ • سُوَُّةُ الرَّعْلِ (١٧) 00000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 - ﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ الشَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيَّاً وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ أَبْتِغَاءَ ◌ِيَةٍ أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٍََّ وَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَتَّكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٍ﴾ أي: مطراً ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيراً من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علماً كثيراً، ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَيْلُ زَبَدًا زَّبِيًاً﴾ أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل. وقوله: ﴿وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَع﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية؛ أي: ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل متاعاً، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلّ﴾ أي: إذا اجتمعا، لا ثبات للباطل ولا دوام [له](١)، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة، ونحوهما مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّدُ فَيَذْهَبُ جُفَاً﴾ أي: لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق، ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء، وذلك الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمَكُثُ فِ اُلْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴾﴾ [العنكبوت] وقال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلاً من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾(٢) . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَّةٌ" بِقَدَرِهَا﴾ الآية هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله: ﴿فَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَةٌ﴾ وهو الشك، ﴿وَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ﴾ وهو اليقين، وكما يُجعل الحليُّ في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك(٣). وقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ﴿وَمِنَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِىِ النَّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيء يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا (١) زيادة من (حم) و(مح). (٢) سيأتي تخريجه في تفسير سورة العنكبوت آية ٤٣. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. ٥٦٩ • سُوَرَّةُ الرَّعَدِ (١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الزبد، وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق كان له وبقي، كما بقي ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبئه، ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحل الباطل، فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق (١). وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة (٢)، وغير واحد من السلف والخلف. وقد ضرب ◌ّلة في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين: نارياً ومائياً، وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الآية [البقرة: ١٧]، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ فِيهِ ◌ُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبْقٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩]، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين: أحدهما: قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ﴾ الآية [النور: ٣٩]، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين: ((فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضاً))(٣). ثم قال تعالى في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُِّّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ. سَحَابٌ﴾ الآية [النور: ٤٠]. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري وظبه أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، ورعوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) (٤). فهذا مثل مائي. وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله وَ لقر أنه قال: ((مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها - قال : - فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلَمَّ عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها))(٥). وأخرجاه في الصحيحين أيضاً، فهذا مثل ناري(٦). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند حسن من طريق طلحة بن عمرو عنه. (٣) أخرجاه من حديث أبي سعيد الخدري عظته (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] (ح ٤٥٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٣٠٢). (٤) صحيح البخاري، العلم، باب فضل من عَلِم وعَلَّم (ح٧٩)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي خير من الهدى والعلم (ح ٢٢٨٢). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٢/٢)، وسنده صحيح. (٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّبُ (٥)﴾ [ص] = ٥٧٠ سُورَةُ الرَّعَمِ (١٨، ٢٤) ﴿لِلَّذِينَ اسْتَبَابُواْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَىّ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم ◌َا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَاَفْتَدَوْاْ بِه٤ِ أُوْلَكَ لَهُمْ سُوَهُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَّمٌ وَيْسَ لِلْهَادُ يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ﴾ أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿اَلْحُسْنَى﴾ وهو الجزاء الحسن، كقوله تعالى مخبراً عن ذي القرنين أنه قال: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَ فَوْفَ نُعَذِّبُهُمْ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُ عَذَابًا شُكْرًا وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُ جَزَّآءَ الْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرََّ ﴾﴾ [الكهف]، وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ﴾ أي: لم يطيعوا الله، ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم ◌َا فِ الْأَرْضِ جَميعًا﴾ أي: في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهباً ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يقبل منهم، لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ﴿أُوْلَكَ لَمْ سُوَءُ الْحِسَابٍ﴾ أي: في الدار الآخرة؛ أي: يناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عُذّب، ولهذا قال: ﴿ وَمَأْوَنُهُمْ جَهٌَّ وَبِئْسَ لِلْهَادُ﴾ . ﴿ أَفَنْ يَعْلَمُ أَنََّّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ اَلَْقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَّ إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ 7 ١٩ يقول تعالى: لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي ﴿أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِن رَّيِّكَ﴾ هو الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية، ولا لبس فيه، ولا اختلاف فيه، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضاً، لا يضاد شيء منه شيئاً آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدَلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الطلب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولوٍ فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ آلْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ ﴾ [الحشر] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ◌َّيِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ أي: أفهذا كهذا؟ لا استواء. وقوله: ﴿إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [أي: إنما يتعظ ويعتبر ويعقل](١) أولو العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله منهم [بمنه وكرمه](٢). ٢٠ وَاُلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ رَهُمْ وَغَفُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنَفَقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سِرّاً وَعَلَائِيَةً وَيَدْرَهُونَ بِالْخَنَةِ السَّيْئَةَ أُوْلَئِكَ لَمْ عُقْبَىَ الدَّارِ ﴿٣َ جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِمّ ٢٤ ﴿٣َ سَلَمُّ عَلَيْكُم بِمَا صَبَُّمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ الَّارِ وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَنِهِم مِّن كُلِّ بَابٍ يقول تعالى مخبراً عمن اتّصف بهذه الصفات الحميدة بأن لهم عقبى الدار، وهي العاقبة = (ح٣٤٢٦)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب شفقته ◌َل و (ح ٢٢٨٣). (١) الزيادة من (حم) و(مح). (٢) زيادة من (حم). ٥٧١ • سُورَةُ الرَّحْمِ (١٨، ٢٤) 00000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000 والنصرة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِثَقَ (9)﴾ وليسوا كالمنافقين الذين إِذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِ أَن يُوصَلَ﴾ من صلة الأرحام والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، فيراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم، وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن المحارم والمآئم، ففطموا أنفسهم عنها لله رَك ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ﴿ وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ﴾ بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي ﴿وَأَنْفَقُوْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ﴾ أي: على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب من فقراء ومحاويج ومساكين ﴿يَّ وَعَلَائِيَّةً﴾ أي: في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال، آناء الليل وأطراف النهار ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيْئَةَ﴾ أي: يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبراً واحتمالاً وصفحاً وعفواً، كقوله تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَمُ (٣٥)﴾ [فصلت]، ولهذا وَلِىُّ حَمِيمٌ (٨) وَمَا يُلَقَّنِهَآ إِلَّ الَّذِيْنَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتُهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ قال مخبراً عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار، ثم فسّر ذلك بقوله: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ﴾ والعدن: الإقامة؛ أي جنات إقامة يخلدون فيها . وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن في الجنة قصراً يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حِبَرةٍ(١)، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد (٢). وقال الضحاك في قوله: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ﴾: مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد والجنات حولها. رواهما ابن جرير(٣). وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَبَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ﴾ أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتناناً من الله وإحساناً. كما قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبْعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُ (٤) بِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَمَا أَلَنْتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِّنِ شَّهِ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. وقوله: ﴿وَالْمَلَكَةُ يَدْخُلُنَ عَلَتِهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ سَلَمُّ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الَّارِ (﴿4﴾ أي: وتدخل عليهم الملائكة من ههنا ومن ههنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلّمين، مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام. (١) الحبَرة - بكسر الحاء وفتح الباء -: ضرب من برود اليمن منمَّر. (٢) أخرجه الطبري وفي سنده علي بن جرير، أشار الأستاذ محمود شاكر إلى أنه مجهول. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك. (٤) في الأصل: ((ذرياتهم)) وهي قراءة متواترة أيضاً. ٥٧٢ • سُؤَدَّةُ الرَّحْلِ (١٨، ٢٤) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 وقال الإمام أحمد تَخْتُ: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا معروف بن سويد [الجذامي)](١)، عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ضًا، عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن تأتي هؤلاء ونسلم عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عباداً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، - قال : - فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتٌ فَنِعْمَ عُقْبِىَ الَّارِ ﴾))(٢). ورواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشيدين، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي بَّر قال: ((أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبحك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب : هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة (٣) من كل باب: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبٌّّ فَعْمَ عُقْبَ الدَّارِ (﴾﴾))(٣) وقال عبد الله بن المبارك، عن بقية بن الوليد: حدثنا أرطاة بن المنذر، سمعت رجلاً من مشيخة الجند يقال له: أبو الحجاج، يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك فيستأذن فيقول الذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا، فيقول أقربهم للمؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف. رواه ابن جرير (1). (١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: ((الحداني)). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده جيد (المسند ١٣١/١١، ١٣٢ ح ٦٥٧٠) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وأخرجه ابن حبان من طريق سعيد بن أبي أيوب به (الإحسان ١٦/ ٤٣٨، ٤٣٩ ح ٧٤٢١)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو بن الحارث عن أبي عشانة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٧١/٢، ٧٢). (٣) أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن وهب وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٧١/٢) وقال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عُشانة وهو ثقة. (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٢). (٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن المبارك به وسنده ضعيف لإبهام شيخ أرطأة بن المنذر، وقد صرح ابن أبي حاتم بأنه يوسف الألهاني كما في الرواية اللاحقة. ولكن يوسف هذا ترجم له البخاري (التاريخ الكبير ٣٧٦/٨)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣٥/٨) وسكتا عنه. ٥٧٣ • سُوَّرَُّ الرَّحْمِ (٢٥، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر، عن أبي الحجاج يوسف الألهاني قال: سمعت أبا أمامة ... فذكر نحوه(١). وقد جاء في الحديث: أن رسول الله # كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم: ((﴿َسَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الَّارِ (@))))، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان(٢). ﴿وَلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِشَِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ أُوْلِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ النَّارِ ﴾﴾. هذا حال الأشقياء وصفاتهم، وذكر ما لهم في الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله، ويصِلون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾، كما ثبت في الحديث: («آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)). وفي رواية: ((وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))(٣)، ولهذا قال: ﴿أُوْلَِّكَ لَمُ الَّعْنَةُ﴾ وهي الإبعاد عن الرحمة، ﴿وَلَّمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ وهي سوء العاقبة والمآل، ﴿وَمَأْوَنُهُمْ جَهَّمْ وَيْسَ لِهَادُ﴾. وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال: هي ست خصال في المنافقين، إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا(٤). ] ﴿اللّهُ يَسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن ◌َآءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوْ بَِوَةِ الدُّنْيَا وَمَا الْخِيَةُ الذُّنْيَا فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَعٌ ٢٦ يذكر تعالى أنه هو الذي يوسّع الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً، كما قال: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِنٌّ ﴿ نَُارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ @﴾ [المؤمنون] ثم حقّر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: ﴿وَمَا الْخَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَعٌ﴾، كما قال: ﴿قُلِّ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ (١) في سنده يوسف الألهاني سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم كما سبق في الرواية السابق. (٢) أخرجه الطبري مرسلاً من طريق سهيل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم، وأخرجه البيهقي موصولاً من طريق عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً (دلائل النبوة ٣٠٦/٣) ولكن عباد بن أبي صالح هو السمان: لين الحديث (التقريب ص٣٠٨). (٣) تقدم تخريج الروايتين في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧ في تفسير آخر الآية. (٤) لم أجد رواية أبي العالية، وإذا كان قد رواها ابن أبي حاتم فسنده واحد مكرر جيد، ولكن هذا الجزء من السورة من تفسير ابن أبي حاتم مفقود. ٥٧٤ • سُورَةُ الرَّعْدِ (٢٧، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاَ ﴿٨ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىّ (٣)﴾ [الأعلى]. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن [المستودر](١) أخي بني فهر قال: قال رسول الله وَلاير: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع)) وأشار بالسبابة (٢). رواه مسلم في صحيحه(٣) . وفي الحديث الآخر: أن رسول الله وسلّ مرَّ بجدي أسك ميت، والأسك الصغير الأذنين، فقال: ((والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه))(٤). ﴿وَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّةٍ، قُلْ إِنَ اللّهَ يُضِلُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَيِنُّ الْقُلُوبُ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ (٢٩) وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ أَنَابَ يخبر تعالى عن قيل المشركين ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيَّةٍ﴾، كقولهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وأن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث: إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحوّل لهم الصفا ذهباً، وأن يجري لهم ينبوعاً، وأن يزيح الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: ((بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة)(٥)، ولهذا قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ﴾ أي: هو المضل والهادي سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس منوطاً بذلك ولا عدمه، كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِ آَلَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن فَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) وَلَوَّ جَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (﴾﴾﴾ [يونس] وقال: ﴿﴿ وَلَوْ أَنََّ نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةَ وَلَّمَّهُمُ الْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَنْ ﴾ [الأنعام]، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ﴾ أي: ويهدي إليه من أناب إلى الله ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولی ونصيراً، ولهذا قال: ﴿أَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك. ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ ﴿4﴾ قال ابن أبي طلحة، عن ابن (١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحِّف إلى: ((المسور)). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٨/٤) وسنده صحيح. (٣) أخرجه الإمام مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد به (الصحيح، الجنة، باب فناء الدنيا ح٢٨٥٨). (٤) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ظه (الصحيح، مطلع كتاب الزهد والرقائق ح٢٩٥٧). (٥) أخرجه الإمام أحمد بنحوه وصحح سنده محققوه (المسند ٦٠/٤ ح٢١٦٦). ٥٧٥ سُورَةُ الرَّحْمِ (٢٧، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عباس: فرح وقرة عين(١). وقال عكرمة: نعم ما لهم(٢). وقال الضحاك: غبطة لهم(٣). وقال إبراهيم النخعي: خير لهم(٤). وقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك؛ أي: أصبت(٥) خيراً. وقال في رواية: طوبى لهم حسنى لهم(٦)، ﴿وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ أي: مرجع، وهذه الأقوال شيء واحد، لا منافاة بینھا . وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿طُوبَ لَهُمْ﴾ قال: هي أرض الجنة بالحبشية(٧). وقال سعيد بن مسجوح: طوبى اسم الجنة بالهندية(٨). وكذا روى السدي عن عكرمة: طوبى لهم هي الجنة(٩)، وبه قال مجاهد(١٠). وقال العوفي، عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ ﴾﴾، وذلك حين أعجبته(١١). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال: طوبى شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة (١٢)، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سُميّ وأبي إسحاق السبيعي، وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار منها غصن منها (١٣). وذكر بعضهم أن الرحمن تبارك وتعالى غرسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة(١٤) من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة. (٢) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً عن عكرمة. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عن إبراهيم. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير به. (٨) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر. (٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سفيان عن السدي به. (١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (١١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال شهر وضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، ويشهد للشطر الأول منه حديث سهل بن سعد التالي بعد ثلاث روايات، وهو في الصحيحين. (١٣) هذه الآثار أخرجها الطبري، والشطر الأول له شاهد في الصحيحين كسابقه. (١٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن أبي صالح عن معاوية عن بعض أهل الشام بنحوه. ٥٧٦ • سُوَّرَّةُ الرَّحْمِ (٢٧، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الهيثم، عن أبي سعيد الخدري به - [مرفوعاً -: ((طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها))(١). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد الخدري](٢)، عن رسول الله وَلو أن رجلاً قال: يا رسول الله: طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: ((طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني)). قال له رجل: وما طوبى؟ قال: ((شجرة في الجنة مسيرتها مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها))(٣). وروى البخاري ومسلم جميعاً عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي، عن وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ◌ُبه أن رسول الله وَير قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)) قال: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ◌ّلي قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها))(٤). وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ظوبه قال: قال رسول الله وَ﴿ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍ نََّدُورِ الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها))(٥). ﴾ [الواقعة]، قال: ((في الجنة شجرة يسير وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة))، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظَلِّ نَّدُورِ ﴾﴾(٦). أخرجاه في الصحيحين(٧). وفي لفظ لأحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة: سمعت أبا الضحاك يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي ولو أنه قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو مائة سنة - هي شجرة الخلد))(٨). (١) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب به، وصححه الألباني بالشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٩٨٥) والصحيح أن الشطر الأول هو الذي يتقوى بالشواهد كما في الرواية بعد التالية. (٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعف سنده محققوه بسبب ضعف رواية دراج عن أبي الهيثم (المسند ٨/ ٢١١ ح ١١٦٧٣) ويشهد لشطره الأول الحديث الآتي. (٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح٦٥٥٢)، وصحيح مسلم، الجنة، باب (إن في الجنة شجرة) (ح٢٨٢٧). (٥) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح٣٢٥١). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ١٨٠/١٦، ١٨١ ح ١٠٢٥٩). (٧) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح٣٢٢٥)، وصحيح مسلم، الجنة، باب (إن في الجنة شجرة) (٢٨٢٦). (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح دون قوله: ((شجرة الخلد)) وهذا إسناد ضعيف، أبو الضحاك عداده في أهل البصرة مجهول (المسند ٥٣٧/١٥ ح ٩٨٧٠). ٥٧٧ • سُورَةُ الرَّعَلِ (٢٧، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال محمد بن إسحاق: عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ها قالت: سمعت رسول الله * ذكر سدرة المنتهى، فقال: ((يسير في ظل الغصن منها الراكب مائة سنة - أو قال : - يستظل في الفنن منها مائة راكب، فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال)) رواه الترمذي(١). وقال إسماعيل بن عياش: عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء، إن شاء أبيض وإن شاء أحمر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن))(٢). وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ظته، قال: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تفتقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة (٣). وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه ههنا أثراً غريباً وعجيباً، قال وهب تَذَتُهُ: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط(٤)، وورقها برود(٥)، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجباً مزمومة، بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسناً، ووبرها كخز المِرعزي(٦) من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق فينيخونها يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجباً من غير مَهَنة (٧)، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى، ولا برك رحلة برك الأخرى، حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت (١) أخرجه الترمذي من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (السنن، صفة الجنة، باب صفة ثمار أهل الجنة ح٢٥٤١) وفيه عنعنعة ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية هنا، إذ أخرجه في الزهد (ح١١٥)، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن عباد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٦٩/٢). (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن عياش به (صفة الجنة ح١٤٦) ونسبه إلى ابن أبي الدنيا ابن القيم (حادي الأرواح ص٢٩١)، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن يوسف (التقريب ص٢٤٣). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال. (٤) الرياط: جمع ريطة، وهي كل ثوب لين رقيق. (٥) برود: جمع برد، هو من ثياب الوشي. (٦) المرعزي: هو الزغب الذي تحت شعر العنز، وهو ألين من الصوف. (٧) المَهَنَه: الخدمة والعمل. ٥٧٨ سُورَةُ الرَّحْمِ (٢٧، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رحمتي ومحبتي، مرحباً بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا فى السجود قدامك. قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيها من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، وسأتحفك بمنزلتي لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد(١)، قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب، مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك ويدخل إليهما فيحييانه، ويقبلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له(٢) وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه، وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية من الدر والمرجان، أبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذاً لالتمع الأبصار(٣)، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان فيها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حَكَمة (٤) برذون (١) التصريد: التقليل. (٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب، ووهب هو ابن منبه معروف برواية الغرائب والإسرائيليات، وما يذكره لا يؤخذ إلا من حديث شريف أو أثر موقوف على صحابي له حكم الرفع، وعليه فإن سنده ضعيف معضل. (٣) أي: لأذهب ضوءها . (٤) الحَكَمة: ما أحاذ بحنكي الفرس من لجامه. ٥٧٩ • سُورَةُ الرَّعْدِ (٣٠) 0000000000000000000000000000000086000000000000000000000000000000000000000000000000 من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تزف (١) بهم ببطن رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قعوداً على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم، وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: نعم وربنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا. قال: برضاي عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم ملائكتي، فهنيئاً لكم، ﴿عَطَةٌ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨] ليس فيه تنغيص ولا تصريد، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور. وهذا سياق غريب، وأثر عجيب(٢)، ولبعضه شواهد؛ ففي الصحيحين: أن الله تعالى يقول لذلك الرجل يكون آخر أهل الجنة دخولاً الجنة: تمنّ؛ فيتمنى، حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى: تمنّ من كذا، وتمنّ من كذا، يذكره، ثم يقول: ذلك لك وعشرة أمثاله(٣). وفي صحيح مسلم عن أبي ذرِّ، عن رسول الله وَّل، عن الله رَ: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر ... )). الحديث بطوله (٤). وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة رواه ابن أبي حاتم (٥). ] ﴿كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمٌَّ لِتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ ◌ِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَ رَبِي لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿لِتَتْلُوَأْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذب الرسل من فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿َِّ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن (١) أي: تسرع بهم. (٢) درجته في الضعف كسابقه. وذكر الحافظ ابن كثير بعض الشواهد لبعض فقرات هذا الأثر. (٣) صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود (ح٨٠٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح٢٩٩). (٤) صحيح مسلم، كتاب البر، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧). (٥) سنده ضعيف لإرسال خالد بن معدان وهو تابعي. ٥٨٠ سُورَةُ الرَّحْدِ (٣١) قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِتُهُمُ الْيَّوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىَ أَنْهُمْ نَصْنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَآَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام] أي: كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾ أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم. قاله قتادة، والحديث في صحيح البخاري(١). وقد قال الله تعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَّ﴾ [الإسراء: ١١٠]. وفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَّطاهر: ((إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن))(٢) ﴿قُلْ هُوَ رَبِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هذا الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقر له بالربوبية والألوهية، ﴿هُوَ رَبِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: في جميع أموري، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه. ] ﴿وَلَوْ أَنَّ قُزْءَانًا سُبِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ اٌلْأَرْضُ أَوْ كُلَِّ بِهِ الْمَوْنَى بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَأَيْفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةُ أَوْ تَخُلُّ فَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَى بَأْنِىَ وَعْدُ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَ يُخْلِفُ اٌلْمِيعَادَ يقول تعالى مادحاً للقرآن الذي أنزله على محمد وآل* ومفضلاً له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له ﴿بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: مرجع الأمور كلها إلى الله رَ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل، وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله بَله: ((خففت على داود القراءة فكان يأمر بدابته أن تسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه))(٣) انفرد بإخراجه (١) الصحيح، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد (ح ٢٧٣١). (٢) الصحيح، الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم ... (ح ٢١٣٢). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٤/٢) وسنده صحيح.