Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
• ◌ُوڕۆُلُوسُفَ) (٢٢،٢١)
﴿وَقَالَ الَّذِى أُشْتَرَنهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَنِهِ، أَكْرِمِ مَثْوَنَهُ عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَّا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأَ
وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ وَلِنُعَلَِّهُ مِن تَأْوِيِلِ الْأَحَادِيثِّ وَاَللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليّا أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه،
وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والصلاح، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِى مَثْوَنُهُ عَسَىّ أَنْ يَنْفَعَنَآ أَوْ
نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير.
قال العوفي، عن ابن عباس: وكان اسمه قطفير(١).
وقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان
الملك يومئذٍ الريان بن الوليد رجل من العماليق، قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل، وقال
غيره: اسمها زليخا .
وقال محمد بن إسحاق - أيضاً -، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن
عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن [بويب](٢) بن عنقا بن مديان بن إبراهيم(٣)،
فالله أعلم.
وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز
مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِى مَثْوَنهُ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها: ﴿يَأَبَتِ اُسْتَفْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ
مَنِ اسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن
(٤)
الخطاب
يقول تعالى: كما أنقذنا يوسف من إخوته ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ﴾ يعني بلاد مصر.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا (٥).
﴿وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهٍ﴾ أي: إذا أراد شيئاً فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما
سواه.
قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ﴾: أي فعال لما يشاء(٦).
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي رواية الطبري، وفي الأصل: ((فريب)).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف جداً لأن محمد بن السائب وهو الكلبي صرح بأن
كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والحاكم من طريق أبي عبيدة به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك
٣/ ٩٠) وفيه أبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود لكن قد توبع فأخرجه الطبراني من طريق أبي الأحوص عن
ابن مسعود (المعجم الكبير ١٨٥/٩ ح ٨٨٢٩).
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه رجل مبهم عن سعيد بن جبير بلفظ: ((فعَّال)).

٥٠٢
سُورَةُ لُوسُفَ (٢٣)
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد.
وقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ أي: يوسف عَها ﴿أَشُدَّهُ﴾ أي: استكمل عقله وتم خلقه ﴿ءَاتَّيْنَهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا﴾ يعني: النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام ﴿وَكَذَلِكَ نَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إنه كان محسناً
في عمله عاملاً بطاعة الله تعالى.
وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث
وثلاثون سنة(١).
وعن ابن عباس: بضع وثلاثون(٢).
وقال الضحاك: عشرون(٣). وقال الحسن: أربعون سنة(٤).
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة(٥). وقال السدي: ثلاثون سنة(٦). وقال سعيد بن جبير:
ثماني عشرة(٧) سنة. وقال الإمام مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: الأشد الحلم(٨)، وقيل
غير ذلك، والله أعلم.
] ﴿ وَرَوَدَتْهُ الَِّى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ اٌلْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ.
٢٣)
رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىِّ ◌ِنَّهُ لَا يُفْلِحُ التَِّمُونَ
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه،
[فراودته عن نفسه](٩)، أي: حاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حباً شديداً لجماله
وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له وغلَّقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ
لَكْ﴾ فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِىَ أَحْسَنَ مَثْوَىٌ﴾ وكانوا يطلقون الرب
على السيد الكبير، أي: إن بعلك ربي أحسن مثواي، أي منزلي، وأحسن إليَّ فلا أقابله بالفاحشة في
أهله ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم(١٠).
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سُنيد،
ويتقوى بما سبق.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس فيه إبهام شيخ الطبري.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن زاذان عن الحسن.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٨) قول الإمام مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه، وقول ربيعة أخرجه ابن أبي
حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن الحارث عنه، وقول زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف
من طريق عبد الرحمن بن زيد عنه، وقول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق مجالد عنه.
(٩) أثبت من (حم) و(مح) وسقط من الأصل.
(١٠) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسندين يقوى أحدهما الآخر بنحوه، وقول محمد بن إسحاق =

٥٠٣
• سُورَةُ يُوسُفَ (٢٣)
وقد اختلف القراء في قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح
التاء (١)، وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها(٢).
وقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: ﴿هَيْتَ لَكْ﴾، تقول: هلم لك(٣)، وكذا
قال زر بن حُبيش وعكرمة والحسن وقتادة (٤).
قال عمرو بن عبيد، عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية، أي عليك(٥).
وقال السدي: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، أي: هلم لك، وهي بالقبطية (٦).
وقال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه بها(٧).
وقال البخاري: وقال عكرمة: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، أي هلم لك بالحورانية. وهكذا ذكره معلقاً(٨).
وقد أسنده الإمام جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن سهل الواسطي، حدثنا قُرَّةٍ بن عيسى،
حدثنا النضر بن عربي الجزري، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿هَيْتَ لَكْ﴾ قال: هلم
لك، قال: هي بالحورانية (٩).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي هذه القراءة، يعني ﴿هَيْتَ لَكْ﴾،
ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز، ومعناها: تعال.
وقال أبو عبيدة: سألت شيخاً عالماً من أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها(١٠)، واستشهد
الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبي طالب لحظ اته :
أبلغ أمير المؤمنين
[أذى] (١١) العراق إذا أتينا
إن العراق وأهله
عنق إليك فهيت هيتا(١٢)
يقول: فتعال واقترب، وقرأ ذلك آخرون ﴿هِثْتُ لك﴾(١٣) بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء،
بمعنى: تهيأت لك، من قول القائل: هئت بالأمر أهيء هئة، وممن روى عنه هذه القراءة: ابن
= أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه بنحوه.
(١) وهي قراءة سبعية متواترة.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٣) أخرجه الطبري من الطريقين، وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.
(٤) قول زرّ بن حبيش أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم بن بهدلة عنه، وقول الحسن وقتادة أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة عنه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن عبيد به.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٨) أخرجه البخاري معلقاً (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا ... ﴾ [يوسف: ٢٣]) ووصله
عبد بن حميد عن جعفر بن عون عن النضر بن عربي عن عكرمة (تغليق التعليق ٢٢٩/٤).
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقرة بن عيسى لم أقف على ترجمة له.
(١٠) مجاز القرآن ٣٠٥/١، ونقله الطبري.
(١١) كذا في الأصل و(حم)، وفي (مح) وتفسير الطبري ومجاز القرآن بلفظ: ((أخا)).
(١٢) ذكره الطبري وأبو عبيدة معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٣٠٥/١).
(١٣) وهي قراءة متواترة.

٥٠٤
• سُؤْدَلُ بُوسُفَ (٢٤)
عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة(١)، وكلهم يفسرها بمعنى: تهيأت لك.
قال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة(٢).
وقرأ عبد الله بن إسحاق: (هَيتِ) - بفتح الهاء وكسر التاء (٣) - وهي غريبة، وقرأ آخرون منهم
عامة أهل المدينة (هَيتُ) - بفتح الهاء وضم التاء(٤) -، وأنشد قول الشاعر(٥):
ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هَيتُ
قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال ابن مسعود وقد سمع
القراء: سمعتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، وإنما هو كقول
أحدكم: هلُمَّ وتعال. ثم قرأ عبد الله: (هيت لك)، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ناساً يقرءونها
(هيت). قال عبد الله: أن أقرأها كما علمت أحب إليّ(٦).
وقال ابن جرير: حدثني ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال
عبد الله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، فقال له مسروق: إن ناساً يقرءونها: (هيتُ لك)، فقال: دعوني فإني
أقرأ كما أُقرئت، أحب إليّ (٧) .
وقال أيضاً: حدثني المثنى، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن شقيق، عن ابن
مسعود، قال: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بنصب الهاء والتاء، ولا نهمز (٨).
وقال آخرون: (هِيتُ لك) بكسر الهاء، وإسكان الياء، وضم التاء (٩).
قال أبو عبيد معمر بن المثنى: هيت لا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث، بل يخاطب الجميع
بلفظ واحد، فيقال: (هيت) لك، وهيت لكم، وهيت لكما، وهيت لكنَّ، وهيت لهنَّ(١٠).
] ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهٍ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
اختلف أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام، وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عنه، وقول أبي عبد الرحمن السلمي
أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم عنه، وقول أبي وائل أخرجه الطبري بسند حسن من طريق
عاصم عنه، وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٢) ذكره الطبري بلفظه.
(٣) وهي قراءة شاذة.
(٤) وهي قراءة متواترة.
(٥) الشاعر: هو طرفة بن العبد، والبيت في ديوانه ص ١٤٥، واستشهد به الطبري.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق شعبة عن الأعمش به مختصراً
(الصحيح، التفسير، باب ﴿وَرَوَدَتْهُ أَلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا ... ﴾ [يوسف: ٢٣] ح ٤٦٩٢).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع، وهو سفيان فيه مقال وقد توبع في الرواية السابقة، وكلا
الروايتين متواترتان.
(٨) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده صحيح، وقراءة الهمز أيضاً متواترة.
(٩) وهي قراءة شاذة.
(١٠) مجاز القرآن ٣٠٥/١.

٥٠٥
• سَُّةُ بُوسُفَ﴾ (٢٤)
جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير وغيره(١)، والله أعلم.
وقيل: المراد بهمه بها خطرات حديث النفس، حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق (٢)، ثم
الله. قال: قال
أورد البغوي ههنا حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة
رسول الله وَله: ((يقول الله تعالى: إذا همَّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له
بعشر أمثالها، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها
فاكتبوها بمثلها))، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (٣)، وله ألفاظ كثيرة هذا منها.
وقيل: همَّ بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: همَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، أي فلم يهم
بها، وفي هذا القول نظر من حيث العربية، حكاه ابن جرير وغيره. وأما البرهان الذي رآه ففيه
أقوال أيضاً، فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة
وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب فظلّلا عاضاً على
أصبعه [يعظه](٤)(٥)
وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف (٦).
وقال العوفي، عن ابن عباس: رأى خيال الملك، يعني: سيده (٧)، وكذا قال محمد بن
إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب (٨).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن أبي مودود، سمعت من محمد بن كعب
القرظي. قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّ
(٣)﴾ [الإسراء](٩)، وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب.
إِنَُّ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا
(١) لم يصرح الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بما رواه ابن جرير على الرغم من صحة الأسانيد، وهذا هو
الذي يليق بمقام نبي الله: يوسف و9، لأن ما ورد كله من الإسرائيليات، وقد بيَّن ذلك الحافظ ابن كثير
في كتابه القيم ((قصص الأنبياء)) بأن أكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض
عنه أولى بنا، والذي يجب أن يعتقد: أن الله عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة، وحماه عنها وصانه منها
(٢٠٨/١)، وقد سبقه شيخ الإسلام ابن تيمية فذكر نحوه (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٩٧/١٠).
(٢) ذكره البغوي في معالم التنزيل.
(٣) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اَللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠١)،
وصحيح مسلم، الإيمان، باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت ... (ح ٢٠٥).
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((يعظمه)).
(٥) أخرجه بنحوه الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وأخرجه بنحوه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبسند صحيح من عدة طرق عن الحسن البصري، وبسند
صحيح من طريق معمر عن قتادة ومن عدة طرق يقوي بعضها بعضاً عن سعيد بن جبير.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من عدة طرق يقوي بعضها بعضاً عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أيضاً من طريق أبي معشر المدني وأبي صخر، وهو حميد بن زياد،
وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً .

٥٠٦
• سۈۈآُ بُوسُفَ) (٢٩،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول:
في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ ﴾﴾ الآية [الانفطار]،
وقوله: ﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأَنٍ﴾ الآية [يونس: ٦١]، وقوله: ﴿أَفَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
[الرعد: ٣٣] قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ
الزٌِّ﴾ [الإسراء: ٣٢](١).
وقال الأوزاعي: رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك(٢).
قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله ما زجره عما كان همَّ به، وجائز
أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوباً من الزجر
عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك(٣). فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشُّوْءَ وَالْفَحْشَاءً﴾ أي: كما أريناه برهاناً صرفه عما كان فيه،
كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُفْلَصِينَ﴾ أي: من المجتبين
المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَأَسْتَبَقَا أَلْبَابَ وَقَذَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ
سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ
قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ
يُوسُفُ أَعْرِضْ
الصَّدِقِينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ()
عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنِكِّ إِنَّكِ كُنْتٍ مِنَ الْخَاطِينَ
يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجع
إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه [من ورائه](٤) فقدّته قداً فظيعاً، يقال: إنه
سقط عنه واستمر يوسف هارباً ذاهباً، وهي في أثره، فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند
ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متصلة وقاذفة يوسف بدائها: ﴿مَا جَزَآءُ
مَنْ أَرَدَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي: فاحشة ﴿إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي: يحبس، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يضرب
ضرباً شديداً موجعاً. فعند ذلك انتصر يوسف ظلّ بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة،
و﴿قَالَ﴾ باراً صادقاً ﴿هِىَ رَوَدَتْنِى عَن ◌َّفْسِىَّ﴾ وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدَّت قميصه
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أي: من قدامه ﴿فَصَدَقَّتْ﴾ أي: في
قولها أنه راودها عن نفسها، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدّت قميصه
فيصح ما قالت ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ (4) وذلك يكون كما وقع
لما هرب منها وتطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدَّت قميصه من ورائه.
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب به، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).

٥٠٧
• سورة يوسف (٢٩،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف:
فقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ
مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: ذو لحية(١).
وقال الثوري، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: كان من خاصة الملك(٢)، وكذا
قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي
٣) ومحمد بن إسحاق وغيرهم: إنه كان رجلاً.
وقال زيد بن أسلم والسدي: كان ابن عمها (٤).
وقال ابن عباس: كان من خاصة الملك(٥).
وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد (٦).
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ قال: كان صبياً في
المهد(٧)، وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن
مزاحم أنه كان صبياً في الدار (٨)، واختاره ابن جرير.
وقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا
حماد هو ابن سلمة، أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّل
قال: ((تكلم أربعة وهم صغار)) فذكر فيهم شاهد يوسف(٩)، ورواه غيره عن حماد بن سلمة، عن
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق عمران بن جدير عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يونس بن
عبيد عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق محمد بن أبان عن زيد بن أسلم، ومحمد بن أبان هو ابن
صالح القرشي ضعيف (ميزان الاعتدال ٤٥٣/٣).
(٥) تقدم تخريجه وضعفه قبل روایتین.
(٦) تقدم تخريجه في أول القصة.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعد البقال عن
عكرمة عن ابن عباس، وضعفه الحافظ ابن حجر بسبب أبي سعد البقال: وهو سعيد بن المرزبان وهو
ضعيف مدلس، كما في التقريب.
(٨) قول أبو هريرة أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً بنحوه من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عنه،
وأبو بكر متروك كما في التقريب، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٩٥/٢)، ولكن تعقبهما الألباني بأن لفظه باطل (السلسلة الضعيفة ح ٨٨٠).
وقول هلال بن يساف أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. وقول الحسن أخرجه
ابن أبي حاتم معلقاً، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عنه، وقول
الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق عفان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/
٤٩٦)، والراجح وقفه كما في الرواية التالية.

٥٠٨
• سۈۈاُلُوسُفَ (٣٠، ٣٤)
عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس أنه قال: ((تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون،
وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم))(١).
وقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى، ولم يكن إنسياً (٢).
وهذا قول غريب.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أي: لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته
ورمته به ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أي: إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به
من جملة كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، ثم قال آمراً ليوسف عالِلُ بكتمان ما وقع: ﴿يُوسُفُ أَغْرِضْ
عَنْ هَذَا﴾ أي: اضرب عن هذا صفحاً؛ أي: فلا تذكره لأحد.
﴿وَأَسْتَغْفِرِى لِذَئِكِ﴾، يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلاً، أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا
صبر لها عنه فقال لها: استغفري لذنبك، أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه
بما هو بريء منه ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.
- ﴿﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأَثُ الْعَزِيزِ تُرَوِدُ فَتَنَهَا عَن نَّفْسِةٍ، قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا إِنَّا لَغَرَنَهَا فِى
ضَلٍ مُّبِينٍ ﴿ فَلَمَا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكَا وَانَتْ كُلَّ وَحِدَةٍ مِنْهُنَ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ
عَلَِنَّ فَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ خَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ ﴾ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ
الَّذِى لُمْتُنَِّى فِيَّةِ وَلَقَدْ رَوَدتُمُ عَن نَّفْسِهِ، فَأُسْتَعْصَمّ وَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُؤُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّدِغِرِينَ
قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهٍ وَإِلَّا تَصْرِفِى عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ
فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنُّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز، شاع في المدينة وهي مصر حتى تحدث به الناس
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ مثل نساء الكبراء والأمراء، يُنكرنَ على امرأة العزيز وهو: الوزير ويعبنَ
ذلك عليها ﴿أَمْرَأَتُ اٌلْعَزِيزِ تُزَوِّدُ فَنَهَا عَن نَّفْسِةِ﴾ أي: تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه.
قال الضحاك، عن ابن عباس: الشغف: الحب القاتل، والشغف دون ذلك، والشغاف:
حجاب القلب(٣).
﴿إِنَّا لَغَرَهَا فِ ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ أي في صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه، ﴿فَلَمَّاً
سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال بعضهم: بقولهن.
وقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف، فأحبين أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى
(١) أخرجه الإمام أحمد من طريق حماد به مطولاً وحسن سنده محققوه (المسند ٣٠/٥، ٣١ ح ٢٨٢١)،
وصححه السيوطي في الدر المنثور، وقال أحمد شاكر: إسناده لا بأس به. وذلك في تعليقه على المسند.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري من طريق حفص بن غياث عن ليث به، وهذا لفظ الطبري، ولفظ ابن أبي
حاتم: ليس بأنس ولا جان وهو خلق من خلق الله. وقد استغربه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال، لأن
الآية فيها ﴿مِّنْ أَهْلِهَاً﴾ [النساء: ٣٥].
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به، وهو لم يلق ابن عباس.

٥٠٩
• سُورَةُ مُوسُفَ (٣٠، ٣٤)
رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكًَا﴾.
قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم: هو المجلس المُعَد(١) فيه
مفارش، ومخاد، وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَانَتْ كُلَّ
وَحِدَةٍ مِنْهُنَ سِكْنًا﴾ وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهنَّ في احتيالهنَّ على رؤيته ﴿وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَلَِنٌّ﴾
وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر ﴿فَلَمَّ﴾ خرج و﴿رَأَيْنَهُ: أَكْبَنَهُ﴾ أي أعظمنه، أي أعظمن
شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن دهشاً برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج
بالسكاكين، والمراد أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد.
وعن مجاهد وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها(٢)، فالله أعلم.
وقد ذُكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعدما أكلنَّ وطابت أنفسهنَّ، ثم وضعت بين أيديهنَّ
أترجاً وآتت كل واحدة منهن سكيناً: هل لكنَّ في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم، فبعثت إليه تأمره
أن اخرج إليهنَّ، فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلاً ومدبراً، فرجع
وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولنَّ.
فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتنَّ هذا، فكيف أُلام أنا؟
﴿وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمُ﴾ ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا
الذي رأيناً(٣)، لأنهنَّ لم يرين في البشر شبيهه ولا قريباً منه، فإنه علا كان قد أعطي شطر
الحسن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله { له مر بيوسفوظلّله
في السماء الثالثة، قال: ((فإذا هو قد أعطي شطر الحسن)) (٤).
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله وَله: ((أُعطي يوسف وأُمه
شطر الحسن))(٥) .
وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال:
أُعطي يوسف وأُمه ثلث الحسن(٦).
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة بلفظ: ((مجلساً))، وقول الحسن
أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، بلفظ: طعاماً، وبلفظه أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبلفظه أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو
جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وسنده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر
عن قتادة، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جداً من طريق يحيى بن العلاء عن زيد بن أسلم بنحوه وطوله، ويحيى بن
العلاء هو البجلي متروك، رمي بالوضع (ميزان الاعتدال ٣٩٧/٤، والتقريب ٣٥٥/٢).
(٤) سيأتي تخريجه في بداية تفسير سورة الإسراء، وهو حديث صحيح متفق عليه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣٩٦/٤ كتاب الفضائل)، والطبري كلاهما من طريق حماد بن سلمة به،
ومتنه يخالف ما في الصحيح كما سبق.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣٩٦/٤)، والطبري كلاهما من طريق وكيع عن الثوري به، وسنده صحيح،
وهو يخالف ما في الصحيح كما سبق.

٥١٠
سُورَةُ بُوسُفَ) (٣٠، ٣٤)
وقال أبو إسحاق أيضاً، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان وجه يوسف مثل
البرق (١)، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتتن به.
ورواه الحسن البصري مرسلاً عن النبي و ﴿ أنه قال: ((أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل
الدنيا، وأعطي الناس الثلثين))، أو قال: ((أُعطي يوسف وأُمه الثلثين والناس الثلث))(٢).
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين فأعطي
يوسف وأُمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق(٣).
وقال الإمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف عَلَّا كان على النصف من حسن آدم علّله،
فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان
يوسف قد أعطي شطر حسنه، فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: ﴿حَشَ لِلّهِ﴾.
قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله(٤) ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وقرأ بعضهم (ما هذا بشري)(٥). أي:
بمشترى. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمُ ﴾ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِى فِيَةِ﴾ تقول: هذا معتذرة إليهن بأن
هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله، ﴿وَلَقَدْ رَوَدَتُ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمَّ﴾ أي: فامتنع.
قال بعضهم: لما رأينَ جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع
هذا الجمال، ثم قالت تتوعده: ﴿وَلَيِن لَمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُؤُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّغِرِينَ﴾ فعند ذلك
استعاذ يوسف عِلَّا من شرهنَّ وكيدهنَّ، و﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾ أي: من
الفاحشة ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾ أي: إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا
أملك لها ضراً ولا نفعاً إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي
﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ اَلْجَهِنَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ الآية، وذلك أن يوسف،لعلَّهُ عصمه الله عصمة
عظيمة، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات
الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية
الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفاً من الله ورجاء ثوابه.
ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَ لير قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا
ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود
إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم
شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب
وجمال فقال: إني أخاف الله))(٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أشعث بن سوار عن أبي إسحاق به، وأشعث ضعيف كما في
التقريب .
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وقال الألباني: منكر باطل بهذا اللفظ (السلسلة الصحيحة ح ١٤٨١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي نعيم، وهو الفضل بن دكين، عن سفيان به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٦) صحيح البخاري، الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (ح ٦٦٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، =

٥١١
• سُورَةُ مُوسُفَا (٣٥، ٣٦)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
- ﴿ثَُّّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ
يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي إلى مدة، وذلك
بعدما عرفوا براءته وظهرت الآيات، وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم - والله
أعلم - إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاماً أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك. ولهذا
لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من
الخيانة. فلما تقرر ذلك، خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه.
وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرأ عرضه فيفضحها(١).
] ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّيَّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًّاً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنَّ أَرَبِّ أَحْمِلُ
فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَا تَأْكُلُ الَّيْرُ مِنّْةٌ نَبِتْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه(٢).
قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب نبو والآخر مجلث(٣).
قال السدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالًا على سمه في طعامه
وشرابه(٤).
وكان يوسف ظلّل قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت،
وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه. ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة
مرضاهم، والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به وأحباه حباً شديداً وقالا
له: والله لقد أحببناك حباً زائداً. قال: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليّ من
محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل عليّ الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة
العزيز فكذلك، فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك(٥)، ثم إنهما رأيا مناماً فرأى الساقي أنه يعصر
خمراً، يعني: عنباً، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: (إني أراني أعصر عنباً)(٦).
ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن
زيد بن وهب، عن ابن مسعود أنه قرأها: (أعصر عنباً)(٧).
وقال الضحاك في قوله: ﴿إِنَّّ أَرَنِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾: يعني: عنباً، قال: وأهل عُمان يسمون
= باب فضل إخفاء الصدقة (ح ١٠٣١).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين من طريق أسباط عن السدي، ويقوي أحدهما الآخر.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه ابن إسحاق في كتابه ((المبتدأ)) (ينظر: فتح الباري ٣٨١/١٢).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد،
بنحوه.
(٦) ثبت ذلك عنه كما يلي، وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٨٢/١٢).

٥١٢
• سُورَةُ يُوسُفَ) (٣٧، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
العنب خمراً (١) .
وقال عكرمة: قال له: إني رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة من عنب، فنبتت فخرج فيها
عناقيد، فعصرتهن ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمراً،
وقال الآخر، وهو الخباز: ﴿إِنِّ أَرَنِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَا تَأْكُلُ اَلَّيْرُ مِنَّةٌ نَبِتْنَا بِتَأْوِيلِ:﴾ الآية،
والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا مناماً وطلبا تعبيره.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا : حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم،
عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنما كان تحالماً ليجربا [علمه](٢) (٣).
] ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُزَفَانِ: إِلَّا نَبَأْتَكُمَا بِتَأْوِيِهِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَّكُمَّأَ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِنَّ إِنِى
﴿ وَأَتَبَّعْتُ مِلَّةَ ءَبَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ
تَرَكْثُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
وَيَعْقُوبَ، مَا كَانَ لَنَا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَشْكُرُونَ
يخبرهما يوسف عظللا أنهما مهما رأيا في المنام من حلم فإنه عارف بتفسيره يخبرهما بتأويله
قبل وقوعه، ولهذا قال: ﴿لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَائِ، إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ .
ومجاهد: يقول: ﴿لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِ﴾ [في نومكما] (٤) ﴿إِلَّا نَتَأْتِكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنَ
يَأِْيَكُمَا﴾(٥)، وكذا قال السدي(٦).
وقال ابن أبي حاتم تَّتُهُ: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن
يزيد شيخ له، [ثنا رشدين](٧) الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أدري لعل
يوسف علّ كان يعتاف(٨) وهو كذلك، لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: ﴿لَا يَأْتِيِكُمَا
طَعَامٌ تُرْزَقَانِ: إِلَّا نَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قال: إذا جاء الطعام حلواً أو مراً اعتاف عند ذلك. ثم قال ابن
عباس: إنما عُلِّم فعلِم(٩). وهذا أثر غريب، ثم قال (١٠): وهذا إنما هو من تعليم الله إياي، لأني
اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً في المعاد ﴿وَتَبَّعْتُ مِلََّ ءَابَآءِىّ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق علي بن الحكم عن الضحاك.
(٢) كذا في الأصل وفي تفسير الطبري والدر المنثور، ونسبه إلى ابن أبي شيبة والطبري وابن المنذر وابن أبي
حاتم وأبي الشيخ. وورد في (مح) و(حم) وبقية الطبعات من تفسير ابن كثير بلفظ: ((عليه)) والصواب ما
أُثبت من المصدر الأصيل.
(٣) أخرجه الطبري بروايتين من الطريقين، وسنده ضعيف لأن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.
(٤) سقط في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين من طريق أسباط عن السدي، وأحدهما يقوي الآخر.
(٧) كذا في (مح)، وصحف في (حم) إلى ((رشيد))، وسقط من الأصل، وقد أُثبت في تفسير ابن أبي حاتم.
(٨) يعتاف: أي أنه كان صادق الحدس والظن (ينظر: النهاية ٣٣٠/٣).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رشدين كما في التقريب واستغربه الحافظ ابن كثير.
(١٠) القائل هو يوسف.

٥١٣
• سُورَةُ يُوسُفَ) (٤٠،٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إِنْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء
المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع
طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم،
ويجعله إماماً يقتدى به في الخير، وداعياً إلى سبيل الرشاد ﴿مَا كَانَ لَنَّا أَنْ تُشْرِكَ بِالَّهِ مِن شَىْءٍ
ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ﴿مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا﴾ أي: أوحاه إلينا وأمرنا به. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل
﴿بَدَّلُوْ نِعْمَتَ الَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن
ابن عباس أنه كان يجعل الجد أباً، ويقول: والله فمن شاء لاعنته عند الحجر، ما ذكر الله جداً
ولا جدة، قال الله تعالى، يعني إخباراً عن يوسف: ﴿وَتَّعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِبَزَهِيمَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَّ﴾(١).
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ
﴿يَصَحِ السِّجْنِ ءَأَزْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرُ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
أَسْمَآءُ سَمَّيْثُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّ أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
ثم إنّ يوسف بنعلَلا أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له،
وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿وَأَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ
اٌلْقَهَّارُ﴾ أي: الذي ذلَّ كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه، ثم بيّن لهما أن التي يعبدونها
ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس
لذلك مستند من عند الله، ولهذا قال: ﴿َّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة ولا برهان، ثم
أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا
إياه .
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل
له، هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ
بِمُؤْمِنِينَ (13)﴾ [يوسف].
وقد قال ابن جرير: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا، لأنه عرف أنها ضارة
لأحدهما، فأحبّ أن يشغلهما بغير ذلك لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة(٢).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق هشيم عن حجاج به
(السنن ٦٤/١).
(٢) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ١٠٢/١٦).

٥١٤
• سُورَةُ يُوسُفَ) (٤١، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي هذا الذي قاله نظر، لأنه قد وعدهما أولاً بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه
التعظيم والاحترام وصلة وسبباً إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من
قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من
غیر تكرار سؤال فقال:
] ﴿يَصَحِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًّاً وَأَمَّا الْأَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ اُلَيْرُ مِن
رَّأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانِ
٤١٦
يقول لهما: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمراً،
ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله: ﴿وَأَمَّا الْأَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ اَلَيْرُ مِن
رَّأْسِهِ﴾ وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً، ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ
منه؛ وهو واقع لا محالة، لأن ((الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت))(١).
وقال الثوري، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم عن، عبد الله قال: لما قالا ما قالا
وأخبرهما، قالا: ما رأينا شيئاً، فقال: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ورواه محمد بن فضيل
عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به (٢)، وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن
زيد بن أسلم وغيرهم (٣)، وحاصله أن من تحلّم بباطل، وفسره فإنه يلزم بتأويله، والله تعالى أعلم.
وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة، عن النبي ◌َّل
قال: ((الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت))(١). وفي مسند أبي يعلى من طريق
يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعاً: ((الرؤيا لأول عابر)) (٤).
﴿وَقَالَ لِلَّذِىِ ظَنَّ أَنَّهُ نَاجِ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ فَأَنَسَنُهُ الشَيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ،
فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
ولما ظن يوسف ظلِّل نجاة أحدهما وهو الساقى، قال له يوسف خفية عن الآخر، والله أعلم
- لئلا يشعره أنه المصلوب - قال له: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ يقول: اذكر قصتي عند ربك، وهو
الملك، فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا
يطلع نبي الله من السجن، هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: ﴿فَأَنَسَنُهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ
(١) تقدم تخريجه في الآية (٥) من هذه السورة الكريمة.
(٢) أخرجه الطبري بالسندين، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن فضيل به وسنده صحيح، وأخرجه
الحاكم من طريق الثوري عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود وصححه (المستدرك
٣٤٦/٢) .
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه أبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي به وأطول (المسند ١٥٨/٧ ح ٤١٣١) وضعفه محققه، وأخرجه ابن
ماجه من طريق الرقاشي أيضاً، وضعفه البوصيري لضعف يزيد الرقاشي (مصباح الزجاجة ٢١٦/٣) وضعفه
أيضاً الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٢/ ٤٣٢).

٥١٥
سورة يوسف (٤٣، ٤٩)
رَبِّهِ﴾ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد(١).
ويقال: إن الضمير عائد على يوسف عَلَّا رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضاً وعكرمة
وغيرهم(٢).
وأسند ابن جرير ههنا حديثاً فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن
يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً، قال: قال النبي ◌َّ: (لو لم يقل
- يعني يوسف - الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند
غير الله))(٣)، وهذا الحديث ضعيف جداً، لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو
الخوزي أضعف منه أيضاً. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلاً عن كل منهما (٤)، وهذه
المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم.
وأما البضع، فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع (٥).
وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعاً، ويوسف في السجن سبعاً، وعذب بختنصر
سبعاً (٦).
وقال الضحاك، عن ابن عباس ظها ﴿فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال: ثنتا عشرة سنة(٧).
وقال الضحاك: أربع عشرة سنة (٨).
] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتِ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ
وَأُخَرَ يَا بِسَتْ بَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِى رُءْيَىَ إِن كُنتُمْ لِلْزُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴿٨) قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلٍَّ وَمَا نَحْنُ
بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَأَذَكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِئُكُمْ بِتَأْوِيِهِ، فَأَرْسِلُونِ ﴿َ يُوسُفُ
◌َيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِبَانٌ وَسَيْعِ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ بَايِسَتٍ لَعَلَّ
أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٨ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا فَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا
نَأَكُونَ ﴿٦ ثُمَّ بَأَنِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُنَ مَا قَدَعْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَا تُخْصِنُونَ * ثُمَّ يَأِى مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سبباً لخروج يوسف ظلّله من السجن،
(١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه عنعنة ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول ابن
إسحاق سنده حسن عند ابن أبي حاتم.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي
نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كما فصّل الحافظ ابن كثير.
(٤) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق معمر عنه وكلاهما مرسل وقد ردهما الحافظ ابن كثير.
(٥) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور، وهو ابن المعتمر عنه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق عن عمران أبي الهذيل الصنعاني عن وهب بنحوه، ووهب بن منبه مشهور برواية
الإسرائيليات.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق محمد بن عمر عن الضحاك.

٥١٦
• سۈڕۆلوسفن) (٥٣،٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
معززاً مكرماً، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فهالته وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها،
فجمع الكهنة والحزاة(١) وكبراء دولته وأمراءه، فقصَّ عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم
يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها ﴿أَضْغَاتُ أَعْلٍَ﴾ أي: أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه ﴿وَمَا
نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِينَ﴾ أي: لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها،
وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف،
وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر بعد أُمة، أي
مدة، وقرأ بعضهم (بعد أُمه)(٢)، أي بعد نسيان(٣)، فقال لهم؛ أي: للملك والذين جمعهم
لذلك: ﴿أَنَّا أُنَيِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ﴾ أي: بتأويل هذا المنام، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فابعثون إلى يوسف
الصديق إلى السجن، ومعنى الكلام فبعثوه فجاءه، فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ أَفْتِنَا﴾ وذكر المنام
الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف ظلَّا تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه
به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَيْعَ سِنِينَ دَابًا﴾ أي: يأتيكم الخصب
والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين، لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات
والزروع، وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين، فقال: ﴿فَا
حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنَّبُلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُونَ﴾ أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب،
فاخزنوه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن
قليلاً قليلاً، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه
السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما
جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئاً، وما بذروه
فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: ﴿يَأْكُنَ مَا فَدَّمْتُمْ لَكُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَا تُخْصِنُونَ﴾ ثم بشرهم بعد
الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس؛ أي: يأتيهم الغيث وهو المطر
وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه، وسكر ونحوه، حتى
قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضاً.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يحلبون (٤).
42 ﴿وَقَالَ الْلِكُ اثْنُنِي بِهٌِ فَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِكَ فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ
أَيَدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدَتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا
عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ أَقْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ ﴿﴿ ذَلِكَ
لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ ﴿ ﴿ وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِيَّ إِنَّ رَبِى غَفُورٌ رَّحِيمٌ (@)﴾.
يقول تعالى إخباراً عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه،
(١) الحزاة: جمع حاز، وهو الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه.
(٢) وهي قراءة شاذة قرأ بها عكرمة كما يلي.
(٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً، عن عكرمة.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.

٥١٧
• سُورَةُ بُوسُفَ (٥٣،٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فعرف فضل يوسف ظلَّلا، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من
رعاياه، فقال: ﴿أَثْنُنِ بٌِّ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع
من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة
العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلماً وعدواناً، فقال: ﴿ٌرّجِعْ إِلَى
رَيِّكَ فَسْقَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّ يِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ .
وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره، صلوات الله
وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي
هريرة ظه قال: قال رسول الله وَله: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ
تُحِى الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية، ويرحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في
السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)»(١).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ في قوله: ﴿فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ إِنَّ
رَبِى بِكْدِهِنَ عَلِيمٌ﴾ فقال رسول الله وَّر: (لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر))(٢).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، [عن عكرمة](٣) قال: قال
رسول الله ◌َّ : ((لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات
العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف
وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن
یکون له العذر )»(٤)، هذا حديث مرسل.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدِتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِةٍ﴾ إخبار عن الملك حين جمع النسوة
اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطباً لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره، وهو
العزيز، قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴿مَا خَطِبُكُنَّ﴾ أي: شأنكن وخبركن ﴿إِذْ رَوَدَثُنَّ
يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ﴾ يعني يوم الضيافة، ﴿قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِيْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءَّ﴾ أي: قالت النسوة
جواباً للملك: حاش لله أن يكون يوسف متهماً، والله ما علمنا عليه من سوء، فعند ذلك ﴿قَالَتِ
أَمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ الْثَنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: تقول: الآن تبين الحق وظهر وبرز، ﴿أَنَاْ رَوَدَتَّهُ عَن نَفْسِهِ،
وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾ أي: في قوله: ﴿هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَفْسِىٌ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿َلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ
بَلْغَيْبٍ﴾ تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر،
ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة
(١) مسند الإمام أحمد ٣٢٦/٢، وصحيح البخاري، تفسير سورة يوسف، باب ﴿فَلَمَّا جَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ
فَسْئَلْهُ ... ﴾ [٥٠] (ح٤٦٩٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة (ح٢٣٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ٢٢٨/١٤ ح٨٥٥٤).
(٣) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير عبد الرزاق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.

٥١٨
• سودُُوسُفَا (٥٤، ٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيَدَ الْخَانِنِينَ وَمَآ أُبَرِئُ نَفْسِىَّ﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث
وتتمنى، ولهذا راودته لأن ﴿النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوْءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ﴾ أي: إلا من عصمه الله تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّ غَفُورُ نَّحِيمٌ﴾ وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.
وقد حكاه الماوردي في تفسيره(١)، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية ◌َّهُ(٢)، فأفرده
بتصنيف على حدة، وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف لعلّه يقول: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ﴾ في
زوجته ﴿بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَايِنِينَ ﴿﴿ وَمَآ أُبَرِئُ نَفْسِىَّ﴾. وهذا القول هو الذي لم يحك
ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه(٣). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن
إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل
راودتن يوسف عن نفسه؟ ﴿قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ آمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْعَنَ حَصْحَصَ
الْحَقُّ أَنَّأ ◌َوَدَثُمُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَُّ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِ لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ﴾ فقال
جبريل عليه: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوْءِ﴾(٤)،
وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة
والسدي(٥)، والقول الأول أقوى وأظهر، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة
الملك، ولم يكن يوسف لعلّه عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.
قَالَ
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَثْتُونِي بِهِ: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِ فَلَمَّا كَلَّمَهُمْ قَالَ إِنَّكَ أَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ (@)
اَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ
يقول تعالى إخباراً عن الملك حين تحقق براءة يوسف ظلّ ونزاهة عرضه مما نسب إليه،
قال: ﴿أَثْتُونِ بِهِ: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفِىّ﴾ أي: أجعله من [خاصتي](٦) وأهل مشورتي ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أي:
خاطبه الملك، وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال، قال له
الملك: ﴿إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ﴾ أي: إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة، فقال يوسف ظلَّلهُ:
﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَآبِنِ الْأَرْضِّ إِى حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره
للحاجة، وذكر أنه ﴿حَفِيظُ﴾ أي: خازن أمين، ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم وبصر بما يتولاه.
وقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بسني الجدب. رواه ابن أبي حاتم(٧).
(١) النكت والعيون ٢٧٨/٢.
(٢) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٩٨/١٠.
(٣) سيأتي ذكرها في الروايات التالية، وهي من الإسرائيليات.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سماك وهو ابن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب، وإذا
صحت فإنها من الإسرائيليات.
(٥) لم أجده عن مجاهد، وقد أخرجه الطبري بأسانيد صحاح عن سعيد بن جبير بنحوه، وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق أبي سنان عن ابن أبي الهذيل، وأخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن الحسن وقتادة
بنحوه، وقول عكرمة تقدم عن ابن عباس.
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أخصاي)).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إبراهيم بن مختار، عن شيبة بن نعامة.

٥١٩
• سُورَةَ مُوسُفَ (٥٦، ٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه ولما فيه من المصالح للناس، وإنما سأله أن يجعله على خزائن
الأرض، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها،
فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له ولهذا
قال تعالى :
﴿ ﴿وَكَذَلِكَ مَكَنَّا لِيُوسُفَ فِ اُلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءٌ وَلَا نُضِيعُ
وَلَأَجْرُ الْأَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرض مصر، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ قال
السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء(١).
وقال ابن جرير: يتخذ منها منزلاً حيث يشاء بعد الضيق والحبس والإسار(٢)، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ
ثَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ اُلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس
بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه الله رم السلامة والنصر والتأييد، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
٥٦
﴾ يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف
وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ
في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجلّ مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، كقوله في حق
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ (٣٢)﴾ [صّ]
سليمان: ◌َلَّهُ ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَمْتُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابِ (َ
والغرض أن يوسف لعلّها ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه
من مصر زوج التي راودته، وأسلم الملك على يدي يوسف الثّلا. قاله مجاهد.
وقال محمد بن إسحاق، لما قال يوسف للملك: ﴿أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبِنِ اْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾
[يوسف: ٥٥] قال الملك: قد فعلت، فولّاه فيما ذكروا عمل اطفير، وعزل اطفير عما كان عليه،
يقول الله ◌َّ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْتِنَا مَن ◌َّشَاءٌ وَلَا تُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ قال: فذكر لي - والله أعلم - أن اطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك
الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة اطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيراً
مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق لا تلمني، فإن كنت امرأة كما ترى
حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في
حسنك وهيئتك على ما رأيت، فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن
(٣)
يوسف، وميشا بن يوسف، وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب
وقال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مرَّ يوسف، فقالت:
الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، والملوك عبيداً بمعصيته(٤).
(١) قول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريقين عن أسباط عن السدي، وأحدهما يقوي الآخر،
وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٢) ذكره الطبري بلفظه مطولاً .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق مقطعاً.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق قادم الديلمي العابد عن الفضيل، والخبر من الإسرائيليات.

٥٢٠
سوڕۆگوسفن) (٥٨، ٦٢)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0
﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ
﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
فَإِ لَّ تَأْتُونِ بِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ
أَثْتُونِ بِأَخِ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ أُوْفِ الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
﴿﴿ وَقَالَ لِفِئْيَنِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَنَهُمْ فِ رِحَالِمْ لَعَلَّهُمْ
عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ ﴾ قَالُواْ سَنُزَوِّدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ
٦٣
يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
ذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد
مصر، أن يوسف ظلّ لما باشر الوزارة بمصر ومضت السبع السنين المخصبة، ثم تلتها السبع
سنين الجدب، وعمّ القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان وهي التي فيها يعقوب لا
وأولاده(١)، وحينئذٍ احتاط يوسف ظلّلا للناس في غَلَّاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من
ذلك مبلغ عظيم وأهراء متعددة هائلة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون
لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان معظلّا لا يشبع
نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا آكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفا الناس بما في
أيديهم مدة السبع سنين، وكان رحمة من الله على أهل مصر.
وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي
الثالثة بكذا، وفي الرابعة بكذا، حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعدما تملّك عليهم جميع ما
يملكون، ثم أعتقهم وردًّ عليهم أموالهم كلها، الله أعلم بصحة ذلك، وهو من الإسرائيليات التي
لا تصدق ولا تكذب، والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم
في ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها
طعاماً، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب معظلم عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف لعلّ*، وكان أحب
ولده إليه بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته، عرفهم
حين نظر إليهم، وهم له منكرون، أي لا يعرفونه، لأنهم فارقوه وهو صغير حدث، وباعوه
للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه،
فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم.
فذكر السدي وغيره أنه شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا :
أيها العزيز إنا قدمنا للميرة (٢)، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم؟ قالوا:
من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر،
فذهب أصغرنا، هلك في البرية وكان أحبنا إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه،
فأمر بإنزالهم وإكرامهم ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِحَهَازِهِمْ﴾ أي: أوفى لهم كيلهم، وحمل لهم أحمالهم،
قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِ أُوفِ الْكَيْلَ وَأَنَأْ خَيْرُ
الْمُنْزِلِينَ﴾؟ يرغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبهم فقال: ﴿فَإِ لَّمْ تَأْتُونِ بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾ الآية؛
أي: إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة، ﴿وَلَا نَقْرَبُونِ ﴿ قَالُواْ سَنُزَوِدُ
(١) أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن السدي وعن ابن إسحاق بنحوه.
(٢) أي لجلب الطعام.