Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سِوَاهُودٍ (١٨، ٢٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أحد من هذه الأُمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار)) فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله وَ﴿ إِلا وجدت له تصديقاً في القرآن حتى وجدت هذه الآية ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ قال: من الملل كلِّها(١). وقوله: ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: القرآن حق من الله لا مرية ولا شك فيه، كما قال تعالى: ﴿الَّ ﴿﴿ تَزِلُ الْكِتَبِ لَ رَيْبَ فِهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [السجدة] وقال تعالى: ﴿اَلّمّ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ١٢٠ [سبأ]. ] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًّا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِلَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةٌ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ لَا جَرَمَ أَنَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ◌َّ يبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل والأنبياء وسائر البشر والجان، كما قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان، أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر إذ عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله 8* يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: ((إن الله رغم يُدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى فى نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم)) ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: ﴿اَلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾ (٢). أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث قتادة به(٣) . وقوله: ﴿اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يردُّون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ربك [ويجنبونهم](٤) الجنة ﴿وَغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: ويريدون أن يكون طريقهم (١) أخرجه الحاكم موصولاً من طريق أبي عمرو البصري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٤٢). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٨ ح ٥٤٣٦) وصحح سنده محققوه. (٣) صحيح البخاري، المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] (ح٢٤٤١)، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل ... (ح ٢٧٦٨). (٤) في الأصل غير منقوطة، وفي (حم): ((بحجة)). ٤٤٢ سُورَةُ هُوَّدٍ (٢٤،٢٣) عوجاً غير معتدلة ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها ﴿أُوْلَكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةُ﴾ أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة ﴿إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وفي الصحيحين: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) (١)، ولهذا قال تعالى: ﴿يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية، أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صُمَّا عن سماع الحق عُمياً عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا [النحل]، ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه وعلى كل نهي (M) فَوْقَ اٌلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ارتكبوه، ولهذا كان أصح الأقوال: أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة. وقوله: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (4)﴾ أي: خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا ناراً حامية فهم معذبون فيها لا يُفتَر عنهم من عذابها طرفة عين كما قال تعالى: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ذهب عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من دون الله من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئاً بل ضرتهم كل الضرر، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]. قال تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّا جَ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (43)﴾ [مريم] وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا أَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوِ الذُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ وَرَواْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ اُلْأَسْبَابُ ()﴾ [البقرة] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٣)﴾ يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة، لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظل من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. ] ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَتُوَاْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَيْكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ نَذَّكَّرُونَ ( . ٢٤ لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنّى بذكر السعداء وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦. ٤٤٣ سُورَةُ هُودٍ (٢٥، ٢٧) قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولاً وفعلاً من الإتيان بالطاعات وترك المنكرات وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات، والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات، وهم في ذلك خالدون لا يموتون، ولا يهرمون ولا يمرضون ولا ينامون، ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون، ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين فقال: ﴿مَثَلُ اٌلْفَرِيقَيْنِ﴾ أي: الذين وصفهم أولاً بالشقاء والمؤمنين بالسعادة فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع، فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ (جـ)﴾ [الأنفال]. وأما المؤمن ففطن ذكي لبيب بصير بالحق يُميِّز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة يفرق بينها وبين الشبهة، فلا يروج عليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ ﴿أَفَلَا نَذَّكَرُونَ﴾ أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَمْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ ﴾﴾ [الحشر] وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَ الُلُمَتُ وَلَ النُّورُ (٢٥) وَلَا اَلِظِلُّ وَلَ الْخَرُورُ ﴿ وَمَا يَسْتَوِىِ اٌلْأَحُّْ وَ الْأَمْوَتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ بِالْحَقّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَإِن مِّنْ أُمَّةِ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِیرُ ٢٢ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ (9)﴾ [فاطر]. يَشَةُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِع ◌َنْ فِ اَلْقُبُورِ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّينُ (٥َ أَنْ لَّ نَعْبُدُوْاْ إِلَّ اللَّهُ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا نَزَئِكَ إِلَّ بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَبِكَ اتّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُّكُمْ كَذِينَ (®)﴾. يخبر تعالى عن نوح ظلّل وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه: ﴿إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّيرُ﴾ أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله، ولهذا قال: ﴿أَنْ لَّ نَعْبُدُوْاْ إِلَّ اللَّهُ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذاباً أليماً موجعاً شاقاً في الدار الآخرة ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ هم السادة والكبراء من الكافرين منهم ﴿مَا نَرَكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لست بملك ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تروٍ منهم ولا فكر ولا نظر بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الَّأَِ﴾ أي: في أول بادئ الرأي ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق ولا رزق ولا حال لما دخلتم في دينكم هذا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِبِينَ﴾ أي: فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها، هذا اعتراض ٤٤٤ سورة هود (٢٨، ٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الكافرين على نوح علّل وأتباعه، وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالباً أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآَنَا عَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَرِهِم مُّقْتَدُونَ (٣)﴾ [الزخرف]. ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي وَّل* قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل(١). وقولهم: ﴿بَادِىَ الرَّأَيِ﴾ ليس بمذمة ولا عيب لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال بل لا بدّ من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء بل لا يفكر ويُروي ههنا إلا غبي أو عبي، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاءوا بأمر جليٍّ واضح. وقد جاء في الحديث أن رسول الله وعليه قال: ((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم))(٢). أي ما تردد ولا تروّى لأنه رأى أمراً جلياً عظيماً واضحاً فبادر إليه وسارع. وقوله: ﴿وَمَا نَرَىْ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ هم لا يرون ذلك لأنهم عمي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفَّكون الكاذبون الأقلون الأرذلون، وهم في الآخرة هم الأخسرون. ] ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَهَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَكِ مِّن رَّبِ وَءَانَلِ رَحْمَةُ مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَرِهُونَ يقول تعالى مخبراً عن نوح ما ردّ على قومه في ذلك: ﴿أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رٍَِّ﴾ أي: على يقين وأمر جليّ ونبوة صادقة، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم ﴿فَعُمِيَّتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها وردها، ﴿أَنْزِمُّكُمُوهَا﴾ أي: نغصیکم بقبولها وأنتم لها كارهون. ﴿وَيَقَوْمِ لَّ أَسْئَلُِكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِنِّي أَرَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴿٨َ وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ مِنَ الَّهِ إِن ◌َتُهُمَّ أَفَلاَ نَذَكَّرُونَ . ١٣٠ يقول لقومه: لا أسألكم على نصحي لكم مالاً، أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر (١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأنعام آية ٥٤. (٢) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق قال: ((حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي ... )) مرسلاً (دلائل النبوة ٢/ ١٦٤)، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢٦٧/١)، ولبعضه شاهد أخرجه البخاري من حديث أبي الدرداء ربه: ((إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله ... )) (الصحيح، فضائل الصحابة، باب قول النبي ◌َّلقر: ((لو كنت متخذاً خليلاً ... )) ح ٣٦٦١). ٤٤٥ سُورَةُ جُودٍ (٣١، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من الله رَى: ﴿وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشاماً ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم كما سأل أمثالهم خاتم الرسل ولو أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلساً خاصاً فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ ... ﴾ الآيات [الأنعام: ٥٢]، ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَةِّ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوْ أَهَؤُلَاءِ مَّ اَللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ ﴾ [الأنعام]. ﴿وَلَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآيِنُ اَللَّهِ وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلََّ أَقُولُ إِّ مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُئُكُمْ لَن يُؤِْيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىَّ أَنْفُسِهِمْ إِنِّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ٣١ يخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له بإذن الله له في ذلك ولا يسألهم على ذلك أجراً، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع، فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بملَك من الملائكة بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات، ولا أقول عن هؤلاء الذين تحقرونهم وتزدرونهم: إنهم ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم، الله أعلم بما في أنفسهم، فإن كانوا مؤمنين باطناً كما هو الظاهر من حالهم فلهم جزاء الحسنى، ولو قطعَ لهم أحدٌ بشرٍ بعد ما آمنوا لكان ظالماً قائلاً ما لا علم له به. قَالَ ، ﴿قَالُواْ يَكِنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ، وَلَا يَنَفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ إِنَّمَا يَأْنِكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يقول تعالى مخبراً عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق. ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا﴾ أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك ونحن لا نتبعك ﴿فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ أي: من النقمة والعذاب، ادع علينا بما شئت، فليأتنا ما تدعو به ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ ()﴾ أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء ﴿وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي ﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: إغواؤكم ودماركم ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو مالك أزمة الأمور المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجوز، له الخلق وله الأمر، وهو المبديء المعيد مالك الدنيا والآخرة. (٣٥) ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَعَلَّ إِجْرَامِ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تُحُرِمُونَ هذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها، ومقرر لشأنها يقول تعالى لنبيه محمد وَله: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون، افترى هذا وافتعله من عنده ﴿قُلْ إِنِ اُفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَ إِجْرَامِ﴾ أي: فإثم ذلك عليَّ ﴿وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَا تُّجْرِمُونَ﴾ أي: ليس ذلك مفتعلاً ولا مفترى، لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه. ٤٤٦ • سُؤَُّلاَ هُوَّدٍ (٣٦، ٣٩) ﴿وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَ نَبْتَكِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ وَأَصْنَعِ الْقُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحِْنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم مُغْرَقُونَ (* وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْةً قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّفِيهُ (َ﴾ يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى مخبراً عنه أنه قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ ﴾﴾ [القمر] فعند ذلك أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ ءَامَنَ﴾ فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم ﴿وَأَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ﴾ يعني السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بمرأى منا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي: تعليمنا لك ما تصنعه ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ﴾ فقال لبعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى(١) . وقيل: في أربعين سنة(٢). والله أعلم. وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً، وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤاً أزوراً(٣) يشق الماء(٤). وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين(٥). وعن الحسن: طولها ستمائة ذارع وعرضها ثلثمائة(٦). وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة(٧) . وقيل: طولها ألفا ذراع وعرضها مائة ذراع(٨)، فالله أعلم. قالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعاً ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإنس، والعليا للطيور، وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها . وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثراً غريباً من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مالك عن زيد بن أسلم، والرواية من أخبار أهل الكتاب. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار، وهو معروف برواية الإسرائيليات. (٣) أي عظام الصدر المقوسة. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق عن رجل مجهول. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه قال: ذُكر لنا. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق جرير بن حازم عن الحسن. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نوح بن قيس عن محمد بن سيف عن الحسن البصري. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وكل هذه الروايات هي من أخبار أهل الكتاب كما صرح الحافظ ابن كثير عن ابن إسحاق أنها من التوراة. ٤٤٧ • سُورَلُّ هُوَّدٍ (٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفه فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله. فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب. قال له عيسى ظلّلها: أهكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني متُّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت، قال؟ حدثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاثة طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر روث الدواب أوحى الله رَك إلى نوح عليّ أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى ظلّله: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة، فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت قال: فقلنا: يا رسول الله، ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال فقال له: عُد بإذن الله فعاد تراباً (١). وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَزَّ عَلَيْهِ مَلَأٌّ مِنِ قَوْمِ سَخِرُوا مِنَّةً﴾ أي: يهزءون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ الآية، وعيد شديد وتهديد أكید ﴿مَنْ بَأْنِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: يهينه في الدنيا ﴿وَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ﴾ أي: دائم مستمر أبداً. - ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَقْرُنَا وَفَارَ النَّنُّوُ قُلْنَا أَخِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ ٤٠ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ، إِلَّا قَلِيلٌ هذه موعدة من الله تعالى لنوح ظلّا إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهتَّان(٢) الذي لا يُقْلَع ولا يَفتر، بل هو كما قال تعالى: ﴿فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ (١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُونًا فَالْنَفَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ ﴿ وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجِ وَدُسُرٍ ٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِمَن كَانَ كُفِرَ ﴾﴾ [القمر]. وأما قوله: ﴿وَفَارَ الثَّنُّورُ﴾ فعن ابن عباس التنور: وجه الأرض(٣). أي: صارت الأرض عيوناً (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد بن جدعان به، وعلي بن زيد ضعيف، فالرواية سندها ضعيف وهي من الغرائب والعجائب التي يستغنى عنها في التفسير. (٢) أي الأمطار التي تنصب صبًّا . (٣) أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير ح ١٠٨٧)، والطبري وابن أبي حاتم كلهم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس. ٤٤٨ • سُؤْرَةُ هُوَّدٍ (٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء. وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف. وعن علي بن أبي طالب ظُه: التنور: فلق الصبح وتنوير الفجر (١)، وهو ضياؤه وإشراقه والأول أظهر. وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة(٢). وعن ابن عباس: عين بالهند(٣) وعن قتادة: عين بالجزيرة يقال لها: عين الوردة(٤). وهذه أقوال غريبة. فحينئذٍ أمر الله نوحاً عليّ أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين ذكراً وأنثى. فقيل: كان أول من أدخل من الطيور الدرة، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فتعلق إبليس بذنبه وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح الثلا: ما لك ويحك ادخل. فينهض ولا يقدر فقال: ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة، وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحُمَّى (٥) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله وَلير قال: ((لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد؟ فسلط الله عليه الحُمَّى، فكانت أول حُمَّى نزلت في الأرض، ثم شَكُوا الفأر فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها))(٦). وقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: واحمل فيها أهلك، وهم: أهل بيته وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه: (يام) الذي انعزل وحده وامرأة نوح، وكانت كافرة بالله ورسوله. وقوله: ﴿وَمَنْ ءَامَنَّ﴾ أي: من قومك ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفساً (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد مولى أبي جُحيفة عن أبي جُحيفة عن علي ظُه، وعبد الرحمن بن إسحاق: وهو ضعيف كما في التقريب، وزياد: مجهول (ميزان الاعتدال ٨٩/٢). (٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عنه، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً من طريق السري بن إسماعيل عن الشعبي، والسري هذا متروك (التقريب ص٢٣٠). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جداً من طريق النضر أبي عمر، وهو الحراز، عن عكرمة عن ابن عباس، والنضر: متروك (ميزان الاعتدال ٢٦٠/٤). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد ضعيف كما في التقريب. (٥) هذه الأخبار من الإسرائيليات. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله، وهو من الإسرائيليات أيضاً. ٤٤٩ سُورَلاَ هُوَّدٍ (٤١، ٤٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 منهم نساؤهم(١). (١) وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفساً(٢). وقيل: كانوا عشرة(٣)، وقيل: إنما كان نوح وبنوه الثلاثة: (سام وحام ويافث) وكنائنه الأربع (٤) نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة (يام)، وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت لأنها كانت على دين قومها فأصابها ما أصابهم كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم. وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَهِىَ تَّرِى بِهِمْ فِى ﴿﴿ قَالَ مَوْجِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوُّ أَبْنَهُ, وَكَانَ فِ مَعْزِلٍ يَبُنَّ أَرْكَب ◌َعَنَا وَلَا تَكُن مَعَ الْكَفِرِينَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءِّ قَالَ لَا عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّ مَن زَحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ يقول تعالى إخباراً عن نوح علّلا أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة: ﴿أَرَكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ يَجْرِبِهَا وَمُرْسَهَا﴾ أي: بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوّها، وقرأ أبو رجاء العطاردي (بسم الله مُجريها ومُرسيها)(٥) . ٢٨ وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الَْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ تَخَنَا مِنَ الْقَوْمِ الَّلِمِينَ وَقُل رَبِّ أَنْزِلْنِ مُنَا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [المؤمنون] ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور عند الركوب على السفينة وعلى الدابَّة كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ ﴿ لِتَسْتَوُاْ عَى ظُهُورِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَيْكُمْ إِذَا أُسْتَوَيُّمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ ﴾ [الزخرف]، وجاءت السُّنة الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿ وَإِنَّا إِلَى رَيْنَاَ لَمُنْقَلِبُونَ بالحث على ذلك والندب إليه، كما سيأتي في سورة الزخرف - إن شاء الله وبه الثقة. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي قالا: حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّر قال: ((أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك)) ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتْ بِسَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ [الزمر] ﴿يِسْمِ اَللَّهِ يَجْرِئُهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِىِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٦) . وقوله: ﴿إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين فذكر أنه (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار، وهو معروف برواية الإسرائيليات. (٣) أخرجه الطبري بسنده عن ابن إسحاق، وهو كسابقه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن الحكم، وهو ابن عتيبة. (٥) قراءة: ((ومُرسيها))، شاذة. (٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢٤/١٢ (ح ١٢٦٦١) وسنده ضعيف جداً قال الهيثمي: فيه نهشل بن سعيد وهو متروك (مجمع الزوائد ١٣٢/١٠). وفيه أيضاً الضحاك لم يلق ابن عباس. ٤٥٠ سُؤُوَلاَ هُوَّدٍ (٤٤) غفور رحيم كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابٍّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمِّ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين رحمته وانتقامه. وقوله: ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجِ كَالْجِبَالِ﴾ أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على رؤوس الجبال وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعاً وقيل: بثمانين ميلاً، وهذه السفينة جارية على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته لِنَجْعَلَهَا لَكُوْ نَذْكِرَةً وَعِيَهَاً أُذُنُّ وَعِيَةٌ وامتنانه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَا طَفَا الْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ فِ الْجَارِيَةِ [الحاقة] وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلَّوَجْ وَدُسُرٍ ١ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِّمَن كَانَ كُفِرَ (®) وَلَقَد تَرَّكْتَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ ﴾﴾ [القمر]. وقوله: ﴿وَنَادَى نُوعُّ أَبَّنَهُ﴾ الآية، هذا هو الابن الرابع واسمه: (يام) وكان كافراً دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون ﴿قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءِ﴾ وقيل: إنه اتخذ له مركباً من زجاج، وهذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحته، والذي نصَّ عليه القرآن أنه قال: ﴿سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءِ﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح علّ: ﴿لَا عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّ مَن رَّحِرّ﴾ أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل: إن عاصماً بمعنى معصوم كما يقال: طاعم وكاسٍ، بمعنى: مطعوم ومكسو ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ . - ﴿وَقِيلَ يَأَرْضُ ابْلَعِى مَآءَكِ وَيَسَمَلُ أَقْلِى وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يخبر تعالى أنه لما أغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ﴿وَغِيضَ اٌلْمَآءُ﴾ أي: شرع في النقص ﴿وَقُضِىَ الْأَفُرُ﴾ أي: فرغ من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديار ﴿وَأَسْتَوَتْ﴾ السفينة بمن فيها ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة تشامخت الجبال (*(١). يومئذٍ من الغرق وتطاولت وتواضع هو الله رَك فلم يغرق وأرسَت عليه سفينة نوح ٠ وقال قتادة: استوت عليه شهراً حتى نزلوا منها، قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح لظلّل على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلکت وصارت رماداً(٢) . وقال الضحاك: الجودي: جبل بالموصل(٣). وقال بعضهم: هو الطور. (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علي بن الحكم عن الضحاك. ٤٥١ سُؤْدَلُ هُودٍ (٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا محمد بن عبيد، عن توبة بن سالم قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك، فسألته إنك لكثير الصلاة ههنا يوم الجمعة! قال: بلغني أن سفينة نوح أرست من ههنا (١). وقال علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم، وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوماً، وإن الله وجّه السفينة إلى مكة فطافت بالبيت أربعين يوماً ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف، فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون فلطخت رجليها بالطين، فعرف نوح ظلّا أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية، وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام (٢) ظ ◌َلُّ يعبر عنهمُ". بعض فكان نوح وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والغرب قبل أن تستقر على الجودي(٣). وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوماً واستقرت بهم على الجودي شهراً وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير وأنهم صاموا يومهم ذلك(٤). والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شبل، عن أبي هريرة قال: مرّ النبي ◌َّي بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: ((ما هذا الصوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله به موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى ◌ِالسَّهِ شكراً لله ربمات)) فقال النبي وَله: ((أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم)) فصام وقال لأصحابه: ((من كان أصبح منكم صائماً فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه))(٥). وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شاهد في الصحيح. وقوله: ﴿وَقِلَ بُعْدًا لِلْقَوْرِ الََّلِمِينَ﴾ أي: هلاكاً وخساراً لهم وبعداً من رحمة الله فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية. وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن قائد مولى عبيد الله بن أبي رافع، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده توبة بن سالم ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٤٤٦/١). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علباء به، وسنده حسن، ولكن فيه غرائب. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق تبيع عن كعب الأحبار. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن قتادة لكنه مرسل. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٥/١٤ ح ٨٧١٧) وضعف سنده محققوه لضعف عبد الصمد، وجهالة: شبل. ٤٥٢ سُورَةُ هُوّد (٤٥، ٤٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبي ربيعة أخبره، أن عائشة زوج النبي ◌َّ و أخبرته أن النبي ◌َّر قال: ((لو رحم الله من قوم نوح أحداً لرحم أُم الصبي)) قال رسول الله وَله: ((كان نوح لعلّ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يعني وغرس مائة سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أُم الصبي عليه، وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أُم الصبي)» (١). وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبير قصة هذا الصبي وأُمه بنحو من هذا(٢). (٥) قَالَ ﴾ ﴿وَنَادَى نُوحُ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبٍ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَعَكَمُ الْحَكِينَ يَنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكْ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍّ فَلَ نَتْشَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمَّ إِّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ قَالَ رَبٍّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَّسَ لِى بِهِ، عِلْمٌّ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ هذا سؤال استعلام وكشف من نوح علّ عن حال ولده الذي غرق ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِ﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ ﴿قَالَ يَنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾ أي الذي وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ﴾ [هود: ٤٠] فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحاً ظلّا، وقد نصَّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جريج(٣)، واحتج بعضهم بقوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ﴾ وبقوله: ﴿فَخَنَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] فممن قاله الحسن البصري احتج بهاتين الآيتين. وبعضهم يقول: ابن امرأته. وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن أو أراد أنه نسب إليه مجازاً لكونه كان ربيباً عنده، فالله أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط(٤)، قال: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق موسى بن يعقوب به. وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن يعقوب به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: إسناده مظلم وموسى بن يعقوب ليس بذاك (المستدرك ٢/ ٣٤٢). (٢) قول كعب وهو معروف بالإسرائيليات مما يؤكدان الرواية السابقة من الإسرائيليات، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد. وهو مرسل، ومثل هذا الخبر لا يؤخذ إلا من الوحي. (٣) لم أجده سوى عن الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه. (٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري كلاهما بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس. ٤٥٣ • سُورَةُ هُودٍ (٤٥، ٤٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أَهْلِكٌ﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله سبحانه أغير من أن يمكّن امرأة نبي من الفاحشة ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي و ﴿ه، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَُّو بِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ آَمْرٍِ مِنْهُم مَّا أَكْتَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِفَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَحِكُ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْئاً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾﴾ [النور]. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية (١). قال عكرمة: في بعض الحروف: (إنه عملَ عملاً غيرَ صالح)، والخيانة تكون على غير باب(٢)، وقد ورد في الحديث أن رسول الله وَلو قرأ بذلك فقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﴿ يقرأ: (إنه عملَ غيرَ صالح) وسمعته يقول: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم)(٣). وقال أحمد أيضاً(٤): حدثنا وكيع، حدثنا هارون النحوي، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة أن رسول الله وَ ل﴿ قرأها: (إنه عملَ غيرَ صالح) أعاده أحمد أيضاً في مسنده. أم سلمة هي أُم المؤمنين، والظاهر - والله أعلم - أنها أسماء بنت يزيد فإنها تكنى بذلك أيضاً. وقال عبد الرزاق أيضاً: أنبأنا الثوري، عن ابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتة قال: سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله: ﴿فَخَاتَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] قال: أما إنه لم يكن بالزنا ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ ﴿ إِنَُّ عَمَلُ غَيْرُ صَلِ﴾(٥) . قال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدُهني أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح إن الله لا يكذب(٦). قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوعُّ أَبْنَهُ﴾ قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط(٧). وكذا روي عن مجاهد أيضاً وعكرمة والضحاك وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج وهو اختيار أبي جعفر بن جرير وهو الصواب الذي لا شك فيه(٨). (١) سنده صحيح، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن عكرمة. وقراءة: (عملَ غيرَ صالح). قراءة متواترة. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٤٩/٤٥ ح٢٧٥٦٩) وسنده ضعيف، ويشهد للقراءة الأولى القراءة المتواترة. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٦/٤٤ ح ٢٦٥١٨) وقال محققوه: حديث محتمل للتحسين بشاهده. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) قوله: إن الله لا يكذب. سبحانه وتعالى لعله ردُّ على من قال: إنه ابن زنية. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن عيينة به. (٨) أخرجه الطبري عن الضحاك ومجاهد وعكرمة بأسانيد يقوي بعضها بعضاً. وهو ما جزم به الحافظ ابن كثير. ٤٥٤ سُورَةُ هُودٍ (٤٨، ٤٩) ﴿قِيلَ يَنُحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّعَّن ◌َّعَكَّ وَأُمٌَّ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ يخبر تعالى عما قيل لنوح ظلئلا حين أرست السفينة على الجودي من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن ذريته إلى يوم القيامة، كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة(١). وقال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحاً على وجه الأرض فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب [السماء](٢)، يقول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَتَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ﴾ الآية [هود: ٤٤] فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه في أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال، فلما مضى بعد ذلك أربعون يوماً فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم تجد لرجليها موضعاً فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضى سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتون، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين برز وجه الأرض وظهر البر وكشف نوع غطاء الفلك، وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه ﴿قِيلَ يَنُوعُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَن مَّعَكَ﴾ الآية(٣). ﴿وَتِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَأَصْبِرٌّ إِنَّ (٤٩) اٌلْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ يقول تعالى لنبيه وَ﴾: هذه القصة وأشباهها ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ يعني: من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها ﴿نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ﴾ أي: نعلمك بها وحياً منا إليك ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذًا﴾ أي: لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتى يقول من يكذبك أنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك، فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴿﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وموسى ضعيف . (٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وسقط من الأصل. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق في تفسير سورة هود آية ٤٤، وهو من الإسرائيليات كما صرح بقوله: ((فيما يزعم أهل التوراة)). ٤٥٥ سُوَاُهُودٍ (٥٠، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 000 [6]﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ أُلَّارِ ١٧)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿فَأَصْبِرِّ إِنَّ الْعَقِبَةَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ (٣٩) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ لِلْمُنَّقِينَ﴾. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴿ يَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّاً إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَنِيِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿﴿ وَيَقَوْمِ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَوَلَوْ مُجْرِمِنَ يقول تعالى: ﴿و﴾ ولقد أرسلنا إلى ﴿عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ آمراً لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهياً لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة، ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يَسَّر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه، ولهذا قال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾، وفي الحديث: ((من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب))(١). ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِشَارِكِ ءَالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ٥٣ مِن إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوَّءُ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اَللَّهَ وَأَشْهَدُواْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿ إِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا. دُونٍِّ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ إِنَّ رَبٍِّ عَلَى صِرٍَ مُسْتَقِمِ ثَ﴾ يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ ◌َالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ أي: بمجرد قولك: اتركوهم، نتركهم ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين ﴿إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٌ﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها ﴿قَالَ إِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّا أَنّ بَرِىٌَّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونِهِ﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام ﴿فَكِدُونِ جَمِيعًا﴾ أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقاً ﴿ثُمَّ لَا تُظِرُونِ﴾ أي: طرفة عين. وقوله: ﴿إِنِ تَوَكَّتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاً﴾ أي تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم. قال الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَّا مِنْ دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: فيأخذ بنواصي عباده فيلقّن المؤمن حتى يكون له (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٤/٤ ح٢٢٣٤)، وضعفه محققوه، وكذا ضعفه الذهبي في تلخيصه للمستدرك ٤/ ٢٦٢) بسبب جهالة الحكم بن مصعب. ٤٥٦ • سُورَةُ هُودٍ (٥٧، ٦١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أشفق من الوالد لولده ويقول: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦](١). وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه. [2] ﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقَدْ أَبَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبٍِّ قَوْمًا غَيْرَكُ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِ وَمَا بَّةَ أَمْرُنَا نَجَّنَا هُودًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَا وَتْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ) وَأَتْبِعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا وَتِلْكَ عَدٌّ جَحَدُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ, وَأَنَّبَعُواْ أَفْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَّهُمّ أَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُورِ (ج)) يقول لهم رسولهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبٍِّ قَوْمًا غَيْرَكُ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم ﴿ إِنَّ رَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر ﴿وَلَمَّا جَمَ أَمْرُنَا﴾ وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم ونجى هوداً وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه ﴿وَلْكَ عَدٌ جَحَدُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ كفروا بها وعصوا رسل الله وذلك أن من كفر بنبيٍّ كفر بجميع الأنبياء لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل ﴿ وَأَثَّبَعُواْ أَفَرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ تركوا اتباع رسولهم الرشيد؟ واتبعوا أمر كلِّ جبّار عنيد، فلهذا أُتبعوا في الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: ﴿أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾ الآية. قال السدي: ما بُعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه(٢). وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ اُلْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَّكُمُ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوُهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ أُجِيبٌ يقول تعالى: ولقد أرسلنا ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ وهم الذي كانوا يسكنون مدائن الحجر (٣) بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد فبعث الله منهم ﴿أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾ فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له الخالق الرازق ولهذا قال: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ خلقكم منها خلق منها أباكم آدم ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُمُ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عُمَّاراً تعمرونها وتستغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ لسالف ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُّأْ إِلَيْةِ﴾ فيما تستقبلونه ﴿إِنَّ رَبٍِّ قَرِيبٌ تُجِيبٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق صفوان بن صالح المؤذن عن الوليد به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي. (٣) تبعد عن المدينة المنورة ٤٥٠ كيلاً شمالاً. ٤٥٧ سورة هودٍ (٦٢، ٧٣) O 2- ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَمنَّا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَا لَفِى شَكٍ مِّعَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَبِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُفِ مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْنُ فَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَّخْسِيرٍ ( يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليّ* وبين قومه، وما كان من الجهل والعناد في قولهم: ﴿قَدْ كُنتَ فِنَا مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت ﴿أَنَتْهَنَّاً أَن تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكِ يمِّمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيسٍ﴾ أي: شك كثير. ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَبَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّ﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿ وَءَاتَنِ مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيّرَ تَّخْسِيرٍ﴾ أي: خسارة. ﴿وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىَ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَشُّوهَا بِسُوْءٍ فَعَفَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَاثَةَ أَاءِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوپٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ () فَلَمَا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَتْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُم بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴿﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ جَئِينَ ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْ فِيَهَاْ أَلَا إِنَّ تَهُودَأْ كَفَرُواْ رَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ وقد تقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد. ﴿وَلَقَدْ جَتْ رُسُلُنَآ إِبَهِيَمَ بِلْبُشْرَى قَالُواْ سَكَمَّا قَالَ سَلَمٌّ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ فَلَمَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ٦٩ وَأَمْرَتُمُ قَآَيِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴿٨ قَالَتْ يَوَتِلَ ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ٧٠ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِّ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِدٌ نَجِدٌ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلْنَا﴾ وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى، قيل: تبشره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿فَلَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيَمَ الرََّعُ وَجَاءَتْهُ اٌلْبُشْرَى مُجَدِأَنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ (9َ)﴾ [هود]. ﴿قَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمٌ﴾ أي: عليكم قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيَّوه به، لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام. ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَّةَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: ذهب سريعاً فأتاهم بالضيافة، وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرضف وهي: الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد (١)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ٢٦) فَقَرَُّ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٣)﴾ [الذاريات]. (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((نضيج"، وأخرجه = ٤٥٨ سُورَةُ هُوَّدٍ (٦٩، ٧٣) · وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة وقوله: ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيَّهِ نَكِرَهُمْ﴾ تنكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ﴾ . قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شُبَّان حتى نزلوا [الذاريات] فذبحه على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم ﴿فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلِ سَمِينٍ( ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت (سارة) تخدمهم، فذلك حين يقول: (وامرأته قائمة وهو جالس) (١) في قراءة ابن مسعود فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت (سارة) أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجباً لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا (٢)! وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل [ورفائيل] (٣). قال نوح بن قيس: فزعم [عون بن أبي شداد](٤) أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرَّب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام، يدرج حتى لحق بأمه وأُم العجل في الدار(٥). وقوله تعالى إخباراً عن الملائكة: ﴿قَالُواْ لَا تَّخَفْ﴾ أي: قالوا: لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشاراً بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس. وقال قتادة: ضحكت وعجبت أن قوماً يأتيهم العذاب وهم في غفلة (٦). وقوله: ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: فضحكت، أي: حاضت(٧). الطبري بهذا اللفظ بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند = صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((المشوي النضيج))، وكذا أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (١) هذه قراءة شاذة تفسيرية. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وروايته عن ابن مسعود منقطعة لأن السدي لم يلق ابن مسعود ته، والرواية من الإسرائيليات، والسدي معروف برواية الإسرائيليات. (٣) كذا في (مح) و(حم) وفي الأصل: ((وروايل)). (٤) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصول: ((نوح بن أبي شداد)) وقد ترجم ابن أبي حاتم لعون بن أبي شداد (الجرح والتعديل ٣٨٥/٣). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الخلاف السابق، وسنده حسن إلى عون. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، = 0 سُورَةُ هُودٍ (٦٩، ٧٣) ٤٥٩ 0000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط(١). وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم(٢)، ضعيفان جداً، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم. وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق(٣). وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها ﴿فَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال في آية البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْزَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٣٢)﴾ [البقرة]. ومن ههنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير؟ ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد. ﴿ قَالَتْ يَوَيِلَ ءَأَلِّدُ وَأَنَا عَجُورٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ (*)﴾ حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى فإنها ﴿قَالَتْ يَوَيِلَ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ وفي الذاريات: ﴿فَقْبَلَتِ آَمْرَتُهُ فِ صَرَّقِ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزُ عَقِيمُ ﴾﴾، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجيب ﴿قَالُواْ أَتَعَجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزاً عقيماً وبعلك شيخاً كبيراً، فإن الله على ما يشاء قدير ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْنِ إِنَّهُ حَمِيدٌ فَجِيدٌ﴾ أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ممجد في صفاته وذاته. ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللَّهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)) (٤). وعبد الصمد ضعيف (لسان الميزان ٢١/٤). = (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر، وهو نجيح السندي عن محمد بن قيس. وقد ضعف الرواية الحافظ ابن كثير. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الكلبي، وقد ضعف متنه الحافظ ابن كثير. (٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الصمد عن وهب، وردّه الحافظ ابن كثير. (٤) أخرجه الشيخان من حديث كعب بن عجرة ظُه (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَتِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِىّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ح ٤٧٩٧)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب الصلاة على النبي ◌َلير (ح٤٠٦). ٤٦٠ • سُوَّرَلُ هُوَّدٍ (٧٤، ٧٩) 0000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 إِنَّ إِبَزَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّهُ - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إَِهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ اٌلْبُشْرَى يُجَدِلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ ◌َّ ﴾ . وَإِنَّهِيُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَغْرُ رَيِكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْدُودٍ مُنِيبُ (ن) يخبر تعالى عن إبراهيم عليّ أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا وبشروه بعد ذلك بالولد وأخبروه بهلاك قوم لوط أخذ يقول، كما قال سعيد بن جبير في الآية قال: لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له: ﴿إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرِّيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمناً؟ قالوا: لا، قال: ثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسة قالوا: لا، قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل مسلم واحد أتهلكونها؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم لعلّها عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَّا لَتُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٢]. فسكت عنهم واطمأنت نفسه(١). وقال قتادة وغيره قريباً من هذا(٢). زاد ابن إسحاق: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا، قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب، قالوا: ﴿نَحْثُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَّا لَتُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّ أَمْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. وقوله: ﴿إِنَّ إِتَزْهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ (0)﴾ مدح لإبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها في سورة براءة آية ١١٤ (٣). Vi وقوله تعالى: ﴿وَإِنَهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَّا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَيِكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُودٍ أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين. ﴿ وَجَاءَّهُ قَوْمُهٍُ ﴿وَلَغَا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوطَّا سِىّءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوِْ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدُ يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعدما أعلموا إبراهيم بهلاكهم وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة، فانطلقوا من عنده فأتوا لوطاً لعلَّ * - وهو على ما قيل: في أرض له، وقيل: في منزله - ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شُبَّان حسان الوجوه ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم وخشي إن لم (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، والرواية من الإسرائيليات. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وفيه: حتى صار ذلك إلى عشرة. وليس فيه خمسة. والرواية أيضاً من الإسرائيليات. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق مثل الرواية قبل السابقة، وصرح ابن إسحاق أن الخبر من التوراة !.