Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ • سُولُلُونَ) (٩٠، ٩٢) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهمَّ بالرجوع، وهيهات ولات حين مناص نفذ القدر واستجيبت الدعوة وجاء جبريل علّ على فرس وديق(١) حائل(٢) فمرَّ إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها، واقتحم جبريل البحر فاقتحم الحصان وراءه، ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئاً فتجلد لأمرائه وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا، فاقتَحموا كلَّهم عن آخرهم، وميكائيل في ساقتهم لا يترك منهم أحداً إلا ألحقه بهم، فلما استوسقوا(٣) فيه وتكاملوا وهمَّ أولهم بالخروج منه أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم، فلم ينجُ منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت فقال - وهو كذلك -: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِالَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِهُ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ (9)﴾ [غافر]. وهكذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: ﴿وَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي: أهذا الوقت تقول وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه؟ ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: في الأرض الذين أضلوا الناس ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِنَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ﴾﴾ [القصص]. وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذلك من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله وَّله، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل تَّتُهُ: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله اليه: ((لما قال فرعون: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. قال: قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة))(٤). ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم في تفاسيرهم من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حديث حسن(٥). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: (قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة)) (٦). وقد رواه أبو عيسى الترمذي أيضاً وابن جرير أيضاً من غير وجه عن شعبة به، فذكر مثله، (١) هي الفرس التي تشتهي الفحل (ينظر: النهاية ١٩٨/٥). (٢) حائل: غير حامل. (٣) أي اجتمعوا. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/٥ ح ٢٨٢٠)، وضعفه محققوه لضعف علي بن زيد ... وقالوا: والأصح وقفه. وله شواهد تقويه كما يليه، وإذا صح موقوفاً فإن له حكم الرفع، لأنه من الغيبيات التي أخبر عنها جبريل (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والترمذي كلهم من طريق حماد بن سلمة به (سنن الترمذي، تفسير سورة يونس ح٣١٠٦)، وحسنه الترمذي، ومن الطريق نفسه أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٧/١)، وصححه الحافظ ابن حجر (الكاف الشاف ٣٦٨/٢). (٦) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح٢٦١٨) وسنده صحيح. ٤٢٢ • سُوَاُلُونَ) (٩٠، ٩٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الترمذي: حسن غريب صحيح(١)، ووقع في رواية عند ابن جرير عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن عطاء وعدي، عن سعيد، عن ابن عباس رفعه أحدهما فكأن الآخر لم یرفع، فالله أعلم(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أغرق الله فرعون أشار بأصبعه ورفع صوته ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَِّيلَ﴾ قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه. وكذا رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبي خالد به موقوفاً(٣). وقد رُوي من حديث أبي هريرة أيضاً فقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن عنبسة - هو ابن أبي سعيد - عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ◌َُّته قال: قال رسول الله ثير: قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدسُّ من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له، يعني: فرعون (٤). كثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول. وباقي رجاله ثقات، وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف قتادة وإبراهيم التيمي وميمون بن مهران ونقل عن الضحاك بن قيس أنه خطب بهذا للناس(٥)، فالله أعلم. وقوله: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكّوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سوياً بلا روح وعليه درعه المعروفة(٦) على نجوة من الأرض - وهو المكان المرتفع - ليتحققوا موته وهلاكه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ تُنَجِّكَ﴾ أي: نرفعك على نشر من الأرض ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قال مجاهد: بجسدك(٧). وقال الحسن: بجسم لا روح فيه(٨). وقال عبد الله بن شداد: سوياً صحيحاً (٩). أي: لم يتمزق ليحققوه ويعرفوه. (١) السنن، تفسير سورة يونس (ح ٣١٠٧)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح٦٢١٥). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسواء رُفع أم أقف فإن له حكم الرفع كما تقدم. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وكذا الطبري، وفي سنديهما عمر بن عبد الله الثقفي: وهو ضعيف، كما في التقريب، ويتقوى بما سبق. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه كثير بن زاذان كما نقل الحافظ ابن كثير، ولكن يشهد له ما سبق. (٥) هذه المراسيل أخرجها الطبري بأسانيد ضعاف، تتقوى بما سبق. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه من غير ذكر الدرع، أما ذكر الدرع فسیأتي بعد ثلاث روايات. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن، وأبو بكر الهذلي هو سلمى بن عبد الله: وهو متروك، كما في التقريب. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً. • سُورَةُ يُونس (٩٣) ٤٢٣ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو صخر: بدرعك(١). وكل هذه الأقوال لا منافاة بينهما كما تقدم، والله أعلم. وقوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ أي: لتكون لبني إسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابّة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، ولهذا قرأ بعضهم ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْقَكَ (٢) آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ أي: لا يتعظون بها ولا يعتبرون بها . وقد کان إهلاکھم یوم عاشوراء کما قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُندر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي ◌ُّر المدينة، واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ((ما هذا اليوم الذي تصومونه)) فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي وَل﴿ لأصحابه: ((أنتم أحق بموسى منهم فصوموه)) (٣). - ﴿وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ خَّى جَآءَهُمُ الْعِلَّمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية الدنيوية، وقوله: ﴿مُبَوَّاَ صِدْقٍ﴾ قيل: هو بلاد مصر والشام مما يلي بيت المقدس ونواحيه، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ اْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَّا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَفِىّ إِسْرَِّ يلَ بِمَا صَبِرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (٣٦)﴾ [الأعراف] وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَهُم مِّنِ جَّتٍ وَعُونِ ﴿٨٤ وَكُرٍ وَمَقَامٍ كَرِيِمٍ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْتَهَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ ﴾﴾ [الشعراء] ولكن استمروا مع موسى عليه طالبين إلى بلاد بيت المقدس وهي بلاد الخليل ظلّل، فاستمر موسى بمن معه طالباً بيت المقدس، وكان فيه قوم من العمالقة فنكّل بنو إسرائيل عن قتالهم، فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون ثم موسى ◌َالهِ، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون ففتح الله عليهم بيت المقدس واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حيناً من الدهر، ثم عادت إليهم ثم أخذها ملوك اليونان، فكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله عيسى ابن مريم علّل في تلك المدة، فاستعانت اليهود - قبحهم الله - على معاداة عيسى علَل* بملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم ووشوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه وشبه لهم بعضٍ الحواريين بمشيئة الله وقدره فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو ﴿وَمَا قَثَلُوهُ يَقِينًا ﴿ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (®)﴾ [النساء]. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مفضل بن فضالة بن عبيد عن أبي صخر، وأبو صخر هو: حميد بن زياد بن أبي المخارق. (٢) (خلقك) بالقاف، وهي قراءة شاذة. (٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَجَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَهِيلَ اَلْبَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠] ح ٤٦٨٠). ٤٢٤ • سُورَةُ يُونِسَ (٩٤، ٩٧) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 الَّل* بنحو ثلاث مئة سنة دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان في دين النصرانية ثم بعد المسيح وكان فيلسوفاً قبل ذلك، فدخل في دين النصارى. قيل: تقية. وقيل: حيلة. ليفسده فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة بدعوها وأحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبِيَع الكبار والصغار والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات(١)، وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح، ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامه والقفار، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم. وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية والقمامة وبيت لحم وكنائس ببلاد بيت المقدس ومدن حوران كبُصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة وعبدوا الصليب من حينئذٍ وصلوا إلى الشرق وصوَّروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول ووضعوا له الأمانة الحقيرة التي يسمونها الكبيرة، وصنفوا له القوانين وبسط هذا يطول، والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ﴿ه، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ظُه، والله الحمد والمنة. وقوله: ﴿وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اُلَطَّيِّبَتِ﴾ أي: الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعاً وشرعاً. وقوله: ﴿فَمَا أُخْتَلَفُواْ حَى ◌َهُمُ الْعِلَّمْ﴾ أي: ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بيَّن الله لهم، وأزال عنهم اللبس وقد ورد في الحديث: ((إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة منها واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار)). قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي))(٢). رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ وهو في السنن والمسانيد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾ أي: يفصل بينهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِّفُونَ﴾ . - ﴿فَإِنِ كُنْتَ فِ شَكٍّ مَِّّ أَنَزْناً إِلَيْكَ فَسْشَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ ﴿﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَِّينَ كَذَّبُواْ بَِايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ (٩٥ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) وَلَّ جَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ اَلْأَلِيمَ ﴾﴾. قال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله وَ ل ﴿ قال: ((لا أشك ولا أسأل))(٣). وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري(٤). وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم وَل (١) القلايات جمع قلية: وهي الصومعة الصغيرة. (٢) أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ح٨٥١٩). (٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده ضعيف بسبب إرسال قتادة. (٤) قول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن أبي = ٤٢٥ سُورَةُ تُونِسَ (٩٨) · 0000000000000000000000000000000000000000000 00 000000000000 0000000 0 0000000000 000 0 00 0 موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ اَلْأُمِنَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ ﴾﴾ أي: لا يؤمنون إيماناً ينفعهم بل حين لا ينفع نفس إيمانها، ولهذا لما دعا موسى ظلَُّ على فرعون وملئه قال: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوْأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] كما قال تعالى: ﴿﴿ وَلَوَّ أَنَّا نَزَّْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْوْقَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ (11)﴾ [الأنعام] ثم قال تعالى: يَجْهَلُونَ - ﴿فَلَوْلاً كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَتَفَعَهَا إِيمَتُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِى اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ يقول تعالى: فهلّا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه أو أكثرهم كقوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا ﴿َ﴾ [يس]، ﴿كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ سَلِحُرْ أَوْ مَجْنُونُ (3﴾﴾ [الذاريات]، ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاً ءَابََّنَا عَلَى أُمَّذٍ وَإِنَّا عَلَىَ ءَاثَرِهِم مُّقْتَدُونَ (َ)﴾ [الزخرف]. وفي الحديث الصحيح(١): ((عُرض عليَّ الأنبياء، فجعل النبيّ يمرُّ ومعه الفئام من الناس، والنبيّ .* يمرُّ معه الرجل، والنبيّ معه الرجلان، والنبيّ ليس معه أحد)"، ثم ذكر كثرة أتباع موسى ثـ ثم ذكر كثرة أمته صلوات الله وسلامه عليه كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي، والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى (٢)، وما كان إيمانهم إلا تخوفاً من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعدما عاينوا أسبابه وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم، فعندها رحمهم الله وكشف عنهم العذاب وأُخروا كما قال تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمََّ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. = وحشية، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍ مِّمَا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] قال: لم يشك رسول الله ولم يسأل، وقول الحسن البصري أخرجه سعيد بن منصور (التفسير ح ١٠٧٧)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير ومنصور عنه. (١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ها بنحوه (صحيح البخاري، الطب، باب من لم يرق ح٥٧٥٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (ح ٢٢٠). (٢) أي أهل الموصل، وهي ثاني مدينة في العراق تقع شمال بغداد، أسأل الله تعالى أن يفك أسر العراق من المحتلّین. ٤٢٦ • سُودَلُيُونَ (٩٩، ١٠٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 واختلف المفسرون: هل كَشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي؟ أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط على قولين: أحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا كما هو مقيد في هذه الآية. فَقَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ والثاني: فيهما لقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ [الصافات] فأطلق عليهم الإيمان، والإيمان منقذ من العذاب الأخروي وهذا هو الظاهر، والله أعلم. وقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلةً، فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. قال قتادة: وذُكر أن قوم يونس بنينوى أرض الموصل(١). وكذا روي عن ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف(٢). وكان ابن مسعود يقرؤها (فهلا كانت قرية آمنت)(٣). وقال أبو عمران، عن أبي الجلد قال: لما نزل بهم العذاب جعل يدور على رؤوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعوا به لعل الله أن يكشف عنا العذاب. فقال: فقالوا: يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى [ويا حي](٤) لا إله إلا أنت. قال: فكشف عنهم العذاب(٥). وتمام القصة سيأتي مفصلاً في سورة الصافات - إن شاء الله -. - ﴿وَلَوْ شَآءُ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِىِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرَّحْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ٩٩ يقول تعالى: ﴿وَلَوَ شَآءَ رَبُّكَ﴾ يا محمد لأذِن لأهل الأرض كلِّهم في الإيمان بما جئتهم به فآمنوا كلُّهم. ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (١٨) إِلَّا مَن زَحِمَ رَبِّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (﴿1﴾ [هود] وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَأْتِفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ أي: تلزمهم وتلجئهم ﴿حَّى يَكُونُواْ (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طرق صحيحة لكنه مرسل. (٢) أخرجه الطبري عن ابن مسعود وسعيد بن جبير بأسانيد ضعيفة، وأخرجه بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهذه الروايات مع ما سبق يقوي بعضها بعضاً. (٣) قراءة (فهلا): قراءة شاذة تفسيرية، وقد رواها عبد الرزاق عن معمر قال: بلغني في حرف ابن مسعود ... فذكرها. ومعمر لم يسمع من ابن مسعود (٤) زياد من (حم) وتفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل ومن النسخ المطبوعة المعتمدة على النسخة الأزهرية كطبعة الشعب، وسلامة، ومكتبة أولاد الشيخ. (٥) أخرجه الإمام أحمد (الزهد ص٣٤)، والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق صالح المري عن أبي عمران الجوني به، وصالح المري، هو ابن بشير: وهو ضعيف، كما في التقريب. ٤٢٧ سُورَةُ يُونَ (١٠١، ١٠٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل الله ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيِّهِمْ حَسَرَةٍ﴾ [فاطر: ٨]، ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿لَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطٍ ٢٢ [الغاشية] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعّال لما يريد، الهادي من يشاء، المُضلّ لمن يشاء لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الْرّْسَ﴾ وهو الخبال والضلال ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل. فَهَلْ - ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ اٌلَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ثُمَّ نُنَجِى يَنَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمَّ قُلْ فَأَنَظِرُوْ إِنِ مَعَكُم مِّنَ اٌلْمُنْتَظِرِينَ ( رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُجِ الْمُؤْمِنِينَ يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق الله في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السماوات من كواكب نيرات ثوابت وسيارات والشمس والقمر، والليل والنهار واختلافهما وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] (١) مذلل للسالكين يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير القدير لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وأي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) وَلَوْ جَمَتْهُمْ كُلُّ ◌َايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ اَلْعَذَابَ اَلْأَلِيمَ (﴿يَا﴾ [يونس]. وقوله: ﴿فَهَلْ يَنَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمَّ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم ﴿قُلْ فَأَنْتَظِرُواْ إِنِِّ مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ نُوَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ونهلك المكذبين بالرسل ﴿ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حقاً أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة كقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله وَّ أي أنه قال: ((إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي))(٢). (١) زيادة من (حم) و(مح) لا توجد في الأصل. (٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى : = ٤٢٨ سُورَةُ يُونَ (١٠٤، ١٠٩) ﴿قُلْ بَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ شٍَّ مِّن دِينِ فَلَّ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَقَّكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٥ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اَلَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرُّدٌ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ وَإِن يُرِّكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَأَذَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ ١٠٧ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ يقول تعالى لرسوله محمد واليور: قل: يا أيها الناس إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إليَّ، فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله وحده لا شريك له وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم ثم إليه مرجعكم، فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقاً فأنا لا أعبدها فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين. وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا﴾ الآية، أي: أخلص العبادة لله وحده حنيفاً، أي منحرفاً عن الشرك ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ . وقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ ... ) الآية. فيه بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له. روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة صفوان بن سليم من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن موسى، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك أن رسول الله وَله قال: ((اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم)) (١). ثم رواه من طريق الليث عن عيسى بن موسى عن صفوان عن رجل من أشجع عن أبي هريرة مرفوعاً بمثله سواء(٢). وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه. ] ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن ◌َّبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَأْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٨) وَأَبِعْ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (٠٩)) يقول تعالى آمر لرسوله * أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] ح٣١٩٤)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى ... (ح ٢٧٥١). (١) سنده ضعيف لضعف عيسى بن موسى (الجرح والتعديل ٢٨٥/٦) وفيه أيضاً صفوان بن سليم لم يسمع من أنس ◌َُّبه ولم تصح روايته عن أنس كما قال أبو حاتم (ينظر: تهذيب التهذيب ٤٢٦/٤). (٢) سنده ضعيف أيضاً لإبهام الراوي عن أبي هريرة رضـ ٤٢٩ سُودَاُلُونَ) (١٠٨، ١٠٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن ضلَّ عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه ﴿وَمَّآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين، وإنما أنا نذير لكم والهداية على الله تعالى. وقوله: ﴿وَتَّعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ﴾ أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أي: يفتح بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ أي: خير الفاتحین بعدله وحكمته. ٤٣٠ سُورَةُ هُودٍ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 3027 00000 سُؤْرَةُ هُودٍ وهي مكية قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله وَله: ما شَيِّيك؟ قال: ((شيبتني هود، والواقعة، و﴿عَمَّ يَتَسَلُونَ ﴾ [النبأ)، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ﴾﴾(١) [التكوير]. وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبتَ! قال: ((شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و﴿عَمَّ يَتَسَآءَ لُونَ ﴾، و﴿إِذَا الَّمْسُ كُوْرَتْ ﴾﴾ وفي رواية: ((هود وأخواتها))(٢). وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا سعيد بن سلام، حدثنا عمر بن محمد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: (شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ﴾﴾ وفي رواية: ((هود وأخواتها))(٣) . وقد روي من حديث ابن مسعود نحوه فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق الرائشي، حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود تظله أن أبا بكر قال: يا رسول الله ما شيبك؟ قال: ((هود والواقعة))(٤). عمرو بن ثابت متروك وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود. والله أعلم. ◌َّه (١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٠٢/١ ح ١٠٧) وسنده ضعيف لأن عكرمة لم يسمع من أبي بكر (مجمع الزوائد ٧/ ٣٧، ١١٨). (٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، ثم ذكره مرسلاً (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الواقعة ح ٣٢٩٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٥٢٨)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٧٦/٢) ولكن أعله أبو حاتم حينما سئل عن هذا الإسناد فقال: هذا خطأ ليس فيه ابن عباس (العلل لابن أبي حاتم ١١٠/٢). (٣) المعجم الكبير ١٨٣/٦ (٥٨٠٤) قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه سعيد بن سلام العطار وهو كذاب (مجمع الزوائد ٤٠/٧). (٤) المعجم الكبير ١٢٥/١٠ (ح١٠٠٩٢) وسنده ضعيف جداً لأن عمرو بن ثابت متروك كما قال الحافظ ابن كثير، وذكر أيضاً الانقطاع بين أبي إسحاق وابن مسعود. ٤٣١ سُورَةُ هُودٍ (١، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بسم الله الرحمن الرحيم 4 ﴿الَرِ كِتَبُ أُعْكِمَتْ ءَُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿﴿ أَّا تَعْبُدُوْ إِلَّا اللَّهَّ إِنَّتِى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعَا حَسَنَا إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌّ وَإِن تَوَلَّوْ فَإِّيَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِئُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَلِرُ (@)﴾. قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا وبالله التوفيق، وأما قوله: ﴿أُعْكِمَتْ ءَنُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها فهو كامل صورة ومعنى، هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة(١) واختاره ابن جرير. ومعنى قوله: ﴿مِن لَّكُنْ حَكِيرٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه خبير بعواقب الأمور ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ﴾ أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَُّ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ ٢٢٥ [الأنبياء]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقوله: ﴿إِنِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه كما جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله نصر صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب فاجتمعوا فقال: ((يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تصبحكم ألستم مصدقي؟)) فقالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شدید))(٢). وقوله: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمِنِعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَمٌ﴾ أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله ريك فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ﴿يُمِنِّعَّكُم مَّنَعَا حَسَنًا﴾ أي: في الدنيا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَّمٌ﴾ أي: في الدار الآخرة. قاله قتادة(٣) كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ لَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [النحل]. وقد جاء في الصحيح أن رسول الله وَ ل* قال لسعد: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك)) (٤). (١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ((فُسِّرت))، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه بلفظ: ((أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها: بيَّنها))، وكذا أخرجه الطبري من الطريق نفسه. (٢) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﴿ه (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ (يَ)﴾ [الشعراء]ح ٤٧٧٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب في قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْبِنَ ◌َ﴾ (ح ٢٠٨). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الدعوات، باب الدعاء برفع الوباء والوجع ح٦٣٧٣، وصحيح مسلم، الوصية، باب الوصية بالثلث ح ١٦٢٨). ٤٣٢ سُورَةُ هُوَّدٍ (٥) وقال ابن جرير: [حُدثت](١) عن المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود رُه في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَمٌ﴾ قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره(٢). وقوله: ﴿وَإِن تَوَلَوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى وكذب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِمُكُمْ﴾ أي: معادكم يوم القيامة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ أي: هو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب كما أن الأول مقام ترغيب. 2- ﴿َلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية، رواه البخاري من طريق ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، أن ابن عباس قرأ: ((ألا إنهم تثنوني صدورهم)) فقلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى، فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم)(٣). وفي لفظ آخر له قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم (٤) ٠ ثم قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال قرأ ابن عباس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ شِيَابَهُمْ﴾(٥). قال البخاري: وقال غيره عن ابن عباس: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾ يغطون رؤوسهم(٦). وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به: الشك في الله وعمل السيئات(٧). وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم؛ أي: أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئاً أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون (١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وسقطت من الأصل. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً، لأن المسيب بن شريك متروك (الجرح والتعديل ٨٪ ٢٩٤)، وفيه أيضاً إبهام شيخ الطبري. (٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه بالقراءة الشاذة التفسيرية (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَقْنُونَ صُدُوَرَهُمْ ... ﴾ [هود: ٥] ح ٤٦٨١) قال الحافظ ابن حجر: عن قراءة (تثنوني)) على وزن تفعوعل (الفتح ٣٥٠/٨). (٥) المصدر السابق (ح ٤٦٨٣). (٤) المصدر السابق (ح ٤٦٨٢). (٦) المصدر السابق. (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق معمر قال: أُخبرت عن عكرمة عن ابن عباس، ورجاله ثقات لكن سنده منقطع بين معمر وعكرمة، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه. ٤٣٣ • سُؤْرَةُ هُوَّدٍ (٦) ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل(١). ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ﴾ من القول: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنّ صدورهم من النيات والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة : فلا تكتمن اللّه ما في نفوسكم ليخفى فمهما يكتم اللّه يعلم ليوم حساب أو يعجل فينقم(٢) يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة. وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مرَّ برسول الله ثنى عنه صدره وغطى رأسه فأنزل الله ذلك(٣) . وعود الضمير إلى (الله) أولى لقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُبِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وقرأ [ابن عباس] (٤): ألا إنهم تثنوني صدورُهم(٥)، برفع(٦) الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى. ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِيِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِ كِتَبٍ مُبِينٍ أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها بحريها وبريها، وأنه يعلم مستقرها ومستودها، أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض؟ وأين تأوي إليه من وكرِها؟ وهو: مستودعها . وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: حيث تأوي ج ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت(٧) . وعن مجاهد: ﴿مُسْنَقَرَّهَا﴾ في الرحم ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب كالتي في الأنعام(٨)، وكذا روي عن ابن عباس والضحاك(٩) وجماعة. (١) قول مجاهد تقدم في سابقه بنحو قول ابن عباس، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عنه. (٢) ديوان زهير بن أبي سلمى ص١٨. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن شدأ، لكنه مرسل لم يرو من طريق آخر. (٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((ابن مسعود)). (٥) قراءة: (تثنوني صدورهم). شاذة تفسيرية. (٦) أخرجه البخاري كما تقدم تخريجه من بداية تفسير الآية، ولكن يبقى حكم القراءة شاذة تفسيرية لا يُقرأ بها. (٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه. (٨) أي في سورة الأنعام آية ٩٨ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِنِ نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَمُسْتَقَةٌ وَمُسْتَوَخُ ... ﴾ [الأنعام: ٩٨] وهذا الأثر أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٩) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخ الطبري. ٤٣٤ • سُؤُّرَلأُ هُوَّدٍ (٧، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين ههنا (١) كما ذكره عند تلك الآية، فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا ◌َيْرٍ يَطِيُ بِحَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَّهِ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن (٥)﴾ [الأنعام]. وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِى ◌ُلُّمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَِ مُِينٍ ﴿وَهُوَ الَّذِيِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَيِنِ قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَلَِّنْ أَخَّنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَّ أُمَِّ مَعْدُودَةٍ لَيْقُولُنَ مَا يَحْبِسُهُ: أَلَا يَوْمَ يَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ ٧ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِئُونَ يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن مُحرِز، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله وَله: (اقبلوا البشرى يا بني تميم)) قالوا: قد بشرتنا، فأعطنا، قال: ((اقبلوا البشرى يا أهل اليمن)) قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: ((كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء)) قال: فأتاني آتٍ فقال: يا عمران انحلّت ناقتك من عقالها، قال: فخرجت في إثرها فلا أدري ما كان بعدي (٢). وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة، فمنها قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: ((كان الله ولم يكن شيء قبله(٣) - وفي رواية: ((غيره) (٤)، وفي رواية: معه(٥) - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض)). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء))(٦). (١) أخرجه ابن أبي حاتم عمن تقدم ذكرهم وعن ابن مسعود وقيس بن أبي حازم وأبي عبد الرحمن السلمي، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة والسدي وعطاء الخراساني بنحو ما تقدم وبحذف السند. ومعظم هذه الآثار أخرجها عبد الرزاق والطبري في تفسيريهما مسندة وبعضها أخرجها الطبراني في المعجم الكبير (٩٠١٧)، والحاكم في المستدرك ٣٤١/٢. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٨/٣٣ ح١٩٨٧٦) وصحح سنده محققوه. (٣) أخرجه البخاري من حديث عمران بن الحصين ◌َظُه (الصحيح، التوحيد، باب ﴿عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] وهو رب العرش العظيم ح٧٤١٨). (٤) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ... ﴾ [الروم: ٢٧] (ح ٣١٩١). (٥) هذه الرواية مقحمة غير صحيحة نبه عليها الحافظ ابن حجر فقال: وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: ((كان الله ولا شيء معه، وهو الآن ما عليه كان)) وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية (فتح الباري ٢٨٩/٦). (٦) صحيح مسلم، القدر، باب حِجاج آدم وموسى عَلَّا (ح ٢٦٥٣). ٤٣٥ • سُؤُدَلُّ هُوَّدٍ (٧، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به أن رسول الله وَّه قال: ((قال الله رَ: أَنفق أُنفق عليك)) وقال: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار)) وقال: ((أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع))(١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمه أبي رزين واسمه: لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: ((كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك)»(٢). وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال: الترمذي: هذا حديث حسن وقال مجاهد: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ قبل أن يخلق شيئاً (٤)، وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة [وابن جريج](٥) وغير واحد(٦). وقال قتادة في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾: ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض؟(٧). وقال الربيع بن أنس: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين: فجعل نصفاً تحت العرش وهو: البحر المسجور (٨) . وقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه(٩). وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت سعداً الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء(١٠). وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾: فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والرحمة والنعمة الفعال لما يريده(١١). (١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٤٦٨٤). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٨/٢٦ ح١٦١٨٨) وضعفه محققوه لجهالة وكيع بن عُدُس. (٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة هود (ح٣١٠٨)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجھمیة (ح١٨٢) وحکمه کسابقه. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) كذا في تفسير الطبر وفي الأصل: ((ابن جرير)). (٦) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به وسنده مرسل، لأن مثل هذا لا يؤخذ إلا من الوحي. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل به، وسنده مرسل لأن مثل هذا من الأمور الغيبية التي لا تؤخذ إلا من الوحي. (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده حسن عن ابن إسحاق. ٤٣٦ • سُورَةُ جُودٍ (٧، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح(١). وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ولم يخلق ذلك عبثاً كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٣٧)﴾ [صّ] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلََّّ لِيَعْبُدُونِ ﴾﴾ الآية [الذاريات]. وقوله: ﴿لِيَبْلُكُمْ﴾ أي: ليختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولم يقل: أكثر عملاً، بل أحسن عملاً، ولا يكون العمل حسناً حتى يكون خالصاً لله رقم على شريعة رسول الله ◌َلاير، فمتى فقد العمل واحداً من هذين الشرطين حبط وبطل. وقوله: ﴿وَلَيْنِ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَيْن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتُهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَّكُونَ ﴾ [العنكبوت] وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. وقولهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: يقولون كفراً وعناداً: ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا من سحرته فهو يتبعك على ما تقول. وقوله: ﴿وَلَيِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُنَِّ مَّعْدُودَةٍ﴾ الآية. يقول تعالى: ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور وأوعدناهم إلى مدة مضروبة ليقولن تكذيباً واستعجالاً: ما يحبسه، أي يؤخر هذا العذاب عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد، والأُمة تستعمل في القرآن والسنة في معانٍ متعددة، فيراد بها الأمد كقوله في هذه الآية: ﴿إِلَّ أُمَِّ مَّعْدُودَةٍ﴾ . وقوله في يوسف: ﴿وَقَالَ الَّذِىِ نَّجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، وتستعمل في الإمام المقتدى به كقوله: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَُّ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣)﴾ [النحل]، وتستعمل في الملة والدين، كقوله إخباراً عن المشركين أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَرِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وتستعمل في الجماعة كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةُ مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهُ وَأَجْتَنِبُوْ اُلَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بَلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (4)﴾ [يونس]. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأعمش به. ٤٣٧ • سُورَةِ هُوَدٍ (٩، ١١) والمراد من الأُمة ههنا الذين يبعث فيهم الرسول مؤمنهم وكافرهم كما في صحيح مسلم: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار))(١). وأما أُمة الأتباع فهم المصدقون للرسل كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وفي الصحيح ((فأقول: أُمتي أُمتي)(٢). وتستعمل الأُمة في الفرقة والطائفة كقوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ. يَعْدِلُونَ (3)﴾ [الأعراف] وكقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَتْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وَلَبِنْ أَذَقْتَهُ ] ﴿وَلَيِنْ أَذَقْنَا اُلْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسُ كَفُورٌ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَآءَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيَّ إِنَّهُ لَفَرِعٌ فَخُورُ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَخْرُ كَبِيرٌ (®)﴾. يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل وكفر وجحود لماضي الحال، كأنَّه لم يرَ خيراً ولم يرجُ بعد ذلك فرجاً. وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّتِئَاتُ عَنِّىَّ﴾ أي يقول: ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء ﴿إِنَّهُ لَفَرٌ فَخُورُ﴾ أي: فرح بما في يده بطر فخور على غيره، قال الله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: على الشدائد والمكاره ﴿وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ﴾ أي: في الرخاء والعافية ﴿أُوْلَئِكَ لَهُم ◌َغْفِرَةٌ﴾ أي: بما يصيبهم من الضراء ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بما أسلفوه في زمن الرخاء كما جاء في الحديث: ((والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همٍّ ولا غمّ ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرَ الله عنه بها من خطاياه))(٣). وفي الصحيحين: ((والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن))(٤)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ﴾ إِنَّ اُلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾﴾ [العصر] وقال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿٨٤َ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٣٥) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ٢١٦ إِلَّا الْمُصَلِينَ (مَا)﴾ [المعارج]. (١) صحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد ◌َ﴾ (ح ١٥٣). (٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب كلام الرب ربك يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (ح ٧٥١٠). (٣) صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى (ح٥٦٤١)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من المرض (ح ٢٥٧٣). (٤) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يونس آية ١٢. ٤٣٨ سُورَةَ هُودٍ (١٢، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ] ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكُ بَعْضَِ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآَبِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُم مَلَكُ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَّعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَعْلَمُوْ أَنَّمَاَ أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَِّ وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾﴾. يقول تعالى مسلياً لرسوله وس* عمّا كان يتعنت به المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول كما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَتْوَاقِّ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُمِ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُنُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ (٣)﴾ [الفرقان] فأمر الله تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه وأرشده إِن تَتَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره ولا يصدنه ذلك ولا يثنينه عن دعائهم إلى الله رحمك آناء الليل وأطراف النهار كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنََّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٨٧) فَسَيِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَّكُن مِّنَ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ (@)﴾ [الحجر] وقال لههنا: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى المه السَّجِدِينَ إِلَيْكَ وَضَآَبِقٌ بِه صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ﴾ أي: لقولهم ذلك، فإنما أنت نذير ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك، فإنهم كُذبوا وأُوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله رَ، ثم بيّن تعالى إعجاز القرآن وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله لأن كلام الربِّ تعالى لا يشبه كلام المخلوقين كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات. وذاته لا يشبهها شيء تعالى وتقدس وتنزه لا إله إلا هو ولا رب سواه، ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله متضمن علمه وأمره ونهيه ﴿وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أُوْلَكَ ] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَنّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لا يظلمون نقيراً، يقول: من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، ﴿وَحَبِطَ﴾ عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين(١). وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد(٢). وقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى(٣). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه، وليس فيه: إن أهل الرياء، وهذه الزيادة أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق وهيب أنه بلغه عن مجاهد .. فذكره، ويشهد لرواية العوفي ما يلي: (٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طریق عبيد بن سليمان عنه. (٣) قول أنس بن مالك أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري = ٤٣٩ • سُوْرَلأُ هُوَّدٍ (١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء(١). وقال قتادة: من كانت الدنيا همه [وسدمه](٢)(٣) وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطىَ بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة (٤). وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا(٥). وقال تعالى: ﴿مِّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا (﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (٨) كُلَّا تُّمِّدُ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءٍ مِنْ عَطَِّ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَخْظُورًا (٥َ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٣)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرّثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ. وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اَلْأَخِرَةِ مِن ◌َّصِيبٍ (﴿)﴾ [الشورى]. ] ﴿أَفَمَّنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (®]). يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو كما قال تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًاً فِطْرَتَ الَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الْدِيْنُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)) الحديث(٦). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﴿ قال: ((يقول الله تعالى: ((إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم، وأَمَرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً))(٧). وفي المسند والسنن: ((كل مولد يولد على هذه الملَّة حتى يعرب عنه لسانه ... )) الحديث(٨)، فالمؤمن باقٍ على هذه الفطرة. = بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عنه. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف كما تقدم قبل تعليقين. (٢) كذا في تفسير الطبري وابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((سدته))، وفي (حم): ((شدته)). (٣) السدم: هو الولوع بالشي. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرج ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت ه: ((من كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له ... )) (السنن، الزهد، باب اللهم بالدنيا ح٤١٠٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣١٣). (٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩. (٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩. (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٥٧/٢٤ ح ١٥٥٨٩)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ١٣٢)، = ٤٤٠ • سُورَةُ هُوَّدٍ (١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قوله: ﴿وَيَتْلُوُهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ أي: وجاءه شاهد من الله وهو: ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾: إنه جبريل ظلَّهُ(١). وعن علي ظه والحسن وقتادة هو: محمد وَالي(٢). وكلاهما قريب في المعنى، لأن كلاًّ من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلَّغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد ومحمد إلى الأمة، وقيل: هو عليّ(٣)، وهو ضعيف لا يثبت له قائل. والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وهو القرآن بلَّغه جبريل إلى النبيِ وَ﴿ وبلَّغه النبي محمد وَّهُ إلى أُمته، ثم قال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى﴾ أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ أي: أنزله الله تعالى إلى تلك الأُمة إماماً لهم وقدوة يقتدون بها، ورحمة من الله بهم، فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . ثم قال تعالى متوعداً لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركهم وكافرهم وأهل الكتاب وغيرهم من سائر طوائف بني آدم، على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَكَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ . وفي صحيح مسلم من حديث شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري به أن رسول الله وَ﴾ قال: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار))(٤). وقال أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي ◌َّ على وجهه إلا وجدت مصداقه - أو قال: تصديقه - في القرآن فبلغني أن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((لا يسمع بي = والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢٣/٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٤٠٢). (١) قول ابن عباس وعكرمة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الثوري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول الضحاك والسدي أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة تتقوى بما سبق. (٢) قول علي ﴿ه أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابنه محمد عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٣) أخرجه الطبري من طريق جابر عن عبد الله بن نجي عن علي، وفي سنده جابر وهو الجعفي وهو ضعيف شيعي، وضعفه الحافظ ابن كثير. (٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ظه (الصحيح، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد دوله ح ١٥٣)، ومن طريق شعبة به أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٩٦/٤).