Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ • سُورَةُ التَّوَّةِ) (٣٤، ٣٥) وَاُلْفِضَةَ﴾ الآية، كَبُر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده مالاً يبقى بعده. فقال عمر: أنا أفرج عنكم فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي ◌َّر فقال: يا نبي الله إنه قد كَبُر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله وَّاله: ((إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم)) قال: فكبَّر عمر، ثم قال له النبي ◌َله: ((ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته))(١). ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى به، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه(٢). (حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ربه في سفر فنزل منزلاً فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة(٣) نعبث بها فأنكرت عليه فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمُّها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها عليَّ، واحفظوا ما أقول لكم سمعت رسول الله وَله يقول: ((إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك لساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب)) (٤). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيَّهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَتُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْفُِنَ ﴾﴾ أي: يقال لهم هذا الكلام تبكيتاً وتقريعاً وتهكماً كما في قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ﴾ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ﴾ [الدخان] أي: هذا بذاك وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم، ولهذا يقال من اٌلْكَرِيمُ أحب شيئاً وقدمه على طاعة الله عُذِّب به، وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم عُذِّبوا بها كما كان أبو لهب - لعنه الله - جاهداً في عداوة رسول الله وَّة (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا اليقظان عثمان البجلي الكوفي الأعمى ضعيف اختلط وكان يدلس ويغلوا في التشيع كما في التقريب. (٢) سنن أبي داود، الزكاة، باب في حقوق المال (ح١٦٦٤)، والمستدرك ٣٣٣/٢ وصححه الحاكم وقد استدرك الذهبي عليه بقوله: عثمان لا أعرفه والخبر عجيب. (٣) كذا في النسخ الخطية وجامع المسانيد ١٨٧/٤ ح ٥١٠٧، وفي المسند: بالسُفرة. والسفرة قال ابن الأثير: السفرة: طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسُمي به (النهاية ٣٧٣/٢)، أما لفظ الشفرة فيحتمل السكين العريضة، ونقل محققو طبعة الشعب عن اللسان أن الشفرة والشفيرة التي تقنع من النكاح بأيسره. وأراه بعيداً عن مقام الصحابي، وفي كل الحالات أن هذا اللفظ لم يثبت بسند متصل صحيح كما يلي. (٤) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٣٣٨/٢٨ ح١٧١١٤)، قال الحافظ ابن كثير: وعندي في سماع حسان منه نظر (جامع المسانيد ١٨٧/٤)، وقال محققو المسند حسن بطرقه، حسان بن عطية لم يدرك شداد بن أوس، وقد أخرجه الطبراني بسند متصل من طريق حسان بن عطية عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم عن شداد به ولكن ليس فيه قصة الشفرة أو السفرة، وأخشى أن تكون مقحمة، فإن سندها منقطع لم يصح (المعجم الكبير ٣٤٥/٧ ح٧١٥٧). ٢٨٢ سُورَةُ التَّوَتَّةِ) (٣٤، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وامرأته تعينه في ذلك كانت يوم القيامة عوناً على عذابه أيضاً ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي عنقها ﴿حَبْلٌ مِن مَّسَدٍ﴾ [المسد: ٥] أي: تجمع من الحطب في النار وتلقي عليه ليكون، ذلك أبلغ في عذابه ممن هو أشفق عليه في الدنيا كما أن هذه الأموال لما كانت أعزَّ الأشياء على أربابها كانت أضرَّ الأشياء عليهم في الدار الآخرة، فيُحمى عليها في نار جهنم وناهيك بحرها فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. قال سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكوى عبد يكنز فيمس دينار ديناراً ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته(١)، وقد رواه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً ولا يصح رفعه والله أعلم. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعاً يتبع صاحبه وهو يفرُّ منه ويقول: أنا كنزك لا يدرك منه شيئاً إلا أخذه(٢). وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان أن رسول الله وَ * كان يقول: ((من ترك بعده كنزاً مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يتبعه ويقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعها سائر جسده))(٣). ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث يزيد عن سعيد به وأصل هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة وفي صحيح مسلم من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله وَليه قال: ((ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ... )) (٤) وذكر تمام الحديث. وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن حصين، عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذرِّ بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام فقرأت ﴿ وَلَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيِ﴾ فقال معاوية: ما هذه إلا في أهل الكتاب، قال: قلت: إنها لفينا وفيهم(٥). (١) أخرجه سفيان الثوري في تفسيره بسنده بنحوه، وسنده صحيح. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل، ويشهد له الحديث الآتي الصحيح عن أبي هريرة مرفوعاً . (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن خزيمة (الصحيح ح٢٢٥٥)، وابن حبان (الإحسان ح ٨٠٣) كلاهما من طريق بشر به، ويشهد له الحديث المتفق عليه التالي. (٤) صحيح البخاري، التفسير باب ﴿فَقَئِلُواْ أَبِئَّةَ الْكُفْرِّ ... ﴾ [التوبة: ١٢] (ح٤٦٥٩) وصحيح مسلم، الزكاة، باب أثم مانع الزكاة (ح ٩٨٧). (٥) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٤٦٦٠). ٢٨٣ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٣٤، ٣٥) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 ورواه ابن جرير من حديث [عبثر بن القاسم](١) عن حصين، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرِّ رَُّه .. فذكره وزاد: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقبل إليه قال: فأقبلت إليه، فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذٍ، فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريباً. قلت: والله لن أدع ما كنت أقول(٢). (قلت): كان من مذهب أبي ذرِّ رَظُه تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يُفتي بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية، فلم ينته فخشي أن يضرَّ الناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأنزله بالرّبذة وحده وبها مات رُه في خلافة عثمان. وقد اختبره معاوية بنظبه وهو عنده هل يوافق عمله قوله؟ فبعث إليه بألف دينار ففرقها من يومه ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب، فقال: ويحك إنها خرجت ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به. وهكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنها عامة(٣). وقال السدي: هي في أهل القبلة(٤). وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف(٥) يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً؛ قال: وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية؛ فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم؛ . فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئاً (٦) وفي الصحيح أن رسول الله وَ ﴿ قال لأبي ذرٍّ: ((ما يسرني أن عندي مثل أُحد ذهباً يمر عليّ ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين)) (٧). فهذا - والله أعلم - هو الذي حدا بأبي ذرِّ على القول بهذا. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن (١) كذا في (حم) و(عم) وفي الأصل غير منقوطة وفي (مح): عبيد بن القاسم، وفي الطبري الراوي عن حصين هو: ((هشيم)) . (٢) أخرجه الطبري من طريق هشيم عن حصين به بدون الزيادة. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٥) أي الحجارة المحماه على النار. (٦) أخرجه مسلم من طريق أبي العلاء عن الأحنف بن قيس بنحوه (الصحيح، الزكاة، باب في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم ح ٩٩٢). (٧) أخرجه مسلم من طريق زيد بن وهب عن أبي ذرِّ بلفظه وأطول (الصحيح، الزكاة، باب الترغيب في الصدقة ح ٢٩٩٠/٣٢). ٢٨٤ • سُورَةُ التَّوَتَّةِ، (٣٤، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عبد الله بن الصامت رضيبه أنه كان مع أبي ذرِّ فخرج عطاؤه ومعه جارية، فجعلت تقضي حوائجه ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوساً قال: قلت: لو ادخرته لحاجة بيوتك وللضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إليَّ أن أيما ذهب أو فضة أُوكيء(١) عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ريك(٢). ورواه عن يزيد، عن همام به وزاد: إفراغاً (٣). وقال الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الشبلي في ترجمته: عن محمد بن مهدي، حدثنا عمر بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن طلحة بن زيد، عن أبي فروة الرهاوي، عن عطاء، عن أبي سعيد ◌َُّه قال: قال رسول الله وَّ: ((الق الله فقيراً، ولا تلقه غنياً)) قال: يا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال: ((ما سئلت فلا تمنع، وما رزقت فلا تخبيء)» قال: يا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال رسول الله وَليقول: ((هو ذاك وإلا فالنار)) إسناده ضعيف(٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا [عُيَينة](٥)، عن بُريد بن أصرم قال: سمعت علياً رَّه يقول: مات رجل من أهل الصُّفَّة وترك دينارين أو درهمين، فقال رسول الله وَج: ((كيتان، صلُّوا على صاحبكم)) (٦). وقد روي هذا من طرق أُخر. وقال قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة صُدي بن عجلان قال: مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله 18: (كية))، ثم توفي رجل في مئزره ديناران، فقال رسول الله ◌َالحجر: ((كيتان)»(٧) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، حدثنا معاوية بن يحيى الإطرابلسي، حدثني أرطاة، حدثني أبو عامر الهوزني، سمعت ثوبان مولى رسول الله ﴿ قال: ((ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض(٨) إلا جعل الله بكل قيراط(٩) L- صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه))(١٠). (١) أي ربط بالوكاء وهو الخيط الذي تُشد به الصرة لحفظ المال. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٠٨/٣٥ ح ٢١٣٨٤) وصحح سنده محققوه. (٣) المسند ١٧٥/٥ - ١٧٦، وهذه الزيادة في آخر الحديث تفيد التأكيد. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٤٠/١٠). (٤) بل سنده ضعيف جداً لأن طلحة بن زيد متروك، وقال الإمام أحمد وعلي بن المديني وأبو داود: كان يضع. (التقريب ص٢٨٢). (٥) كذا في المسند، وفي النسخ الخطية صُحف إلى: ((عيينة)). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٥/٢ ح٧٨٨)، وقال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف الجهالة عتيبة وبُريد بن أصرم، وقد ذكر الحافظ أنه روي من طرق أُخر وذكر بعضها، ولكن هذه الطرق ضعيفة . (٧) أخرجه الطبري من طريق معمر عن قتادة به، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر، ولكن سنده فيه شهر بن حوشب وفيه مقال. (٨) الأحمر الذهب، والأبيض الفضة. (٩) القيراط جزء من الدينار وهو نصف عُشروٍ في أكثر البلاد (النهاية ١/ ١٧٢). (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده معاوية بن يحيى وهو صدوق له أوهام ولم يُتابع، وفيه إسحاق الفراديسي فيه مقال (ينظر ميزان الاعتدال ١٧٩/١). ٢٨٥ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الحافظ أبو یعلی: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سيف بن محمد الثوري، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((لا يوضع الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم ولكن يوسع جلده، فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)) سيف هذا: كذاب متروك(١). - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الِدِينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَنْفُسَكُمَّ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ قال الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، أخبرنا محمد بن سيرين، عن أبي بكرة أن النبي ◌َّ خطب في حجته فقال: ((ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)) ثم قال: ((أي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيُسميه بغير اسمه قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا بلى ثم قال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيُسميه بغير اسمه قال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلى ثم قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيُسميه بغير اسمه قال: ((أليست البلدة؟)) قلنا: بلى. قال: ((فإن دماءكم وأموالكم ـ وأحسبه قال : - وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلّالاً يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعلَّ من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه)) (٢) رواه البخاري في التفسير وغيره. ومسلم من حديث أيوب، عن محمد وهو ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه به(٣). وقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّل: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات - ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ـ ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان))(٤) ورواه البزار عن محمد بن معمر به. (١) سنده ضعيف جداً بسبب سيف المذكور. (٢) أخرجه الأمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣/٣٤ - ٢٥ ح٢٠٣٨٦)، وصححه محققوه، وهو متفق عليه وسيذكر الحافظ ابن كثير شرح الحدیث بعد إیراد طرقه. (٣) صحيح البخاري، التفسير، باب (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ... )) (ح ٤٦٦٢)، وصحيح مسلم، القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (ح١٦٧٩). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أشعث وهو ابن سوار، ومحمد بن سيرين لم يسمع أبا هريرة، ويشهد له سابقه فمتنه متفق عليه. ٢٨٦ • سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ (٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، وقد رواه ابن عون وقُرَّة عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه به. وقال ابن جرير أيضاً: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر قال: خطب رسول الله وصله في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال: ((أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم))(١) وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مثله أو نحوه (٢). وقال حماد بن سلمة: حدثني علي بن زيد، عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه وكانت له صحبة قال: كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله وَ ليل في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه، فقال رسول الله وَلين : ((ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم))(٣). وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاية، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ قال: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة(٤). وقوله ◌َّ في الحديث: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)) تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله، في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل كما قال في تحريم مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة)) وهكذا قال ههنا: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)) أي: الأمر اليوم شرعاً كما ابتدع الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض. وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث: إن المراد بقوله: ((قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)) أنه اتفق أن حجَّ رسول الله وَّه في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين بل أكثرها في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصدِّيق في سنة تسع كانت في ذي القعدة. وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا عن النسيء وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد وهو يوم النحر عام حجة الوداع والله أعلم. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي، ويشهد له الحديث السابق المتفق عليه . (٢) سنده كسابقه. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٢٩٩/٣٤ - ٣٠١ ح ٢٠٦٩٥)، وقال محققوه: صحيح لغيره. أي: بالشواهد لأن علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف. (٤) سنده ضعيف لضعف الكلبي ويشهد له حديث أبي بكرة المتقدم تخريجه في الصحيحين. ٢٨٧ • سُوَرَّةُ التَّوَنَّةِ (٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فصل ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه: ((المشهور في أسماء الأيام والشهور)» أن المحرم سمي بذلك لكونه شهراً محرماً، وعندي أنه سمي بذلك تأكيداً لتحريمه لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عاماً وتحرمه عاماً قال: ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم، وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفر المكان إذا خلا، ويجمع على أصفار كجمل وأجمال، وشهر ربيع الأول سميّ بذلك لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة كرغيف وأرغفة، وربيع الآخر كالأول. جمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه، قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة فلا بدّ من دورانها فلعلهم سموه بذلك أول ما سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر: لا يُبصرُ العبد في ظلمائها الطنبا وليلة من جمادى ذات أندية لا ينبحُ الكلب فيها غير واحدة حتى يلفّ على خُرطومه الذنبا ويجمع على جماديات كحبارى وحباريات، وقد يُذكَّر ويؤنَّث فيقال: جمادى الأولى والأول، جمادى الآخر والآخرة. رجب من الترجيب وهو التعظيم ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات. شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات. رمضان من شدة الرمضاء وهو الحر يقال: رمضت الفصال إذا عطشت، ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة. قال: وقول من قال إنه اسم من أسماء الله خطأ لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه، قلت: قد ورد فيه حديث ولكنه ضعيف وبينته في أول كتاب الصيام. شوال من شالت الإِبل بأذنابها للطراق قال: ويجمع على شواول وشواويل وشوالات. القعدة بفتح القاف، قلت: وكسرها، لقعودهم فيه عن القتال والترحال ويجمع على ذوات القعدة. الحجة بكسر الحاء قلت وفتحها سمي بذلك لإقامتهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة، أسماء الأيام أولها الأحد ويجمع على آحاد وأوحاد ووحود، ثم يوم الاثنين ويجمع على أثانين، الثلاثاء يُمد ويُذكَّر ويُؤنَّث ويجمع على ثلاثاوات وأثالث، ثم الأربعاء بالمد ويجمع على أربعاوات وأرابيع، والخميس يجمع على أخمسة وأخامس، ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضاً ويجمع على جمع وجماعات، السبت مأخوذ من السبت وهو القطع لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام أول ثم أهون ثم جبار ثم دبار ثم مؤنس ثم العروبة ثم شيار، قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمین : بأول أو بأهون أو جُــار أرجى أن أعيش وإن يومي فمؤنس أو عروبةً أو شيّار أو التالي دُبار فإن أفُتْهُ وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ فهذا مما كانت العرب أيضاً في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم يقال لهم: البُسل كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقاً وتشديداً، وأما قوله: ((ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي ٢٨٨ • سُوَرَّةُ التَّوَتَّةِ (٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بين جمادى وشعبان)) فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم، فبَيَّن ◌َّ ر أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فَحُرِّم قبل أشهر الحج شهراً وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال وحُرِّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهراً آخر وهو المحرَّم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمناً . وقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها على ما سبق من كتاب الله الأول. وقال تعالى: ﴿فَلَ تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ بِظْلِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وكذلك الشهر الحرام تُغلَّظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قُتل في الحرم أو قتل ذا محرم. وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: في الشهور كلها(١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ﴾ الآية، فلا تظلموا فيهن أنفسكم في كلُّهنَّ، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهنَّ حراماً وعظم حرماتهنَّ، وجعل الذنب فيهنَّ أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم (٢). وقال قتادة في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيِهِنَ أَنفُسَكُمْ﴾: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد. واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظّموا ما عظّم الله. فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل(٣). وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن، عن محمد بن الحنفية بأن لا تحرموهنَّ كحرمتهنَّ (٤). وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تجعلوا حرامها حلالاً؛ ولا (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة به. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قبيصة عن الثوري به. ٢٨٩ سُورَةُ التَّوَثَةِ (٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حلالها حراماً، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، وهذا القول اختيار ابن جرير. وقوله: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ أي: جميعكم ﴿كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَانَّةٌ﴾ أي: جميعهم ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ . وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين : (أحدهما): وهو الأشهر أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال ههنا: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وأمر بقتال المشركين، وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمراً عامًّا ولو كان محرَّماً في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها، ولأن رسول الله وشر حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين(١) أنه خرج إلى هوازن في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فُّهم لجئوا إلى الطائف، فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوماً، وانصرف ولم يفتتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام. والقول الآخر: أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام، وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهَ اَلْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] وقال: ﴿الشَّهُ اُلُّمُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَالْخَرُمَثُ قِصَاصُنَّ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٥٠] وتقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة لا أشهر التسيير على أحد القولين. وأما قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَدِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف ويكون من باب التهييج والتحضيض أي: كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضاً لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يفعلون، ويحتمل أنه أذِن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم كما قال تعالى: ﴿الشَّهُ الْحَمُ بِالشَّهْرِ الْحَامِ وَالْخُرُمَثُ قِصَاصٌُ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَلَا نُقَدِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِتِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُوَّكُمْ فَقْتُلُوهُ﴾ الآية [البقرة: ١٩١]. وهكذا الجواب عن حصار رسول الله لو أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال، وجمعوا الرجال، ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله وَ ير كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريباً من أربعين يوماً، وكان ابتداؤه في شهر حلال ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياماً ثم قفل عنهم؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة والله أعلم، ولنذكر الأحاديث الواردة (٢) في ذلك وقد حررنا ذلك في السيرة والله أعلم. (١) ينظر صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٢٥ وح ٤٣٣١). (٢) في (عم) بياض قدر نصف ورقة ولعلّ الحافظ ابن كثير لم يذكرها لأنه قد سردها في السيرة النبوية. ٢٩٠ • سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٣٧) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 2] ﴿إِنَا الشَّيِّءُ زِيَادَةٌ فِىِ الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِمُونَهُ عَامًا لِيُوَا ◌ِقُواْ عِدَّةَ مَا حَتََّ اللَّهُ فَيُسِلُواْ مَا حَتَّمَ اللَّهَّ زُيِّنَ لَهُمْ سُوَهُ أَعْمَكِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ هذا مما ذمَّ الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرَّم الله وتحريمهم ما أحلَّ الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة كما قال شاعرهم، وهو عمير بن قيس المعروف بجذلِ الطعان(١): كرام الناس إن لهم كراما لقد علمت معدّ بأن قومي شهور الحلِّ نجعلها حراما ألسنا الناسئين على معدٍ وأيّ الناس [لم نُعلِك](٢) لجاما (٣) فأيّ الناس لم ندرك بوتر وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا الشَّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ قال: النسيء: أن جُنَادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كلِّ عام، وكان يُكنى أبا ثمامة فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب ألا وإن صفر العام الأول العام حلال فيحلُّه للناس فيحرم صفراً عاماً ويحرم المحرم عاماً، فذلك قول الله: ﴿إِنَّمَا النَِّىِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ يقول: يتركون المحرَّم عاماً وعاماً يحرمونه (٤)، وروى العوفي عن ابن عباس نحوه(٥). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول: يا أيها الناس: إني لا أعاب ولا أجاب ولا مردَّ لما أقول، إنَّا قد حرَّمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنَّا قد حرَّمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله: ﴿لِيُوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قال: يعني الأربعة فيحلوا ما حرم الله لتأخير هذا الشهر الحرام(٦). وروي عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا(٧). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّمَا النَِّىُّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ الآية، قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له: (القَلَمَّس)، وكان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغير بعضهم على (١) هو عمير بن قيس أحد بني فراس بن ثعلبة بن مالك بن كنانة. (المصدر السابق). (٢) كذا في (مح) والسيرة النبوية لابن هشام، وفي الأصل: ((يعلل))، وفي (حم): ((لم يعلك)). (٣) ذكره ابن هشام مع تقديم وتأخير بين الأبيات (السيرة النبوية ٤٥/١). (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٦) أخرجه الطبري بسند فيه ليث وهو ابن أبي سليم فيه مقال ولكن يشهد له ما ثبت عن ابن عباس. (٧) قول أبي وائل أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق منصور بن المعتمر عن أبي وائل، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف ويشهد له ما سبق، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. ٢٩١ • سُوَّةُ التَّوَنَّةِ (٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بعض في الشهر الحرام يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده، فلما كان هو قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرم. قال: ننسئه العام هما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما محرمين، قال ففعل ذلك فلما كان عام قابل قال: لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم هما محرمان(١). فهذه صفة غريبة في النسيء، وفيها نظر لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر فأين هذا من قوله تعالى: ﴿يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ﴾ . وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضاً فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الشَّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ الآية، قال: فرض الله رَت الحج في ذي الحجة، قال: وكان المشركون يُسمُّون الأشهر: ذا الحجة المحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوالاً، وذا القعدة، وذا الحجة يحجُّون فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفراً، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوالاً رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالاً، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه واسمه عندهم: ذا الحجة. ثم عادوا بمثل هذه الصفة فكانوا يحجون في كل عام شهرين حتى إذا وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة، ثم حجَّ النبي ◌َّ حجته التي حج فوافق ذا الحجة فذلك حين يقول النبي ◌َّ﴿ في خطبته: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض))(٢). وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضاً وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة؟ وأنى هذا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَنُ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِئٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولٌ﴾ الآية [التوبة: ٣] وإنما نودي به في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم وحجهم في كل شهر عامين، فإن النسيء حاصل بدون هذا فإنهم لما كانوا يحلُّون شهر المحرم عاماً يحرمون عوضه صفراً وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها، ثم في السنة الثانية يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر وربيع وربيع إلى آخرها ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاِقُواْ عِدَةَ مَا حَدَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اللّه﴾ أي: في تحريم أربعة أشهر من السنة إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم وتارة ینسئونه إلى صفر أي: يؤخرونه. وقد قدمنا الكلام على قوله وَل : ((إن الزمان قد استدار))(٣) الحديث، أي: إن الأمر في عدة الشهور وتحريم ما هو محرم منها على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي لا كما تعتمده (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح، ولكن روايته للحديث الشريف مرسل وقد تقدم تخريج الحديث وصحته في تفسير الآية السابقة. (٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير الآية السابقة. ٢٩٢ • سُورَةُ التَّوَتَّةِ) (٣٨، ٣٩) جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: [حدثنا صالح بن بشير] (١) بن سلمة الطبراني، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله وجل اله بالعقبة فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: ((إنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً)) فكانوا يحرمون المحرم عاماً ويستحلون صفر ويستحلون المحرم هو النسيء(٢). وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلاماً جيداً مفيداً حسناً فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب فأحلَّ منها ما حرم الله وحرَّم منها ما أحلّ الله وَت القلمس وهو: حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد، ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أُمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فقام فيهم خطيباً فحرم رجباً وذا القعدة وذا الحجة ويحل المحرم عاماً ويجعل مكانه صفر ويحرمه ليواطيء عدة ما حرم الله، فيحلُّ ما حرم الله يعني ويحرم ما أحلَّ الله(٣). ] ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضَِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ ﴿ إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله وس18 في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارَّة القيظ(٤) فقال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ﴿أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الذُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ أي: ما لكم فعلتم هكذا أرضىّ منكم بالدنيا بدلاً من الآخرة؟ ثم زهَّد تبارك وتعالى في الدنيا، ورغَّب في الآخرة فقال: ﴿فَمَا مَتَعُ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾ كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بم ترجع؟)) وأشار بالسبابة(٥). انفرد بإخراجه مسلم (٦). (١) كذا ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٩٦/٤، وفي النسخ الخطية وتفسير ابن أبي حاتم باسم: صالح بن بشر، وهو تصحيف. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الفرق السابق، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي. (٣) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ٤٤/١ - ٤٥. (٤) أي شدة الحر (النهاية ٤٣٩/١) وفي إيراده تأكيد للجملة السابقة. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٨/٤)، وسنده صحيح. (٦) أخرجه مسلم من طريق يحيى بن سعيد به (الصحيح، الجنة، باب فناء الدينا ح٢٨٥٨). ٢٩٣ • سُورَةُ التَّوَتَّةِ، (٣٨، ٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وروى ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي، حدثنا زياد يعني: الجصاص، عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله وَّر يقول: ((إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة)) قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله وَلو يقول: ((إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة)) ثم تلا هذه الآية ﴿فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾ فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل(١). [وقال الثوري، عن الأعمش في الآية ﴿فَمَا مَتَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾](٢) قال: كزاد الراكب(٣). وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة. قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولّى ظهره، فبكى وهو يقول: أفٍ لَكِ من دار إن كان كثيركِ لقليل، وإن كان قليلكِ لقصير، وإن كنَّا منكِ لفي غرور(٤). ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: استنفر رسول الله وم حياً من العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم(٥). ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وَلَا تَضُرُوهُ شَيْئًا﴾ أي: ولا تضروا الله شيئاً بتوليكم عن الجهاد، ونكولكم وتثاقلكم عنه ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم. وقد قيل: إن هذه الآية وقوله: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ اٌلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إنهن منسوخات بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] روي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم(٦)، وردّه ابن جرير وقال: إنما هذا فيمن دعاهم (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف زياد، وهو ابن أبي زياد الجصاص، مجمع على ضعفه (ميزان الاعتدال ٨٩/٢). (٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الثوري به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إبراهيم بن الأشعث المعروف بلام، عن عبد العزيز بن أبي حازم به، ولام هذا روى حديثاً موضوعاً (ينظر الجرح والتعديل ٨٨/٢). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وأبو داود (السنن، الجهاد، باب في نسخ تفسير العامة بالخاصة ح٢٥٠٦) والحاكم (المستدرك ١١٨/٢) كلهم من طريق نجدة بن نفيع الحنفي عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي سنده نجدة بن نفيع قال ابن حجر: مجهول كما في التقريب وقال الذهبي: لا يعرف، ميزان الاعتدال ٢٤٥/٤). (٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أخرجه بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني، وقول عكرمة والحسن البصري أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق يزيد النحوي عنه. (نواسخ القرآن ص٣٦٤ - ٣٦٥). ٢٩٤ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسول الله وجهه إلى الجهاد فتعين عليهم ذلك فلو تركوه لعوقبوا عليه، وهذا له اتجاه. والله تُعَل أعلم بالصواب. 2- ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِىِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّقْلَىُّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (@). يقول تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾ أي: تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ أي: عام الهجرة لما همَّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هارباً بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر عظ اته يجزع أن يطّلع عليهم أحد فيخلص إلى رسول الله وَ ل منهم أذى، فجعل النبي وَلّ يسكنه ويثبته ويقول: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت، عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي وّ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال: فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما))(١). أخرجاه في الصحيحين(٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: تأييده ونصره عليه أي: على الرسول وَّل﴿ في أشهر القولين، وقيل على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره قالو: لأن الرسول و 18 لم تزل معه سكينة(٣). وهذا لا ينافي تجدُّد سكينة خاصة بتلك الحال ولهذا قال: ﴿وَأَيَدَهُ بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي: الملائكة. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَأْ﴾ قال ابن عباس يعني ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الشرك ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هي: لا إله إلا الله (٤). وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري وبه قال: سئل رسول الله وَّر عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))(٥). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه ﴿حَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/١) وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، المناقب، باب مناقب المهاجرين (ح٣٦٥٣) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﴾ (ح٢٣٨١). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (ح٢٨١٠)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (ح١٩٠٥). ٢٩٥ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٤١) 00000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَِهِدُواْ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ (ج)﴾ . قال سفيان الثوري، عن أبيه، عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح: هذه الآية ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أول ما نزل من سورة براءة(١). وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرمي أنه ذُكر له أن ناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً وكبيراً فيقول: إني لا آثم فأنزل الله: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية(٢). أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله والفر عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحثَّم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ . وقال علي بن زيد، عن أنس، عن [أبي طلحة](٣): كهولاً وشباباً ما سمع الله عذر أحد ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل(٤). وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخاً وشباناً جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله وَّر حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها(٥). وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا في تفسير هذه الآية ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَرِقَالًا﴾ كهولاً وشباناً(٦)، وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن حيان وغير واحد(٧). وقال مجاهد: شباناً وشيوخاً وأغنياء ومساكين(٨). وكذا قال أبو صالح وغيره(٩). (١) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه مرسل لأن مسلم بن صبيح تابعي، وأخرجه الطبري من طريق الثوري به. (٢) أخرجه الطبري عن ابن عبد الأعلى عن معتمر به، وسنده معضل لأن حضرمي تابع تابعي لم يلق أحداً من الصحابة. (٣) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل: علي بن أبي طلحة. وهو خطأ لكثرة ورود علي بن أبي طلحة. (٤) أخرجه الطبري من طريق ابن عيينة عن علي بن زيد به، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد، والصحيح الرواية التالية . (٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد وثابت بن أسلم البناني عن أنس به، وسنده صحيح؛ لأن علي بن زيد تابعه ثابت، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١٥٢/١٦) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٣/٣). (٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عكرمة وقتادة وأبي صالح (المصنف ٣٠٦/٥)، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق مقاتل بن حيان ومجاهد. (٧) هؤلاء تكرر ذكرهم إلا الضحاك فقد أخرج الطبري قوله بسند ضعيف ويتقوى بما سبق. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٩) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق إسماعيل عن أبي صالح. ٢٩٦ سُورَةُ التَّوَّةِ (٤١) وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل(١). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿آنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: انفروا نشاطاً وغير نشاط(٢)، وكذا قال قتادة(٣). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالوا: فإن فينا الثقيل، وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره فأنزل الله وأبى أن [يعذرهم دون أن ينفروا ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: ](٤) على ما كان منهم(٥). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري - أيضاً -: في العسر واليسر(٦). وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية وهذا اختيار ابن جرير. وقال الإِمام أبو عمرو الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفافاً وركباناً، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافاً وثقالاً وركباناً ومشاة(٧)، وهذا تفصيل في المسألة. وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخراساني وغيرهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله(٨). وقال السدي: قوله: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: غنياً وفقيراً وقوياً وضعيفاً فجاءه رجل يومئذٍ زعموا أنه المقداد وكان عظيماً سميناً فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى فنزلت يومئذٍ ﴿ انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتدَّ على الناس فنسخها الله فقال: ﴿لَيْسَ عَلَىَ الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُّ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾(٩) [التوبة: ٩١]. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله وَليل بدراً ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاماً واحداً. قال: وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً(١٠). وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا حُريز بن عثمان، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، حدثني أبو راشد الحبراني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور عن الحكم بن عتيبة. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: ((وأبى أن يعذبهم)). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن زاذان عن الحسن. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الوليد عن أبي عمرو مختصراً. (٨) أي عند الآية ١٢٢ من هذه السورة. (٩) سنده ضعيف جداً لأن السدي شيعي ولم يدرك المقداد، ومثل هذا لا يقبل من شيعي، ثم إن المقداد مقدام وبطل لا يعرف الاستئذان في الميدان عرفناه من خلال مقولته المشهورة قُبيل غزوة بدر. بل ثبت عنه في تفسير هذه الآية قوله أمرنا أن ننفر على كل حال كما يلي في الروايتين التاليتين. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر بسند ثابت عن أبي وأبي أيوب أنهما قالا: أُمرنا أن ننفر على كل حال (تاريخ دمشق ج٥/ ل٢٢٣م). ٢٩٧ • سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ (٤٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسول الله * جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فَضَل عنه من عِظَمِه يريد الغزو فقلت له: قد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البعوث ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾(١). وقال ابن جرير: [حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا حريز](٢)، حدثني حبان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان والياً على حمص قبل الأفسوس(٣) إلى الجراجمة (٤) فرأيت شيخاً كبيراً همًّا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك. قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً ألا إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله فيك(٥). ثم رغَّب تعالى في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال: ﴿وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: هذا خير لكم في الدنيا والآخرة لأنكم تغرمون في النفقة قليلاً فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة كما قال النبي وَّر: ((تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفَّاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة)) ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُنْهُ لَّكُمْ وَعَسَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمِّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (18)﴾ [البقرة]. ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد حدثنا: محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس أنّ رسول الله ◌َ﴾ قال الرجل: (أسلم)) قال: أجدني كارهاً قال: ((أسلم وإن كنت كارهاً)) (٦). 2- ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لََّتَعُوَكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اُسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ يقول تعالى موبخاً للذين تخلفوا عن النبي وَل* في غزوة تبوك وقعدوا بعدما استأذنوه في ذلك مظهرين أنهم ذوو أعذار ولم يكونوا كذلك فقال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قال ابن عباس: غنيمة قريبة (٧). ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: قريباً أيضاً ﴿لََّتَّعُوكَ﴾ أي: لكانوا جاءوا معك لذلك ﴿ وَلَكِنُّ بَعُدَتْ عَلَتِهِمُ الشُقَّةُ﴾ أي: المسافة إلى الشام ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِلَّهِ﴾ أي: لكم إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ اُسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ أي: لو لم يكن لنا أعذار لخرجنا معكم قال الله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ . (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن وبقية صرح بالسماع. (٢) زيادة من (مح) إذ لا توجد في النسخ الأخرى. (٣) الأفسوس: بلد بثغور طرسوس في سوريا (ينظر: معجم البلدان ٣٣٠/١). (٤) الجراجمه: قوم من نبط الشام. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن كسابقه. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٧/١٩ ح ١٢٠٦١)، وصحح سنده محققوه. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ٢٩٨ • سُؤَدَّةُ الْتَوَيَّةِ (٤٣، ٤٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 لا ٤٣ 42 ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِينَ يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ ٤٤ إِنَّمَا يَسْتَقْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْقَبَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَُّونَ ٤٥ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حصين بن سليمان الرازي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾(١). وكذا قال مورق العجلي وغيره(٢). وقال قتادة: عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخّص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال: ﴿فَإِذَا أَسْتَتْذَنُكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية [النور: ٦٢](٣) وكذا روي عن عطاء الخراساني. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أُناس قالوا: استأذنوا رسول الله وَّر، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا (٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿حَّى يَتَبَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ أي: في إبداء الأعذار ﴿وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِنَ﴾ يقول تعالى هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرِّين على القعود عن الغزو [وإن لم تأذن لهم فيه. ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو](٥) أحد يؤمن بالله ورسوله فقال: ﴿لَا يَسْتَقْذِئُكَ﴾ أي: في القعود عن الغزو ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَنْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ لأنهم يرون الجهاد قُربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِلْمُنَّقِينَ ٤٤ إِنَّمَا يَسْتَخْذِنُكَ﴾ أي: في القعود مما لا عذر له ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ﴾ أي: لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم ﴿وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: شكَّت في صحة ما جئتهم به ﴿فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَذَُّونَ﴾ أي: يتحيَّرون يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، وليست لهم قدم ثابتة في شيء فهم قوم حيارى هلكى لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً. ﴿﴿ٌ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اَللَّهُ أَنْعَانَهُمْ فَتَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اُلْقَعِدِينَ ﴿٨ لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبَغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّدْعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِلظَّالِمِينَ ﴾﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُرِجَ﴾ أي: معك إلى الغزو ﴿لَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةً﴾ أي: لكانوا تأهبوا (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق موسى بن سروان عن مورق. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به وأطول، ولكنه مرسل. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه مرسل. (٥) ما بين معقوفين بياض في الأصل، واستدرك من (عم) و(حم) و(مح). ٢٩٩ سُورَةُ التَّوَنَّةِ (٤٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 له ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ أَنْعَائَهُمْ﴾ أي: أبغض أن يخرجوا معك قدراً ﴿فَتَبَّطَهُمْ﴾ أي: أخرهم ﴿ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اُلْقَهِدِينَ﴾ أي: قدراً. ثم بيّن تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: لأنهم جبناء مخذولون ﴿وَلَوْضَعُوْ ◌َِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ اٌلْفِتْنَةَ﴾ أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة ﴿وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَمُمْ﴾ أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شرِّ بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد(١) [وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن جَريج](٢): ﴿وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَمُمَّ﴾ أي: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم، وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين. وقال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي بن سلول، والجدُّ بن قيس وكانوا أشرافاً في قومهم فتبَّطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال: ﴿وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَمُّ﴾(٣). ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِمِينَ﴾ فأخبر بأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا؟ ومع هذا ما خرجوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوَّ رُدُوْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمِّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَواْ وَهُم مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ أُخْرُجُواْ مِنْ دِيَئِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا ﴾ وَإِذَا لََّتَيْنَهُم مِّن ◌َّدُنَّاَ وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٣)﴾ والآيات [النساء] في هذا كثيرة. أَجْرًا عَظِيمًا -- ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ اُلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ الْأُورَ حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ٤٨) كَرِهُونَ يقول تعالى محرِّضاً لنبيه لعلّها على المنافقين: ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ أَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ اُلْأُمُورَ﴾ أي: لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك وإخماله مدة طويلة، وذلك أول مقدم النبي ◌ّللر المدينة؛ رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود (١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٢) في النسخ الخطية والنسخ المطبوعة: وزيد بن أسلم وابن جرير، والتصويب من تفسير الطبري إذ أخرجه بالسند المتكرر من طريق الحسين، وهو سنيد، عن حجاج عن ابن جريج وكذلك أخرجه سعيد بن منصور عن ابن جريج (السنن، التفسير ح ١٢٠)، وكذلك أخرجه الطبري بالسند الصحيح المتكرر من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وليس عن زيد بن أسلم، وقد أخرجه الثعلبي أيضاً عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (الكشف والبيان ج٣/ ٨٧ب). (٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٥٤٩/٢). ٣٠٠ سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٤٩، ٥١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإسلام ظاهراً، ثم كلما أعزَّ الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ . 2- ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَثْذَنْ لِ وَلَا نَفْتِنَّ أَلَا فِىِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ ◌ِاَلْكَفِرِينَ يقول تعالى: ومن المنافقين من يقول لك يا محمد: ﴿آُثْذَن ◌ِيِ﴾ في القعود ﴿وَلَا نَفْتِنٌِّ﴾ بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم. قال الله تعالى: ﴿أَلَا فِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ أي: قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا؛ كما قال محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة وغيرهم قالوا: قال رسول الله وسل﴿ ذات يوم وهو في جهازه للجدِّ بن قيس أخي بني سلمة(١): ((هل لك يا جدّ العام في جلاد بني الأصفر؟)) فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتنِّي، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهنَّ. فأعرض عنه رسول الله وَّ﴿ وقال: ((قد أذنتُ لكَ)) ففي الجدِّ بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِيِ وَلَا نَفْتِنِِّ﴾ الآية(٢) أي: إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله وَخ والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم. وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنها نزلت في الجدِّ بن قيس(٣)، وقد كان الجدُّ بن قيس هذا من أشراف بني سلمة. وفي الصحيح أن رسول الله وَّر قال لهم: ((من سيدكم يا بني سلمة؟)) قالوا: الجدُّ بن قيس على أنا نبخله. فقال رسول الله وَ له: ((وأي داء أدوأ من البخل! ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض بِشرُ بن البراء بن معرور))(٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ أي: لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب. ] ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌّ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ ﴿ قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ (٥٢) + الْمُؤْمِنُونَ يُعلِم تبارك وتعالى نبيَّه وَله بعداوة هؤلاء له؛ لأنه مهما أصابه من حسنة، أي: فتح وظفر على (١) هو الجد بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن غنم الأنصاري، وقال ابن عبد البر: إنه تاب فحسنت توبته، ومات في خلافة عثمان طه (الاستيعاب ٢٥٤/١ - ٢٥٥). (٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وسنده مرسل، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٥٩/٤). (٣) قول ابن عباس لم يصرح باسم الجد بن قيس فيما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، مختصراً. (٤) أخرجه البخاري معلقاً (الصحيح، العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق قبل حديث رقم ٢٥٥٠) ووصله الحافظ ابن حجر بسنده الطويل من حديث كعب بن مالك، ثم صحح سنده (تغليق التعليق ٣٤٧/٣).