Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سُورَةُ الأَفَِّلَ (٥٢، ٥٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَِّمُونَ فِ غَمَرَتِ أَلُوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَبْدِيهِمْ أَخْرِجُوّا
أَنفُسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: باسطو أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم، إذ استصعبت أنفسهم،
وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهراً، وذلك إذا بشروهم بالعذاب والغضب من الله،
كما في حديث البراء أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة،
يقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه
فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السفود(١) من الصوف المبلول، فتخرج معها العروق
والعصب(٢)، ولهذا أخبر تعالى: أن الملائكة تقول لهم ذوقوا عذاب الحريق.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة
في حياتكم الدنيا، جازاكم الله بها هذا الجزاء ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يظلم أحداً
من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور تبارك وتعالى، وتقدَّس وتنزَّه الغني الحميد، ولهذا
جاء في الحديث الصحيح، عند مسلم كَثّثهُ، من رواية أبي ذرِّ رَظُه، عن رسول الله وَّةِ، إن الله
تعالى يقول: ((يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا،
يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا
يلومنَّ إلا نفسه))(٣)، ولهذا قال تعالى:
﴿ ﴿كَدَأْبٍ ءَلِ فِرْعَوْنٌ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِئَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمَّ إِنَّ اللََّ قَوِىٌّ
٥٢
شَدِيدُ اُلْعِقَابِ
يقول تعالى: فعل هؤلاء من المشركين المكذبين بما أرسلت به يا محمد، كما فعل الأمم
المكذبة قبلهم، ففعلنا بهم ما هو دأبنا أي: عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون
ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله ﴿فَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِرَّ﴾ أي: بسبب
ذنوبهم أهلكهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لا يغلبه غالب ولا
يفوته هارب.
] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَّى يُغَيْرُوْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَ اَللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ
كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِهَايَتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ
٥٣
كَانُواْ ظَلِمِينَ
وَكُلُّ
يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد، إلا
بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَ اَللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَدَ اللَّهُ بِقَوْمٍ
سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] وقوله: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنٌَ﴾ أي:
كصنعه بآل فرعون وأمثالهم، حين كذبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعم التي
(١) السفود: السيخ من حديد يشوى بها اللحم.
(٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آية ٤٠.
(٣) صحيح مسلم، البر، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧).

٢٢٢
• سُورَةُ الأَفَّالَِّ (٥٨،٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أسداها إليهم، من جنَّات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم، ونَعمة كانوا فيها فاكهين، وما
ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين.
-- ﴿إِنَّ شَرَّ الذَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ
فِي كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ ﴿٨َ فَإِمَّا نَتْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذْكُرُونَ (60)﴾
أخبر تعالى: أن شرَّ ما دبَّ على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين كلَّما
عاهدوا عهداً نقضوه، كلَّما أكدوه بالأيمان نكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون من الله في
شيء ارتكبوه من الآثام، ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَّهُمْ فِى الْحَرْبِ﴾ أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب، ﴿فَشَرِّدْ بِهِم
مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكِّل بهم، قاله ابن عباس والحسن البصري والضحاك والسدي وعطاء
الخراساني وابن عيينة(١)، ومعناه: غلِّظ عقوبتهم وأثخنهم قتلاً، ليخاف من سواهم من الأعداء
من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وقال السدي: يقول: لعلهم يحذرون
أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك(٢).
﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْرٍ خِيَانَةٌ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيِنِينَ
.
يقول تعالى لنبيه وَله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي: نقضاً لما بينك
وبينهم من المواثيق والعهود، ﴿فَنِبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عهدهم ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ أي: أعلمهم بأنك قد
نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك
وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز:
حتى يجيبوك إلى السواء (٣)
فاضرب وجوه الغدر الأعداء
وعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل(٤)، ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْقَيِنِينَ﴾ أي: حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضاً.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر،
قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى
الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابَّة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدراً، إن رسول الله وَل
قال: ((ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلنَ عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم
على سواء)) قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة نظبه(٥). وهذا الحديث
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن
عباس، ويتقوى بأقوال التابعين التي تليه كما يتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن
ابن عباس، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عن السدي.
(٣) ذكره الطبري ثم بين معنى السواء: العدل.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ١١١/٤، وأخرجه الترمذي من طريق شعبة به وقال: حسن صحيح
(السنن، السير، باب ما جاء في الغدر ح ١٥٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح١٢٨٥).

٢٢٣
سُورَةُ الأَنفَّاكَ (٥٩، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه،
من طرق عن شعبة به (١)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن
السائب، عن أبي البختري عن سلمان، يعني: الفارسي ظُه، أنه انتهى إلى حصن أو مدينة،
فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله مَّ﴿ يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلاً منكم،
فهداني الله و للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم
صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الَْيِنِينَ﴾ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام،
فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله(٢).
وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ
٥٩
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوَاْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ
وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُّ اَللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا
تُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ
يقول تعالى لنبيه وَل﴾: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ يا محمد ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ أي: فاتونا، فلا نقدر
عليهم بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَأْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [العنكبوت] أي: يظنون، وقوله تعالى: ﴿لَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ [النور] وقوله تعالى: ﴿لَا
﴿َ مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الِهَادُ (9)﴾ [آل عمران] ثم
يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ
أمر تعالى، بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُواْ
لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم﴾ أي: مهما أمكنكم ﴿مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾ .
قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن
أبي علي ثمامة بن شفيّ، أخي عقبة بن عامر، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله وَل
يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة
الرمي))(٣). رواه مسلم، عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجه عن
يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب به (٤). ولهذا الحديث طرق أخر، عن عقبة بن
عامر، منها ما رواه الترمذي من حديث صالح بن كيسان، عن رجل عنه، وروى الإمام أحمد وأهل
السنن عنه قال: قال رسول الله وَير: ((ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا))(٥).
(١) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه (ح٢٧٥٩)، والسنن الكبرى
للنسائي (ح٨٧٣٢)، ومسند الطيالسي (ح١١٥٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ١٢٩/٣٩ ح٢٣٧٢٦)، وسنده ضعيف لأن أبا البختري وهو
سعيد بن فيروز لم يسمع من سلمان الفارسي ضـ
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٦/٤) وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه (ح ١٩١٧).
(٥) المسند ١٤٤/٤، وسنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ما جاء في الرمي في سبيل الله (ح١٦٣٧)، وقال =

٢٢٤
• سُورَةُ الأَنْفََِّ (٥٩، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة به أن
رسول الله ﴾ قال: ((الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وِزر، فأما الذي له
أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مَرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من
المرج(١) أو الروضة، كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها(٢)، فاستنت(٣) شرفاً(٤) أو شرفين
كانت آثارها وأروائها حسنات له، ولو أنها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به، كان ذلك
حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولم ينس حق الله في رقابها ولا
ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء، فهي على ذلك وزر)) وسئل رسول الله وَل
عن الحمر، فقال: ((ما أنزل الله عليّ فيها شيئاً إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَِّ شَرَّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة](٥) رواه البخاري وهذا لفظه،
ومسلم كلاهما من حديث مالك(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الرُّكين بن الربيع، عن القاسم بن
حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ◌َّة، قال: ((الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس
للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله
- وذكر ما شاء الله - وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أو يراهن عليها، وأما فرس الإنسان،
فالفرس يربطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي له ستر من الفقر))(٧).
وقد ذهب أكثر العلماء، إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك، إلى أن
الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وهاشم، قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن
ابن شماسة، أن معاوية بن خديج، مرّ على أبي ذرِّ وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعاني من
فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته، قال: وما دعاء بهيمة من
البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده، ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر، فيقول: اللَّهم أنت
خولتني عبداً من عبادك، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحبَّ إليه من أهله وماله وولده(٨).
= الترمذي: حسن صحيح وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب الرمي في سبيل الله (ح٢٨١١)، وأخرجه الحاكم
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٩٥/٢).
(١) أي الأرض الواسعة الخضراء.
(٣) أي جرت.
(٢) الطيل: الحبل الذي تربط به الخيل.
(٤) أي المكان العالي من الأرض.
(٥) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ ٤٤٤/٢ ح ٣) وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، المساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب (ح٢٣٧١)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إثم
مانع الزكاة ٩٨٧.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٨/٦ ح٣٧٥٦)، وصححه محققوه بالشواهد، وفي سنده
القاسم بن حسان لم يسمع ابن مسعود له، وجود سنده المنذري في الترغيب (ح١٨٧٧)، وقال الهيثمي:
ورجاله ثقات فإن كان القاسم سمع ابن مسعود فالحديث صحيح (مجمع الزوائد ٢٦٠/٥)، وصححه
الألباني في صحيح الجامع الصغير (ح ٣٣٤٥).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٧/٣٥ ح ٢١٤٤٢)، وصحح سنده محققوه.

٢٢٥
سُورَةُ الَفَّا (٥٩، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: وحدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن
سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج، عن أبي ذرِّ رَظُنُه، قال: قال رسول الله وَله: ("إنه ليس من
فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين: يقول: اللَّهم إنك خولتني من خولتني من
بني آدم، فاجعلني من أحبُّ أهله وماله إليه - أو - أحبَّ أهله وماله إليه))(١)، رواه النسائي، عن
عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان به (٢).
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا
يحيى بن حمزة، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني، عن [الحسن بن أبي الحسن](٣). أنه قال
لابن الحنظلية - يعني سهلاً -: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله وَله، فقال: سمعت رسول الله وَله
يقول: ((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرساً
في سبيل الله، كانت النفقة عليه كالماد يده بالصدقة لا يقبضها)) (٤).
والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة. وفي صحيح البخاري، عن عروة بن أبي
الجعد البارقي، أن رسول الله ◌َي، قال: ((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة،
الأجر والمغنم))(٥).
وقوله: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ أي تخوفون ﴿بِهِ، عَدُوَّ اَللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي: من الكفار ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾
قال مجاهد يعني: بني قريظة(٦) .
(٧)
وقال السدي: فارس (١٧.
وقال سفيان الثوري: قال ابن يمان: هم الشياطين التي في الدور(٨)، وقد ورد حديث بمثل
ذلك.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي، حدثنا أبو حيوة - يعني:
شريح بن يزيد المقري - حدثنا سعيد بن سنان، عن ابن عريب - يعني: يزيد بن عبد الله بن
عريب -، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله وَ ل﴿ كان يقول في قول الله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ
لَا نَعْلَمُونَهُمِّ﴾ قال هم الجن(٩)، ورواه الطبراني عن إبراهيم بن دُحيم، عن أبيه، عن محمد بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٢/٣٥ ح ٢١٤٩٧)، وصححه محققوه موقوفاً اعتماداً على
الدار قطني في العلل ٢٦٧/٦، وبما أن سابقه موقوف فيقوي هذا المرفوع.
(٢) سنن النسائي، الخيل، باب دعوة الخيل ٢٢٣/٦، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٣٤٦).
(٣) كذا في (عم) و(حم) و(مح) والمعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل: ((الحسن بن الحسن)).
(٤) المعجم الكبير ٩٨/٦ ح٥٦٢٣ قال الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ٢٥٩/٥)، ويشهد له ما في الصحيح
كما في الحديث التالي.
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب الخيل معقود في نواصيها الخير (ح ٢٨٥٠).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الثوري لم يسمع من ابن يمان، وهو حذيفة ظـ
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أحمد بن الفرج الحمصي كما قال الحافظ ابن
حجر في التقريب وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣٢/٧).

٢٢٦
• سُورَةُ الْأَفََِّ (٦١، ٦٣)
000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
شعيب، عن [سعيد بن سنان](١) عن يزيد بن عبد الله بن عريب به، وزاد، قال رسول الله وَيه :
((لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل)) (٢)، وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده، ولا متنه.
وقال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون(٣)، وهذا أشبه الأقوال،
ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَبِ مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى اَلِنِّفَاقِ لَا
تَعْلَمُهٌ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَقَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
نُظْلَمُونَ﴾ أي: مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال، ولهذا جاء في
الحديث الذي رواه أبو داود: أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف(٤)، كما
تقدم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ
سُبْلَةٍ مِائَةُ حَُّّ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ (٣)﴾ [البقرة].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن
الدشكتي، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس عن النبي و #، أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت ﴿وَمَا
تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ فأمر بالصدقة بعدها، على كل من سألك من كل
دين(٥)، وهذا أيضاً غريب.
﴿ ﴿﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ
يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِزُ حَكِيمٌ (﴾﴾.
يقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة، فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على
حربك ومنابذتك، فقاتلهم ﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾ أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمصالحة
والمهادنة، ﴿فَاجْنَحْ لَا﴾ أي: فمِل إليها واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون، عام
الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله وَّل، تسع سنين، أجابهم إلى ذلك مع ما
اشترطوا من الشروط الآخر.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثني فضيل بن سليمان
- يعني النميري - حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن علي بن أبي
(١) كذا في المعجم الكبير، وفي النسخ الخطية: سنان بن سعيد بن سنان، وتقدمت ترجمته وضعفه في الرواية
السابقة.
(٢) المعجم الكبير ١١٨/١٧ وضعفه الحافظ ابن كثير سنداً ومتناً.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٦١.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن جعفر وهو ابن أبي المغيرة صدوق يهم ولم يُتابع،
واستغرب متنه الحافظ ابن كثير.

·
سُورَةُ الأَنْفَّالِ﴾ (٦١، ٦٣)
٢٢٧
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
طالب ظبه، قال: قال رسول الله وَه: ((إنه سيكون اختلاف أو أمر فإن استطعت أن يكون
السِّلم (١) فافعل))(٢).
وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة (٣)، وهذا فيه نظر، لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها
مكتنف لهذا كله، وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن
وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَّوْمِ
الْآَخِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية (٤)، وفيه نظر أيضاً، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك،
فأما إن كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل
النبيُّ نَّهِ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك ولو كانوا
يريدون بالصلح خديعة، ليتقووا ويستعدوا ﴿فَإِنَ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك وحده، ثم ذكر نعمته
عليه مما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَذَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِلْمُؤْمِنِينَ
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، ﴿لَوْ
أَنْفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء فإن
الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل
في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَ شَفَا
حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ (0)﴾ [آل عمران].
وفي الصحيحين: ((أن رسول الله وَ ﴿ لما خطب الأنصار، في شأن غنائم حُنين، قال لهم: ((يا
معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين
فألفكم الله بي؟)) كلما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمَنُّ))(٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ
أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز الجناب، فلا يخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في
أفعاله وأحكامه.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن بشر الصيرفي
(١) أي: المسالم.
(٢) أخرجه عبد الله في زوائد أبيه بسنده ومتنه (المسند ١٠٦/٢ ح٦٩٥)، وضعفه محققوه بسبب فضيل بن
سليمان وهو: صدوق كثير الخطأ. وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٢٣٤/٧).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس، وقول ابن عباس وعطاء الخراساني هو قول واحد
أخرجه ابن أبي حاتم وابن الجوزي (نواسخ القرآن: ١٦٧)، كلاهما بسند ضعيف من طريق عطاء
الخراساني عن ابن عباس. وقول عكرمة والحسن البصري أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق يزيد
النحوي عنهما (نواسخ القرآن: ١٦٨)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي
عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة
قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦١).

٢٢٨
سُورَةُ الأَفََِّ (٦١، ٦٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
القزويني - في منزلنا -، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحسين القنديلي الاستراباذي، حدثنا أبو
إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار، حدثنا ميمون بن الحكم، حدثنا بكر بن الشرود،
عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قرابة
الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك موجود في الشعر:
فغشك واستغنى فليس بذي رحم
إذا بت ذو قربى إليك بزلة
ولكن ذا القربى الذي إن دعوته
(١)
أجاب وأن يرمي العدو الذي ترمي
قال: ومن ذلك قول القائل:
وبلوت ما وصلوا من الأسباب
ولقد صحبت الناس ثم سبرتهم(٢)
وإذا المودة أقرب الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً
قال البيهقي: لا أدري هذا موصول بكلام ابن عباس أو هو من قول من دونه من الرواة (٣).
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ظه، سمعه يقول:
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال: هم المتحابون في الله.
وفي رواية نزلت في المتحابين في الله (٤). رواه النسائي والحاكم في مستدركه وقال: صحيح.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الرحم
لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ
مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾(٥). رواه الحاكم أيضاً(٦).
وقال أبو عمرو الأوزاعي: حدثني عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد، ولقيته فأخذ بيدي فقال:
إذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما تحات
ورق الشجر(٧). قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير، فقال: لا تقل ذلك فإن الله يقول: ﴿لَوْ
أَنفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني (٨).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزي، عن الوليد بن أبي
مغيث، عن مجاهد، قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال: قلت لمجاهد:
(١) نسبهما صاحب (العقد الفريد ٢١٤/٢) إلى أبي تمام، ونسب ابن قتيبة البيت الثاني إلى أبي تمام (عيون
الأخبار ٩٠/٣).
(٢) أي خبرتهم.
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (رقم ٩٠٣٤)، وفي سنده محمد بن مسلم الطائفي صدوق يخطئ من
حفظه (التقريب ص٥٠٦)، ويتقوى برواية عبد الرزاق.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود،
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (ح١١٢١٠)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٩/٢).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٨/٢ - ٣٢٩).
(٧) تحات ورق الشجر أي: تساقط من غصنه إذا ذبل.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وسيأتي من طريق آخر صحيح.

٢٢٩
سُورَةُ الأَفَّالَ (٦٤، ٦٦)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بمصافحة يغفر لهما؟ قال مجاهد: أما سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني (١)، وكذا روى طلحة بن
مصرف عن مجاهد(٢).
وقال ابن عون، عن عُمير بن إسحاق، قال: كنا نتحدث أن أول ما يُرفع من الناس الألفة (٣).
وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني تخّتُهُ: حدثنا الحسين بن إسحاق التُستَري،
حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا سالم بن غيلان، سمعت جعداً أبا عثمان، حدثني أبو
عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، أن رسول الله وسلم قال: ((إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم
فأخذ بيده، تحاتت عنهما ذنوبهما، كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف،
وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبدَ البحر (٤).
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَّبَّعَكَ مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ
﴿یَأَيُّهَا
اَلْقِتَالِّ إِن يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴿ الْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنتَ فِيَكُمْ ضَعْفَأْ فَإِن يَكُنْ مِّنْكُمْ
مَأْتَّةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهُ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ ﴾﴾﴾.
يُحرِّض تعالى نبيَّه وَّه والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه
حسبهم أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو
قلَّ عدد المؤمنين.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا
سفيان، عن [شوذب](6) عن الشعبي في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(19)) قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك(٦). قال: وروي عن عطاء الخراساني
وعبد الرحمن بن زيد مثله(٧)، ولهذا قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أي: حثهم أو
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده إبراهيم الخوزي ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق طلحة بن مصرف به.
(٣) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل بن علي عن ابن عون به، وسنده صحيح إلى عُمير.
(٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٥٦/٦)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان وهو
ثقة (المجمع ٣٧/٨)، وحسن سنده المنذري في الترغيب (ح ٤٠١٢).
(٥) شوذب كذا في التاريخ الكبير فقد أخرجه البخاري من طريقه به (٢٦١/٤)، وهو معروف بالرواية عن
الشعبي وبرواية سفيان عنه كما في الجرح والتعديل. (٣٧٨/٤)، وفي الأصل: و(عم) وتفسير ابن أبي حاتم
ورد باسم: ابن شوذب والصواب ما أثبت إذ أخرجه الطبري أيضاً من طريق شوذب أبي معاذ به في ثلاث
روايات متتالية.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الفرق السابق في شوذب، وقد سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم،
ومعناه صحیح.
(٧) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب
عنه .

٢٣٠
سُورَةُ الأَفََّ (٦٤، ٦٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مرهم عليه، ولهذا كان رسول الله وَلَه يُحرِّض على القتال، عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال
لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عَدَدَهم وعُدَدِهم: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات
والأرض)) فقال عُمير بن الحمام: عرضها السّموات والأرض؟ فقال رسول الله وَّقال: ((نعم))،
فقال: بخ بخ، فقال: ((ما يحملك على قولك بخ بخ؟)) قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال:
((فإنك من أهلها)) فتقدم الرجل، فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى
بقيتهنَّ من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهنَّ إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى
قتل (١).
وقد روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن
الخطاب وكمل به الأربعون(٢). وفي هذا نظر، لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد
الهجرة إلى أرض الحبشة، وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم.
ثم قال تعالى مبشراً للمؤمنين وآمراً: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَّنَّ وَإِن يَكُن
مِّنكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ كل واحد بعشرة، ثم نُسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.
قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الحريث، عن عكرمة، عن
ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إِن يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ﴾ شقَّ ذلك على
المسلمين، حتى فرض الله عليهم أن لا يفرَّ واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿اَلْتَنَ
خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ﴾ قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر،
بقدر ما خفف عنهم، وروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه(٣).
وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية:
قال: كتب عليهم أن لا يفرَّ عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: ﴿ الْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ
عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًاً﴾ فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.
وروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان به نحوه (٤).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت
هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفاً، فخفف الله عنهم
فنسخها بالآية الأخرى، فقال: ﴿اٌلْثَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أََ فِيَكُمْ ضَعْفًاً﴾ الآية، فكانوا إذا
كانوا على الشطر من عدوهم، لم يسغ لهم أن يفرُّوا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب
(١) أخرجه مسلم من حديث أنس ته (الصحيح، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١).
(٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٦٠/١٢ ح ١٢٤٧٠)، والواحدي (أسباب النزول
ص٢٣٤)، كلاهما من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي، حدثنا خلف بن خليفة عن الرماني عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس. وسنده ضعيف جداً لأن إسحاق بن بشر كذاب يضع الحديث (المجروحين لابن حبان
١٣٥/١، وتاريخ بغداد ٣٢٨/٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن
سعيد بن جبير وهو مرسل، وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو الشيخ كما قال السيوطي في الدر المنثور.
(٣) صحيح البخاري، تفسير سورة الأنفال، باب (الآن خفف الله عنكم ... )) (ح ٤٦٥٣).
(٤) المصدر السابق (ح ٤٦٥٢).

٢٣١
• سُورَةُ الأَفَّاكَ (٦٧، ٦٩)
عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم(١).
وروى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو ذلك(٢)، قال ابن أبي حاتم: وروي عن
مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن، وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والضحاك، وغيرهم نحو
ذلك(٣).
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون، عن نافع،
عن ابن عمر ◌ًا، في قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنٍ﴾ قال: نزلت فينا
أصحاب محمد يلي (٤).
وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي عمرو بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن
رسول الله وَّر قرأ: ﴿اَلْثَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفاً﴾ رفع. ثم قال: صحيح الإسناد
ولم يخرجاه(٥).
] ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ
د
فَكُلُواْ مِمَّا
اُلْأَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَّوْلَا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْ الَهَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ()﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن هاشم، عن حميد، عن أنس مظلته، قال: استشار النبي وَّهه
الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: ((إن الله قد أمكنكم منهم)). فقام عمر بن الخطاب فقال: يا
رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ◌َّر، ثم عاد رسول الله وَلهو فقال: (يا أيها الناس
إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس)) فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب
أعناقهم، فأعرض عنه النبي ◌َّر، ثم عاد النبي و للر فقال: للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر
الصديق ظه، فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن
وجه رسول الله وَلّ ما كان فيه من الغمِّ، فعفا عنهم وقبلَ منهم الفِداء، قال وأنزل الله رحمك:
﴿لَّوْلَا كِنَبُ مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية (٦).
وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك.
وقال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال
رسول الله قال: ((ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟)) فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك،
استبقهم واستتبهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: ((يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم
(١) ذكره ابن هشام في السيرة ٣٣١/٢، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٢) أخرجه الطبري من الطريقين وطريق ابن أبي طلحة ثابت يقوي طريق العوفي.
(٣) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وقتادة والسدي أخرجه بأسانيد ثابتة عنهم.
(٤) سنده ضعيف لأن المسيب بن شريك متروك (ميزان الاعتدال ١١٤/٤).
(٥) أخرجه الحاكم من طريق سلام المدايني عن أبي عمرو بن العلاء به، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله:
سلام واهٍ. (المستدرك ٢٣٩/٢)، ولكن هذه القراءة متواترة.
(٦) تقدم تخريجه وصحته في تفسير الآية ٩ من هذه السورة الكريمة.

٢٣٢
سُورَةُ الأَفَّالَ (٦٧، ٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فاضرب أعناقهم)) وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت في وادٍ كثير الحطب، أضرم
الوادي عليهم ناراً، ثم ألقهم فيه، قال: فسكت رسول الله وَ له فلم يردّ عليهم شيئاً، ثم قام
فدخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول
عبد الله بن رواحة.
ثم خرج عليهم رسول الله وسلم فقال: ((إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللّبن،
وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل
إبراهيم علّ، قال: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَُّ مِنِّيَّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وإن مثلك يا
أبا بكر كمثل عيسى عليَّ*، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ
[المائدة] وإن مثلك يا عمر، كمثل موسى لعلَّلها، قال: ﴿رَبَّنَا أَلْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَلَ يُؤْمِنُواْ حَ يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وإن مثلك يا عمر، كمثل نوح علّلها، قال: ﴿رَّبِّ لَا
نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (٣)﴾ [نوح] أنتم عالة(١) فلا ينفكنَّ أحد منهم إلا بفداء، أو ضربة
عنق)) قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت
رسول الله ﴿، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك
اليوم، حتى قال رسول الله وَله: ((إلا سهيل بن بيضاء)) فأنزل الله رَ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُر
أَسْرَى﴾ إلى آخر الآية، رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به،
والحاكم في مستدركه، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢). وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه
عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﴿، عن النبي ◌ُّر نحوه. وفي الباب عن أبي أيوب
الأنصاري.
وروى ابن مردويه أيضاً، واللفظ له والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى،
حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: لما أسر الأسارى يوم
بدر، أُسر العباس فيمن أُسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه،
فبلغ ذلك النبي وسي﴿ فقال رسول الله وَّه: ((إني لم أنم الليلة من أجل عمِّي العباس، وقد زعمت
الأنصار أنهم قاتلوه)) فقال له عمر: أفآتهم؟ فقال: ((نعم))، فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا
العباس، فقالوا: لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله صل﴿ رضى؟ قالوا: فإن
كان لرسول الله* رضى فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده، قال له: يا عباس أسلم فوالله
لأن تسلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله وَلقر يعجبه
إسلامك، قال: واستشار رسول الله و * أبا بكر فيهم، فقال: أبو بكر عشيرتك فأرسلهم،
فاستشار عمر فقال: اقتلهم ففاداهم رسول الله وَّه، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾
الآية (٣)، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(١) أي فقراء.
(٢) أخرجه الإمام أحمد عن أبي معاوية به (المسند ٦/ ١٤٠ ح ٣٦٣٢)، وضعفه محققوه لأن أبا عبيدة لم يسمع
من ابن مسعود، وذكروا أن لبعضه شواهد في صحيح مسلم. أي في الرواية السابقة.
(٣) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٩/٢)، وفي سنده إبراهيم بن مهاجر فيه مقال كما =

٢٣٣
• سُورَةُ الأَفََِّ (٦٧، ٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال سفيان الثوري، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي
◌َنَّه،
قال: جاء جبريل إلى النبي ◌َ ﴿ يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسارى، إن شاؤوا الفداء،
وإن شاؤوا القتل، على أن يقتل عاماً مقبلاً منهم مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا. رواه الترمذي
والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري به(١)، وهذا حديث غريب جداً.
وقال ابن عون، [عن محمد](٢)، عن عبيدة، عن علي، قال: قال رسول الله وَّر في أسارى
يوم بدر: ((إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم، واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم))
قال: فكان آخر السبعين، ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة ظه(٣)، ومنهم من روى هذا الحديث
عن عبيدة مرسلاً (٤)، فالله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿مَا كَانَ لِنَّ أَن
يَكُونَ لَهُؤْ أَسْرَى﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا
أني لا أعذب من عصاني، حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم(٥)، وكذا روى ابن
أبي نجيح، عن مجاهد (٦)، وقال الأعمش: سبق منه أن لا يعذب أحداً شهد بدراً، وروي نحوه
عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير وعطاء(٧).
وقال شعبة، عن أبي هاشم، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا كِنَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: لهم بالمغفرة(٨).
ونحوه وعن سفيان الثوري تَّتُهُ(٩) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَوْلاَ كِنَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يعني: في أم
الكتاب الأول، أن المغانم والأسارى حلال لكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الأسارى ﴿عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ (١٠) قال الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَا طَيِّبَأَ﴾ الآية. وكذا روى العوفي عن ابن
عباس(١١)، وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء والحسن البصري،
= في التقريب، ومعظمه له شواهد سابقة ولاحقة.
(١) سنن الترمذي، السير، باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء (ح١٥٦٧)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٦٦٢)،
ومتنه يخالف قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِّ﴾ [الأنفال: ٦٧].
(٢) الزيادة من المستدرك (١٤٠/٢) وهو محمد بن سيرين.
(٣) أخرجه الحاكم من طريق أزهر بن سعد السمان عن ابن عون به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٤٠).
(٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن سيرين عن عبيدة، وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بسابقه.
(٥) سنده حسن وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وصرح بأن عطاء هو ابن أبي رباح (سيرة ابن هشام ٦٧٥/٢
- ٦٧٦).
(٦) أخرجه الطبري بسنده صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٧) قول سعد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق خيثمة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي
حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار به، وقول الأعمش أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر
عنه قال: سبق من الله أحل لهم الغنيمة.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شعبة به بسند حسن.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قبيصة عن سفيان.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(١١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما سبق.

٢٣٤
• سُؤَدَّةُ الْأَنفَّاكَ (٧١،٧٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقتادة والأعمش أيضاً، أن المراد ﴿لَوْلًا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأُمة بإحلال الغنائم(١)، وهو
اختيار ابن جرير دَّثُ .
ويُستشهد لهذا القول، بما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد الله نظراته قال: قال
رسول الله وسلم: ((أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر،
وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت
الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبُعثت إلى الناس عامة))(٢).
وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ظلالله، قال: قال رسول الله وَّ: ((لم تحل
الغنائم لسود الرؤوس غيرنا))(٣) ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِعْتُمْ حَلًا طَيِّبًا﴾ الآية، فعند ذلك
أخذوا من الأسارى الفداء.
وقد روى الإمام أبو داود في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي، حدثنا سفيان بن
حبيب، حدثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله وَلقول جعل
فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة (٤)
وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء، أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل
ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين، كما فعل
رسول الله 18 في تلك الجارية وابنتها، اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردّهما وأخذ في
مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين(٥)، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام
الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة، مقرر في موضعه من كتب الفقه.
﴿ ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِمَنْ فِيَّ أَيْدِيكُمْ مِّنَ اُلْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرً مَِّّاً
7
أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ
وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾﴾.
قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله بن
(١) قول أبي هريرة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند فيه بشير بن ميمون وهو متروك متهم كما في التقريب،
وأخرجه الطبري من طريق آخر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وصححه أحمد شاكر، وقول ابن
مسعود أخرجه الطبري من طريق أبي وائل عنه وصححه أحمد شاكر، وقول قتادة والأعمش والحسن
البصري أخرجه الطبري بأسانيد صحاح.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير آية ٤٣ من سورة النساء.
(٣) أخرجه الترمذي من طريق الأعمش به وقال: حسن صحيح (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال
ح ٣٠٨٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٦٣)، وأخرجه الإمام أحمد وصححه أحمد
شاكر (المسند ح ٧٤٢٧).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب فداء الأسير بالمال (ح٢٦٩١)، وصححه الألباني دون لفظ:
الأربعمائة (صحيح سنن أبي داود ح ٢٣٤٠).
(٥) أخرجه مسلم مطولاً عن سلمة بن الأكوع ظه (الصحيح، الجهاد، باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
ح١٧٥٥).

٢٣٥
• سُوَّةُ الأَفَّالِ (٧٠، ٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عباس ◌ًّا أن رسول الله وَ ﴿ قال يوم بدر: ((إني قد عرفت أن أناساً من بني هاشم وغيرهم قد
أخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً منهم - أي من بني هاشم - فلا يقتله،
ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما
أخرج مستكرهاً)) فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟
والله لئن لقيته لألجمنَّه بالسيف، فبلغت رسول الله به فقال لعمر بن الخطاب: ((يا أبا حفص
- قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله وَ لّ أبا حفص - أيضرب وجه عمِّ رسول الله وَلّ
بالسيف؟» فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول
بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التي قلت، ولا أزال منها خائفاً إلا أن يكفرها الله تعالى
(١)
عني بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيداً
وبه عن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله وسل* يوم بدر، والأسارى محبوسون بالوثاق،
بات رسول الله وَ ﴿ ساهراً أول الليل فقال له أصحابه: يا رسول الله ما لك لا تنام؟ وقد أسر
العباس رجل من الأنصار، فقال رسول الله وَ له: ((سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه))
فسكت فنام رسول الله وله .
قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب وذلك أنه
كان رجلاً موسراً فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهباً(٢).
وفي صحيح البخاري من حديث موسى بن عقبة قال ابن شهاب: حدثنا أنس بن مالك أن
رجالاً من الأنصار قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. قال: ((لا والله
لا تذرونَّ منه درهماً»(٣).
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن الزهري، عن
جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله وَ﴿ في فداء أسراهم، فقدى كلُّ قوم أسيرهم بما
رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلماً، فقال رسول الله وَ له: ((الله أعلم بإسلامك فإن
يكن كما تقول فإن الله يجزيك وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابنيٌّ أخيك نوفل بن
الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني
الحارث بن فهر)): قال ما ذاك عندي يا رسول الله قال: ((فأين المال الذي دفنته أنت وأُم الفضل؟
فقلت لها إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقُثم)) قال: والله يا
رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أُم الفضل، فاحسب لي
يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله وشير: ((لا ذاك شيء
أعطانا الله تعالى منك)) فقدى نفسه وابني أخويه وحليفه فأنزل الله رَبَّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَنْ فِيِّ أَيَدِيكُمْ
مِنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيًْ مِمَّاً أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٧٠
(١) أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق به (دلائل النبوة ١٤٠/٣ - ١٤١)، وسنده ضعيف الإبهام شيخ
العباس بن عبد الله بن مغفل.
(٢) أخرجه البيهقي، وهو تتمة لسابقه وحكمه مثله، ولبعضه شواهد سابقة ولاحقة.
(٣) أخرجه البخاري من طريق موسى بن عقبة به (الصحيح، المغازي، باب ١٢ ح٤٠١٨).

٢٣٦
• سُورَةُ الأَفَّاك (٧٠، ٧١)
قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال
يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله ريال (١).
وقد روى ابن إسحاق أيضاً عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية بنحو
(٢)
مما تقدم(٢).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي
نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال العباس: فيّ نزلت ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَشْرَى
حَّ يُثْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾ [الأنفال: ٦٧] فأخبرت النبي ◌َّه بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين
الأوقية التي أخذت مني فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبداً كلهم تاجر مالي في يده(٣).
وقال ابن إسحاق أيضاً: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ظيًّا، عن جابر بن
عبد الله بن رباب قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول في نزلت والله حين ذكرت
لرسول الله (8* إسلامي ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله (٤).
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﴿يَأَيُّهَا النَُّ قُل لِّمَن فِيِّ أَيَدِيكُمْ مِنَ
الْأَسْرَى﴾ عباس وأصحابه: قال: قالوا للنبي وَ لّ: آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله
لننصحنَّ لك على قومنا. فأنزل الله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّاً أُخِذَ مِنْكُمْ﴾
إيماناً وتصديقاً يخلف لكم خيراً مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذي كنتم عليه.
قال: فكان العباس يقول ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن ليَّ الدنيا لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ
خَيْرًا مِمَا أُنِذَ مِنكُمْ﴾ فقد أعطاني خيراً مما أخذ مني مائة ضعف وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وأرجو أن
يكون قد غُفر لي(٥) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية كان العباس أُسر يوم بدر، فافتدى
نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطاني الله ربك خصلتين
ما أحب أن لي بهما الدنيا: إني أُسرت يوم بدر فقديت نفسي بأربعين أوقية فآتاني أربعين عبداً،
وإني لأرجو المغفرة التي وعدنا الله ريق(٦).
وقال قتادة في تفسير هذه الآية: ذُكر لنا أن رسول الله وَطير لما قدم عليه مال البحرين ثمانون
ألفاً، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذٍ شاكياً ولا حرم سائلاً، وما صلى يومئذٍ حتى
(١) سنده مرسل ولبعضه شواهد سابقة ولاحقة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق إذ صرح بالسماع، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم
الكبير ١٧١/١١ ح١١٣٩٨)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط
رجال الصحيح (المجمع ٢٨/٧)، وطريق الطبراني في الأوسط (٤٨/٩ ح ٨١٠٣) من طريق ابن إسحاق به.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال ولكنه توبع في رواية ابن أبي حاتم
والطبراني كما في الرواية السابقة فقد أخرجاه من طرق أخرى.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف ويتقوى بالروايات السابقة واللاحقة.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف ويتقوى بما سبق وبرواية علي بن أبي طلحة التالية.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.

٢٣٧
سُورَةُ الأَفَّا (٧٠، ٧١)
فرقه، فأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا وأرجو
المغفرة(١).
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن
هلال قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله و 18 من البحرين ثمانين ألفاً ما أتاه مال أكثر منه
لا قبل ولا بعد. قال: فنثرت على حصير ونودي بالصلاة. قال: وجاء رسول الله وَله فمثل قائماً
على المال، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذٍ عدد ولا وزن ما كان إلا فيضاً وجاء العباس بن
عبد المطلب فحثا في خميصة عليه وذهب يقوم فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله وَله
فقال: يا رسول الله ارفع عليَّ. قال فتبسم رسول الله يَّر حتى خرج ضاحكه أو نابه، وقال له:
((أعد من المال طائفة وقم بما تطيق)) قال: ففعل وجعل العباس يقول: وهو منطلق أما إحدى
اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع الله في الأخرى ﴿يَأَيُّهَا النَُِّّ قُل لِّمَن فِيّ أَيْدِيكُم
مِنَ الْأَسْرَى﴾ الآية ثم قال: هذا خير مما أخذ منا وما أدري ما يصنع الله في الأخرى فما زال
رسول الله ◌َّ ر ماثلاً على ذلك المال حتى ما بقي منه درهم وما بعث إلى أهله بدرهم ثم أتى
الصلاة فصلَّى(٢).
حديث آخر في ذلك:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن
عبد الله السعيدي، حدثنا محمد بن عصام، حدثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان،
عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: أتي رسول الله وَله بمال من البحرين فقال:
(انثروه في مسجدي)) قال: وكان أكثر مال أُتي به رسول الله وَ له، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت
إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحداً إلا أعطاه إذ جاءه العباس فقال يا
رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً فقال له رسول الله وَلاير: ((خذ)). فحثا في ثوبه
ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مرّ بعضهم يرفعه إليَّ. قال: ((لا)) قال: فارفعه أنت عليّ. قال:
((لا)). فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق فما زال رسول الله وَّله يتبعه بصره حتى خفي عنه
عجباً من حرصه، فما قام رسول الله وَ ل﴿ وَثَمّ منها درهم(٣).
وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم يقول: وقال إبراهيم بن طهمان
ويسوقه، وفي بعض السياقات أتمَّ من هذا (٤).
(١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.
(٢) أخرجه الحاكم من طريق هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٣٢٩/٣)، وأصله في صحيح البخاري كما سيأتي بعد الرواية التالية.
(٣) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى ٣٥٦/٦)، وأخرجه البخاري معلقاً من طريق إبراهيم بن طهمان به كما يلي.
(٤) أخرجه البخاري تعليقاً عن إبراهيم بن طهمان به (الصحيح، الصلاة، باب القسمة وتعليق القنو في المسجد
ح ٤٢١)، ووصله عمر بن محمد البجيري عن إبراهيم بن طهمان به (تغليق التعليق ٢٢٨/٢)، والبجيري هذا
له مستخرج على صحيح البخاري، وهذه الرواية منه، وهذا المستخرج مغمور لم يذكره أحد، وقد عرفت
هذا المستخرج حينما اتحفني فضيلة د. محمد بكر عابد بنسخة خطية من كتب البجيري فوجدته كله
مستخرجاً على البخاري، والحمد لله.

٢٣٨
• سُورَةُ الأَفَّالِ (٧٢)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0
وقوله: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ أي: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾ فيما أظهروا
لك من الأقوال ﴿فَقّدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل بدر بالكفر به ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي:
بالأسارى يوم بدر ﴿وَاللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمُ﴾ أي: عليم بفعله حكيم فيه.
قال قتادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتدَّ ولحق بالمشركين(١).
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: نزلت في عباس وأصحابه حين قالوا:
لننصحنَّ لك على قومنا(٢). وفسرها السدي على العموم(٣). وهو أشمل وأظهر، والله أعلم.
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُّوَاْ أُوْلَكَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَّةُ بَعْضَِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاِجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَصَرُوكُمْ فِ اَلِينِ
فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَنُّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (®)﴾.
ذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم: إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا
لنصر الله ورسوله وإقامة دينه وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار وهم المسلمون من
أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله
ورسوله بالقتال معهم فهؤلاء ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، ولهذا
آخى رسول الله و لو بين المهاجرين والأنصار كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثاً مقدماً
على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن
عباس(٤)، ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه(٥)، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير
واحد(٦).
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير - هو: ابن
عبد الله البجلي ظُبه - قال: قال رسول الله وَ له: ((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض،
والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة))(٧) تفرد به أحمد.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان، حدثنا عكرمة - يعني: ابن إبراهيم الأزدي - حدثنا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به وأطول، وهو مرسل، وسعيد بن
بشير ضعيف كما في التقريب.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بمعناه.
(٤) صحيح البخاري، الفرائض، باب ذوي الأرحام (ح ٦٧٤٧).
(٥) أخرجهما الطبري وطريق على يقوي طريق العوفي وكلاهما يتقوى برواية البخاري السابقة.
(٦) قول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بسندين صحيحين، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من
طريق حبيب بن الزبير عنه.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٣/٤)، وأخرجه الطبراني من طريق عبد الرحمن بن هلال عن
جرير (المعجم الكبير ح٢٤٣٨)، قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١٥/١٠)، وأخرجه ابن
حبان من طريق عاصم به وحسنه الأرناؤوط (الإحسان ١٦/ ٢٥٠ ح ٧٢٦٠)، وأخرجه الحاكم مثل الطبراني
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٨٠/٤ - ٨١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٣٦).

٢٣٩
• سُورَةُ الَفَِّ (٧٢)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((المهاجرون والأنصار،
والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة))(١) هكذا رواه في
مسند عبد الله بن مسعود.
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار، في غير ما آية في كتابه، فقال: ﴿وَالسَّبِقُونَ
اُلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ
الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ
مِن دِيَدْرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِفُونَ ﴿ وَالَّذِينَ
تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِعَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر] وأحسن ما قيل في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِّعَّا أُوتُوا﴾ أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيات
تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك، ولهذا
قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر،
حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن
حذيفة، قال: خَيَّرني رسول الله وَلّه بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة، ثم قال: لا نعرفه إلا
من هذا الوجه(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَ يُّهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَيْتِهِم﴾ قرأ حمزة (ولايتهم) بالكسر،
والباقون بالفتح(٣)، وهما واحد كالدلالة والدلالة ﴿مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ هذا هو الصنف الثالث
من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم
نصيب، ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال.
كما قال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن
أبيه، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي معالله، قال: كان رسول الله وَ ﴿ إذا بعث أميراً على سرية
أو جيش، أوصاه في خاصَّة نفسه، بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: ((اغزوا
باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى
ثلاث خصال ـ أو خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ادعهم إلى الإسلام،
فإن أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين،
وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا
دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على
(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤٤٦/٨ ح٥٠٣٣) وسنده ضعيف لضعف عكرمة بن إبراهيم، ويشهد
له سابقه فيكون حسناً لغيره.
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٧١٨)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان:
ضعيف .
(٣) ولا يتهم، بكسر الواو وبفتحها قراءتان متواترتان.

٢٤٠
سُورَةُ الأَنفَّا (٧٣)
المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم
أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله
وقاتلهم))(١). انفرد به مسلم، وعنده زيادات أخر(٢).
وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَصَرُوكُمْ فِىِ الذِينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ الآية، يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء
الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم
نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار، بينكم وبينهم ميثاق
أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن
(٣)
(٣) .
فـ
ابن عباس
﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍَّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ
(VP)
لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما قال
الحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا [أبو سعد](2) يحيى بن منصور
الهروي، حدثنا محمد بن أبان، حدثنا محمد بن يزيد وسفيان بن حسين، عن الزهري، عن
علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، عن النبي ◌َ ◌ّ ر قال: ((لا يتوارث أهل ملتين،
ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً - ثم قرأ - ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٣)﴾)) ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٥).
قلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله وَالجر: ((لا يرث
المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»(٦). وفي المسند والسنن، من حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه عن جده قال: قال رسول الله وسلم: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)). وقال الترمذي: حسن
(٧)
صحیح(٧).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، أن
رسول الله * أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: ((تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٢/٥)، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه مسلم من طريق سفيان به نحوه (الصحيح، الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث
ح ١٧٣٠/ ٣).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٤) كذا في المستدرك وترجمته، وفي النسخ الخطية صحف إلى: ((أبو سعيد)).
(٥) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وزيادة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٤٠/٢).
(٦) الحقْ أن شطره الأول في الصحيحين أما الشطر الآخر في المسند والسنن. فالشطر الأول أخرجه الشيخان
صحيح البخاري، الفرائض (ح ٦٧٦٤)، وصحيح مسلم، الفرائض (ح ١٦١٤).
(٧) أخرجه الترمذي من حديث جابر (السنن، الفرائض باب لا يتوارث أهل ملتين (ح٢١٠٨)، وأخرجه أبو
داود من حديث عمرو بن شعيب به (السنن، الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ح٢٩١١)، وكذا
أخرجه ابن ماجه (السنن، الفرائض باب ميراث أهل الإسلام ح٢٧٣١)، وقال الألباني حسن صحيح
(صحيح سنن ابن ماجه ح٢٢٠٧).