Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ • سُوَدَّةُ الأَغَافِ (٨٥، ٨٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الشافعي تَخْلُ والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو بن أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّر: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به))(١). وقال آخرون: هو كالزاني فإن كان محصناً رُجم، وإن لم يكن محصناً جُلد مائة جلدة، وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء إلا قولاً شاذاً لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله وله وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة(٢). ، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُمٌ قَدْ جَاءَتْكُمْ بِنَةٌ مِن رَّبِّكُمٌّ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا نُفْسِدُوا فِى اُلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ قال محمد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن إبراهيم وشعيب وهو: ابن ميكيل بن يشجر قال: واسمه بالسريانية: يثرون. (قلت): مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة وهي التي بقرب معان(٣) من طريق الحجاز قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة. ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه دعوة الرسل كلهم قد جاءتكم بينة من ربكم، أي قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان وتدليساً كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَِّكَ أَنَّهُمْ تَبْعُوتُونَ (٣) لِيَوَم عَظِيم أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ [المطففين] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد نسأل الله العافية منه، ثم ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ قال تعالى إخباراً عن شعيب الذي يقال له خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته وجزالة موعظته. ] ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَأْ وَأَذْكُرُواْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (َ﴾﴾. ينهاهم شعيب عليّل عن قطع الطريق الحسّي والمعنوي بقوله: ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. (١) المسند ٣٠٠/١، وسنن أبي داود، الحدود، باب فيمن عمل قوم لوط (ح ٤٤٦٢)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي (ح١٤٥٦)، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط (ح ٢٥٦١)، وقال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح٣٧٤٥)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو بن أبي عمرو به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٥/٤). (٢) في آية ٢٢٣. (٣) مدينة تقع في جنوب الأردن. ٦٢ سُورَةُ الأََّراف: (٨٨، ٩٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال السدي وغيره: كانوا عشَّارين(١). وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه(٢). والأول أظهر لأنه قال: ﴿بِكُلِّ صِرَطٍ﴾ وهو الطريق، وهذا الثاني هو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَكِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: وتودون أن تكون سبيل الله عوجاً مائلة ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتَكُمْ﴾ أي: كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزّة لكثرة عددكم فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ﴿وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله. وقوله: ﴿وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِىِّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَّمَّ يُؤْمِنُواْ﴾ أي: قد اختلفتم علي ﴿فَأَصّبِرُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم أي يفصل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِينَ﴾ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين. ﴿﴿ قَالَ الْعَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِ لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَِهِينَ ﴿َ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِىِ مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَنَا اَللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيَهَا إِلَّا أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبَّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ (٨٩) بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ هذا إخبار من الله تعالى عمّا واجهت به الكفار نبيه شعيباً ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملّة. وقوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَرِهِينَ﴾ يقول: أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أنداداً وهذا تعبير منه عن اتباعهم ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن ◌َّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وهذا ردّ إلى المشيئة فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علماً ﴿عَلَى اَللَّهِ تَوَّنَا﴾ أي: في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِأَلْحَقِّ﴾ أي: احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ﴾ أي: خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور أبداً. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ] ﴿وَقَالَ لَلْلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ ﴿﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ (بَ﴾﴾. يخبر تعالى عن شدّة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال وما جُبلت عليه قلوبهم (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه. (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: بكل سبيل حق. ٦٣ • سُوُدَّةُ الأَغَافِ (٩٣، ٩٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من المخالفة للحق ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَيِنِ آَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ فلهذا عقبه بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ (®)﴾ أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، وذلك كما أرجفوا شعيباً وأصحابه وتوعدهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَقْرُنَا نَّنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَِهِمْ جَثِمِينَ (®﴾ [هود] والمناسبة في ذلك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا به في قوله: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخباراً عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةَ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (3َ)﴾ [الشعراء] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الشعراء: ١٨٧]. فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله ﴿أصابهم عذاب يوم الظلة﴾ وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام ﴿فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَثِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها ثم قال تعالى مقابلاً لقيلهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ﴾ . - ﴿فَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَفْئُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمّ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ .(@ كَفِینَ أي: فتولى عنهم شعيب علَّ بعد ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرّعاً لهم وموبخاً: ﴿يَقَوْمِ لَقَدْ أَبَغْنُكُمْ رِسَلَاتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به فلهذا قال: ﴿فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِينَ﴾؟ ] ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابَنَا الضَّرَّةُ وَالسََّّآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا ٩٤ يقول تعالى مخبراً عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني بالبأساء ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم. وتقدير الكلام أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئاً من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: حوّلنا الحالة من شدّة إلى رخاء ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ومن فقر إلى غنى ليشكروا على ذلك فما فعلوا . ٦٤ • سُوُدَّةُ الأَغَافِ (٩٦، ٩٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿حَّى عَفَواْ﴾ أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء إذا كثر. ﴿وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَبََّنَا الضَّرَّةُ وَالسَّرَّةُ فَأَخَذْفَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى: ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ويصبرون على الضرّاء كما ثبت في الصحيحين: ((عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له)) (١). فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث: ((لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقياً من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه))(٢) أو كما قال، ولهذا عقب هذه الصفة بقوله: ﴿فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ أي: أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي على بغتة، وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة كما في الحديث: ((موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر))(٣). - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿٨ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَنَّا وَهُمْ نَآَيِمُونَ ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهُّ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الَّهِ إِلََّّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ يخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَّةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِىِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَتَّقْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٣)﴾ [يونس] أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا وذلك بعدما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٤٧) فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٤٨)﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ. كَفِرُونَ ﴾ [سبأ]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ﴾ أي: آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل وصدقت به واتبعوه، واتقوابفعل الطاعات وترك المحرمات ﴿لَفَتَحْنَا عَلَهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: قطر السماء ونبات الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم. (١) أخرجه مسلم فقط من حديث صُهيب ه (الصحيح، الزهد، باب المؤمن أمره كله خير ح٢٩٩٩). (٢) الشطر الأول فيما يخص المؤمن أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة به (الصحيح، صفات المنافقين، باب مثل المؤمن كالزرع ح٢٨٠٩). (٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة ثنا (المسند ٤٩١/٤١ ح ٢٥٠٤٢)، وقال محققوه: إسناده واهٍ، عبيد الله بن الوليد، وهو الوصافي وهو متروك. ٦٥ سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٠٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال تعالى مخوفاً ومحذراً من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ أي: الكافرة ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا ونكالنا ﴿بَيَتًا﴾ أي ليلاً ﴿وَهُمْ نَآَيِمُونَ ﴿٨) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾﴾ أي: في حال شغلهم وغفلتهم ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهُ﴾ أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ ولهذا قال الحسن البصري تَكْثُهُ: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِمَّ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ قال ابن عباس ضَّ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدٍ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: أو لم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم(١)، وكذا قال مجاهد(٢) وغيره. وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها: يقول تعالى: أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم وعتَوا [عن أمر ربهم] (٣) ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يقول: ونختم على قلوبهم ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ موعظة ولا تذكيراً(٤). (قلت) وهكذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِ مَسَكِنِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِى النُّهَى (١٨)﴾ [طه] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِّنِهِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ (٣)﴾ [السجدة] وقال: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنِ زَوَالِ ﴿ وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (®﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَّا ﴾﴾ [مريم] أي: هل ترى لم شخصاً أو تسمع لهم صوتاً؟. وقال تعالى: ﴿أَ يَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَكََّّهُمْ فِ الْأَرْضِ مَا لَمْ ثُمَكِّنَ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا اُلْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن ◌َْنِمْ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخِرِينَ ﴾﴾ [الأنعام] وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَآَ إِن تَّكَّنَّكُمْ فِيهِ وَحَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًّا وَأَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿4﴾ [الأحقاف]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَذَُّواْ رُسُلِىٌّ فَكَيْفَ كَانَ (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) كذا في تفسير الطبري، وفي النُسخ: على ربهم. (٤) ذكره الطبري بلفظه. ٦٦ • سُورَةُ الأَغَافِظ (١٠٢،١٠١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [الملك] وقال [سبأ] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن ◌َّلِهِمْ فَكَّفَ كَانَ تَكِيرِ (®)﴾ ٤٥ تكيـ تعالى: ﴿فَكَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصٍْ مَّشِيدٍ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى اٌلْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ (٨)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزَِّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم ◌َا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ [الأنعام] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه وحصول نعمه لأوليائه، ولهذا عقب بقوله وهو أصدق القائلين ورب العالمين. ، ﴿وَتِلْكَ اٌلْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَ قُلُوبِ الْكَفِينَ ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْتَهُمْ لَفَسِقِينَ لما قصّ تعالى على نبيه وَ ﴿ خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُ عَلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِنْ أَنْبَابِهَا﴾ أي: من أخبارها ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ أي: الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآَبِمٌ وَحَصِيدٌ (٣) وَمَا ظَلَتْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠٠ - ١٠١]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ﴾ الباء سببية، أي فيما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم حكاه ابن عطية كَّتُهُ وهو متجه حسن كقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَتُقَلِبُ أَفِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنعام]، ولهذا قال هنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَ قُلُوبِ الْكَفِرِينَ ﴿®) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم﴾ أي: لأكثر الأمم الماضية ﴿مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾ أي: ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو فأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا شرع، وفي الفطرة السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم، يقول الله تعالى: ((إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم))(١) . وفي الصحيحين: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه))(٢) الحديث. وقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىَ إِلَيْهِ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا (١) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٧٩ من سورة الأنعام. (٢) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٧٩ من سورة الأنعام. ٦٧ • سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٠٣، ١٠٦) 00000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 (١٥)﴾ [الأنبياء] وقوله تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَّا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ فَاعْبُدُونِ (٥)﴾ [الزخرف] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّغُوتَ﴾ [النحل] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ﴾ فقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلٌ﴾ قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق(١)، أي: فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك، وكذا قال الربيع بن أنس(٢)، واختاره ابن جرير. وقال السدي: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً (٣). وقال مجاهد في قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ﴾: هذا كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨](٤). ، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، فَظَلَمُواْ بِهَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْمُفْسِدِينَ هَا﴾ يقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي: الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين ﴿مُوسَى بِهَايَتِنَآ﴾ أي: بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون، وهو ملك مصر في زمن موسى ﴿ وَمَلَإِ﴾ أي: قومه ﴿فَظَلَمُواْ بِهِّ﴾ أي: جحدوا وكفروا بها ظلماً منهم وعناداً، كما قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا [النمل] أي: الذين صدّوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، وَعُلُواْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي انظر كيف فعلنا بهم أغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه وأشفى لقلوب أولياء الله موسى وقومه من المؤمنين به. حَقِيقُ عَّ أَن لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلََّ - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ اَلْحَقَّ قَدْ جِئْنُكُمْ بِيِنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَرْسِلْ مَعِىَ بَنِّ إِسْرََّيِلَ ﴿٦ قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِئَةٍ فَأْتِ بِهَآَ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ١٠٤ أي: أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه، ﴿حَقِيقُ عَلَىَّ أَن لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقَّ﴾ فقال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي جدير بذلك وحري به . (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٦٨ • سُورَةُ الأَّغَرَافِ (١٠٧، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقالوا: والباء وعلى يتعاقبان يقال: رميت بالقوس وعلى القوس، وجاء على حال حسنة وبحال حسنة، وقال بعض المفسرين: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق. وقرأ آخرون من أهل المدينة: (حقيق عليّ) (١) بمعنى واجب وحق علي ذلك أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه ﴿قَدْ جِئْنُكُمْ بِّيْنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلاً على صدقي فيما جئتكم به ﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِيّ إِسْرَّقِيلَ﴾ أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﴿قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنْتَ مِنَ أي: قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت ولا بمطيعك فيما طلبت، فإن كانت اُلصَّدِقِينَ (شَ﴾ معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقاً فيما ادعيت. ﴿فَأَلَّقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴿ وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ الحية الذكر(٢)، وكذا قال السدي والضحاك، وفي حديث ((الفتون)) من رواة يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ﴿فَأَلْفَى عَصَاهُ﴾ فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل(٣). وقال قتادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة (٤). وقال السدي في قوله: ﴿فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: الثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذُعر منها ووثب وأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى ظلَّا فعادت عصاً(٥)، وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا(٦). وقال وهب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون: أعرفك؟ قال: نعم. قال: ﴿أَّ تُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]؟ قال: فردّ إليه موسى الذي ردّ، فقال فرعون: خذوه فبادر موسى ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (®)﴾ فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً، وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت(٧)، (١) وهي قراءة متواترة. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق العباس بن الوليد عن يزيد به. وسيأتي حديث الفنون بتمامه في تفسير سورة سورة طه آية ٤٠. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة وفيه: وقال غيره: مثل المدينة. (٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٦) أخرجه الطبري من طريق عكرمة به ويشهد له ما سبق. (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والإمام أحمد في الزهد (ص٧٩) بسند حسن كلهم من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه. وهذه الروايات كلها من الإسرائيليات. ٦٩ سُوْدَةُ الأَْرَاف (١٠٩، ١١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رواه ابن جرير والإمام أحمد، في كتابه الزهد، وابن أبي حاتم، وفيه غرابة في سياقه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ ﴾﴾ أي: أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غيّرِ سُوءٌ﴾ الآية [النمل: ١٢]، وقال ابن عباس في حديث الفتون: من غير سوء يعني من غير برص ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول(١)، وكذا قال مجاهد وغير واحد(٢). ـ) يُرِدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمٌّ فَمَاذَا ] ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِر عَلِيمٌ (9َا تَأْمُوبَ أي: قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه بعدما رجع إليه روعه واستقر على سرير مملكته بعد ذلك قال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَحِ عَلِيمٌ﴾ فوافقوا وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره كيف يصنعون في أمره؟ وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه؟ وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ذلك سبباً لظهوره عليهم وإخراجه إياهم من أرضهم والذي خافوا منه وقعوا فيه كما قال تعالى: ﴿وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]، فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحٍِ عَلِيمٍ ﴿قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ الْمَدَآَيِنِ حَشِرِينَ قال ابن عباس: ﴿أَرْجِةِ﴾ أخره(٣). وقال قتادة: احبسه(٤) ﴿وَأَرْسَلَ﴾ أي: ابعث ﴿فِ الْمَدَآيِنِ﴾ أي: في الأقاليم ومدائن ملكك ﴿خَشِرِينَ﴾ أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم وقت كان السحر في زمانهم غالباً كثيراً ظاهراً، واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم منهم أن ما جاء به موسى ظلَّله من قبيل ما تشعبذه سحرتهم فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى COV فَلَتَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَانَا سُوٌَّ ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَّى ﴿ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ﴾﴾ [طه] وقال تعالى هُهنا : (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس كما تقدم في تفسير هذه الآية. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، ومعناه اللغوي صحیح. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. ٧٠ • سُوَرَّةُ الْأَّغَاف (١١٣، ١١٦) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001 اُلْمُقَرَّبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ - ﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًّا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ . يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى لعلّل* إن غلبوا موسى ليثيينّهم وليعطينّهم عطاء جزيلاً، فوعدهم ومنّاهم أن يعطيهم ما أرادوا ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده فلما توثّقوا من فرعون لعنه الله. قَالَ أَلْفُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ - ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ تَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْفِينَ .(® أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُهُمْ وَجَاءُ و بِخْرٍ عَظِيمٍ هذه مبارزة من السحرة لموسى علّ* في قولهم: ﴿إِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن تَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: قبلك كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥] فقال لهم موسى عليَّا: ألقوا أي أنتم أولاً، قيل الحكمة في هذا والله أعلم ليرى الناس صنيعهم ويتأملوا، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له والانتظار منهم لميجئه، فيكون أوقع في النفوس وكذا كان ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْ سَحَرُوْ أَعْنَ النَّاسِ وَأَسْتَهَبُوهُمْ﴾ أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوا له حقيقة في الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالَهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَتْعَى ﴿﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى ﴿ قُلْنَا لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ آلْأَعْلَى ﴿ وَلِ مَا فِ يَمِينِكَ نَّلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَيِحٍِ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (®)﴾ [طه]. قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، قال فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (١). وقال محمد بن إسحاق: صفّ خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى ظلّلا معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته ثم قال السحرة: ﴿قَالُواْ يَمُوسَّ إِمَّا أَنْ تُلْفِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا ◌ِجَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَنْعَى (4)﴾ [طه] فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعدُ. ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي، فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً(٢). وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل وليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا ﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَهَبُهُمْ﴾ يقول: فَرَّقوهم (٣)؛ أي: من الفرق. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن عيينة به. (٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة عن ابن إسحاق. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٧١ • سُوَّرَةُ الْأَغَافِ (١١٧، ١٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عصا حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (١). ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَُّو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٣٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ (٣) قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ M كَانُواْ يَعْمَلُونَ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى ظل في ذلك الموقف العظيم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه ﴿فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ﴾ أي: تأكل ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: ما يلقونه ویوهمون أنه حق وهو باطل. قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة [يَا رَبِّ مُوسَى أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر، فخروا سجِّداً وقالوا: ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ وَهَرُونَ﴾(٢) . وقال محمد بن إسحاق: جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت ووقع السحرة سجداً قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون لو كان هذا ساحراً ما غلبنا(٣). وقال القاسم بن أبي بزة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك فألقي عصاه فإذاهي ثعبان مبين فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما(٤). ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُّنْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِ الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَيِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٢٤) لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَمَنَا بِتَايَتِ رَيِّنَا لَمَّا جَ تْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ (٢٥) يخبر تعالى عما توعد به فرعون لعنه الله السحرة لما آمنوا بموسىفقالَله وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ مِنْهَاَ أَهْلَهَا﴾ أي: إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضاً منكم لذلك كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَّكُمُ السِّخْرّ﴾ [طه: ٧٠] وهو يعلم وكل من له لبّ أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى ظلّ بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون. وموسى ظلّ لا يعرف أحداً منهم ولا رآه ولا (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وكل هذه الروايات من أهل الكتاب. (٢) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم عن سفيان بن عيينة إلى ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة عن ابن إسحاق. (٤) أخرجه الطبري بالسند الحسن السابق عن القاسم بن أبي بزة. ٧٢ سُورَةُ الأَغراف (١٢٣، ١٢٦) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 اجتمع به وفرعون يعلم ذلك وإنما قال هذا تستراً وتدليساً على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] فإن قوماً صدقوه في قوله: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ من أجهل خلق الله وأضلهم. وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِ الْمَدِينَةِ﴾ قال: التقى موسى ظلَّ وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق. قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومننّ بك ولأشهدن أنك حق - وفرعون ينظر إليهما -. قالوا: فلهذا قال ما قال(١). وقوله: ﴿لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما أصنع بكم ثم فسر هذا الوعيد بقوله: ﴿لَأُقْطِّعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ﴾ يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس ﴿ثُمَّ لَأُصَلِيَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿فِي جُذُوع النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على الجذوع. قال ابن عباس: وكان أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون (٢). وقول السحرة: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك فلنصبرنّ اليوم على عذابك لنخلص عن عذاب الله ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه ﴿ وَتَوَقََّا مُسْلِمِينَ﴾ أي: متابعين لنبيك موسىالعظلَّلها وقالوا لفرعون: ﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْخَوَةَ الدُّنْيَاَ ﴿ إِنَّاَ ءَامَنَا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنََّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴿ وَمَن يَأْتِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَتِ فَأُوْلَكَ لَهُمُ اُلَّرَحَتُ الْعُلَى (٢٥)﴾ [طه] فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة. قال ابن عباس وعبيد بن عمير وقتادة وابن جريج: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء(٣). (١) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد الضعيف منها والصحيح. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري من هذا الطريق إلى ابن عباس، ولكن في سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. (٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق السدي عن ابن عباس، والسدي لم يسمع ابن عباس، وقول عبيد بن عمير أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين، وهو ابن داود، عن حجاج عن ابن جريج ورواه عن مجاهد. ٧٣ • سُورَةُ الأَغَافِ (١٢٧، ١٢٩) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ ◌َبَهُمْ وَنَسْتَغِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ (٣) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أُسْتَعِينُواْ بِلَّهِ وَأَصْبِرُوَّاْ إِنَّ الْأَرْضَ قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا SA لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ حِثْقَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أضمروه لموسىظلَّهُ وقومه من الأذى والبغضة ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ أي: أتدعهم ليفسوا في الأرض أي يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك. يا لله العجب صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون ولهذا قالوا: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾ قال بعضهم: الواو هاهنا حالية. أي: أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب: (وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك) حكاه ابن جرير(١). وقال آخرون: هي عاطفة أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك، وقرأ بعضهم (إلاهتك) أي: عبادتك وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره(٢). وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر (٣). وقال في رواية أخرى كان له جمانة في عنقه معلقة يسجد لها (٤). وقال السدي في قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَ﴾ وآلهته فيما زعم ابن عباس كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم السامري عجلاً جسداً له خوار(٥). فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكّل بهم قبل ولادة موسى ظلّ حذراً من وجوده، فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون. وهكذا عومل في صنيعه أيضاً لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم فجاء الأمر على خلاف ما أراد: أعزهم الله وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده. ولما صمّم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أُسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ﴾ ووعدهم بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم في قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٨ قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأً﴾ أي: قد فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك، فقال منبهاً لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه في ثاني الحال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ (١) أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق هارون عن أبي، وبين هارون وأُبي مفاوز. وهي قراءة شاذة تفسيرية. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من ثلاثة طرق يقوي بعضها بعضاً. (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، وهذه الرواية قرينه على أن الواسطة بين ابن أبي طلحة وابن عباس هو مجاهد. والقراءة شاذة تفسيرية . (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الحسن. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن السدي لأن السدي لم يسمع ابن عباس. ٧٤ • سُوَرَّةُ الأَغَافِ (١٣٠، ١٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الآية، وهذا تخصيص لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم. ] ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ وَنَقْصِ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿ فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ اَلْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َعَهُ أَلَّ إِنَّمَا طَيِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: اختبرناهم وامتحنّاهم وابتليناهم ﴿بِالسِّنِينَ﴾ وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ . قال مجاهد، وهو دون ذلك(١). وقال أبو إسحاق، عن رجاء بن حيوة: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة(٢). ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿ فَإِذَا جَآءَتُهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: من الخصب والرزق ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِّهِ﴾ أي: هذا لنا بما نستحقه ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب وقحط ﴿يَطَّيَُّواْ بِمُوسَى وَمَنْ تَعَةٌ﴾ أي: هذا بسببهم وما جاؤوا به ﴿أَلََّ إِنَّمَا طَِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿أَلََّ إِنَّمَا طَيِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ يقول: مصائبهم عند الله قال الله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(٣) . وقال ابن جريج، عن ابن عباس قال: ﴿أَلََّ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ الَهِ﴾ أي: إلا من قِبل الله (٤). فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُلُوفَانَ - ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَفَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ وَالْجَرَادَ وَالْفُعَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَلَّمَ ءَيَتٍ مُّفَضَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُوْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ (٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَبِن كَشَفْتَ عَنَا الْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ ﴿٣٢) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنَكُونَ (َِ)﴾ هذا إخبار من الله وجل عن تمرد قوم فرعون وعتوهم وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَ بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقولون: أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها رددناها، فلا نقبلها منك ولا نؤمن بك ولا بما جئت به قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ اُلُّوفَانَ﴾ اختلفا في معناه: فعن ابن عباس - في رواية -: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، وبه قال الضحاك بن مزاحم(٥). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بدون كلمة: ((وهو)). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، به . (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج به، وابن جريج لم يسمع ابن عباس. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند ضعيف من طريق الضحاك عنه، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. ٧٥ ـُورَةُ الأَغراف (١٣٢، ١٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وعن ابن عباس في رواية أخرى هو كثرة الموت وكذا قال عطاء(١). وقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون على كل حال(٢). وقال ابن جرير: حدثنا ابن هشام الرفاعي، حدثنا [يحيى بن يمان](٣) حدثنا المنهال بن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء، عن عائشة ها قالت: قال رسول الله وَله: ((الطوفان الموت)»(٤). وكذا رواه ابن مردويه من حديث يحيى بن يمان به(6)، وهو حديث غريب. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَّهَا طَيٌِّ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَبِبُونَ ﴾﴾ [القلم)(٦) . وأما الجراد فمعروف مشهور وهو مأكول لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور قال سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد فقال: غزونا مع رسول الله وَّ سبع غزوات نأكل الجراد(٧). وروى الشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي وَل قال: ((أُحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال)) ورواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد، عن سويد بن عبد العزيز، عن أبي تمام الأيلي، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعاً مثله(٨). وروى أبو داود عن محمد بن الفرج، عن محمد بن زبرقان الأهوازي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله وَله عن الجراد فقال: ((أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه))(٩) . وإنما تركه لعلّله لأنه كان يعافه كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب وأذن فيه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي، حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ◌َ﴿ لا يأكل الجراد ولا الكلوتين ولا الضبّ من غير أن يحرمها. أما الجراد فرجز وعذاب، وأما الكلوتان فلقربهما من البول، وأما الضبّ فقال: ((أتخوف أن يكون مسخاً)) (١٠) ثم قال: غريب لم أكتبه إلا من هذا الوجه. (١) قول عطاء: الموت. أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن جريج عن عطاء. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) كذا في (حم) و(مح) وصحفت في الأصل إلى: ((يحيى بن ثمان)). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف المنهال. (٥) وسنده ضعيف أيضاً بسبب ضعف المنهال. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قابوس عن ابن عباس. (٧) صحيح البخاري، الذبائح والصيد، باب أكل الجراد (ح٥٤٩٥) وصحيح مسلم، الصيد والذبائح، باب إباحة الجراد (ح ١٩٥٢). (٨) تقدم تخريجه وصحته موقوفاً في بداية تفسير آية ٣ من سورة المائدة. (٩) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في أكل الجراد ح٢٨١٣)، وسنده ضعيف لأن محمد بن الزبرقان وهو صدوق ربما وهم ولم يتابع، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ١٥٣٣). (١٠) سنده ضعيف لأن يحيى بن خالد مجهول وروى مناكير (لسان الميزان ٢٥١/٦). ٧٦ سُورَةُ الأَّغَراف (١٣٢، ١٣٥) وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رُبه يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد فقال: ليت أن عندنا منه قفعة (١) أو قفعتين نأكله(٢). وروى ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال سمع أنس بن مالك يقول: كان أزواج النبي و ﴿ يتهادين الجراد على الأطباق(٣). وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن يحيى بن يزيد القيني، حدثني أبي، عن صدي بن عجلان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّر: ((إن مريم بنت عمران : سألت ربها ريق أن يطعمها لحماً لا دم له فأطعمها الجراد فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير شياع)) وقال نمير: الشياع الصوت (٤). وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك اليزني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله ◌َله: (([لا تقاتلوا](٥) الجراد فإنه جند الله الأعظم))(٦) غريب جداً. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ اُلْطُوفَانَ وَالْجَرَادَ﴾ قال: كانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب(٧). وروى ابن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي، عن محمد بن كثير: سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء فإذا أنا برِجْل من جراد(٨) في السماء فإذا برجل راكب على جرادة منها، وهو شاك في الحديد، وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول: الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل ما فيها . وروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، أنبأنا عامر قال: سئل شريح القاضي عن الجراد فقال: قبَّح الله الجرادة فيها خلقة سبعة جبابرة، رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب. (١) القفعة: شبيه الزنبيل من الخوص ليس له عرى وليس بالكبير (النهاية ٩١/٤). (٢) ذكره ابن الأثير بنحوه عن عمر عظُله (النهاية ٩١/٤). (٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الصيد، باب صيد الحيتان والجراد ح ٣٢٢٠)، وسنده ضعيف لضعف سعید بن المرزبان. (٤) سنده ضعيف لجهالة نمير بن يزيد القيني (التقريب ص٥٦٦)، وبقية مدلس ولم يصرح بالتحديث. (٥) كذا في (حم) والتخريج، وفي الأصل صحفت إلى: ((لا تقابلوا)). (٦) أخرجه الطبراني من طريق إسماعيل بن عياش به (المعجم الكبير ٢٩٧/٢٢)، وكذا أبو الشيخ في العظمة (ح ١٢٩٣)، وسنده ضعيف لأن ضمضم بن زرعه وهو صدوق يهم (التقريب ص ٢٨٠)، ولم يتابع ومتنه فيه نكارة. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) أي الجراد والكثير (النهاية ٢٠٣/٢). ٧٧ • سُوْرَةِ الأَغراف (١٣٢، ١٣٥) وقدمنا عند قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلْسَيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] حديث حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل جراد فجعلنا نضربه بالعصي ونحن مُحرِمون، فسألنا رسول الله وَله فقال: ((لا بأس بصيد البحر))(١). وروى ابن ماجه عن هارون الحمال، عن هشام بن القاسم، عن زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أنس وجابر، عن رسول الله و لو أنه كان إذا دعا على الجراد قال: ((اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء)) فقال له جابر: يا رسول الله أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: ((إنما هو نثرة حوت في البحر)) قال هشام أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت(٢). قال من حقق ذلك: إن السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس أنه يفقس کله جراداً طياراً. وقدمنا عند قوله: ﴿إِلَّ أُمَّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] حديث عمر ◌َظُه: إن الله خلق ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وإن أولها هلاكاً الجراد(٣). وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا يزيد بن المبارك، حدثنا عبد الرحمن بن قيس، حدثنا [سلم] بن سالم(٤)، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله قال: ((لا وباء مع السيف ولا نجاء مع الجراد))(٥). حديث غريب. وأما القُمَّل فعن ابن عباس هو: السوس الذي يخرج من الحنطة(٦)، وعنه أنه الدّبي وهو الجراد الصغير الذي لا أجنحة له (٧). وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة، وعن الحسن وسعيد بن جبير: القُمَّل دواب سود صغار(٨). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: القُمَّل: البراغيث(٩). (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٩٦. (٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه، وفي آخره: قال هشام: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره (السنن، الصيد، باب صيد الحيتان والجراد ح٣٢٢١)، ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١٤/٣)، وضعفه البوصيري بسبب موسى بن محمد بن إبراهيم (مصباح الزجاجة ٦٥/٣)، وضعفه الحافظ ابن حجر (الفتح ٦٢١/١). (٣) تقدم تخريجه وتضيعفه في سورة الأنعام آية ٣٨. (٤) كذا في (حم) وفي ترجمته، وفي الأصل صحفت إلى: ((سالم بن سالم)). (٥) سنده ضعيف لأن سلم بن سالم قال الخليلي: أجمعوا على ضعفه. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس. (٨) قول مجاهد وقتادة وأسباط أخرجه بأسانيد ثابتة عنهم. (٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن. ٧٨ سُورَةُ الْأَغَرَافِ (١٣٢، ١٣٥) وقال ابن جرير: القُمَّل جمع واحدتها قملة وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل فيما بلغني وهي التي عناها [الأعشى] (١) بقوله: قوم يعالج قملاً أبناؤهم وسلاسلاً أجدى وباباً مؤصدا قال: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة، يزعم أن القمل عند العرب الحمنان واحدتها حمنانة وهي صغار القردان فوق القمقامة(٢). وقال أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى ظلَّه فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل فلم يرسلهم فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر، فصبّ عليهم منه شيئاً خافوا أن يكون عذاباً فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ فقالوا: هذا ما كنا نتمنى فأرسل الله عليهم الجراد فسلطّه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزنا فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة(٣) إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ويهمّ أن يتكلم فيئب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، وأرسل الله عليهم الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دماً عَبِطاً(٤). فكشفوا إلى فرعون فقالوا: إنا ابتلينا بالدم وليس لنا شراب فقال: إنه قد سحركم، فقالوا من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً؟ فأتوه وقالوا يا موسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل(٥). وقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بذلك. وقال محمد بن إسحاق بن يسار كثّتُهُ: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً (١) كذا في ((حم)) و((مح))، وفي الأصل صحف إلى ((الأعمش)). (٢) ذكره الطبري بلفظه مع تقديم وتأخير وأطول. (٣) أجربة: جمع جراب وهو مكيال يزن الواحد منه ثلاثة أقفزة (الأساس باب ج ر ب). (٤) أي الدم الطري. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وقد توبع فأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جرير عن يعقوب القمي به مقطعاً . ٧٩ سُورَةُ الأَغراف (١٣٦، ١٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مغلولاً ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه الآيات فأخذه بالسنين وأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض، ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئاً حتى جهدوا جوعاً فلما بلغهم ذلك ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكٌ لَبِن كَشَفْتَ عَثَا الْرِجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ فدعا موسى ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل الشجر فيما بلغني حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذُكر لي أن موسى ظلَّا أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال(١) عليهم قملاً حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم قالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد ثوباً ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فسأل ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دماً لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عاد دماً عبيطاً (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، أنبأنا النضر، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا جابر بن زيد، عن عكرمة، عن عبيد الله بن عمرو قال: لا تقتلوا الضفادع فإنها لما أرسلت على قوم فرعون انطلق ضفدع منها، فوقع في تنور فيه نار يطلب بذلك مرضاة الله فأبدلهنّ الله من هذا أبرد شيء يعلمه من الماء، وجعل نقيقهن التسبيح(٣)، وروي من طريق عكرمة، عن ابن عباس نحوه (٤). وقال زيد بن أسلم: يعني بالدم الرعاف(٥). رواه ابن أبي حاتم. وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ ﴿فَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ آلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بَِايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ اُلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَّا وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ يخبر تعالى أنهم لما عتّوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليمّ وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها، وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون وهم بنو إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِىِ الْأَرْضِ (١) أي انصب انصباباً من كل وجه. (٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد النحوي عن عكرمة به. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق زهير بن محمد عن زيد بن أسلم. ٨٠ • سُورَةُ الأَغَافِظ (١٣٨، ١٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000006100000000000000000 ﴿ وَتُمَكِّنَ لَمْ فِ الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَهُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َا وَجْعَلَهُمْ أَبِنَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ﴿ وَزُرُوعِ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوْ مِن جَّتٍ وَعُيُونٍ جَ﴾ [الدخان]. كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ٣٧ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِهِينَ (٢٦) وعن الحسن البصري وقتادة في قوله: ﴿مَشَرِفَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ يعني: الشام(١). وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ قال مجاهد وابن جرير وهي قوله تعالى: ﴿وَزُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِ الْأَرْضِ وَنَجْمَلَهُمْ أَبِمَّةً وَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ () وَنُمَكِّنَ لَمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص]. وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ أي: وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ يبنون(٢). 2- ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّاً إَِهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٣٩ يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عظّلا حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ﴿فَأَنَوْ﴾ أي: فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمَّ﴾ . قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين وقيل: كانوا من لَخم قال ابن جريج: وكانوا يعبدون أصناماً على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا: ﴿يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَّةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾(٣) أي: تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرُ مَّا هُمْ فِهِ﴾ أي: هالك ﴿ وَنَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . وروى الإمام أبو جعفر ابن جرير في تفسير هذه الآية من حديث محمد بن إسحاق وعقيل ومعمر كلهم عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله وَل﴿ إلى حنين قال: وكان للكفار سِدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: ((قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبِّرُ مَا هُمْ فِهِ وَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (َ)﴾(٤ كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله وَ﴿ قِبل حُنين، فمررنا بسِدرة فقلت يا نبي الله: اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط - وكان الكفار ينوطون سلاحهم (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه سفيان الثوري بسند صحيح من طريق فرات القزاز عن الحسن . (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين وهو سُنيد ضعيف، عن حجاج عن ابن جريج. (٤) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده حسن وقد توبع ابن إسحاق كما سيأتي.