Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
سُورَةُ الْأَنْتَطُل (١٤٠، ١٤٢)
- ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوَأْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِّ قَدْ
١٤٠
ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
يقول تعالى: قد خسر الذين صنعوا هذه [الأفاعيل] (١) في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا
فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيّقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم،
وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿﴿ مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ
بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٣)﴾ [یونس].
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم،
حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ها، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين
والمائة من سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَّهُمُ اللَّهُ
أَفِْرَّةَ عَلَى اللَهِّ قَدْ ضَلُواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾﴾ وهكذا رواه البخاري منفرداً في كتاب مناقب
قريش من صحيحه، عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن أبي عوانة - واسمه الوضاح بن
عبد الله اليشكري - عن أبي بشر واسمه جعفر بن إياس بن أبي وحشية به(٢).
﴿﴿ وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنْشَأَ جَاتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّعَ مُخْخَلِفَا أُكُلُ
وَالَّيْتُونَ وَالزُّمَانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا
تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأْ ككُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ وَلَا
تَكَّبِعُوا خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ
يقول تعالى مبيناً أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء
المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزؤوها فجعلوا منها حراماً وحلالاً، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ
أَنْشَأَ جَنَتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مَعْرُوشَتٍ﴾ مسموكات، وفي رواية المعروشات ما
عرش الناس، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ﴾ ما خرج في البر والجبال من الثمرات(٣).
وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿مَعْرُوشَتٍ﴾ ما عرش من الكرم ﴿وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ﴾ ما
لم يعرش من الكرم(٤). وكذا قال السدي(٥).
(١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وفي الأصل: ((الأفعال وكلاهما مستقيم)).
(٢) صحيح البخاري، المناقب، باب قصة زمزم وجهل العرب (ح٣٥٢٤).
(٣) أخرجه الطبري في رواية واحدة بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) أخرجه الطبري من طريق الخراساني به، وسنده ضعيف لأن الخراساني لم يسمع ابن عباس وأخرجه
البخاري معلقاً (فتح الباري ٢٨٦/٨).
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٦٢٢
• سُورَةُ الأَنْتَظُل (١٤١، ١٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جريج ﴿مُتَشَبِهَا وَغَيّرَ مُتَشَيٍِ﴾، قال: متشابهاً في المنظر وغير متشابه في الطعم(١).
وقال محمد بن كعب : ﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ قال: من رطبه وعنبه(٢) .
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال ابن جرير: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة،
حدثنا عمرو، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول:
﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: الزكاة المفروضة(٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يعني: الزكاة المفروضة
يوم يُكال ويُعلم كيله(٤). وكذا قال سعيد بن المسيب.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ وذلك أن الرجل كان إذا زرع،
فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئاً، فقال الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وذلك
أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحداً، وما يلقط الناس من سنبله(٥)، وقد روى الإمام
أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن
عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ◌َّر أمر من كل جاذّ عشرة أوسق من التمر
بقنو يعلق في المسجد للمساكين(٦). وهذا إسناد جيد قوي.
وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج: هي الزكاة (٧).
وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار(٨)، وكذا قال زيد بن أسلم.
وقال آخرون: وهو حق آخر سوى الزكاة.
وقال أشعث: عن محمد بن سيرين ونافع، عن ابن عمر في قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾
قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة (٩). رواه ابن مردويه.
وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في
قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: يعطي من حضره يومئذٍ ما تيسر، وليس بالزكاة(١٠).
(١) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ومعناه صحيح.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق يزيد بن درهم به، ويزيد فيه مقال (الجرح ٩/ ٢٦٠) وله شواهد
لا حقة بتقوى بها .
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي به.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس بنحوه.
(٦) المسند ٣٥٩/٣ وسنن أبي داود، الزكاة، باب حقوق المال (ح١٦٦٢) وسنده حسن وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٦٤).
(٧) أخرجه هذه الآثار الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة وأخرى يقوي بعضها بعضاً.
(٨) أخرجه الطبري وأبو عبيد في الناسخ (ص٣٢) من طريق ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن، وسنده
صحیح.
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أشعث بن سوار به (المصنف ٧٦/٣) وسنده ضعيف لضعف أشعث (التقريب
ص١٣٣).
(١٠) سنده حسن.

٦٢٣
• سُوَرَّةُ الْأَنْتَطَا (١٤١، ١٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.
وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾
قال: عند الزرع يعطي القبضة وعند الصرام يعطي القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام(١).
وقال الثوري: عن حماد، عن إبراهيم النخعي قال: يعطي مثل الضغث(٢) (٣).
وقال ابن المبارك: عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهِ﴾
قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته(٤).
وفي حديث ابن لهيعة: عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعاً، ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ﴾ قال: (ما سقط من السنبل) رواه ابن مردويه(٥).
وقال آخرون: هذا شيء كان واجباً ثم نسخه الله بالعشر أو نصف العشر، حكاه ابن جرير عن
ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النخعي والحسن والسدي وعطية العوفي وغيرهم(٦)،
واختاره ابن جرير كَّتُهُ، قلت: وفي تسمية هذا نسخاً نظر، لأنه قد كان شيئاً واجباً في الأصل
ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله
أعلم.
وقد ذمّ الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة (ن))
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِم
﴿إِذْ أَقْسَمُوْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (٢٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ
(١) أَنِ أُغْدُواْ عَى حَرْئِكُمْ إِن كُنْتُمْ صَارِمِينَ
أي: كالليل المدلهم سوداء محترقة ﴿فَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ
وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْرٍ﴾ أي: قوة وجَلَد وهِمّة
◌َ أَنْ لَّا يَدْخُلَهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ
فَانْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ
قَالُواْ
قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
فَلَمَا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَلُونَ ﴿٨َ بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ (49)
﴿قَدِرِينَ
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَىَ بَعْضٍ يَتَوَمُونَ
٢٩
سُبْحَنَ رَيْنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
عَسَى رَبِّنَّا أَنْ
قَالُواْ يَوَتِنَآ إِنَّا كُنَّا طَيِينَ
(٣)﴾ [القلم].
كَذَلِكَ الْعَبُّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْ كَنُواْ يَعْلَمُونَ
يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّ إِلَى رَبْنَا رَغِبُونَ
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُشَرِفُوَاْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ قيل: معناه: لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا
فوق المعروف.
وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئاً ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا
◌ُرِفُواْ﴾(٧).
وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جذ نخلاً له فقال: لا يأتيني اليوم أحد
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) الضغث ملء اليد من الحشيش المختلط، وقيل الحزمة منه ومما أشبهه من البقول (النهاية ٩٠/٣).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يحيى بن سعيد عن الثوري به.
(٤) أخرجه أبو يوسف (الخراج ص٢١) من طريق سالم به، وسنده صحيح.
(٥) سنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.
(٦) أخرجه الطبري بأسانيد متصلة عنهم يقوي بعضها بعضاً.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عاصم الأحول عن أبي العالية، وسنده صحيح لكنه مرسل.

٦٢٤
• سُوَرَّةُ الْأَنْتَطُ (١٤١، ١٤٢)
إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا شُرِفُوَاْ إِنَّهُ لَا يُحِبُ
الْمُشْرِفِينَ﴾(١) رواه ابن جرير عنه. وقال ابن جريج عن عطاء: نُهوا عن السرف في كل شيء(٢).
وقالٍ إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف(٣). وقال السدي في قوله: ﴿وَلَا
تُشَرِفُواْ﴾ قال: لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء(٤). وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في
قوله: ﴿وَلَا تُشَرِفُواْ﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم(٥).
ثم اختار ابن جرير قول عطاء، أنه نهي عن الإسراف في كل شيء ولا شك أنه صحيح، لكن
الظاهر - والله أعلم - من سياق الآية، حيث قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ
يَوْمَ حَصَادِهِهُ وَلَا تُشْرِفُواْ﴾ أن يكون عائداً على الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من
مضرة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَثْرَبُواْ وَلَا تُْرِفُواْ﴾ الآية [الأعراف: ٣١].
وفي صحيح البخاري تعليقاً: ((كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة))(٦) وهذا من
هذا، والله أعلم.
وقوله رَى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوَةٌ وَفَرْشَأْ﴾ أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما
هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها، كما قال
الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: ﴿حَمُولَةٌ﴾ ما حمل عليه من
الإبل ﴿وَفَرْشَآ﴾ الصغار من الإبل، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٧).
وقال ابن عباس: الحمولة: هي الكبار والفرش: الصغار من الإبل(٨)، وكذا قال مجاهد (٩).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَا﴾ أما الحمولة:
فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم(١٠). واختاره ابن
جرير قال: وأحسبه إنما سمي فرشاً لدنوه من الأرض.
وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيرهم: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش
الغنم(١١) .
(١) أخرجه الطبري من طريق حجاج عن ابن جريج وسنده ضعيف للإعضال.
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وأطول، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال، ومعناه صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن إياس بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم، عن سعيد بن المسيب،
وسنده ضعيف جداً لأن أبا بكر بن عبد الله متهم بالوضع (ميزان الاعتدال ٥١٣/٤ والمجروحين ١٤٧/٣).
(٦) أخرجه البخاري معلقاً (الصحيح، اللباس، باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾
[الأعراف: ٣٢] الفتح ٢٥٢/١٠) ووصله الإمام أحمد (المسند ١٨٢/٢) وابن أبي الدنيا (الشكر رقم ٥١)
كلاهما من طريق همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسنده حسن.
(٧) ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٧/٢).
(٨) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس، وسنده ضعيف جداً لأن أبا بكر
الهذلي متروك.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(١١) ذكره ابن أبي حاتم بحذف الإسناد.

٠
سُورَةُ الأَنْتَطَا (١٤٣، ١٤٤)
٦٢٥
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال السدي: أما الحمولة: فالإبل وأما الفرش فالفُصْلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه
فهو حمولة(١) .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة: ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون،
شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتخذون من صوفها لحافاً وفرشاً (٢). وهذا الذي قاله عبد الرحمن
في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآً
) وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ (®)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُنْ
أَنْعَكَمًا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُتِقِيَكُم مَِّا فِي بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَبٍ لََّنَّا خَالِصًا سَأَبِغًا لِلشَّرِبِينَ ﴾﴾ إلى أن قال: ﴿وَمِنْ
أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِ جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِّكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ
وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَنَّ ءَايَتِ اَللَّهِ
وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِىِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
تُنْكِّرُونَ ﴾﴾ [غافر] وقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي: من الثمار والزروع والأنعام
فكلها خلقها الله وجعلها رزقاً لكم ﴿وَلَا تَشَّبِعُوا خُطُوَتِ الشَّبَطَنّ﴾ أي: طريقه وأوامره كما اتبعها
المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله، أي من الثمار والزروع افتراء على الله، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ أي:
أن الشيطان أيها الناس لكم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بين ظاهر العداوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ
لَكُنْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [فاطر] وقال تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ
لَا يَفْلِنَّكُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاً﴾ الآية [الأعراف:
٢٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:
٥٠] والآيات في هذا كثيرة في القرآن.
﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنُ قُلْءَالَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْنَيَيْنِ أَمَّا
وَمِنَ اَلْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ
أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَنْنِّ نَبِّئُونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣)
أَثْنَيْنُ قُلْ ءَالذَّكَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْشَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ
وَضَّنِكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِّبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْوَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّلِينَ (َ﴾
هذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام، فيما كانوا حرموا من الأنعام وجعلوها أجزاء وأنواعاً بَحيرة
وسائبة ووصيلة وحاماً، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبين
تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً، ثم بين
أصناف الأنعام إلى غنم وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو المعز ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها
وإناثها وبقر كذلك وأنه تعالى لم يحرم شيئاً من ذلك ولا شيئاً من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني
آدم أكلاً وركوباً وحمولة وحلباً وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: ﴿وَنَزَلَ لَكُم مِّنَ اْأَنْعَمِ
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.

٦٢٦
• سُورَةُ الأَنْعَظَا (١٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ﴾ الآية [الزمر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنَيَيْنِّ﴾ ردّ عليهم في
قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْغَرِ خَالِصَةٌ لِذُكُوِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩].
وقوله تعالى: ﴿نَُّونِ بِعِلٍْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أي: أخبروني عن يقين، كيف حرم الله
عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟
وقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْرِ أَثْنَيْنُ﴾
فهذه أربعة أزواج ﴿قُلْ ءَالنَّكَرَيْنِ حَزَّمَ أَمِ الْأُنََّيْنِ﴾ يقول: لم أحرم شيئاً من ذلك ﴿أَمَّا أُشْتَمَلَتْ
عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْنَيَيْنِّ﴾ يعني: هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضاً وتحلون
بعضاً؟ ﴿نَُّونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ يقول تعالى: كله حلال(١).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّئُكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه
على الله من تحريم ما حرموه من ذلك ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ
عِلَيْ﴾ أي: لا أحد أظلم منهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وأول من دخل في هذه الآية
عمرو بن لحي بن قمعة، لأنه أول من غير دين الأنبياء وأول من سيّب السوائب ووصّل الوصيلة
وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح (٢).
] ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمَّا مَسْفُوحًا
أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاِخٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ
يقول تعالى آمراً عبده ورسوله محمداً وَ﴿ ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله
افتراءً على الله، ﴿لَّ أَجِدُ فِ مَّ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُ﴾ أي: آكل يأكله قيل معناه: لا
أجد شيئاً مما حرمتم حراماً سوى هذه، وقيل معناه: لا أجد من الحيوانات شيئاً حراماً سوى
هذه، فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة
رافعاً لمفهوم هذه الآية، ومن الناس من يسمي هذا نسخاً والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه
نسخاً لأنه من باب رفع مباح الأصل والله أعلم.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ يعني: المهراق(٣). وقال عكرمة في قوله:
﴿أَقَ دَمَا مَسْفُوحًا﴾ لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود(٤).
وقال حماد، عن عمران بن حدير قال: سألت أبا مجلز عن الدم، وما يتلطخ من الذبيح من
الرأس وعن القِدر يُرى فيها الحمرة؟ فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح(٥).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به.
(٢) تقدم في تفسير سورة المائدة آية ١٠٣.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حماد به.

٦٢٧
سُورَةُ الأَنْتَهُم (١٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحاً، فأما اللحم خالطه الدم فلا بأس به(١).
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن يحيى بن سعيد،
عن القاسم، عن عائشة ﴿يا، أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأساً، والحُمرة والدم يكونان على
القدر بأساً، وقرأت هذه الآية (٢)، صحيح غريب.
وقال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثا عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن عبد الله: إنهم
يزعمون أن رسول الله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك
الحكم بن عمرو عن رسول الله ◌َ﴾، ولكن أبى ذلك الحبر، يعني ابن عباس وقرأ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ
فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعٍِ يَطْعَمُهُ﴾ الآية(٣)، وكذا رواه البخاري عن علي بن المديني، عن
سفيان به(٤)، وأخرجه أبو داود من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، ورواه الحاكم في
مستدركه(٥) مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت.
وقال أبو بكر بن مردويه والحاکم في مستدركه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا
أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن
دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون
أشياء تقذراً، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال وما
حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، وقرأ هذه الآية: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا
عَ طَاعٍِ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، وهذا لفظ ابن مردويه، ورواه أبو داود منفرداً به، عن محمد بن
داود بن صبيح عن أبي نعيم به(٢)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه(٧) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن
ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانة تعني الشاة،
قال: ((فلم لا أخذتم مسكها؟)) قالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال رسول الله وَله: ((إنما
قال الله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا أَوْ
لَحْمَ خِزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه، أن تدبغوه فتنتفعوا به)) فأرسلت فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت
منه قربة حتى تخرقت عندها(٨)، ورواه البخاري والنسائي، من حديث الشعبي، عن عكرمة، عن
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد به (المصنف ٣٩٩/٥) وسنده
صحیح.
(٣) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ٣٧٩/٢ ح٨٥٩) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الذبائح، باب لحوم حمر الإنسية (ح٥٥٢٩).
(٥) المستدرك ٣١٧/٢، وباقي السند لأبي داود.
(٦) السنن، الأطعمة، باب ما لم يذكر تحريمه (ح ٣٨٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٢٥).
(٧) ووافقه الذهبي (المستدرك ١١٥/٤).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه بمتابعة سماك (المسند ١٥٦/٥ ح٢٣٠٢٦).

٦٢٨
• سُوَّةُ الْأَنْقَطُ (١٤٦)
ابن عباس، عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه(١) .
وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عيسى بن نميلة الفزاري، عن أبيه،
قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن أكل القنفذ فقرأ عليه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا
عَ طَاعٍِ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ◌َّ فقال:
((خبيثة من الخبائث)) فقال ابن عمر: إن كان النبي ◌ّر قاله فهو كما قال. ورواه أبو داود عن
أبي ثور عن سعيد بن منصور به(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ﴾ أي: فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله في
هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: غفور له
رحيم به، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية(٣).
والغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم
المحرمات على أنفسهم، بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر
رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حرّم ما ذكر في هذه الآية
من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم وإنما هو
عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ وعلى هذا
فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع
وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب العلماء.
] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى خُفٍُّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَاً
إِلَّا مَا حَمَلَتْ ◌ُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍّ ذَلِكَ جَزَيَْهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ
قال ابن جرير: يقول تعالى: وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر وهو البهائم والطير ما لم يكن
مشقوق الأصابع، كالإبل والنعام والإوز والبط(٤).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفٍِّ﴾ وهو
البعير والنعامة(٥)، وكذا قال مجاهد في رواية والسدي(٦).
وقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس منفرج الأصابع(٧)، وفي رواية عنه: كل شيء متفرق
(١) صحيح البخاري، الإيمان والنذور، باب إذا حلف أن لا يشرب نبيذاً ... (ح ٦٦٨٦) وسنن النسائي، الفرع
والعتيرة، باب جلود الميتة (١٧٣/٧).
(٢) السنن، الأطعمة، باب في أكل لحم الحبارى (ح٣٧٩٩) وسنده ضعيف الإبهام اسم الشيخ الراوي عن أبي
هريرة.
(٣) آية ١٧٣.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه.
(٦) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من
طريق أسباط عن السدي.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير.

٦٢٩
• سُورَةُ الأَنْتَعُل (١٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأصابع ومنه الديك(١).
وقال قتادة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى خُفٍُّ﴾: وكان يقال للبعير والنعامة
وأشياء من الطير والحيتان(٢)، وفي رواية: البعير والنعامة(٣)، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه
وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿كُلَّ ذِى ◌ُظُفُّرٍ﴾، قال: النعامة والبعير شقاشقاً، قلت
القاسم بن أبي بزة وحدثته ما شقاشقاً؟ قال: كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم، قال: وما انفرج
أكلته؟ قال: انفرجت قوائم البهائم والعصافير قال: فيهود تأكله، قال: ولم تنفرج قائمة البعير
- خفه - ولا خف النعامة ولا قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعامة ولا الوز ولا كل
شيء لم تنفرج قائمته ولا تأكل حمار الوحش(٤). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا
عَلَّهِمْ شُهُمَهُمَآ﴾ قال السدي: يعني الثرب وشحم الكلیتین وكانت اليهود تقول إنه حرمه إسرائيل
فنحن نُحرّمه(٥)، وكذا قال ابن زيد (٦).
وقال قتادة: الثرب وكل شحم كان كذلك ليس في عظم(٧).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ تُهُورُهُمَا﴾ يعني: ما علق بالظهر من
الشحوم(٨)، وقال السدي وأبو صالح: الإلية مما حملت ظهورهما(٩).
وقوله تعالى: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَآَ﴾. قال الإمام أبو جعفر بن جرير: الحوايا جمع واحدها حاوياء
وحاوية وحويّة وهو ما تحوّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن وهي المباعر وتسمى
المرابض، وفيها الأمعاء(١٠). قال: ومعنى الكلام ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَاً
إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [أو ما حملت الحوايا] (١١).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿أَوِ الْحَوَايَآ﴾ وهي المبعر(١٢)، وقال مجاهد:
﴿الْحَوَايَا﴾ المبعر والمربض(١٣)، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبو مالك والسدي(١٤)،
(١) أخرجه الطبري بسند حسن كسابقه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((الثروب)).
(٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٩) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول أبي صالح أخرجه ابن أبي حاتم بسند
صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.
(١٠) ذكره الطبري بلفظه.
(١١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وسقط من الأصل.
(١٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(١٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة والسدي أخرجه الطبري بالأسانيد الثابتة المتقدمة.

٦٣٠
سُورَةُ الأَنْتُل (١٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: الحوايا المرابض التي تكون فيها الأمعاء تكون
وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض(١).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾ يعني: إلا ما اختلط من الشحوم بعظم فقد أحللناه لهم.
وقال ابن جريج: شحم الإلية ما اختلط بالعُصْعُص فهو حلال وكل شيء في القوائم والجنب
والرأس والعين وما اختلط بعظم فهو حلال(٢) ونحوه قال السدي(٣).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ﴾ أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به مجازاة
على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ
لَمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (٥﴾ [النساء].
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ أي: وإنا لعادلون فيما جازيناهم به، وقال ابن جرير: وإنا لصادقون
فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه
على نفسه(٤)، والله أعلم.
وقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب ﴿ه، أن سمرة باع خمراً فقال: قاتل الله سمرة
ألم يعلم أن رسول الله وَلي قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها))؟ أخرجاه
من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر به(٥).
وقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح: سمعت جابر بن
عبد الله يقول: سمعت رسول الله ثم يقول عام الفتح: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة
والخنزير والأصنام)) فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود وتطلى بها
السفن ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا هو حرام)) ثم قال رسول الله وَلجر عند ذلك: ((قاتل الله
اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه)) [ورواه الجماعة من طرق عن
يزيد بن أبي حبيب به(٦). وقال الزهري: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَّل : ((قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها))](٧) رواه البخاري
ومسلم جميعاً، عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري به (٨) .
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) ذكره الطبري بنحوه.
(٥) صحيح البخاري، البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يُباع وَدَكه (ح٢٢٢٣)، وصحيح مسلم، البيوع،
باب تحريم بيع الخمر والميتة ... (ح١٥٨١).
(٦) صحيح البخاري، البيوع، باب بيع الميتة والأصنام (ح٢٢٣٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع
الخمر والميتة (ح ١٥٨٢).
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح).
(٨) صحيح البخاري، البيوع، باب لا يُذاب شحم الميتة (ح ١٢٢٤)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع
الخمر (ح ١٥٨٣).

٦٣١
سُورَةُ الأَنْتَطُل (١٤٧، ١٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سليمان بن حرب، حدثنا وهب، حدثنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس أن
رسول الله ﴿ ﴿ كان قاعداً خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء فقال: ((لعن الله اليهود - ثلاثاً - إن الله
حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، أنبأنا
ابن عباس قال: كان رسول الله وَالر قاعداً في المسجد مستقبلاً الحجر فنظر إلى السماء فضحك
فقال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم
أكل شيء حرم عليهم ثمنه))(٢). ورواه أبو داود من حديث خالد الحذاء(٣).
وقال الأعمش: عن جامع بن شداد، عن كلثوم، عن أسامة بن زيد، قال: دخلنا على
رسول الله ﴿ وهو مريض نعوده، فوجدناه نائماً قد غطى وجهه ببرد عدني فكشف عن وجهه
وقال: ((لعن الله اليهود يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها))(٤) وفي رواية: ((حرمت عليهم
الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)).
١٤٧
] ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِنَ
يقول تعالى: فإن كذبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، ﴿فَقُل
رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله، ﴿وَلَا يُرَأُ
بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾ ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، وكثيراً ما يقرن الله
تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
الْعِقَابٍ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمٌ وَإِنَّ رَبَّكَ
لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] وقال تعالى: ﴿# نَبِّئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ
الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾﴾ [الحجر] وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدٍ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣]
وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ ﴿﴿ إِنَُّ هُوَ يْدِثُ وَبُعِدُ ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾﴾ [البروج] والآيات في
هذا كثيرة جداً.
- ﴿سَيَقُولُ اُلَّذِينَ أَشْرُوْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَكَؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَّ كَذَلِكَ
كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلٍّ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَشَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ
وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) قُلْ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ
يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَزَّمَ هَذَأَ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِيِّهِمْ يَعْدِلُونَ
هذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا،
(١) سنده صحيح وللمزيد ينظر الحديث التالي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ٩٥/٤ ح٢٢٢١).
(٣) سنن أبي داود، البيوع، باب في ثمن الخمر والميتة (ح٣٤٨٨)، وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود ٢٩٧٨).
(٤) أخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٩٤/٤).

٦٣٢
• سُورَةُ الأَنْقَطَا (١٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا
الإيمان ويحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا
قالوا: ﴿لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شٍَّ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ
شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ﴾ الآية [الزخرف: ٢٠]، وكذلك الآية التي في النحل(١) مثل هذه سواء.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي بهذه الشبهة ضلّ من ضلّ قبل هؤلاء وهي
حجة داحضة باطلة، لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام
وأذاق المشركين من أليم الانتقام، ﴿قُلُّ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ أي: بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه
﴿فَتُخْرِجُوُ لَنَا﴾ أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه ﴿إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ﴾ أي: الوهم والخيال، والمراد
بالظن هاهنا الاعتقاد الفاسد ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون على الله فيما ادعيتموه.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَقَّ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَّا أَشْرَكُواْ﴾ [الأنعام: ١٠٧] فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة
تقربنا إلى الله زلفى. فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، فقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَُّواْ﴾ يقول تعالى لو
شئت لجمعتهم على الهدی أجمعین(٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلَّهِ الْخُبَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَلَكُمْ أَجْمَعِينَ (19)﴾ يقول تعالى لنبيه وَّ: ﴿
لهم يا محمد ﴿فَلَّهِ الْمُجَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ أي: له الحكمة التامة والحجة البالغة في هداية من هدى
وإضلال من أضلّ، ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك
يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾
[الأنعام: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن ◌ِ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٩٩] وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
◌َعَلَ النَّاسَ أُمَّةُ وَحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌَ ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (19)﴾ [هود].
قال الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله ولكن الله الحجة البالغة على عباده.
وقوله تعالى: ﴿قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ﴾ أي: أحضروا شهداءكم ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَأَ﴾
أي: هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ﴾ أي: لأنهم
إنما يشهدون والحالة هذه كذباً وزوراً ﴿وَلَا تَنَبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِلَآَخِرَةِ وَهُم بِيِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: یشرکون به ويجعلون له عدیلاً.
﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّا وَلَا
تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقِّ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإَِاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ
١٥١
وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا يَأَلْحَقّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ
قال داود الأودي، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود بظلاله قال: من أراد أن يقرأ
(١) كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ﴾ [النحل: ٣٥].
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٦٣٣
سُورَةُ الأَنْعَطَا (١٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
صحيفة رسول الله ◌َ﴿ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِ شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣](١).
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن
الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن
خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: ﴿قُلّ
تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٢).
قلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن
عباس به، والله أعلم.
وروى الحاكم أيضاً في [مستدركه](٣) من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن
الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله وَلاير: ((أيكم يبايعني على
ثلاث)) ثم تلا رسول الله وَّهِ: ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآيات
((فمن وفّى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن
أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه)) ثم قال صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، وإنما اتفقا على حديث الزهري عن أبي إدريس، عن عبادة «بايعوني على أن لا تشركوا
بالله شيئاً)) الحديث (٤).
وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا
جمع بينهما، والله أعلم.
وأما تفسيرها فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ◌َّله: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا
غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم
﴾ لهم ﴿تَعَالَواْ﴾ أي: هلمّوا وأقبلوا ﴿أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقصّ عليكم
وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقاً لا تخرصاً ولا ظناً بل وحياً منه وأمراً من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِ،
شَيْئاً﴾ وكأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق، وتقديره وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً﴾ ولهذا
قال في آخر الآية ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ وكما قال الشاعر:
حَجّ وأوصى بسليمى الأَعْبُدا أن لا ترى ولا تكلّم أحداً
ولا يزال شرابها مبرّدا(٥)
(١) أخرجه الترمذي من طريق محمد بن فضيل عن داود الأودي به وقال: هذا حديث حسن غريب (السنن،
تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام ح ٣٠٧٠)، وسنده حسن وداود هو ابن عبد الله الأودي يروي عن
الشعبي، ويروي عنه محمد بن فضيل، وهو ثقة (تهذيب التهذيب ١٩١/٣)، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٧/٢).
(٣) كذا في (عش) و(مح) و(حم) والمستدرك وفي الأصل صحفت إلى مسنده.
(٤) أخرجه الحاكم من طريق يزيد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٨/٢)، والحديث الذي اتفقا عليه
البخاري ومسلم فهو في صحيح البخاري (ح١٨) وصحيح مسلم (ح ١٧٠٩).
(٥) ذكر هذا الرجز الفراء في معاني القرن (٣٦٤/١)، والطبري دون أن ينسباه لأحد.

٦٣٤
• سُؤَدَّةُ الْأَنْقَطُ (١٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم. وفي الصحيحين من حديث أبي ذرّ ◌َُّه قال: قال
رسول الله ◌َّي: ((أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً من أمتك دخل الجنة))،
قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق))، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن
زنى وإن سرق))، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر)).
وفي بعض الروايات: أن قائل ذلك إنما هو أبو ذرّ لرسول الله وَل وأنه عليه الصلاة والسلام
قال في الثالثة: ((وإن رغم أنف أبي ذرّ) فكان أبو ذرّ يقول بعد تمام الحديث: ((وإن رغم أنف
أبي ذرّ))(١) .
وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله وَليقول: ((يقول تعالى: يا ابن آدم
إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض
خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئاً، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم
استغفرتني غفرت لك))(٢).
ولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
كَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة))(٣).
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وروى ابن مردويه من حديث عبادة وأبي الدرداء:
((لا تشركوا بالله شيئاً وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم))(٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن
يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قوذر، عن [سلمة بن شريح](6)، عن عبادة بن
الصامت، قال: أوصانا رسول الله وَله بسبع خصال ((ألا تشركوا بالله شيئاً وإن حرقتم وقطعتم
وصلبتم))(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَيِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَناً﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين ﴿إِحْسَنَّاً﴾ أي: أن
تحسنوا إليهم كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقرأ
بعضهم: (ووصى (٧) ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) أي: أحسنوا إليهم، والله تعالى
(١) صحيح البخاري، الجنائز، باب في الجنائز (ح ١٢٣٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب من مات لا يشرك
بالله شيئاً ... (ح ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٩٨/٣ ح٢١٥٠٥)، وحسنه محققوه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة
(ح ١٢٧).
(٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئاً (ح ١٥٠).
(٤) حديث عبادة سيأتي في الذي يليه، وحديث أبي الدرداء ضعفه الحافظ ابن كثير بعد الرواية التالية.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: ((سريج)).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه يزيد بن قوذر سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٢٨٤/٩)، وضعفه
الحافظ ابن كثير بعد الرواية التالية.
(٧) وهي قراءة شاذة تفسيرية.

٦٣٥
• سُورَةُ الأَنْقَطَا (١٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كثيراً ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوَ لِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَهَدَاكَ
عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَاً وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ
إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِثُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [لقمان] فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين
بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية
[البقرة: ٨٣]، والآيات في هذا كثيرة.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود نظره أنه قال: سألت رسول الله وسلم أي العمل أفضل؟ قال:
((الصلاة على وقتها)) قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين)) قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في
سبيل الله))، قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله وقل* ولو استزدته لزادني (١). وروى الحافظ
أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي الدرداء، وعن عبادة بن الصامت كل منهما يقول أوصاني خليلي
رسول الله ويقولون: ((أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل)) ولكن في إسناديهما
ضعف(٢)، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌ﴾ لما أوصى تعالى
بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْنُلُوّا
أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍّ﴾ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا
يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين
من حديث عبد الله بن مسعود رضيبه، أنه سأل رسول الله وي قر أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله
نداً وهو خلقك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) قلت: ثم أي؟ قال:
((أن تزاني حليلة جارك)) ثم تلا رسول الله وَله: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ وَلَا يَفْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨](٣).
وقوله تعالى: ﴿مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره: هو الفقر؛ أي: ولا
تقتلوهم من فقركم الحاصل(٤)، وقال في سورة سبحان ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء:
٣١] أي: لا تقتلوهم خوفاً من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك ﴿فَخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ
برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله، وأما في هذه الآية
فلما كان الفقر حاصلاً قال: ﴿َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌ﴾ لأنه الأهم ههنا، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رََّ
اَلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَاَلْبَغَىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَِّ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِه سُلْطَنًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَ
اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (®)﴾ [الأعراف] وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ اُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟﴾
[الأنعام: ١٢٠].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود نظرته قال: قال رسول الله وَ له: ((لا أحد أغير من الله، من
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٣.
(٢) تقدم تخريج حديث عُبادة قبل الرواية السابقة.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٦٥.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.

٦٣٦
• سُوَدَّةُ الأَنْتَطَا (١٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن))(١).
وقال عبد الملك بن عمير، عن ورّاد، عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت
مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله* فقال أتعجبون من غيرة
سعد؟ ((فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما
بطن)) أخرجاه(٢).
وقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله إنا نغار قال:
((والله إني لأغار والله أغير مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش)) رواه ابن مردويه(٣) ولم يخرجه
أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي فقد روى بهذا السند («أعمار أمتي ما
بين الستين إلى السبعين))(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ يِلَحَّ﴾ وهذا مما نصّ تبارك وتعالى على
النهي عنه تأكيداً وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن فقد جاء في
الصحيحين: عن ابن مسعود ظبه قال: قال رسول الله وَ﴾: ((لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن
لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه
المفارق للجماعة))، وفي لفظ لمسلم ((والذي لا إله غيره لا يحلّ دم رجل مسلم)) وذكره، قال
الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله(٥)، وروى أبو داود
والنسائي عن عائشة ◌َّا أن رسول الله وَ ﴿، قال: ((لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث
خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمداً فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله
ورسوله، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض)) وهذا لفظ النسائي(٦).
وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ربه أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله وَل و يقول:
(«لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل
نفساً بغير نفس)) فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام. ولا تمنيّت أن لي بديني بدلاً منه إذ
هداني الله، ولا قتلت نفساً، فبمَ يقتلونني؟ رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه،
وقال الترمذي: هذا حديث حسن(٧).
(١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَبٌّ﴾ [الأنعام: ١٥١]
(ح ٤٦٣٤)، وصحيح مسلم، التوبة، باب غيرة الله تعالى (ح ٢٧٦٠).
(٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول النبي ◌َّطاهر: ((لا شخص أغير من الله)) (ح٧٤١٦)، وصحيح مسلم،
اللعان، بدون باب (ح١٤٩٩/ ١٧).
(٣) یشهد له سابقه.
(٤) أخرجه الترمذي من طريق كامل أبي العلاء به وقال: حسن غريب (السنن، الزهد، باب ما جاء في فناء
أعمار هذه الأمة ح٢٣٣١) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٨١٥).
(٥) تقدم تخريجه في بداية تفسير آية ٩٢ من سورة النساء.
(٦) سنن أبي داود، الحدود، باب الحكم فيمن ارتد (ح٤٣٥٣)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب الصلب ٧/
١٠١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٦٥٩).
(٧) (المسند ٤٩١/١ ح ٤٣٧) وصححه محققوه وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم ... =

٦٣٧
سُورَةُ الأَنْتَعَل (١٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى
فّ عن النبي وَل﴾ مرفوعاً («من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة،
البخاري عن عبد الله بن عمرو
وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً))(١).
وعن أبي هريرة به عن النبيِ وَ ﴾ قال: ((من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر
بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً)) رواه ابن ماجه
والترمذي، وقال: حسن صحيح(٢).
وقوله: ﴿ذَلِكُرْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ أي: هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه.
] ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٍ وَأَوْنُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ
لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ.
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(١٥٢)
قال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال لما أنزل الله ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَقِيِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾ و﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَسَى كُلُلْمًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، فانطلق من
كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى
يأكله، أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله وَله فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
الْيَتَّىّ قُلْ إِصْلَاٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم
وشرابهم بشرابهم رواه أبو داود(٣) .
وقوله تعالى: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الشعبي ومالك وغير واحد من السلف: يعني حتى يحتلم(٤).
وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة(٥)، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، قال: وهذا
كله بعيد هاهنا، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء،
كما توعد على تركه في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿ وَإِذَا
كَالُوُهُمْ أَو ◌َّزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ (٣ أَلَا يَظُنُّ أَوْلََّكَ أَنَّهُمْ قَبْعُوتُونُ ج لِيَمْ عَظِيمِ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
: [المطففين] وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان.
وحسنه (ح٢١٥٨)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم المسلم ٧/ ٩١، وسنن ابن ماجه،
=
الحدود، باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث (ح٢٥٣٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن
ماجه (ح٢٠٥٢).
(١) صحيح البخاري، الديات، باب إثم من قتل ذميًا بغير جرم (ح٦٩١٤).
(٢) سنن الترمذي، الديات، باب ما جاء فيمن قتل نفساً معاهدة (ح١٤٠٣)، وسنن ابن ماجه، الديات، باب من
قتل معاهداً (ح٢٦٨٧) بنحوه، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢١٧٦)، ويشهد له سابقه.
(٣) تقدم تخريجه وتصحيحه في تفسير سورة البقرة آية ٢٢٠.
(٤) قول الشعبي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق مجالد عنه، ومجالد ليس بالقوي كما في
التقريب، وقول مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٦٣٨
• سُوَرَّةُ الْأَنْقَظَل (١٥٣)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 000000000000000000000
وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي: من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي، عن
عكرمة، عن ابن عباس ظُبه قال: قال رسول الله وَّ ر لأصحاب الكيل والميزان («إنكم وليتم أمراً
هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم)) ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحسين وهو ضعيف في
الحديث. وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفاً (١).
قلت: وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك، عن الأعمش، عن سالم بن أبي
الجعد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَّيقول: ((إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين
بهما هلكت القرون المتقدمة: المكيال والميزان))(٢)
وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ أي: من اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ
بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه.
وقد روى ابن مردويه من حديث بقية، عن مُبشر بن عُبيد، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن
أبيه، عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله وَّه في الآية ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ
لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ فقال: ((من أوفى على يده في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته
بالوفاء فيهما لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها))(٣) هذا مرسل غريب.
وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌِ﴾ كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ
شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [المائدة: ٨]، وكذا التي تشبهها في سورة النساء(٤)، يأمر تعالى بالعدل في
الفعال والمقال على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال.
وقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوَنُواْ﴾ قال ابن جرير: يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء
ذلك: أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله(٥).
﴿ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى: هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم
فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه قبل هذا، وقرأ بعضهم بتشديد الذال
وآخرون بتخفيفها(٦).
، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ، ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ
١٥٣
◌ِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ.﴾
وفي قوله: ﴿أَنَّ أَقِيمُواْ الَّذِينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [الشورى: ١٣] ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله
(١) أخرجه الترمذي من طريق خالد بن عبد الله الواسطي عن الحسين بن قيس به مع حكمه (السنن، البيوع،
باب ما جاء في المكيال والميزان ح١٢١٧)، وفي سنده الحسين بن قيس متروك (التقريب ص١٦٨)،
والصحيح وقفه على ابن عباس.
(٢) في سنده شريك وهو ابن عبد الله القاضي صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، ولعله أخطأ في رفعه.
(٣) في سنده مبشر بن عُبيد وهو الحمصي وهو متروك ورماه أحمد بالوضع (التقريب ص٥١٩).
(٥) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) الآية: ١٣٥.
(٦) كلتاهما قراءتان متواترتان.

٦٣٩
• سُورَةُ الأَنْفَعَل (١٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء
والخصومات في دين الله(١). ونحو هذا، قاله مجاهد وغير واحد(٢).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر - هو ابن عياش -،
عن عاصم - هو: ابن أبي النجود -، عن أبي وائل، عن عبد الله - هو: ابن مسعود .
قال: خط رسول الله وَ ﴿ خطاً بيده، ثم قال: ((هذا سبيل الله مستقيماً)) وخط عن يمينه وشماله ثم
قال: ((هذه السُبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه))، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَيِلٍِ﴾(٣)، وكذا رواه الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن
عبد الجبار، عن أبي بكر بن عياش به، وقال: صحيح ولم يخرجاه(٤)، وهكذا رواه أبو جعفر
الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود
مرفوعاً به نحوه (٥). وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد والنسائي، عن يحيى بن حبيب بن عربي
وابن حبان من حديث ابن وهب، أربعتهم عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن
ابن مسعود به، وكذا رواه ابن جرير عن المثنى، عن الحماني، عن حماد بن زيد به، ورواه
الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن
حماد بن زيد به كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه(٦).
وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي
بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعاً(٧)، وكذا رواه الحافظ أبو
بكر بن مردويه من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر به(٨)،
فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود، عن
زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة، كلاهما عن ابن مسعود به والله أعلم.
وقال الحاكم: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي، عن جابر من وجه غير معتمد(٩)، يشير
إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد وعبد بن حميد جميعاً واللفظ لأحمد: حدثنا عبد الله بن
محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة -، أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن
جابر، قال؛ كنا جلوساً عند النبي وعليه فخط خطاً هكذا أمامه فقال: ((هذا سبيل الله)) وخطين عن
يمينه وخطين عن شماله وقال: ((هذه سبل الشيطان)) ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه
الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَنَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ ذَلِكُمْ وَصَّنگُم پِهِ.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (®)﴾(١٠).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٧/٧ ح ٤١٤٢) وحسنه محققوه.
(٤) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٨/٢).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن أبي قيس.
(٦) السنن الكبرى للنسائي (ح١١١٧٤)، وتفسير الطبري، والمستدرك ٣١٨/٢.
(٧) السنن الكبرى للنسائي (ح١١١٧٥)، والمستدرك ٢٣٩/٢.
(٨) وسنده حسن.
(٩) المستدرك ٣١٨/٢.
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٧/٣)، وفي سنده مجالد ليس بالقوي، ويتقوى بما سبق.

٦٤٠
• سُوَّةُ الأَنْقَطَا (١٥٣)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
ورواه ابن ماجه: في كتاب السنة من سننه، والبزار عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد، عن أبي
خالد الأحمر به(١). قلت: ورواه الحافظ بن مردويه من طريقين عن أبي سعيد الكندي، حدثنا
أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: خط رسول الله وَل ﴿ خطاً، وخط عن يمينه
خطاً وخط عن يساره خطاً، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى
مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهٌ﴾(٢) ولكن العمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثراً،
وقد روي موقوفاً عليه، قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن أبان، أن رجلاً قال لابن مسعود ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد يسير في أدناه
وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في
تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿وَأَنَّ
هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ الآية(٣).
وقال ابن مردويه: حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا
إسماعيل بن عياش، حدثنا أبان بن عياش، عن مسلم بن عمران، عن عبد الله بن عمر، سأل
عبد الله، عن الصراط المستقيم فقال ابن مسعود: تركنا محمد ◌ّ في أدناه وطرفه في الجنة،
وذكر تمام الحديث كما تقدم(٤)، والله أعلم.
وقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه، قال الإمام أحمد: حدثني الحسن بن سوار أبو
العلاء، حدثنا - ليث يعني: ابن سعد - عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير
حدثه، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله وَّر قال: ((ضرب الله مثلاً صراطاً
مستقيماً، وعن جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب
الصراط داع يدعو: يا أيها الناس هلموا ادخلوا الصراط المستقيم جميعاً ولا تفرقوا وداع يدعو
من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن
فتحته تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي
على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم)) ورواه
الترمذي والنسائي عن علي بن حجر، زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد،
عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان به، وقال
.
الترمذي: حسن غريب(٥)
وقوله تعالى: ﴿فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾ إنما وحد سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل
لتفرقها وتشعبها كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الْقُلُمَثِّ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
(١٥٧ ﴾ [البقرة].
(١) السنن، المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله مص يره (ح١١)، وسنده كسابقه في علته وتقويته.
(٢) سنده كسابقه في علته وتقويته.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن أبان بن أبي عياش متروك (التقريب ص٨٧).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفاتحة آية ٦.
(٤) سنده كسابقه.