Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سُورَةُ الأَنْتَطُ (٧١، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من روحه، وكلمه قبلاً، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك
فيستقرئون الأنبياء نبياً نبياً، كلما جاؤوا نبياً أبي عليهم قال رسول الله وَلفيه: ((حتى يأتوني فأنطلق
إلى الفحص، فأخرّ ساجداً)). قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: ((قدام العرش،
حتى يبعث الله إليّ ملكاً فيأخذ بعضدي، ويرفعني فيقول لي: يا محمد، فأقول: نعم يا رب،
فيقول الله ريك: ما شأنك؟ - وهو أعلم - فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك
فاقض بينهم، قال الله: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم)) قال رسول الله وَلتر: ((فأرجع فأقف
مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذ سمعنا من السماء حساً شديداً، فهالنا فينزل أهل السماء
الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض
بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا وهو آت، ثم ينزل أهل السماء
الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من
الأرض، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم. وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا. وهو
آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار 5 في ظلل من الغمام
والملائكة، فيحمل عرشه يومئذٍ، ثمانية وهم اليوم أربعة أقدامهم في تخوم الأرض السفلى،
والأرض والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم، ولهم زجل في تسبيحهم يقولون:
سبحان ذي العرش والجبروت، وسبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت،
سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب
الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث
يشاء من أرضه ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس، إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم
إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ
عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ثم يأمر الله جهنم، فيخرج منها عنق (١) ساطع مظلم، ثم يقول: ﴿﴿ أَمْ أَعْهَذْ إلَيْكُمْ يَلَبَنِيّ ءَادَمَ
وَلَقَدْ أَضَلَّ
أَن لَا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ وَأَنِ اعْبُدُونِ هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ
مِنْكُمْ جِيلًا كَثِيرًا أَفَلَمَ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ ﴿﴿ هَذِهِ جَهَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣)﴾ [يس] أو - بها تكذبون -
(@) [يس] فيميّز الله الناس وتجثو الأمم.
شك أبو عاصم، ﴿وَأَمْتَلُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَِّ جَائِيَةٌ كُلُّ أُمَِّ تُدْعَ إِلَى كِنَلِهَا أَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (®)﴾ [الجاثية]
فيقضي الله تك بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس، فيقضي بين الوحوش والبهائم، حتى إنه
ليقضي للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله
لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَنِ كُتُّ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠] ثم يقضي الله بين العباد،
فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله مت كل من قتل، فيحمل
رأسه تشخب أوداجه(٢)، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم -: فيم قتلتهم؟
فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم
(١) عنق: أي قطعة منها .
(٢) أي تتفجر عروقه دماً.

٥٦٢
• سُورَةُ الْأَنْقَظُل (٧١، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه،
فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم -: لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون
العزة لي، فيقول: تعست، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها،
وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى
لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن
بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ الله من ذلك، نادى مناد يسمع الخلائق
كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد من دون الله،
إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذٍ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من
الملائكة على صورة عيسى بن مريم. ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم إلى
النار، وهو الذي يقول: ﴿لَوْ كَانَ هَكُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيهَا خَلِّدُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]
فإذا لم يبق إلا المؤمنون، فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال: يا أيها الناس،
ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد
غيره، فينصرف عنهم، وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يأتيهم، فيقول: يا
أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما
كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته، ما يعرفون أنه ربهم فيخرون
للأذقان سجداً على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي(١)
البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم، كحد الشفرة أو كحد
السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان(٢)، دونه جسر دحض(٣) مَزلَة، فيمرون
كطرف العين أو كلمح البرق، أو كمر الريح أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد
الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش ومكردس(٤) على وجهه في جهنم، فإذا أفضى أهل الجنة
إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم
آدم عليه، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلاً، فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنباً
ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه
فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بإِبراهيم فإن الله اتخذه خليلاً، فيؤتى
إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ويقول: عليكم بموسى فإن الله
قربه نجياً وكلمه وأنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنباً ويقول: لست
بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى بن مريم، فيؤتى عيسى بن مريم فيطلب ذلك
إليه، فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد)) قال رسول الله وَ طير: ((فيأتوني ولي عند ربي
ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة، فأخذ بحلقة الباب فأستفتح، فيفتح لي فأحيا
(١) أي قرون البقر.
(٢) السعدان: نبت تأكله الإبل، وله شوك تشبه حلمة الثدي.
(٣) دحض أي زلق لا يثبت عنده القدم.
(٤) المكردس: الذي جُمعت يداه ورجلاه وألقي في موضع.

٥٦٣
سُورَةُ الأَنْتُل (٧١، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجداً، فيأذن الله لي من تحميده
وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع، وسل
تعطه، فإذا رفعت رأسي يقول الله - وهو أعلم -: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة
فشفعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة، فيقول الله: قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة))
وكان رسول الله وسلم يقول: ((والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم،
من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة، سبعين
مما ينشئ الله ربك، وثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله؛ لعبادتهما الله في
الدنيا فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليها سبعون
زوجاً من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء
ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت،
كبدها له مرآة وكبده لها مرآة. فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها
عذراء، ما يفتر ذكره وما تشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذا نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا
تمل، إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن لك أزواجاً غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما أتى
واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئاً أحسن منك، ولا في الجنة شيئاً أحب إلي منك.
وإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك، أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من
تأخذه النار قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى
ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه(١)، ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه، حرم الله صورته
عليها)) قال رسول الله وَله: ((فأقول: يا رب، شفعني فيمن وقع في النار من أمتي، فيقول:
أخرجوا من عرفتم، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى
نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيماناً فيخرج أولئك
حتى لا يبقى منهم أحد. ثم يشفع الله فيقول: أخرجوا من في قلبه إيماناً ثلثي دينار، ثم يقول:
ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراطاً، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج أولئك
حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل الله خيراً قط، ولا يبقى أحد له شفاعة
إلا شفع، حتى إن إبليس يتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له. ثم يقول: بقيتُ وأنا
أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم، فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، كأنهم حَمم(٢) فيلقون
على نهر، يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل(٣)، فما يلي الشمس
منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث، حتى يكونوا أمثال الذر
مكتوب في رقابهم الجهنميون، عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب وما عملوا
خيراً لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا
(١) الحَقو: الكشح والإزار.
(٢) الحَمم: الرماد والفحم، وكل ما احترق من النار.
(٣) حميل السيل: ما يجيء به السيل من طين وغيره، فإذا اتفقت فيه واستقرت على شط مجرى السيل فإنها
تنبت في يوم وليلة، فشبه به سرعة عود أبدانهم وأجسامهم بعد إحراق النار لها .

٥٦٤
سُورَةُ الأَنْتَعَل (٧٤، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هذا الكتاب فيمحوه الله ريك عنهم))(١).
هذا حديث مشهور، وهو غريب جداً، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض
ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه
ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم
الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها
فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء، قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث
على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جداً، ويقال: إنه جمعه من
أحاديث كثيرة، وجعله سياقاً واحداً فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج
المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفاً قد جمعه، كالشواهد لبعض مفردات هذا
الحديث(٢)، فالله أعلم.
(٧٤
﴿﴿ وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ مَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌ إِنَّ أَرَكَ وَقَوْمَكَ فِىِ ضَلَلِ مُّبِينٍ
وَكَذَلِكَ نُرِىّ ◌ِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٢٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَّيْلُ رَءَا كَوَكَبٌ
قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَفِينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْن
لَّمْ يَهْدِنِ رَِّ لَأَكُونََ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِى هَذَآ أَكْبَرٌّ فَلَمَّاً
أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٨) إِنِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا
أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (®﴾.
قال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان اسمه تارح، رواه
ابن أبي حاتم(٣).
وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم، أنا
شبيب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إَِّهِيمُ لِأَبِهِ ءَزَرَ﴾ يعني: بآزر الصنم
وأبو إبراهيم اسمه تارح، وأمه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر،
وهي سرية إبراهيم(٤).
وهكذا قال غير واحد من علماء النسب أن اسمه تارح.
وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم (٥).
(١) أخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال (ح٣٦) وسنده ضعيف جداً وقد فصّل الحافظ ابن كثير نقده سنداً
ومتناً .
(٢) ومن هذه الشواهد ما رواه البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً مطولاً وما رواه البخاري بسنده
عن أنس مرفوعاً مطولاً (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَدٍ نَاضِرَةٌ ﴿ إِلَى بِهَا نَاظِرَةٌ
[القيامة] ح٧٤٣٩ - ٧٤٤٠).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه.

٥٦٥
• سُؤَدَّةُ الْأَنْقَظُل (٧٤، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قلت: كأنه غلب عليه آزر، لخدمته ذلك الصنم فالله أعلم، وقال ابن جرير: وقال آخرون: هو
سبٌّ وعيب بكلامهم، ومعناه معوج، ولم يسنده ولا حكاه عن أحد(١).
وقد قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقرأ ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِّهِ
ءَزَرَ﴾ قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم عليها(٢).
ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه
تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان، كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقباً، وهذا
الذي قاله جيد قوي والله أعلم.
واختلف القراء في أداء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ﴾ فحكى ابن جرير عن الحسن
البصري، وأبي يزيد المدني، أنهما كانا يقرآن ﴿وَإِذْ قَالَ إِزَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرُ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةِّ﴾
معناه يا آزر أتتخذ أصناماً آلهة، وقرأ الجمهور بالفتح (٣)، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف
أيضاً، كأحمر وأسود، فأما من زعم أنه منصوب، لكونه معمولاً لقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ تقديره
يا أبت أتتخذ آزر أصناماً آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة، فإن ما بعد حرف الاستفهام، لا يعمل
فيما قبله لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره، وهو مشهور في قواعد العربية،
والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها ونهاه فلم ينته، كما قال: ﴿وَإِذْ
قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةَّ﴾ أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله؟ ﴿إِنَّ أَرَكَ
وَقَوْمَكَ﴾ أي: السالكين مسلكك ﴿فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ أي: تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في
حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم.
وقال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِمَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبيًّا (٨ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ
يَأَبَتِ إِ قَدْ جَاءَتِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِبًا
وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنَكَ شَيْئاً
يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿﴿ يَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ
الرَّهْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ﴿ قَالَ أَرَغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى ◌َإَِّهِيمٍ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِي مَلِيًّا
قَالَ سَلَمُ عَلَتَكْ سَأَسْتَغْفِرْ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا ﴿﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا نَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
٤٦٦
وَأَدْعُواْ رَبِّي عَسَى أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَقِيًّا (٨)﴾ [مريم] فكان إبراهيم علا، يستغفر لأبيه مدة
حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ قَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَهُ, عَدُوٌّ لِلّهِ
تَبَرَّ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّةُ حَلٌِّ (19)﴾ [التوبة].
وثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر: يا بني اليوم لا أعصيك،
فيقول إبراهيم أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون. وأي خزي أخزى من أبي الأبعد،
فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار(٤).
(١) لعله يريد بالآخرين الفراء لأنه ذكر نحوه في معاني القرآن (٣٤٠/١).
(٣) القراءتان بالفتح والضم متواترتان.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً.
(٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (ح ٣٣٥٠).

٥٦٦
• سُورَةُ الْأَنْتَعُل (٧٤، ٧٩)
00000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى
خلقهما على وحدانية الله رم، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ
أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [يونس: ١٠١] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأعراف: ١٨٥] وقال: ﴿أَفَمَّ يَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ
بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ تُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّ مِّنَ السَّمَاءِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾﴾ [سبأ].
وأما ما حكاه ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم، قالوا:
واللفظ لمجاهد: فرجت له السموات، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت
له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن، وزاد غيره فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي، ويدعو
عليهم، فقال الله له: إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا أو يرجعوا.
وروى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين، عن معاذ وعلي، ولكن لا يصح إسنادهما، والله
أعلم.
وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْزَهِيمَ
مَلَكُوتَ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٢٥)﴾ فإنه تعالى جلا له الأمر سره وعلانيته، فلم
يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا
تستطيع هذا فردّه كما كان قبل ذلك(١).
فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عياناً، ويحتمل أن يكون عن بصيرته،
حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة، والدلالات القاطعة كما
رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه عن معاذ بن جبل في حديث المنام ((أتاني ربي في أحسن
صورة فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفي
حتى وجدت برد أنامله بين ثدبي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك)) وذكر الحديث(٢).
قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: الواو زائدة تقديره وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات
والأرض، ليكون من الموقنين،، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اُلَيَتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِلُ الْمُجْرِمِينَ
٥٥)
[الأنعام] وقيل: بل هي على بابها؛ أي: نريه ذلك ليكون عالماً وموقناً.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اَلَيْلُ﴾ أي: تغشاه وستره ﴿رَءَا كَوَكَبً﴾ أي: نجماً ﴿قَالَ هَذَا رَبِّ
فَلَمَّآ أَفَلَ﴾ أي: غاب، قال محمد بن إسحاق بن يسار: الأفول الذهاب(٣)، وقال ابن جرير:
يقال: أفل النجم يأفل ويأفل أفولاً وأفلا، إذا غاب ومنه قول ذي الرمة (٤):
دها [نجوم](6) ولا بالآفلات الزوائل
مصابيح ليست باللواتي تقو
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به.
(٢) أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس ومن حديث معاذ بن حبل ﴿ مطولاً وقال عقب حديث معاذ: هذا حديث
حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا: حسن صحيح (السنن، تفسير القرآن،
باب ومن سورة ص ح٣٢٣٤ و٣٢٣٥) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٨١ و٢٥٨٢).
(٣) أخرجه الطبري مع التعليق والاستشهاد بالشعر.
(٤) في ديوانه ص٤٢٥.
(٥) كذا في (عش) و(مح)، وسقطت من الأصل.

٥٦٧
• سُؤَدَّةُ الأَنْتَطُل (٧٤، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا.
﴿قَالَ لَآ أُحِبُّ الْأَفِينَ﴾ قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول(١).
﴿فَلَمَّا رَءَا أُلْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعاً ﴿قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيِن لَّمْ يَهْدِنِ رَبِي لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ
الضَّآلِينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِ﴾ أي: هذا المنير الطالع ربي ﴿هَذَآ أَكْبَرٌ﴾ أي:
جرماً من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: غابت ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِنِى بَرِىٌّ مِّمَا قُشْرِكُونَ
إِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشََّوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ أي:
أخلصت ديني، وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: خلقهما وابتدعهما على غير
مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي: في حال كوني حنيفاً؛ أي: مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال:
﴿وَمَّآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقد اختلف المفسرون في هذا المقام: هل هو مقام نظر أو مناظرة؟
فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر (٢)،
واختاره ابن جرير مستدلاً بقوله: ﴿لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِ﴾ الآیة.
وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه
من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل
الغلمان عامئذٍ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد فولدت
فيه إبراهيم، وتركته هناك(٣)، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من
السلف والخلف.
والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان ما
كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام
الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذين هم عند
أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق
والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل،
وهي الكواكب السيارة السبعة المُحيّرة، وهى: القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ
والمشتري وزحل، وأشدّهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولاً
صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا
تزيغ عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تملك لنفسها تصرفاً، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة،
لما له في ذلك من الحِكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى
تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية،
ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية
عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به نحو مضمونه مطولاً.
(٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد، عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق نحوه مطولاً. والرواية من
الإسرائيليات.

٥٦٨
• سُورَةُ الْأَنْقَطُ (٨٣،٨٠)
﴿قَالَ يَقَوْمِ إِِّ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة
فكيدوني بها جميعاً ثم لا تنظرون ﴿إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً وَمَا أَهْ
مِنََ الْمُشْرِكِينَ (®﴾ أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها،
الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ
اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُمُ حَثِيثًا
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمَرُّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (@)﴾ [الأعراف]
وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام؟ وهو الذي قال الله في حقه ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَآ
إِنَزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوِّهِ، مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَا عَكِفُونَ
([6]) الآيات [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (®
شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ اجْتَبَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (١) وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَُّ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَِّلِينَ
ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةً إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿قُلّ
إِنَّنِ هَلَكِ رَبِ إِلَى صِرٍَ تُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦)﴾ [الأنعام].
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله وَالر أنه قال: ((كل مولود يولد على
الفطرة)) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، أن رسول الله وَّ هور قال: ((قال الله إني خلقت
عبادي حنفاء))(١).
وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠]
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىْ﴾
[الأعراف: ١٧٢] ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]
كما سيأتي بيانه.
فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله. ﴿أُمَّةً قَانِتًا
لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِنَ﴾ [النحل: ١٢٠] ناظراً في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة
السليمة والسجية المستقيمة، بعد رسول الله ◌َ ﴿ بلا شك ولا ريب، وما يؤيد أنه كان في هذا
المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً.
قوله تعالى :
﴿وَحَجَهُ قَوْمُهُ قَالَ أَلُّحَجُوْنِ فِىِ الَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِةٍ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ رَبِّ
﴿ وَكَيّفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ
شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًّاً أَفَلَا تَنَذَكَّرُونَ
أَشْرَكْتُم بِلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانَأَ فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِلْأَمْنِّ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُّ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَّيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى
قَوْمِدَّ نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ ﴾﴾.
يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد وناظروه بشبه
من القول، أنه قال: ﴿أَنُحُكَّجُوْنِ فِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَينٍّ﴾ أي: تجادلونني في أمر الله، وأنه لا إله إلا
(١) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح٢٦٥٨).

٥٦٩
سُورَةُ الأَنْقُل (٨٣،٨٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة
وشبهكم الباطلة، وقوله: ﴿وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ: إِلَّ أَنْ يَشَآءَ رَبِي شَيْئًا﴾ أي: ومن الدليل
على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه، أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئاً، وأنا لا أخافها،
ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ رَبِّ شَيْئًا﴾ استثناء منقطع، أي لا يضر ولا ينفع إلا الله ◌َ،
﴿وَسِعَ بَّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء فلا يخفي عليه خافية ﴿أَفَلاَ نَتَذَّكَّرُونَ﴾
أي: فيما بينته لكم أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها، وهذه الحجة نظير ما
احتج بها نبي الله هود لعلّل على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا
◌ِتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَّ ◌َالِهَئِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنَ ﴿ إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ
ءَالِهَتِنَا بِسُوءُ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللّهَ وَأَشْهَدُوَأْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُظِرُونِ
إِنِ تَوَّكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبٍ وَرَبَّكُ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّ هُوَ ءَلِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ الآية [هود].
٥٥
وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من
دون الله، ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِلَلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس وغير
واحد من السلف: أي حجة(١).
وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوَا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الّذِينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلََّ أَسْمَةٌ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَبَا ؤُكُم مَّا أَنَزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].
وقوله: ﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فأي طائفتين أصوب، الذي عبد من
بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله
يوم القيامة؟ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنِّ وَهُم ◌ُهْتَدُونَ
﴾﴾ أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئاً، هم
الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه وأينا
لم يظلم نفسه؟ فنزلت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣](٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، وعن إبراهيم، عن علقمة، عن
عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ شقّ ذلك على الناس،
فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ((إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد
الصالح: ﴿يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] إنما هو الشرك(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عكرمة، عن ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ ... ﴾ [الأنعام: ٨٢]
ح٢٦٢٩).
(٣) المسند ٣٧٨/١ وسنده صحيح.

٥٧٠
سُورَةُ الأَنْقَا (٨٠، ٨٣)
علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ شقّ ذلك على أصحاب
رسول الله ﴿ قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله وَلي: ((ليس كما تظنون، إنما قال
لابنه: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣](١).
وحدثنا عمر بن تغلب النمري، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي بَّ﴿ في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾
قال: ((بشرك))(٢). قال وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة،
وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة،
والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغير واحد نحو ذلك(٣)، وقال ابن مردويه: حدثنا
الشافعي، حدثنا محمد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم
◌ِظُلْمٍ﴾ قال رسول الله وَّه: ((قيل لي أنت منهم)) (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير بن
عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله وَ﴿، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع(٥) نحونا،
فقال رسول الله وَّل: ((كأن هذا الراكب إياكم يريد)) فانتهى إلينا الرجل، فسلّم فرددنا عليه،
فقال له النبي ◌َّجر: ((من أين أقبلت؟)) قال من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: ((فأين تريد؟)) قال:
أريد رسول الله بَّ قال: ((فقد أصبته)) قال: يا رسول الله، علمني ما الإيمان؟ قال: ((أن تشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج
البيت)) قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره وهوى
الرجل، فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله وَله: ((عليّ بالرجل)) فوثب إليه عمار بن ياسر
وحذيفة بن اليمان فأقعداه فقالا: يا رسول الله، قبض الرجل قال فأعرض عنهما رسول الله وَلاته:
ثم قال: ((أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسّان في فيه من ثمار الجنة،
فعلمت أنه مات جائعاً)) ثم قال رسول الله وسلم: ((هذا من الذين قال الله رَ فيهم ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾)) الآية، ثم قال: ((دونكم أخاكم)) فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه
وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله وَلقر حتى جلس على شفير القبر، فقال:
((ألحدوا ولا تشقّوا فإن اللّحد لنا والشقّ لغيرنا)) (٦). ثم رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقد أسند معظمها الطبري ويشهد لها جميعاً ما تقدم وصحّ عن
النبي ێد .
(٤) سنده ضعيف جداً بسبب محمد بن شداد المسمعي: روى أحاديث مناكير، وضعفه البرقاني والدارقطني
(لسان الميزان ١٩٩/٥).
(٥) من الإيضاع وهو الإسراع.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه بسب أبي جناب وهو يحيى بن أبي حية الكلبي (المسند
٥١٣/٣١ ح١٩١٧٦)، ولكنه توبع كما سيأتي في رواية الإمام أحمد وابن أبي حاتم.

٥٧١
سُورَةُ الأَنْتُل (٨٠، ٨٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الحميد بن جعفر الفراء، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، فذكر نحوه وقال
فيه: هذا ممن عمل قليلاً وأجر كثيراً(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا
علي بن عبد الله، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله وَي ول
في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد خرجت من
بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من
خضر الأرض، فاعرض علي، فعرض عليه رسول الله -18 فقبل، فازدحمنا حوله فدخل خف
بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه، فقال رسول الله وَالحجر: ((صدق والذي
بعثني بالحق، لقد خرج من بلاده وتلاده وماله، ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي وما بلغني حتى
ماله طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلاً وأجر كثيراً؟ هذا منهم. أسمعتم
بـ ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُ الْأَمْنُّ وَهُم ◌ُهْتَدُونَ﴾، أولئك لهم الأمن وهم
مهتدون؟ فإن هذا منهم)) (٢) [وروى ابن مردويه من حديث محمد بن يعلى الكوفي - وكان نزل
الري -، حدثنا زياد بن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، قال: قال
رسول الله يلر: ((من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظلم فاستغفر، وظُلِم فغفر)) وسكت، قال:
فقالوا يا رسول الله ما له؟ قال: ﴿أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَدُونَ﴾](٣) (٤) وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآَ
ءَاتَيْنَهَا إِبْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾ أي: وجهنا حجته على قومه، قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله:
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بَِّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَنَّا فَأَىُ
اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الآية، وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّ
يَلْبِسُوَاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَدُونَ (49)﴾ ثم قال بعد ذلك كله ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَّاً
ءَاتَّيْنَهَا إِبْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهٍ، نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَن نَّشَاءُ﴾ قرئ بالإضافة وبلا إضافة(٥)، كما في سورة
يوسف، وكلاهما قريب في المعنى، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ﴾ أي: حكيم في أقواله
وأفعاله، عليم أي: بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٨ وَلَوَ جَمَتْهُمْ كُلُّ ◌َةٍ حَتَّى يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
[يونس] ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥١٤/٣١ ح١٩١٧٧)، وفيه متابعة ثابت لأبي جناب، وقال
محققوه: حسن بطرقه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وفي سنده علي بن عبد الله بن عامر الثعلبي وأبوه كلاهما
صدوق يهم ولكنهما توبعا في الروايتين السابقين، فيكون سنده حسناً لغيره.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(مح) و(حم).
(٤) سنده ضعيف لضعف أبي داود وهو نفيع الأعمى، وكذلك عبد الله بن سخبرة: مجهول كما في ((التقريب))
وقد أرسله وضعفه البيهقي (شعب الإيمان ح ٤٤٣١)، والهيثمي (المجمع ٢٨٧/١٠).
(٥) بالإضافة هكذا ﴿دَرَجَتٍ مَن ◌َّشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] وبلا إضافة بالتنوين ﴿دَرَجَاتِ مَّن نَشَاءُ﴾، وكلتاهما
قراءتان متواترتان.

٥٧٢
• سُوَرَّةُ الْأَنْتَعُل (٨٤، ٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَوَهَبْنَا لَهُؤْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِ كُلَّ هَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ
وَزَّكَرِبًا وَيَخِى وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ كُلٌّ
وَسُلَيْمَنَ وَأَيُبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
مِّنَ الصَّلِحِينَ
﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ
(4u)
وَمِنْ ءَابَبِهِمْ
وَذُرِّيَّنِمْ وَإِخْوَنِهِمْ وَأَجْبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
ذَالِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،
وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمِ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ
﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ ءَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْرَ وَالنُّبُوَةُ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ
أُؤْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ قُل لَّ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ
فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا تَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ
.
أَجْرًّا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ
يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من
الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق فتعجبت المرأة من ذلك،
وقالت: ﴿يَوَيِّقَ ءَأَلِّدُ وَأَثَأْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللهِ
رَحْمَثُ اللَّهِ وَبَرَّكَتُمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ (٣)﴾ [هود] فبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له
[الصافات] وهذا أكمل في
نسلاً وعقباً، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْحَقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ
البشارة وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: ويولد
لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقرّ أعينكما به، كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد
لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة
به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم علا، حين
اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهباً إلى عبادة الله في الأرض،
فعوضه الله ريك عن قومه وعشيرته، بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال
تعالى: ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِّ وَكُلََّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (@)﴾ [مريم]
وقال ههنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِ كُلَّ هَدَيْنَا﴾ .
وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبله هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل
منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح علّل، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به،
وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل
إبراهيم علا، فلم يبعث الله رَك بعده نبياً، إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا
النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ﴾ الآية [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا
النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ﴾ [الحديد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبْنَ مِن ذُرِيَّةِ مَدَمَ وَمِمَنْ
حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمَن نُرِيَّةَ إِنْزَهِيَمَ وَإِسْرََّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْتَبَيْنَاْ إِذَا نُثَى عَلَيْهِمْ مَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَيُكِيّا﴾
الآية [مریم] .
٥٨)
وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ﴾ أي: وهدينا من ذريته ﴿دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ﴾ الآية،
وعود الضمير إلى نوح، لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير.
وعوده إلى إبراهيم، لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس من
ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه ماران بن آزر، اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليباً،
وكما قال في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ

٥٧٣
سُورَةُ الْأَنْقُل (٨٤، ٩٠)
00000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 000 000000 000 000 000 000
[البقرة] فإسماعيل
نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُمْ مُسْلِمُونَ
عمه دخل في آبائه تغليباً، وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ اٌلْمَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿﴿ إِلَّ إِبْلِسَ﴾
[الحجر: ٣٠ - ٣١] فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذمّ على المخالفة لأنه كان في تشبه
بهم، فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليباً، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار، والملائكة
من النور.
وفي ذكر عيسى علّ في ذرية إبراهيم أو نوح، على القول الآخر، دلالة على دخول ولد
البنات في ذرية الرجل، لأن عيسى لعلّ إنما ينسب إلى إبراهيم علا بأمه عليه، فإنه لا أب له.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا سهل بن يحيى العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا
علي بن عابس، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسل
الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي وَّ،
تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ حتى بلغ ﴿وَيَحَْ وَعِيسَى﴾ قال: بلى. قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم
وليس له أب؟ قال: صدقت(١).
فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم، فأما
إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا يقول
الشاعر العربي :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأجانب (٢)
وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضاً، لما ثبت في صحيح البخاري، أن رسول الله وضله
قال للحسن بن علي: ((إن ابني هذا سيد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من
المسلمين)»(٣) فسماه ابناً، فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز.
وقوله: ﴿وَ مِنْ ءَابَبِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَنِهِمٌ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية
والاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: ﴿وَأَجْتَبَيْنَهُ وَهَدَيْتَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ
هُدَى اللَِّ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم، ﴿وَلَوْ
أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم ◌َا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَلُكَ﴾ الآية [الزمر: ٦٥]، وهذا شرط،
والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: ﴿قُلٌ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ (﴾﴾ [الزخرف]
وكقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَ لَوََّ لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّهُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ (®)﴾ [الأنبياء] وكقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الرحمن بن صالح وهو العتكي الكوفي صدوق يتشيع كما
في ((التقريب)). وقال ابن عدي: احترق بالتشيع (ميزان الاعتدال ٥٦٩/٢)، والمتن يؤيد بدعته، وفيه علي بن
عابس: ضعيف، فسنده ضعيف.
(٢) هذا البيت يستشهد به النحاة ومنهم ابن عقيل في شرحه على ألفية ابن مالك برقم (٥١) ولم ينسبه إلى
قائله.
(٣) صحيح البخاري، الصلح، باب قول النبي ◌َّ و للحسن بن علي ◌ًا ... (ح ٢٧٠٤).

٥٧٤
سُورَةُ الأَنْتَطُل (٩١، ٩٢)
أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مَِّا يَخْلُقُ مَا يَشَدَءُ، سُبْحَنَةٌ هُوَ اَللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ ﴾﴾ [الزمر].
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ وَالْمَكْرَ وَالنُّبْرَةَ﴾ أي: أنعمنا عليه بذلك، رحمة للعباد بهم
ولطفاً منا بالخليقة، ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على هذه الأشياء
الثلاثة، الكتاب والحكم والنبوة، وقوله: ﴿هَؤُلاءِ﴾ يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس وسعيد بن
المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد (١). ﴿فَقَدْ وَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ أي: إن
يكفر بهذه النعم، من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، وملّيين
وكتابيين، فقد وكلنا بها قوماً آخرين أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة.
﴿لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾ أي: لا يجحدون منها شيئاً، ولا يردون منها حرفاً واحداً، بل يؤمنون
بجميعها، محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه وإحسانه، ثم قال تعالى مخاطباً عبده
ورسوله محمداً لَّهِ ﴿أُوْلَكَ﴾ يعني: الأنبياء المذكورين، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية
والإخوان، وهم الأشباه، ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هم أهل الهدى لا غيرهم ﴿فَهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾
أي: اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمراً للرسول وَليه، فأمته تبع له، فيما يشرعه ويأمرهم به.
قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم
قال: أخبرني سليمان الأحول أن مجاهداً أخبره، أنه سأل ابن عباس أفي (صّ) سجدة؟ فقال
نعم، ثم تلا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ ثم قال هو منهم، زاد
يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد، قلت لابن عباس
فقال: نبيكم 18 ممن أمر أن يقتدي بهم(٢).
وقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْثَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا
القرآن أجراً أي أجرة، ولا أريد منكم شيئاً، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾ أي: يتذكرون به،
فيرشدون من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.
- ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنَلَ الْكِتَبَ الَّذِى ◌ََّ
بِهِ
مُؤْسَى نُرًّا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِمْتُم مَا لَمْ تَعَثُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ
اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿ وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُّبَارَكُ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْغُرَى وَمَنْ
حَوْلَهَاً وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ، وَهُمْ عَلَى صَلَتِهِمْ تُحَافِظُونَ
يقول الله تعالى: وما عظموا الله حق تعظيمه، إذ كذبوا رسله إليهم.
قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش(٣)، واختاره ابن جرير.
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري
بسند ضعيف من طريق جويبر عنه ويشهد له سابقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن
أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وزيادته (الصحيح، التفسير، باب ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللّهُ ... ﴾ [الأنعام: ٩٠]
(ح ٤٦٣٢).
(٣) ما ورد عن ابن عباس بلفظ: هم الكفار، وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول =

٥٧٥
• سُورَةُ الْأَنْتَطُ (٩١، ٩٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقيل: نزلت في طائفة من اليهود(١)، وقيل في فنخاص رجل منهم(٢)، وقيل في مالك بن
الصيف(٣) ﴿قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ﴾ والأول أصح، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون
إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد ◌َله لأنه من البشر،
كما قال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وكقوله تعالى:
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ الَّهُ بَشَرًّا رَسُولًا ﴿﴿ قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ
مَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَّْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَآءِ مَلَكًا زَّسُولًا
﴾ [الإسراء] وقال ههنا: ﴿وَمَا
٩٥
فَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ﴾ .
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنَزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِّ﴾ أي: قل يا محمد
لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام، بإثبات قضية جزئية
موجبة، ﴿مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى جَ بِهِ، مُوسَى﴾ وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد
أنزلها على موسى بن عمران، ﴿نُرًّا وَهُدَى لِلنَّاسِّ﴾، أي ليستضاء بها في كشف المشكلات،
ويهتدى بها من ظلم الشبهات.
وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي: تجعلون جملتها قراطيس؛ أي: قطعاً
تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون،
وتقولون هذا من عند الله؛ أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال: ﴿تَجْعَلُونَهُ
فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُم ◌َّا لَمْ تَعَثُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ﴾ أي: ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه
من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك، لا أنتم ولا آباؤكم.
وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب (٤).
وقال مجاهد: هذه للمسلمين(٥).
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، أي: قل الله أنزله(٦)، وهذا
الذي قاله ابن عباس، هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين، من أن
معنى ﴿قُلِ اَللَّهُ﴾ أي: لا يكون خطابك لهم، إلا هذه الكلمة، كلمة ((الله)) وهذا الذي قاله هذا
مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عبد الله بن كثير أخرجه الطبري
بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف ويرويه ابن كثير عن مجاهد، ويتقوى بسابقيه.
(١) أخرجه الطبري بإسناد ثابت عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن
قتادة .
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن سعيد بن جبير وعكرمة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح
من طريق سعيد بن أبي عروبة أنهم اليهود والنصارى.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

٥٧٦
• سُورَةُ الْأَنْتَظُل (٩٣، ٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000 000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
القائل، يكون أمراً بكلمة مفردة، من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب
فائدة يحسن السكوت عليها، وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: ثم دعهم في جهلهم
وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟
وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَبُ﴾ يعني: القرآن ﴿أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيِّ وَلِنُنْذِرَ أُنَّ الْقُرَى﴾ يعني:
مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهًا﴾ من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم، ومن عرب وعجم، كما قال في
الآية الأخرى ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ
بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقال:
﴿َتَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان] وقال: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ وَالْأُمِنَ ءَأَسْلَمْثُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَخْتَدَوْاْ فَإِنِ قَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بَلْعِبَادِ﴾
[آل عمران: ٢٠] وثبت في الصحيحين أن رسول الله و ير قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من
الأنبياء قبلي)) وذكر منهن ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) (١) ولهذا
قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلَّخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بٍِّ﴾ أي: كل من آمن بالله واليوم الآخر، يؤمن بهذا الكتاب
المبارك، الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: يقيمون بما
فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها .
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَقْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأَزِّلُ مِثْلَ
مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيَدِيِهِمْ أَخْرِجُوْ أَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ
تُجْزَوَّنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنِتُمْ عَنْ ءَايَيْهِ، تَسْتَكْبِرُونَ ﴿﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَدَى كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم ◌َّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَّةَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ
فِيَكُمْ شُرَّكَوْاْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (®]﴾
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَُّ مِمَنِ أَقْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم، ممن كذب على الله،
فجعل له شركاء أو ولداً، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَ
قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ .
قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب(٢).
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ أي: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي،
مما يفتريه من القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَّقُلْنَا مِثْلَ
هَذَاً﴾ الآية [الأنفال: ٣١].
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوَّتِ﴾ أي: في سكراته، وغمراته، وکرباته،
﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب، كقوله: ﴿لَِنَّ بَسَطِتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِ﴾ الآية [المائدة: ٢٨].
(١) تقدم في تفسير سورة النساء آية ٤٣ من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، لكن سنده مرسل، وأخرجه الطبري من طريق
ابن جريج عن عكرمة، وفي سنده الحسين وهو ابن داود ضعيف.

٥٧٧
سُورَةُ الْأَنْفَطَا (٩٣، ٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُمْ بِالسُّوٍّ﴾ الآية [الممتحنة: ٢]، وقال الضحاك وأبو صالح:
﴿باسطوا أيديهم﴾ أي بالعذاب(١). كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ يَتَوَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَبِكَةُ يَضْرِبُونَ
وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] ولهذا قال: ﴿وَاُلْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْاْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب لهم، حتى
تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ وذلك أن الكافر إذا
احتضر، بشرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم،
وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة،
حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم ﴿أَخْرِجُوْ أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا
كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الآية، أي اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله،
وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله.
وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت وهي مقررة عند
قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقد ذكر ابن مردويه ههنا حديثاً مطولاً جداً من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس
مرفوعاً (٢)، فالله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوََّ مَرَّةٍ﴾ أي: يقال لهم يوم معادهم هذا كما قال:
﴿وَعُرِضُواْ عَى رَيِّكَ صَفَّا لَّقَدْ جِئْتُهُوْنَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ [الكهف: ٤٨] أي: كما بدأناكم أعدناكم،
وقد کنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.
وقوله: ﴿وَتَكْتُ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءُ فَظُهُورِكُمْ﴾ أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها، في الدار
الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح، أن رسول الله وسلم قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي،
وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى
ذلك فذاهب وتاركه للناس))(٣).
وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج(٤)، فيقول الله ريق: أين ما
جمعت؟ فيقول: يا رب، جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول له: يا ابن آدم أين ما قدمت
لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئاً، وتلا هذه الآية ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم ◌َّا
خَوَّلْتَكُمْ وَرَكَةَ ظُهُورِكُمْ ﴾ الآية، رواه ابن أبي حاتم(٥).
وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِكُمْ شُرَّكَوْ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا
اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، إن
كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا
يفترون ويناديهم الرب جل جلاله على رؤوس الخلائق ﴿أَيْنَ شُرَّكَآئِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك إذ لم يصرح الطبري باسم شيخه ومعناه صحيح، وأخرجه الطبري
بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١٢.
(٤) البذج: هو ولد الظأن وجمعه بذجان (الصحاح ٢٩٩/١).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً عن أبي داود عن أبي حرة عن الحسن.

٥٧٨
• سُوَّةُ الْأَنْقَطَا (٩٥، ٩٧)
(1)﴾ [الشعراء]
[القصص: ٦٢] ويقال لهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ هَلْ يَصُرُونَّكُمْ أَوْ يَنَصِرُونَ
ولهذا قال ههنا ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكَوْاْ﴾ أي: في العبادة لهم، فيكم
قسط في استحقاق العبادة لهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع أي شملكم، وبالنصب(١) أي لقد تقطع ما
بينكم من الأسباب والوصلات والوسائب ﴿وَضَلَّ عَنَكُمْ﴾ أي ذهب عنكم ﴿مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
من رجاء الأصنام والأنداد، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْ اٌلْعَذَابَ
وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (٨) وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ
اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ (٣٧)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُّفِيخَ فِي الصُّورِ
فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (٣٦)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا
قَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن ◌َّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال: ﴿وَقِلَ أَدْعُواْ شُرَّكََّكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ
يَسْتَجِيبُوْ لَمْ﴾ الآية [القصص: ٦٤]، وقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ إلى قوله:
﴿وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤] والآيات في هذا كثيرة جداً.
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ اَلْحَقِّ وَالنَّوَّ يُخْرِجُ أَلَّْ مِنَ الْمَيْتِ وَنُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَ
فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَتْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَّقْدِيرُ الْعِزِ الْعَلِيمِ
تُؤْفَكُونَ
وَهُوَ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُوَمَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ خُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه في الثرى، فتنبت منه الزروع على اختلاف
أصنافها، من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى، ولهذا فسر
قوله: ﴿فَالِقُ الْحَقِّ وَالنَّوَّ﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ أَلَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَمُخْرِيعُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: يخرج النبات
الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت، كقوله: ﴿وَءَايَّةٌ لَّهُ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْبَيْنَهَا
وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (*) إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦].
وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَيّ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ اٌلْحَبِّ وَالنَّوَّ﴾ ثم فسره ثم عطف عليه
قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيَّ﴾ وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن
قائل: يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه، ومن قائل: يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه
وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها .
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِّكُمُ اللّهُ﴾ أي: فاعل هذا، هو الله وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَّكُونَ﴾
أي: كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره؟
وقوله: ﴿فَلِقُ اَلْإِصْبَحِ وَجَعَلَ اَلَّيْلَ سَكًا﴾ أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة
﴿وَجَعَلَ الُّلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أي: فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء
الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجيء النهار
(١) كلتا القراءتين متواترتان.

٥٧٩
• سُورَةُ الْأَنْعَم (٩٨، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بضيائه وإشراقه، كقوله: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُمُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] فبين تعالى قدرته على
خلق الأشياء المتضادة المختلفة، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق
الإصباح، وقابل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكًا﴾ أي: ساجياً مظلماً، لتسكن فيه الأشياء، كما
وَالتَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى
وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ [الضحى] وقال: ﴿وَِّلِ إِذَا يَغْشَى
قال: ﴿وَالضُّحَى
[الليل] وقال: ﴿وَلنَّهَارِ إِذَا جَلََّهَا ﴾ وَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا ﴾﴾ [الشمس].
وقال صهيب الرومي ظُه لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكناً إلا
لصهيب، إن صهيباً إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه، رواه ابن أبي حاتم(١).
وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً﴾ أي: يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب،
بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً
وقصراً، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُرًا وَقَدَرَهُ مَنَازِلَ﴾ الآية [يونس: ٥] وكما
قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا أَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾﴾ [يس]
وقال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِهِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَعْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف،
العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيراً ما إذا ذكر الله
تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر، يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في هذه الآية،
وكما في قوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَتْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ (49) وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ
ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٨)﴾ [يس] ولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن، في أول سورة
حم السجدة، قال: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ خُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال بعض السلف:
من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه، أن الله جعلها زينة
للسماء، ورجوماً للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر.
وقوله: ﴿قَدْ فَصَلْنَا أَلَيَتِ﴾ أي: قد بيناها ووضحناها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعقلون ويعرفون
الحق، ويتجنبون الباطل.
٩٨
﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَكُمْ مِنِ نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَسْتَقٌَّ وَمُسْتَوَعُ قَدْ فَصَّلْنَا اُلَيَتِ لِقَوْمِ يَفْقَّهُونَ
وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا أُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَاحِكِبًا
وَمِنَ النَّغْلِ مِن ◌َلْمِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَبٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّقَانَ مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبِةٍ أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِوِ
إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِدٍَّ إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ يعني: آدَم ◌َعَلَّهُ، كما قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ
رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ﴾ [النساء: ١].
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن صهيب وسنده ضعيف لأن عبد العزيز لم يسمع
من صهيب ◌ّ بل لم يدرك أحداً من الصحابة

٥٨٠
• سُوَرَّةُ الأَنْقُل (٩٨، ٩٩)
وقوله: ﴿فَسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْيَعُ﴾ اختلفوا في معنى ذلك، فعن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي
عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك،
وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغيرهم ﴿فَسْتَقَرُّ﴾ أي: في الأرحام(١)، قالوا - أو
أكثرهم - ﴿وَمُسْتَوْدَعُ﴾ أي: في الأصلاب.
وعن ابن مسعود وطائفة عكسه، وعن ابن مسعود أيضاً وطائفة، فمستقر في الدنيا، ومستودع
حیث يموت.
[وقال سعيد بن جبير: فمستقر في الأرحام، وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت](٢) (٣).
وقال الحسن البصري: المستقر الذي قد مات، فاستقر به عمله(٤)
وعن ابن مسعود: ومستودع في الدار الآخرة(٥). والقول الأول أظهر، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون ويعون كلام الله ومعناه، وقوله
تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآِ مَاءٍ﴾ أي: بقدر مباركاً ورزقاً للعباد وإحياء وغيائاً للخلائق،
رحمة من الله بخلقه ﴿فَزَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ﴾
[الأنبياء: ٣٠].
﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي: زرعاً وشجراً أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، ولهذا
قال تعالى: ﴿تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا﴾ أي: يركب بعضه بعضاً كالسنابل ونحوها، ﴿وَمِنَ النَّغْلِ
مِن ◌َّلْمِهَا قِنْوَانٌ﴾ أي: جمع قنو، وهو عذوق الرطب ﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة من المتناول، كما قال
علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ يعني: بالقنوان الدانية قصار النخل
اللاصقة عذوقها بالأرض(٦)، رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون قِنوان،
وقيس يقولون قُنوان، قال امرؤ القيس :
فأثّت أعاليه وآدت أصوله
ومال بقنوان من البُسر أحمرا (٧)
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم أغلبهم بحذف السند وقول ابن مسعود أخرجه الحاكم بسند صحيح، وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٣٤١/٢)، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن
عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عطاء بن أبي رباح
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول إبراهيي النخعي
أخرجه الطبري من عدة طرق يقوي بعضها بعضاً، وقول عطاء الخراساني أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق حماد بن سلمة عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (مح) و(حم).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عن الحسن.
(٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وسنده ضعيف لأن النخعي لم يسمع ابن
مسعود.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق الوالبي به نحوه.
(٧) ذكره الطبري وهو في ديوان امرئ القيس ص٦٧.