Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سُورَةُ المَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بيع اللحم بالشاة والشاتين(١).
وقال الزهري، عن الأعرج، قال: الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار(٢).
وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر(٣)، رواهن ابن
أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة،
حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي موسى
الأشعري، عن النبي ◌َّلقر قال: ((اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجراً، فإنها من
الميسر))(٤) حديث غريب، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم عن
بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله وَلجه: ((من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في
لحم خنزير ودمه))(٥). وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه، عن أبي موسى
الأشعري قال: قال رسول الله وَله: ((من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله))(٦) وروي موقوفاً عن
أبي موسى من قوله، فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا [مكي)](٧) بن إبراهيم، حدثنا الجعيد، عن موسى بن عبد الرحمن
الخطمي، أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني ما سمعت أباك يقول
عن رسول الله ﴾، فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((مثل
الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي))(٨).
وأما الشطرنج فقد قال عبد الله بن عمر إنه شرّ من النرد، وتقدم عن علي أنه قال: هو من
الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي، رحمهم الله تعالى.
وأما الأنصاب، فقال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي
حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وأما الأزلام فقالوا أيضاً: هي قداح كانوا يستقسمون
بها(٩)، رواه ابن أبي حاتم.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق القعنبي عن مالك به، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن عزيز عن سلامة عن عقيل عن الزهري به، وفي سنده محمد بن
عزیز ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو الألهاني، وإذا أراد بالكعاب
النردشير فله شاهد صحيح كما يلي:
(٥) صحيح مسلم، الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير (ح ٢٢٦٠).
(٦) الموطأ، الرؤيا، باب ما جاء في النرد (٧٢٩/٢ ح٦ والمسند ٣٩٤/٤)، وسنن أبي داود، الأدب، باب في
النهي عن اللعب بالنرد (ح٤٩٣٩)، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب اللعب في النرد (ح ٣٧٦٢)، وحسنه
الألباني بالشواهد (إرواء الغليل ٢٨٥/٨).
(٧) كذا في المسند، وفي النسخ الثلاث: ((علي)).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه لجهالة موسى بن عبد الرحمن الخطمي (المسند ٢١٥/٣٨
- ٢١٦ ح ٢٣١٣٨).
(٩) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عنه، وسنده =

٤٦٢
• سُورَةُ الْغَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿يِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ قال علي [بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي سخط من
عمل الشيطان(١).
وقال سعيد بن جبير: إثم (٢).
وقال زيد] بن أسلم: أي شر من عمل الشيطان(٣)، ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾ الضمير عائد إلى الرجس؛
أي: اتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾. وهذا أثر غريب.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ (®﴾ وهذا تهديد وترهيب.
ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر:
قال الإمام أحمد: حدثنا سُريج، حدثنا أبو معشر، عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي
هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله وَله المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون
الميسر، فسألوا رسول الله وَ﴿ه عنهما، فأنزل الله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ
كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ ... ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢١٩]. فقال الناس: ما حُرّما علينا إنما قال:
﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوماً من الأيام، صلى رجل
من المهاجرين، أمّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوْةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فكان الناس يشربون حتى
يأتي أحدهم الصلاة وهو مُغبق(٤)، ثم أنزلت آية أغلظ منها ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَ اُلَّْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَاُلْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (®)﴾ قالوا: انتهينا ربنا. وقال الناس: يا
رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر،
وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
◌ُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْاْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَّمَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ ثُمَّ أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ أَنَّقَوْ وَأَحْسَنُواْ وَهُ يُحِبُّ
اَلْحْسِنَ ﴿4﴾، فقال النبي ◌َّطاهر: ((لو حرّم عليهم لتركوه كما تركتم)»(٥) انفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة،
عن عمر بن الخطاب أنه قال لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً،
فنزلت الآية التي في البقرة ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]
فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة
ضعيف لضعف عثمان ويتقوى بروايات التابعين، فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن
=
أبي نجيح عن مجاهد.
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلفظ: ((الرجس: الشر)).
(٤) كذا في الأصل وفي (حم) وفي (مح): مُغتبق، أي شارب إلى آخر النهار (ينظر النهاية ٣٤٠/٣)، وفي
المسند: وهو مُفيق. قال السندي: من الإفاقة، يريد أنهم أخذوا في الشرب في وقت بعيد عن أوقات
الصلاة. اهـ. وكلا المعنيين متقارب.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه حسن لغيره (المسند ٢٦٨/١٤ - ٢٦٩ح ٨٦١٩).

٤٦٣
سُورَةُ المَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
النساء ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله وَل
إذا قال: حي على الصلاة، نادى: لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال:
اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما
بلغ قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّتَهُونَ﴾ قال عمر: انتهينا انتهينا(١).
وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمرو بن
عبد الله السبيعي، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني، عن عمر به، وليس له عنه
سواه، قال أبو زرعة: ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي(٢).
وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله وَله: أيها
الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر
ما خامر العقل(٣).
وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن
عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة
ما فيها شراب العنب (٤).
(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري - يعني أبا
طعمة قارئ مصر -، قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فقيل: حَرُمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا ننتفع
بها كما قال الله تعالى، قال: فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى﴾ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم،
ثم نزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَِّبُوهُ﴾ الآيتين،
فقال رسول الله وَلجه: (حَرُمت الخمر))(٥).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن
حكيم، أن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله وَليه
صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله وَله :
((يا فلان أما علمت أن الله حرّمها؟» فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبِعها، فقال
رسول الله و9َ: ((يا فلان بماذا أمرته؟)) فقال: أمرته أن يبيعها. قال: ((إن الذي حرّم شربها حرّم
بيعها)) فأمر بها فأفرغت في البطحاء، ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ٤٤٣/١ ح ٣٧٨).
(٢) سنن أبي داود، الأشربة، باب في تحريم الخمر (ح ٢٦٧٠)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة
المائدة (ح٣٠٤٩)، وسنن النسائي، الأشربة، باب تحريم الخمر ٢٧٦/٨.
(٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿إِنََّ أْخَتُرُ وَاَلْمَيْسِرُ ... ﴾ [المائدة: ٩٠] (ح٤٦١٩)، وصحيح مسلم،
التفسير، باب في نزول تحريم الخمر (ح ٣٠٣٢).
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٤٦١٦).
(٥) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح١٩٥٧)، وسنده ضعيف لضعف محمد بن أبي حميد.

٤٦٤
• سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أسلم، ومن طريق ابن وهب أيضاً عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن
عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به(١)، ورواه النسائي عن قتيبة، عن مالك به.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو
بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري أنه كان يهدي
لرسول الله ﴿ كل عام راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها
رسول الله ( 38 ضحك وقال: ((إنها قد حُرّمت بعدك)) قال: يا رسول الله فأبيعها وأنتفع بثمنها،
فقال رسول الله وَالى: (لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم شحوم البقر والغنم، فأذابوه وباعوه، والله
حَرَّم الخمر وثمنها))(٢).
وقد رواه أيضاً الإمام أحمد فقال: حدثنا روح، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال: سمعت
شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غُنم، أن الداري كان يهدي لرسول الله وَّ كل عام
راوية من خمر، فلما كان عام حُرِّمت، جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك، فقال: ((أشعرت أنها
قد حُرِّمت بعدك)) فقال: يا رسول الله، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله وَعليه: (لعن الله
اليهود انطلقوا إلى ما حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم، فأذابوه، فباعوا به ما يأكلون، وإن
الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام»(٣).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن
عبد الرحمن، عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله وَال
وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله وَل* فقال: يا
رسول الله، إني جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله وَ ه: (يا كيسان، إنها قد حُرّمت بعدك))
قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله وَله: ((إنها قد حرمت وحرم ثمنها))، فانطلق كيسان
إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم هراقها (٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: كنت
[أسقي](٥) أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسعيد بن بيضاء ونفراً من أصحابه عند أبي طلحة
حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آتٍ من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟
فقالوا: حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اسكب ما بقي في إنائك فوالله ما عادوا فيها، وما هي
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٠/١)، وفي سنده ابن إسحاق ولم يصرح بالسماع لكنه توبع
فقد أخرجه مسلم من طريقين آخرين عن عبد الرحمن بن وعلة به (الصحيح، البيوع، باب تحريم الخمر
ح ١٥٧٩).
(٢) في سنده شهر بن حوشب فيه مقال ولم يتابع، ولكن له شواهد تقويه كما سيأتي:
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره، وذكروا له شواهد (المسند ٥١٩/٢٩
ح ١٧٩٩٥).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده، ومتنه (المسند ٢٩١/٣١ ح ١٨٩٦٠)، وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة
والاختلاف في صحبة نافع بن كيسان.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وصحفت في الأصل إلى: ((أسي)).

٤٦٥
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذٍ(١)، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن أنس، وفي
رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي
طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ البُسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي قال: اخرج فانظر، فإذا منادٍ
ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج
فأهرقها، فهرقتها فقالوا أو قال بعضهم: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية(٢).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثني [عبد الكبير](٣) بن عبد المجيد، عن عباد بن
راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن
الجراح وأبي دُجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء حتى مالت رؤوسهم من خليط بُسر وتمر،
فسمعت منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج
حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم
سليم، ثم خرجنا إلى المسجد فإذا رسول الله وَ﴿ه يقرأ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَ الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ
وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ﴾ فقال رجل: يا رسول الله،
فما ترى فيمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ جُنَاحٌ
فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية، فقال رجل لقتادة: أنت سمعته من أنس بن مالك قال: نعم، وقال رجل
لأنس بن مالك، أنت سمعته من رسول الله وَ ل؟ قال: نعم، أو حدثني من لم يكذب، ما كنا
نكذب، ولا ندري ما الكذب(٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن
زَحر، عن [بكر] (٥) بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله وسلّم قال: ((إن ربي تبارك
وتعالى، حَرّم الخمر والكوبةً(٦) والقنِّين(٧)، وإياكم والغُبيراء (٨) فإنها ثلت خمر العالم))(٩).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة، عن إبراهيم بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨١/٣) وهو في الصحيحين كما يلي:
(٢) صحيح البخاري، المظالم، باب صب الخمر في الطريق (ح ٢٤٦٤)، وصحيح مسلم، الأشربة، باب تحريم
الخمر (ح ١٩٨٠).
(٣) كذا في (حم) (ومح) وتفسير الطبري وصحفت في الأصل إلى: ((عبد البر)).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق قتادة به مختصراً (الصحيح، الأشربة، باب من
رأى لا يخلط البسر والتمر ح ٥٦٠٠).
(٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحفت إلى: ((بلد)).
(٦) الكوبة هي النرد أو الطبل كما في حاشية السندي على المسند.
(٧) القِّنين: لعبة للروم يقامرون بها، وقيل: الطنبور بالحبشة (المصدر السابق).
(٨) الغُبيراء: نوع من الشراب المُسكر يتخذه الحبش من الذرّة وهي تُسكر وتسمى السُّكركَة. (ينظر النهاية في
غريب الحديث ٣٣٨/٣).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٩/١٠ ح ٥٤٨١)، قال محققوه: حسن لغيره دون قوله: فإنها
ثلث خمر العالم.

٤٦٦
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن الله حرم
على أمتي الخمر والميسر والمزر(١) والكوبة والقنِّين، وزادني صلاة الوتر)) قال يزيد: القنين
البرابط(٢)(٣)، تفرد به أحمد.
وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو عاصم - وهو النبيل -، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حدثنا
يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَ له قال: ((من قال
عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم)) قال: سمعت رسول الله وَّير يقول: ((إن الله حرم الخمر
والميسر والكوبة والغُبيراء وكل مسكر حرام)) تفرد به أحمد أيضاً (٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن
أبي طعمة مولاهم، وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال
رسول الله ◌َ: ((لعنت الخمر على عشرة أوجه: لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها،
وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها)»، ورواه أبو
داود وابن ماجه من حديث وكيع به (٥).
وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو طعمة، سمعت ابن عمر يقول: خرج
رسول الله ﴿ إلى [المربد](٦) فخرجت معه، فكنت معه، فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت
عنه، فكان عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله وَلهم
المربد فإذا بزقاق على المِربَد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله صل﴿ بالمدية، قال ابن
عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذٍ، فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: ((لُعنت الخمر وشاربها،
وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها ومعتصرها، وآكل ثمنها))(٧).
وقال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب قال:
قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله صلفي أن آتيه بمدية وهي: الشفرة، فأتيته بها، فأرسل بها،
فأهرقت ثم أعطانيها، وقال: ((اغدُ عليّ بها)) ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها
زقاق الخمر قد جُلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم
أعطانيها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق
(١) المزر: نبيذ يتخذ من الذرة، وقيل: من الشعير أو الحنطة (النهاية ٣٢٤/٤).
(٢) البرابط: ملهاة تشبه العود، فارسي معرب (حاشية السندي على المسند).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٤/١١ ح ٦٥٤٧)، وضعفه محققوه لضعف فرج بن فضالة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ١٦١/١١ ح٦٥٩١).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/٢) وصححه أحمد شاكر (المسند ٤٧٨٧)، وأخرجه أبو داود
من طريق وكيع به (السنن، الأشربة، باب العنب يعصر للخمر ح ٣٦٧٤ وصححه الألباني في صحيح سنن
أبي داود ح ٣١٢١).
(٦) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحفت إلى: ((المرتد)). والمربد هو الموضع الذي تحبس فيه
الغنم (النهاية ١٨٢/٢).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧١/٢)، وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع في آخر الحديث كما
سبق.

٤٦٧
سُورَةُ المَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقاً إلا شققته (١).
(حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن
سعد، عن خالد بن يزيد، عن ثابت، عن يزيد الخولاني أخبره أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان
يتصدق، قال: فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة فلقيت ابن عباس فسألته عن الخمر وثمنها،
فقال: هي حرام، وثمنها حرام، ثم قال ابن عباس ظُه: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب
بعد كتابكم، ونبي بعد نبيكم، لأنزل فيكم كما أنزل قبلكم، ولكن أخّر ذلك من أمركم إلى يوم
القيامة ولعمري لهو أشد عليكم، قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر فقال:
سأخبرك عن الخمر، إني كنت مع رسول الله وسلّ في المسجد فبينما هو محتب على حبوته، ثم
قال: ((من كان عنده من هذه الخمر شيء فليأتنا بها)) فجعلوا يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية،
ويقول الآخر: عندي زق، أو ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله وَل: ((اجمعوه ببقيع
كذا وكذا، ثم آذنوني)) ففعلوا، ثم آذنوه، فقام وقمت معه ومشيت عن يمينه وهو متكئ عليّ،
فلحقنا أبو بكر ◌ُّه، فأخرني رسول الله وَ﴿، فجعلني عن شماله وجعل أبا بكر في مكاني، ثم
لحقنا عمر بن الخطاب ظُه، فأخرني وجعله عن يساره، فمشى بينهما حتى إذا وقف على الخمر
قال للناس ((أتعرفون هذه؟)) قالوا: نعم يا رسول الله، هذه الخمر، قال: ((صدقتم))، ثم قال:
«فإن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه،
وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها)) ثم دعا بسكين فقال: (اشحذوها)) ففعلوا، ثم أخذها رسول الله، وَله
يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: في هذه الزقاق منفعة، فقال: ((أجل ولكني إنما أفعل ذلك
غضباً لله ◌َك لما فيها من سخطه)) فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول الله، قال: ((لا)) قال ابن
وهب: وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث، رواه البيهقي(٢).
[(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي](٣) أنبأنا أبو الحسين بن بشر، أنبأنا إسماعيل بن
محمد الصفار، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن
سماك، عن مصعب بن سعد. عن سعد قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث قال:
وصنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتى انتشينا فتفاخرنا، فقالت
الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب
به أنف سعد ففزره، وكانت أنف سعد مفزورة، فنزلت ﴿إِنَّمَا الْخَتُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ
أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ أخرجه مسلم من حديث شعبة (٤).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٦/٢)، وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم ضعيف كما في التقريب.
(٢) أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب به (السنن الكبرى ٢٨٧/٨)، والحاكم أيضاً من طريق ابن وهب به
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٤٤/٤)، قال الهيثمي: رواه الطبراني، وخالد بن يزيد لم أعرفه،
وبقية رجاله ثقات (المجمع ٧٦/٥). فإذا كان في خالد بن يزيد مقال فإن سابقه شاهد له.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٢٨٥/٨، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب، في فضل سعد بن أبي وقاص
(ح ١٧٤٨).

٤٦٨
• سُؤَدَّةُ القَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال البيهقي: وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو علي الرفاء، حدثنا علي بن
عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما أن ثمل
القوم، عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول
صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رؤوفاً
رحيماً ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ إِنَّمَا الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾
فقال أناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أحد: فأنزل الله تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ ... ﴾ إلى آخر الآية، ورواه النسائي في
التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال(١).
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف، حدثنا سعيد بن محمد الحرمي، عن
أبي تُميلة، عن سلام مولى حفص أبي القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال بينا نحن قعود على
شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية (٢) لنا ونحن نشرب الخمر
حلاً، إذا قمت حتى أتيتُ رسول الله وَ ﴿ فَأُسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ
اْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ ... ﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى
قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ﴾ قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء
فقال: بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا
ربنا(٣).
(حديث آخر) قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر
قال صبح أناس غداةَ أُحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء، وذلك قبل تحريمها(٤)، هكذا
رواه البخاري في تفسیرہ من صحيحه.
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن
دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي وَّ، ثم قتلوا شهداء
يوم أُحد فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ثم قال: وهذا إسناد صحيح، وهو كما قال: ولكن
في سياقه غرابة(٥) .
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٢٨٥/٨، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَاَ لَْتُّرُ وَالْمَيْسِرُ﴾
[المائدة: ٩٠] (ح١١١٥١). وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٤١/٤ - ١٤٢) وقال
الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢١/٧).
(٢) أي: إناء خاص باللبن يصنع من فخار مطلي.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سلام مولى حفص ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٤/
١٣٣)، وكذا ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢٦٢/٤)، وله شواهد تقدمت.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّمَا الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ ... ﴾ [المائدة: ٩٠] ح ٤٦١٨).
(٥) صحح سنده الحافظ ابن كثير واستغرب قوله: فقالت اليهود ...

٤٦٩
• سُورَُّ القَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب
قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَعٌّ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية، ورواه الترمذي عن بُندار عن غُندر عن شعبة به
نحوه، وقال: حسن صحيح(١).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا جعفر بن حميد الكوفي، حدثنا يعقوب
[القمي](٢)، عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر
إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل منها بمال فقدم بها المدينة فلقيه رجل من المسلمين
فقال يا فلان، إن الخمر قد حُرّمت فوضعها حيث انتهى على تل، وسجى(٣) عليها بأكسية، ثم
أتى النبي ◌ّ﴿ فقال: يا رسول الله، بلغني أن الخمر قد حُرّمت؟ قال: ((أجل)) قال لي أن أردها
على من ابتعتها منه؟ قال: ((لا يصلح ردها)). قال: لي أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال:
((لا)). قال: فإن فيها مالاً ليتامى في حجري، قال: ((إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض أيتامك
من مالهم)) ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله، الأوعية ننتفع بها؟ قال: ((فحلوا
أوكيتها)) فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي(٤)، هذا حديث غريب.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن السدي، عن [أبي هبيرة](٥)
- وهو يحيى بن عباد الأنصاري -، عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل رسول الله وخلافه عن أيتام
في حجره ورثوا خمراً فقال: ((أهرقها)). قال: أفلا نجعلها خلاً؟ قال: ((لا))(٦).
ورواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث الثوري به نحوه(٧).
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا عبد العزيز بن سلمة، حدثنا
هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في
القرآن ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قال: هي في التوراة إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير،
والزفن(٨) والكنارات(٩)؛ يعني: البرابط والزمارات، يعني به الدف والطنابير والشعر والخمر مرة
(١) مسند الطيالسي (ح٧١٥) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٥٠)، وصححه الألباني
في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٤٣).
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صُحف إلى: ((العتبي)).
(٣) أي: غطى.
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤٠٤/٣ ح ١٨٨٤)، وسنده ضعيف لأن عيسى بن جارية فيه لين
(التقریب ص ٤٨٣).
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((هبيرة)).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٩/٣)، وسنده حسن.
(٧) صحيح مسلم، الأشربة، باب تحريم تخليل الخمر (ح ١٩٨٣).
(٨) الزفن: الرقص والدفع (النهاية ٣٠٥/٢).
(٩) في النسخ الثلاث: الكبارات، والتصويب من النهاية إذ ذكر ابن الأثير هذا الحديث ونسبه إلى عبد الله بن
عمرو (النهاية ٣٠٥/٢).

٤٧٠
• سُوَرَّةُ الْقَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لمن طعمها، أقسم الله بيمينه وعزته من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها
بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس (١). وهذا إسناد صحيح.
(حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمرو بن شعیب حدثهم،
عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله وَ لي قال: ((من ترك الصلاة سكراً مرة
واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسُلبها، ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات، كان حقاً
على الله أن يسقيه من طينة الخبال)) قيل: وما طينة الخبال؟ قال: ((عصارة أهل جهنم)) ورواه
أحمد من طريق عمرو بن شعيب(٢).
(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني قال:
سمعت النعمان هو: ابن أبي شيبة الجندي يقول: عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّل
قال: ((كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام ومن شرب مسكراً بخست صلاته أربعين صباحاً، فإن
تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال)) قيل: وما طينة
الخبال يا رسول الله؟ قال: ((صديد أهل النار. ومن سقاه صغيراً لا يعرف حلاله من حرامه، كان
حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال))(٣) تفرد به أبو داود.
(حديث آخر) قال الشافعي تَّتُهُ: أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَله
قال: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يتب منها حرمها في الآخرة)) أخرجه البخاري ومسلم من
حديث مالك به. وروى مسلم عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر قال: قال رسول الله وَالر: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات
وهو يدمنها ولم يتب منها، لم يشربها في الآخرة))(٤).
(حديث آخر) قال ابن وهب: أخبرني عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار أنه سمع سالم بن
عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ويلقى: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة:
العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى)). ورواه النسائي عن عمرو بن علي، عن
يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري به. وروى أحمد عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن
أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي سعيد، عن النبي وَ لّ قال: ((لا يدخل الجنة مِنَّان ولا عاق ولا
مُدمن خمر)). ورواه أحمد أيضاً عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي
زياد، عن مجاهد به. وعن مروان بن شجاع، عن خُصيف، عن مجاهد به. ورواه النسائي عن
القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي
الجعد ومجاهد، كلاهما عن أبی سعید به(٥)
(١) لم أجده في تفسير ابن أبي حاتم، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن وهب به وحسنه محققوه (المسند ٢٤٠/١١ ح٦٦٥٩)، ويشهد له لاحقه.
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأشربة، باب النهي عن المسكر ح ٣٦٨٠)، وصححه الألباني (في
صحيح سنن أبي داود ح٣١٢٧).
(٤) صحيح البخاري، الأشربة، باب قوله الله تعالى: ﴿إِنََّ الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠] (ح ٥٥٧٥)،
وصحيح مسلم الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها (ح ٢٠٠٣).
(٥) تقدم تخريجه من رواية النسائي في تفسير سورة البقرة آية ٢٦٤.

٤٧١
• سُوَرَّةُ المَائِدَة (٩٠، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن
أبي الجعد، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي وَ * قال: ((لا يدخل الجنة عاق، ولا
مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زنية)) وكذا رواه عن يزيد، عن همام، عن منصور، عن سالم،
عن جابان، عن عبد الله بن عمرو به، وقد رواه أيضاً عن غندر وغيره، عن شعبة، عن منصور،
عن سالم، عن نبيط بن شريط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي وَلو قال: ((لا
يدخل الجنة منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر)). ورواه النسائي من حديث شعبة كذلك،
ثم قال: ولا نعلم أحداً تابع شعبة عن نبيط بن شريط. وقال البخاري: لا يعرف لجابان سماع
عن عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط، وقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد عن ابن
عباس، ومن طريقه أيضاً عن أبي هريرة، فالله أعلم(١).
وقال الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه قال: سمعت
عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد
ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت: إنّا ندعوك لشهادة فدخل معها
فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت
إني والله ما دعوتك لشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تقتل هذا الغلام أو تشرب هذا الخمر
فسقته كأساً فقال: زيدوني فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع
هي والإيمان أبداً إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه. رواه البيهقي(٢) وهذا إسناد صحيح وقد
رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه ((ذم المسكر)) عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن الفضيل بن
سليمان النميري، عن عمر بن سعيد، عن الزهري به مرفوعاً (٣) والموقوف أصح والله أعلم، وله
شاهد في الصحيحين عن رسول الله وسلم أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا
يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))(٤).
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن
ابن عباس قال: لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها،
فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ ... ﴾ إلى آخر الآية، ولما
حولت القبلة قال ناس: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس،
فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾(٥) [البقرة: ١٤٣].
وقال الإمام أحمد: حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا داود - يعني: العطار - عن أبي
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: صحيح لغيره دون قوله: (ولا ولد زنية))، المسند ٤٩٣/١١
(ح ٦٨٩٢).
(٢) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن يزيد عن الزهري به (السنن الكبرى ٢٨٧/٨).
(٣) ذم المسكر (ح١).
(٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، المظالم، باب النُّهبى بغير إذن صاحبه ح٢٤٧٥)، وكذا
مسلم (الصحيح، الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ح٥٧).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٤٢٦/٤ ح ٢٦٩١)، وصححه
الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٩٨/١).

٤٧٢
• سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (٩٤، ٩٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النبي و 18 يقول: ((من شرب الخمر
لم يرض الله عنه أربعين ليلة، إن مات مات كافراً، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقاً
على الله أن يسقيه من طينة الخبال)) قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: ((صديد
أهل النار))(١).
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أن النبي وَ ل و قال: لما نزلت
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَثَّقَواْ وَءَامَنُواْ﴾ فقال النبي ◌َّ: ((قيل
لي: أنت منهم)) وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه (٢).
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قرأت على أبي، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا إبراهيم
الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله مثير: ((إياكم وهاتان
الكعبتان(٣) الموسومتان اللتان تزجران زجراً فإنهما ميسر العجم)) (٤).
﴿ ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَوْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيَكُمْ وَرِمَامُكُمْ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْبٍ
فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦ ◌َّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا
فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلَغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
.
صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَلَ أَمْرِهِ، عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيُ ذُو أَنْثِقَاءٍ (
قال الوالبي، عن ابن عباس قوله: ﴿لَيَبْلُوَتَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ، أَيْدِيْكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال: هو
الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتى لو شاءوا لتناولوه بأيديهم،
فنهاهم الله أن يقربوه(٥) .
وقال مجاهد: ﴿َنَالُهُ، أَيَدِيكُمْ﴾ يعني: صغار الصيد وفراخه، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني: كباره (٦). وقال
مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في
رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ﴿لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَخَافُ
بَلْغَيْبٍ﴾(٧) يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد، يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي
والرماح سراً وجهراً، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾﴾ [الملك].
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦٠)، وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، ولآخره شاهد
تقدم عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس قبل بضعة أحاديث وذلك في بيان طينة الخبال.
(٢) أخرجه مسلم من طريق علي بن مسهر عن الأعمش به (صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل
عبد الله بن مسعود وأمه پا ح٢٤٥٩).
(٣) قال السندي: الكعبة ما يُلعب به في النرد، والمراد النهي عن النرد.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري (المسند ٢٩٨/٧
ح ٤٢٦٣)، وصحح الدارقطني وقفه (العلل ٣١٥/٥).
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.

٤٧٣
سُورَةُ القَائِدَة (٩٤، ٩٥)
وقوله ههنا: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال السدي وغيره: يعني بعد هذا الإعلام والإنذار
والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه.
ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَقْتُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد
في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه
ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور
على تحريم قتلها أيضاً، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري عن
عروة، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله وَل﴿ قال: ((خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم:
الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور))(١).
وقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَل قر قال: ((خمس من الدواب ليس على
المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)) أخرجاه،
ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله. قال أيوب: فقلت لنافع: فالحية؟ قال الحية لا شك
فيها. ولا يختلف في قتلها(٢).
ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد، لأنها أشد
ضرراً منه، فالله أعلم.
وقال زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها، واستأنس
من قال بهذا بما روي أن رسول الله وَير لما دعا على عُتبة بن أبي لهب قال: ((اللهم سلط عليه
كلبك بالشام)) فأكله السبع بالزرقاء(٣) (٤).
قالوا: فإن قتل ما عداهن فداه، كالضبع والثعلب [وهرّ البر](٥) ونحو ذلك، قال مالك: وكذا
يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي.
وقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل
العِلّة الجامعة كونها لا تؤكل.
وقال أبو حنيفة: يقتل المُحرم الكلب العقور والذئب، لأنه كلب بري، فإن قتل غيرهما فداه
إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه، وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن
حي. وقال زُفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه.
وقال بعض الناس: المراد بالغراب ههنا الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض دون الأدرع
(١) صحيح البخاري، جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب (ح١٨٢٩)، وصحيح مسلم، الحج، باب
ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب (ح١١٩٨).
(٢) صحيح البخاري، جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من دواب (ح١٨٢٦)، وصحيح مسلم، الحج، باب
ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ... (ح١١٩٩).
(٣) الزرقاء مدينة في الأردن تبعد عن عمان مائة كيلاً.
(٤) أخرجه الحاكم من طريق نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال كان ابن أبي لهب يسبُ النبي وَّ وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٣٩/٢)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٩/٤).
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صحف إلى: ((وهو البرد)).

٤٧٤
سُورَةُ المَائِدَةِ (٩٤، ٩٥)
وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى
القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ومدير قال: ((خمس
يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور))(١).
والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك، لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه(٢).
وقال مالك تَخْتُ: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه.
وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه، ويروى مثله عن علي.
وقد روى هشيم: حدثنا يزيد بن أبي زياد: عن عبد الرحمن بن أبي [نُعْم](٣)، عن أبي سعيد،
عن النبي ◌َّو أنه سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: ((الحية، والعقرب، والفُويسقة، ويرمي الغراب
ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي)) رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل،
والترمذي عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم وابن ماجه، عن أبي كريب، عن محمد بن
فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِدًا فَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو
سعيد الأشج، حدثنا ابن عُلية، عن أيوب قال: نُبئت عن طاوس أنه قال: لا يحكم على من
أصاب صيداً خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمداً(٥).
وهذا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية، وقال مجاهد بن جبر: المراد
بالمتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد، الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره
لإحرامه، فذاك أمره أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه، ورواه ابن جرير عنه من طريق ابن
أبي نجيح(٦)، وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه(٧)، وهو قول غريب أيضاً، والذي عليه الجمهور
أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه.
وقال الزهري: دلّ الكتاب على العامد، وجرت السنة على الناسي(٨)، ومعنى هذا أن القرآن
دلّ على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَالَ أَمْرِهِ، عَفَا اَللَّهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ
عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ﴾ وجاءت السنة من أحكام النبي ◌َّه وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في
(١) سنن النسائي، مناسك الحج، باب قتل الحيّة ١٨٨/٥، وأخرجه مسلم من طريق شعبة به (الصحيح،
الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب (ح١١٩٨).
(٢) تقدم قبل حدیثین.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صُحف إلى: ((نعيم)).
(٤) سنن أبي داود، المناسك، باب ما يقتل المُحرم من الدواب (ح١٨٤٤)، ومسند أحمد ٣/٣، وسنن
الترمذي، الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب (ح٨٣٨)، وفي سنده يزيد بن أبي زياد ضعيف (مصباح
الزجاجة ٣٩/٣)، من أجل ذلك ضعفه البوصيري.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ أيوب وهو السختياني.
(٦) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به نحوه. وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري من طريق ليث به وقد توبع ليث بواسطة ابن أبي نجيح.
(٨) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بنحوه (المصنف رقم ٨١٧٨)، وسنده صحيح.

٤٧٥
سُورَةُ الَائِدَة (٩٤، ٩٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الخطأ، كما دلّ الكتاب عليه في العمد، وأيضاً فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في
العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم.
وقوله تعالى: ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون بعطفها ﴿فَجَزَاءُ
مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم﴾(١)، وحكى ابن جرير، أن ابن مسعود قرأها ﴿فَجَزَاءُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ
النَّعَمِ﴾(٢). وفي قوله: ﴿فَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه
مالك والشافعي وأحمد والجمهور، من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثل
من الحيوان الإنسي خلافاً لأبي حنيفة رَّتُهُ، حيث أوجب القيمة سواء كان للصيد المقتول مثلياً
أو غير مثلي، قال: وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هدياً، والذي حكم به
الصحابة في المثل أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي
الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد
مثلياً فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة، رواه البيهقي.
وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ يعني: أنه يحكم بالجزاء في المثل أو بالقيمة في غير
المثل عدلان من المسلمين.
واختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين:
(أحدهما): لا، لأنه قد يتهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك.
(والثاني): نعم، لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، واحتج الأولون بأن الحاكم لا
يكون محكوماً عليه في صورة واحدة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن
دكين، حدثنا جعفر هو ابن برقان، عن ميمون بن مهران أن أعرابياً أتى أبا بكر، فقال: قتلت
صيداً وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر به لأَبي بن كعب وهو جالس عنده:
ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله وسلم أسألك، فإذا أنت تسأل
غيرك؟ فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهَ ذَوَا عَدّلٍ
مِّنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به (٣)، وهذا إسناد جيد، لكنه منقطع بين
ميمون وبين الصديق، ومثله يحتمل ههنا، فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابياً
جاهلاً، وإنما دواء الجهل التعليم، فأما إذا كان المعترض منسوباً إلى العلم، فقد قال ابن جرير:
حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي، قالا: حدثنا وكيع بن الجراح، عن المسعودي، عن عبد الملك بن
عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجاً، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا، فنتماشى
نتحدث. قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح(٤)، فرماه رجل كان معنا بحجر فما
(١) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(٢) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بجودة سنده على الرغم ما فيه من
الانقطاع.
(٤) سنح الظبي إذا أتاك عن يسارك، وبرح إذا أتاك عن يمينك

٤٧٦
سُورَةُ القَائِدَة (٩٤، ٩٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أخطأ خُشّاءَهُ(١)، فركب رَدْعَه ميتاً(٢). قال: فَعَظِّمْنا عليه، فلما قدمنا مكة، خرجت معه حتى أتينا
عمر بن الخطاب ظُه، فقصَ عليه القصة فقال: وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة، يعني
عبد الرحمن بن عوف، فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه، قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمداً
قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله، فقال عمر: ما أراك إلا قد
أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها، واسق إهابها(٣)، قال: فقمنا
من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، [عظم] (٤) شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك
حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها. فلعل ذلك يعني أن يجزئ عنك، قال قبيصة: ولا
أذكر الآية من سورة المائدة ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه
الدرّة، قال: فعلا صاحبي ضرباً بالدرة، أقتلت في الحرم وسفهت في الحكم؟ قال: ثم أقبل
علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحلّ لك اليوم شيئاً يَحرُم عليك مني، فقال: يا قَبيصة بن
جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق
حسنة وخلق سيء، فيفسد الخلق السيء الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب(٥).
وروى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بنحوه. ورواها أيضاً عن
حصين، عن الشعبي، عن قَبيصة بنحوه. وذكرها مرسلة عن عمر بن بكر بن عبد الله المزني
ومحمد بن سيرين بنحوه (٦).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي
وائل، أخبرني ابن جرير البجلي، قال: أصبت ظبياً وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت
رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعداً فحكما عليّ بتيس أعفر(٧)(٨).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق، قال: أوطأ
أربد(٩) ظبياً فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه
جدياً قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾(١٠).
وفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين، كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما الله.
(١) وهو العظم الناتئ خلف الأذن.
(٢) أي خرّ على وجهه ميتاً.
(٣) أي اعط اهابها من يدبغه ويتخذ من جلده سقاء.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق معمر عن عبد الملك بن عمير به مختصراً وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣١٠)، وهو كما قالا وله طرق أخرى تتلوه.
(٦) أخرجه الإمام مالك (الموطأ ٤١٤/١)، وعبد الرزاق (المصنف رقم ٨٢٤١)، من طريق ابن سيرين.
(٧) أي: أبيض قاله الطبري بعد الرواية نفسها .
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه ابن سعد من طريق منصور به (الطبقات الكبرى ١٥٥/٦).
(٩) كذا في تفسير الطبري وفي الأصل: و(مح) صُحفت إلى: ((زيد)). وأربد هو ابن عبد الله البجلي أدرك
الجاهلة ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة القسم الثالث وصحح سنده.
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال وقد تابعه الشافعي فرواه عن ابن عيينة به
(المسند ٣٣٢/١ ح ٨٦٠) وسنده صحيح.

٤٧٧
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٩٤، ٩٥)
واختلفوا: هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل،
وإن كان قد حكم في مثله الصحابة أو يكتفى بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين:
فقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعاً مقرراً لا يعدل
عنه، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين.
وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم
لا، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿مَدْيَا بَلَغَ اُلْكَعْبَةِ﴾ أي: واصلاً إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح
هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة.
وقوله: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من
النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء
والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحد قولي
الشافعي، والمشهور عن أحمد، رحمهم الله، لظاهر ((أو)) بأنها للتخيير.
والقول الآخر: أنها على الترتيب، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند
مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم.
وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجوداً، ثم يُشترى به طعام فيتصدق به فيصرف
لكل مسكين مد منه، عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مدين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مد من
حنطة أو مدان من غيره، فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يوماً.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يوماً كما في جزاء المترفه بالحلق
ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقاً بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق
ثلاثة آصع، واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: مكانه الحرم، وهو قول عطاء.
وقال مالك يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه. وقال أبو حنيفة: إن
شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.
ذكر أقوال السلف في هذا المقام:
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن منصور، عن
الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا
عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفََّةٌ طَعَاءُ مَسَكِينَ أَوْ عَدّلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إذا أصاب المحرم
الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد، نظر كم ثمنه، ثم قوم ثمنه طعاماً، قال الله
تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاهُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، قال: إنما أريد بالطعام والصيام، أنه إذا
وجد الطعام وجد جزاؤه(١). ورواه ابن جرير من طريق جرير.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بنحوه، وسنده حسن. وأخرجه الطبري من طريق جرير به.

٤٧٨
سُوَدَّةُ المَائِدَةِ (٩٤، ٩٥)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿هَذَيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاهُ مَسَلِكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا﴾، فإذا قتل المحرم شيئاً من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه شاة تذبح
بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلاً أو نحوه،
فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو
حمار وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام
ثلاثين يوماً)) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(١)، وزاد: الطعام مدّ مدّ يشبعهم.
وقال جابر [الجعفي](٢)، عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد ﴿أَوْ عَدَلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قالوا: إنما
الطعام لمن لا يبلغ الهدي رواه ابن جرير وكذا روى ابن جريج عن مجاهد وأسباط عن السدي
أنها على الترتيب.
وقال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية الضحاك وإبراهيم النخعي: هي على الخيار(٣)، وهي
رواية الليث عن مجاهد، عن ابن عباس، واختار ذلك ابن جرير رَكَّتُهُ .
وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ،﴾ أي: أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه
المخالفة ﴿عَفَا اَللَّهُ عَمَّا سَلَفَْ﴾ أي: في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله، ولم
يرتكب المعصية، ثم قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام
وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿فَيَنْشَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَاءٍ﴾ .
قال ابن جريج: قلت لعطاء: ((ما ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَمَّا سَلَفَّ﴾؟ قال: عما كان في الجاهلية. قال:
قلت: وما ﴿وَمَنْ عَدَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؟ قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك
الكفارة. قال: قلت: فهل في العود من حد تعلمه؟ قال: لا، قال قلت: فترى حقاً على الإمام
أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله رَك، ولكن يفتدي))(٤) رواه ابن جرير.
وقيل: معناه فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن [جبير] (٥) وعطاء(٦)، ثم الجمهور من
السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية
والثالثة، وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: من قتل شيئاً من الصيد خطأ وهو محرم،
يحكم عليه فيه كلما قتله، فإن قتله عمداً يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله
منك، كما قال الله ريت(٧) .
وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي، جميعاً عن
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به مقطعاً.
(٢) كذا في (مح) وتفسير الطبري وفي الأصل صُحف إلى: ((الجعدي)).
(٣) أخرجه الطبري بأسانيد متعددة عن عطاء بن أبي رباح يقوي بعضها بعضاً.
(٤) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً مقطعاً عن عطاء بن أبي رباح.
(٥) كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل صُحف إلى: ((حبيب)).
(٦) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٤٧٩
• سُوَرَُّ المَائِدَةِ (٩٦، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هشام - هو ابن حسان -، عن عكرمة، عن ابن عباس، فيمن أصاب صيداً يحكم عليه ثم عاد
قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه(١).
وهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي(٢)، رواهن ابن
جرير، ثم اختار القول الأول.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العبدي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن زيد بن
أبي المعلى، عن الحسن البصري أن رجلاً أصاب صيداً فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيداً آخر،
فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْيَغِمُ اَللَّهُ مِنْهُ﴾(٣).
وقال ابن جرير في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انِقَاءٍ﴾: يقول عز ذكره: والله منيع في سلطانه، لا
يقهره قاهر ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع، لأن الخلق
خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله: ﴿ذُو آنِقَامِ﴾ يعني: أنه ذو معاقبة لمن عصاه على
معصيته إياه. ولله الحمد والمِنّة.
﴿ ﴿أُجِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿ ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَمَ
وَاُلْهَدَّىَ وَالْقَدَّ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيِهُ (١٥)
أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ
وَمَا تَكْتُمُونَ
قال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير
وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني: ما يصطاد منه طرياً ﴿وَطَعَامُ﴾ ما يتزود
منه مليحاً يابساً(٤).
وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حياً(٥) ﴿وَطَعَامُمُ﴾ ما لفظه ميتاً،
وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري
وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري(٦).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرج الطبري هذه الآثار بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة به (المصنف ٥٠٥/٤ رقم ٨٦٦١) وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من
طريق ابن عيينة به، وسنده ضعيف؛ لأن عكرمة لم يسمع من أبي بكر ته، ويشهد له سابقه.
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي وليس من طريق ابن أبي طلحة، وأخرجه ابن
أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس، وعثمان ضعيف. ويتقوى بقول
سعيد بن جبير وابن المسيب، أما قول ابن جبير فأخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنه، وأما قول ابن
المسيب فقد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بإسنادين يقوي أحدهما الآخر.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي مجلز عن ابن عباس بنحوه.

٤٨٠
• سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (٩٦، ٩٩)
قال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي بكر الصديق أنه قال:
﴿طَعَامُهُ﴾ كل ما فيه(١)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك قال: حُدثت عن ابن عباس
قال: خَطب أبو بكر الناس، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ﴾ وطعامه ما قذف(٢).
قال: وحدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في
قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُُّ﴾ قال: ﴿وَطَعَامُ﴾ ما قذف(٣).
وقال عكرمة، عن ابن عباس، قال: طعامه ما لفظ من ميتة (٤)، ورواه ابن جرير أيضاً. وقال
سعيد بن المسيب: طعامه ما لفظه حياً أو حسر عنه فمات، رواه(٥) ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن نافع أن
عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر، فقال: إن البحر قد قذف حيتاناً كثيرة ميتة، أفنأكلها؟
فقال: لا تأكلوها، فلما رجع عبد الله إلى أهله، أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى هذه
الآية ﴿وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فقال: اذهب فقل له: فليأكله فإنه طعامه(٦).
وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. وقد روي في ذلك خبر، وإن بعضهم
يرويه موقوفاً، حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، حدثنا
أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَّكُمْ﴾
قال: ((طعامه ما لفظه ميتاً)).
ثم قال: وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة. حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة
عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾
قال: طعامه ما لفظه ميتاً (٧).
وقوله: ﴿مَتَعًا لَّكُمْ وَلِسَيَّارَةِ﴾ أي: منفعة وقوتاً لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وهم جمع
سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر والسفر (٨)
(١) هذه الأقوال ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج بعضها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وأخرج
البخاري عن عمر نحوه تعليقاً ووصله الحافظ ابن حجر من قول ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة. (تغليق
التعليق ٥٠٥/٤ - ٥٠٧).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه إبهام شيخ سماك وقد توبع كما يلي:
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري من طريق سماك عن عكرمة به، وسنده حسن بما تقدم.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن نافع به (الموطأ، الصيد، باب ما جاء في صيد
البحر ح٤٩٤)، وفي سنده عبد الرحمن بن أبي هريرة لم أجد من وثقه سوى ابن حبان في الثقات.
(٧) أخرجه الطبري بسنديه موقوفاً ومرفوعاً، وفي سنديهما محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي صدوق له
أوهام فتاره يرفعه وتارة يوقفه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريقه موقوفاً، وهو أصح وسنده حسن.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي إسحاق الكوفي عن عركمة، وأبو إسحاق هو عبد الله بن ميسرة:
ضعيف كما في التقريب.