Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
• سُؤَدَّةُ المَائِدَةِ (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ
فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ قال: في اليهود، إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قال: في اليهود: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾
[المائدة: ٤٧] قال: في الكفار كلها (١)، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري(٢) وأبو داود والنسائي
وابن ماجه من غير وجه عن الأعمش به.
وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا
مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك،
فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة، أن سلوا محمداً عن ذلك، فإذا أمركم بالجلد
فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال: ((أرسلوا إلي أعلم
رجلين فيكم)) فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا، وآخر، فقال لهما النبي ◌َّر: ((أنتما أعلم
من قبلكما)) فقالا: قد دعانا قومنا لذلك، فقال النبي ◌َ* لهما ((أليس عندكما التوراة فيها
حكم الله)) قالا: بلى، فقال النبي ◌َّله: ((فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم
الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة
في شأن الرجم؟» فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد ترداد النظر زنية،
والاعتناق زنية، والتقبيل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد، كما يدخل الميل في
المكحلة، فقد وجب الرجم، فقال النبي وَلجر: ((هو ذاك)) فأمر به فرجم، فنزلت ﴿فَإِن جَامُوَكَ
فَحَكُ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ وَ إِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوَكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(٣). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث مجالد به نحوه(٤).
ولفظ أبي داود عن جابر، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: ((ائتوني بأعلم
رجلين منكم)) فأتوه بابني صوريا، فنشدهما ((كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟)) قالا: نجد إذا
شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، رجما، قال: ((فما يمنعكم أن
ترجموهما؟)) قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله وَالر بالشهود، فجاء أربعة،
فشهدوا أنهم رأوا ذكره مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله وسلّ برجمهما(٥).
ثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلاً، ولم يذكر فيه: فدعا بالشهود
فشهدوا(٦).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٦/٤)، وسنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق الأعمش به
(الصحيح، الحدود، باب رجم اليهود ... ح ١٧٠٠).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ح١٢٩٤)، وسنده ضعيف بسبب ضعف مجالد.
(٤) سنن أبي داود، الحدود، باب في رجم اليهوديين (ح ٤٤٥٢)، وسنن ابن ماجه، الأحكام، باب بما
يستحلف أهل الكتاب (ح٢٣٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٤٠)، ولعله بشواهد
وبعدم ذكر نزول الآية.
(٥) المصدر السابق من سنن أبي داود.
(٦) سنن أبي داود، الباب السابق (ح٤٤٥٣، ٤٤٥٤).

٤٠٢
سُورَةُ المَائِدَة (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله وَله، حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب
الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا
بوحي خاص من الله * إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك، ليقررهم على ما بأيديهم مما
تواطؤوا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع علمهم على
خلافه بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعُدولهم إلى
تحكيم رسول الله -18 إنما كان عن هوى منهم، وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما
يحكم به، ولهذا قالوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم، ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي اقبلوه. ﴿وَإِن
لَمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾ أي: من قبوله واتباعه.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئَأْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ
اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُزَّ لَهُمْ فِ الذُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ جَ سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾
أي: الباطل ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحَّتِّ﴾ أي: الحرام، وهو الرشوة، كما قاله ابن مسعود وغير واحد(١)؛
أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه وأنى يستجيب له، ثم قال لنبيه ﴿فَإِن جَاءُوَكَ﴾
أي: يتحاكمون إليك ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمِّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوكَ شَيْئًا﴾ أي: فلا
عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني
والحسن وغير واحد: هي منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْتَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩](٢).
﴿وَإِن حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق
العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
ثم قال تعالى منكراً عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته
من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبداً، ثم خرجوا عن حكمه،
وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكْمُونَكَ
وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيَهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَوْنَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَآ أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
ـ)﴾ .
ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: ﴿إِنَّآ أَنَزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا
هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها
ولا يحرفونها، ﴿وَالرَّنَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: وكذلك الربانيون منهم، وهم العلماء العباد، والأحبار
وهم العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾ أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن
يظهروه ويعملوا به، ﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوا منهم
(١) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١٤٦٦٦)، وابن أبي شيبة (المصنف ٥٨٨/٦)، والطبري بأسانيد يقوي
بعضها بعضاً.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الحاكم من طريق مجاهد عنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١٢)، وقول
مجاهد أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح
(المصنف ٤٩٩/٦)، وقول الزهري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح (المصنف رقم ١٠٠٠٧) وقول السدي
أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.

٤٠٣
سُورَةُ الَائِدَة (٤١، ٤٤)
وخافوا مني، ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَايَتِى ثَمَنَا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ فيه
قولان سيأتي بيانهما .
سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات:
قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: إن الله أنزل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٤] قال: قال ابن
عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى
ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً(١)، وكل قتيل
قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ◌َ ﴿ المدينة، فذلت
الطائفتان كلتاهما، لمقدم رسول الله ◌َ﴿ ويومئذٍ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح،
فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلاً، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت
الذليلة: وهل كان في حَيَّيْن قط. دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم
نصف دية بعض، إنما أعطيناكم هذا ضيماً (٢) منكم لنا وفرقاً(٣) منكم، فأما إذ قدم محمد فلا
نعطيكم فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله وَليل بينهم، ثم ذكرت
العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا
هذا إلا ضيماً منا وقهراً لهم فدسّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه،
وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسّوا إلى رسول الله وَ﴿ ناساً من المنافقين ليخبروا لهم رأي
رسول الله ﴿، فلما جاؤوا رسول الله وَله، أخبر الله رسوله وَليل بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿اٌلْفَسِقُونَ﴾ ففيهم والله
أنزل، وإياهم عنى الله رَت (٤). ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن [أبيه](٥) بنحوه(٦).
وقال أبو جعفر بن جرير، حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: حدثنا يونس بن بكير، عن
محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن الآيات التي في
المائدة قوله: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾ إلى ﴿الْمُفْسِطِينَ﴾ إنما أنزلت في الدية في بني النضير
وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، تؤدى لهم الدية كاملة، وأن قريظة كانوا
يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله وَّيه، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم
(١) الوسق: حمل بعير (المصباح المنير ٣٣٦/٢).
(٢) أي: ظلماً.
(٣) أي: خوفاً.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر (المسند ح٢٢١٢)، وصححه أيضاً الساعاتي (الفتح
الرباني ١٣١/١٨).
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.
(٦) السنن، الأقضية، باب في القاضي يخطئ (ح٣٥٧٦)، قال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود
ح٣٠٥٣).

٤٠٤
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٤١، ٤٤)
رسول الله 38 على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، والله أعلم أي ذلك كان(١).
ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه(٢).
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن
سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من
قريظة، فكان إذا قتل القرظي رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل النضيري رجلاً من قريظة، ودي
بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول الله ﴿ قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا:
ادفعوا إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله وَّه، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمُ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِّ﴾(٣).
ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى
بنحوه(٤)، وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد وغير واحد.
وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في
اليهوديين اللذين زنيا(٥)، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت
واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَكَبْنَا عَلَيَّهِمْ فِيهَا أَنَّ
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِأَلْعَيْنِ ... ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول
قضية القصاص، والله علىّ أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ قال البراء بن عازب
وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله
والحسن البصري وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب (٦)، زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة.
وقال عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في
بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأُمة بها (٧)، رواه ابن جرير(٨).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) مسند أحمد ٣٦٣/١، وسنن أبي داود الأقضية، باب الحكم بين أهل الذمة (ح٣٥٩١)، وسنن النسائي
القسامة، باب تأويل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] ١٩/٨، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٦١).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ولا يضر بأن رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب لأنه قد توبع
كما في الروايات السابقة.
(٤) سنن أبي داود، الديات، باب النفس بالنفس (ح٤٤٩٤)، وسنن النسائي، الباب السابق ١٨/٨، والمستدرك
٣٦٦/٤، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٧٢).
(٥) أخرجهما الطبري وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.
(٦) قول البراء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن مرة عنه، وقول حذيفة أخرجه الطبري بسند
منقطع من طريق أبي البختري عنه وأبو البختري لم يسمع من حذيفة، وقول أبي مجلز أخرجه الطبري
بسندين يقوي أحدهما الآخر وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.

٤٠٥
سُورَةُ القَائِدَة (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة. فقال: من السحت،
فقالا: وفي الحكم، قال: ذاك الكفر، ثم تلا ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾(١) .
وقال السدي: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَتِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ يقول: ومن لم يحكم بما
أنزلت فتركه عمداً أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين (٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾ قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، رواه
ابن جرير(٣)، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في
الكتاب.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبي: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ قال:
للمسلمين (٤).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن
الشعبي ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ قال: هذا في المسلمين ﴿وَمَنْ لَّمْ
يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قال: هذا في اليهود ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قال: هذا في النصارى(٥)، وكذا رواه هشيم
والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي (٦).
وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن
قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ﴾ الآية، قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله
وملائكته وكتبه ورسله(٧). وقال الثوري: عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر،
وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق(٨). رواه ابن جرير.
وقال وكيع، عن سعيد المكي، عن طاوس ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
قال: ليس بكفر ينقل عن الملة(٩).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن
هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم صحة بعضه عن الشعبي.
(٦) سنده صحيح.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق وكيع به.

٤٠٦
• سُؤَدَّةُ القَائِدَةِ (٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
اُلْكَفِرُونَ﴾ قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه (١).
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين،
ولم يخرجاه(٢).
﴿وَكَيْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِآلْأُذُنِ
وَاَلْسِنَّ بِلْسِنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ, وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَالِمُونَ
٤٥
وهذا أيضاً مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس،
وهم يخالفون حكم ذلك عمداً وعناداً، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من
النضري، بل يعدلون إلى الدية كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني
المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار ولهذا قال هناك ﴿وَمَنْ لَّمْ
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً،
وقال ههنا ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله
بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا على بعضهم بعضاً.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن علي بن
يزيد أخي يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله وَله قرأها: ﴿وكتبنا
عليهم فيها أن النفسَ بالنفس والعينُ بالعين﴾ نصب النفس ورفع العين(٣)، وكذا رواه أبو داود
والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن المبارك، وقال الترمذي: حسن غريب (٤).
وقال البخاري: تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث، وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين
والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقرراً ولم ينسخ، كما هو المشهور عن
الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي، وأكثر الأصحاب بهذه
الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة.
وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة، رواه ابن أبي حاتم.
وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة
دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالاً عن الشافعي،
وأكثر الأصحاب ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم.
وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ تَظُّهُ في كتابه ((الشامل))، إجماع العلماء، على
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الحاكم من طريق سفيان بن عيينة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٣/٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٥/٣)، وسنده ضعيف لأن علي بن يزيد مجهول (التقريب ٢/
٤٥٢) وقال أبو حاتم: حديث منكر (العلل ح ١٧٣٠).
(٤) سنن أبي داود، الحروف والقراءات (ح٣٩٧٦)، وسنن الترمذي القراءات، باب في فاتحة الكتاب ٢٩٢٩،
ونقل كلام البخاري، والمستدرك ٢٣٦/٢.

٤٠٧
سُورَةُ الْمَائِدَةِ (٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة
بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول الله وَله
كتب في كتاب عمرو بن حزم ((أن الرجل يقتل بالمرأة))(١)، وفي الحديث الآخر ((المسلمون تتكافأ
دماؤهم))(٢)، وهذا قول جمهور العلماء، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل
المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية، لأن ديتها على النصف من دية
الرجل، وإليه ذهب أحمد في رواية، وحكي عن الحسن وعطاء وعثمان [النهدي](٣) ورواية عن
أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها بل تجب ديتها، وهكذا احتج أبو حنيفة - رحمه الله
تعالى - بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه
الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي ظُه قال: قال رسول الله وَليون: ((لا يقتل
مسلم بكافر))(٤) وأما العبد ففيه عن السلف آثار متعددة أنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحر،
ولا يقتلون حراً بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف
قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة.
ويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك، كما قال
الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك أن الرُّبَيِّع عمة أنس،
كسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا، فأتوا رسول الله وَ له فقال: ((القصاص))، فقال
أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله، تكسر ثنية فلانة، فقال رسول الله وَله: ((يا أنس كتاب الله
القصاص)) قال: فقال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة، قال: ((فرضي القوم فعفوا
وتركوا القصاص))، فقال رسول الله وَّيقول: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) (٥) أخرجاه
في الصحيحين(٦).
وقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه، عن حميد،
عن أنس بن مالك أن الرُبيّع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها، [فعرضوا عليهم
الأرش فأبوا، فطلبوا الأرش والعفو فأبوا](٧) فأتوا رسول الله وَلل فأمرهم بالقصاص، فجاء
أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول ◌َ ، أتكسر ثنية الرُبيّع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر
ثنيتها، فقال النبي ويقول: ((يا أنس كتاب الله القصاص)) فعفا القوم، فقال رسول الله وَليقول: ((إن من
عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) رواه البخاري عن الأنصاري بنحوه(٨).
وروى أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن
(١) (٢) تقدم تخريجهما في تفسير سورة البقرة آية ١٧٨.
(٣) كذا في الأصل، وفي نسخة (حم) و(مح): ((البتّي)).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٨.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٨/٣)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، الجهاد، باب قول الله رَى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (ح ٢٨٠٦)،
وصحيح مسلم، القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان (ح ١٦٧٥).
(٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((فعرضوا عليهم الأرض)). وفيه تصحيف وسقط.
(٨) صحيح البخاري، الصلح، باب الصلح في الدية (ح ٢٧٠٣).

٤٠٨
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبي نضرة، عن عمران بن حصين أن غلاماً لأناس فقراء، قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى
أهله النبي وسي﴿ فقالوا: يا رسول الله، إنا أناس فقراء، فلم يجعل عليه شيئاً (١).
وكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة
به(٢). وهذا إسناد قوي، رجاله كلهم ثقات، وهو حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال: إن الجاني
كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو
استعفاهم عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: تقتل النفس
بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح
بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم، إذا كان عمداً في النفس
وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم، إذا كان عمداً في النفس وما
دون النفس(٣)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
قاعدة مهمة :
الجراح تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع، كقطع اليد والرجل والكفّ
والقدم ونحو ذلك، وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم، فقال مالك تَخُّْ: فيه
القصاص إلا في الفخذ وشبهها، لأنه مخوف خطر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السنّ.
وقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقاً، وهو مروي عن عمر بن الخطاب
وابن عباس، وبه يقول عطاء والشعبي والحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي وعمر بن
عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري والليث بن سعد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وقد احتج أبو حنيفة تَّلُهُ بحديث الرُبيّع بنت النضر على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلا في
السن، وحديث الرُبيّع لا حجة فيه لأنه ورد بلفظ كسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير
كسر، فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمَّموا الدلالة مما رواه ابن ماجه عن طريق أبي
بكر بن عياش، عن دهثم بن قُرّان، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي: أن رجلاً
ضرب رجلاً على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي وَير فأمر له بالدية، فقال:
يا رسول الله، أريد القصاص، فقال: خذ الدية، بارك الله لك فيها، ولم يقض له بالقصاص(٤).
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قُرّان
العكلي ضعيف، أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف، أعرابي أيضاً،
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، السُنّة، باب في جناية العبد يكون للفقراء ح ٤٥٩٠)، وصحح سنده
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٨٣٧).
(٢) سنن النسائي، القسامة، باب سقوط القود بين المماليك فيما دون النفس (٢٥/٨)، وقواه الحافظ ابن كثير.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الديات، باب ما لا قود فيه ح٢٦٣٦)، ونقل البوصيري عن أبي داود
أنه ضعيف بسبب دهثم بن قُرّان. (مصباح الزجاجة ٣٣٦/٢).

٤٠٩
سُورَةُ المَائِدَة (٤٥)
وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة(١).
ثم قالوا: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل
الاندمال ثم زاد جرحه، فلا شيء له، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حدثنا [يعقوب،
حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، وذكر](٢) عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلاً طعن
رجلاً بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ◌َّهو فقال: أقدني، فقال: ((حتى تبرأ))، ثم جاء إليه فقال:
أقدني، فأقاده فقال: يا رسول الله عرجت، فقال: ((قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل
عرجك))(٣) ثم نهى رسول الله وَ ﴿ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه(٤)، تفرد به أحمد.
(مسألة) فلو اقتص المجني عليه من الجاني فمات من القصاص، فلا شيء عليه عند مالك
والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص. وقال عامر الشعبي وعطاء وطاوس وعمرو بن
دينار والحارث العكلي وابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان، والزهري والثوري: تجب الدية
على عاقلة المقتص له.
وقال ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحكم بن عُتيبة وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر
تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:
﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ﴾ يقول: فمن عفا وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب.
وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: فمن تصدق به
فهو كفارة للجارح وأجر المجروح على الله ريك، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة بن
عبد الرحمن ومجاهد وإبراهيم في أحد قوليه وعامر الشعبي وجابر بن يزيد نحو ذلك(٥)(٦).
(الوجه الثاني): ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن زاذان، حدثنا حرمي - يعني: ابن
عمارة -، حدثنا شعبة، عن عمارة - يعني: ابن أبي حفصة -، عن رجل، عن جابر بن عبد الله
في قول الله رَكَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ قال: للمجروح، وروي عن الحسن
البصري وإبراهيم النخعي في أحد قوليه وأبي إسحاق الهمداني نحو ذلك(٧).
(١) الاستذكار لابن عبد البر (٢٨٧/٢٥).
(٢) بياض في النسخ الثلاث، واستكمل من المسند (ح ٧٠٣٣، ٧٠٣٤).
(٣) كذا في النسخ الثلاث، وفي المسند: وبطل جرحك.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده نحوه، وضعفه محققوه بسبب تدليس وعنعنة ابن إسحاق (المسند ٦٠٦/١١ -
٦٠٧ ح ٧٠٣٤).
(٥). أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه، وسنده حسن، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول إبراهيم أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور بن المعتمر عنه.
(٦) ما تقدم هو الوجه الأول، ويليه الوجه الثاني.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم التصريح باسم شيخ عمارة، ويتقوى بالأثار الخمسة
التي تليه.

٤١٠
• سُوَرَّةُ المَائِدَةِ (٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروى ابن جرير عن عامر الشعبي وقتادة مثله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن
قيس - يعني ابن مسلم -، قال: سمعت طارق بن شهاب يحدث عن الهيثم [أبي] (١) العريان
النخعي، قال: رأيت عبد الله بن عمرو عند معاوية أحمر [شبيهاً](٢) بالموالي، فسألته، عن
قول الله: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به(٣)،
وهكذا رواه سفيان الثوري عن قيس بن مسلم، وكذا رواه ابن جرير من طريق سفيان وشعبة (٤).
وقال ابن مردويه: حدثني محمد بن علي، حدثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي، حدثنا
محمد بن أحمد بن الحجاج المهري، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا معلى - يعني ابن
هلال - أنه سمع أبان بن ثعلب، عن أبي العريان الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، وعن
أبان بن ثعلب، عن الشعبي، عن رجل من الأنصار، عن النبي ◌َّ في قوله: ﴿فَمَنْ تَصَذَّفَ بِهِ.
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّمُ﴾ قال: ((هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو يجرح في
بدنه فيعفو عن ذلك)) - قال : - («فيحط عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان
الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك))(٥).
ثم قال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا ابن فضيل، عن يونس بن أبي
إسحاق، عن أبي السفر قال: دفع رجل من قريش رجلاً من الأنصار، فاندقت ثنيته، فرفعه
الأنصاري إلى معاوية فلما ألحّ عليه الرجل، قال: شأنك وصاحبك، قال: وأبو الدرداء عند
معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ما من مسلم يصاب بشيء من جسده
فيهبه، إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة)) فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله وَلات؟
فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فخلى سبيل القرشي، فقال معاوية: مروا له بمال(٦). هكذا
رواه ابن جرير.
ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال:
كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: إنا سنرضیه،
فألحّ الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء: سمعت
رسول الله وير يقول: ((ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة
وحط به عنه خطيئة)) فقال الأنصاري: فإني قد عفوت(٧).
(١) كذا في النسخ الثلاث، والمثبت من ترجمته في التقريب ص٥٧٧، وتفسير الطبري، وأما في تفسير ابن أبي
حاتم فقد سقط لفظ: ((أبي)).
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل غير واضحة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الثوري والطبري في تفسیریهما، وسنده حسن.
(٥) سنده ضعيف جداً لأن معلى بن هلال قال الحافظ ابن حجر: اتفق النقاد على تكذيبه (التقريب ص٥٤١).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للانقطاع بين أبي السفر وأبي الدرداء كما سيأتي عن الترمذي.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٨/٦)، وسنده كسابقه.

٤١١
سُورَةُ القَائِدَة (٤٦، ٤٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهكذا رواه الترمذي من حديث ابن المبارك، وابن ماجه من حديث وكيع، كلاهما عن
يونس بن أبي إسحاق به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعاً
من أبي الدرداء(١).
وقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن
منصور، حدثنا سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن عدي بن ثابت أن رجلاً هتم(٢) فمه رجل على
عهد معاوية نظرته، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى، فأعطي ثلاثاً فأبى،
فحدث رجل من أصحاب رسول الله و ﴿ أن رسول الله وسلم قال: ((من تصدق بدم فما دونه، فهو
كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سُريج بن النعمان، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن الشعبي أن
عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ما من رجل يجرح من جسده جراحة
فيتصدق بها، إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به)) (٤).
ورواه النسائي عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، ورواه ابن جرير عن محمود بن
خداش، عن هشيم، كلاهما عن المغيرة به(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن مجالد، عن عامر، عن المحرَّر ابن أبي
هريرة، عن رجل من أصحاب النبي ◌َّر قال: ((من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفارة له))(٦).
وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما
قالا : کفر دون کفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
42 ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَّ ءَاثَِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدَى
﴿ وَلْيَخْكُمْ أَهْلُ الْإِنِجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهٍ
وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
يقول تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا﴾ أي: أتبعنا على آثارهم؛ يعني: أنبياء بني إسرائيل ﴿بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ﴾ أي: مؤمناً بها حاكماً بما فيها، ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدَى وَنُورٌ﴾ أي:
(١) سنن الترمذي، الديات، باب ما جاء في العفو (ح١٣٩٣)، وسنن ابن ماجه، الديات، باب العفو في
القصاص (ح٢٦٩٣)، وحکمه کسابقه.
(٢) أي كسر ثناياه (المصباح المنير ٣٠٦/٢).
(٣) في سنده عمران بن ظبيان وهو ضعيف (التقريب ص٤٢٩).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٦/٥)، وسنده ضعيف للانقطاع بين الشعبي وعبادة (جامع
التحصيل ص٢٤٨).
(٥) السنن الكبرىُ، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّمْ﴾ [المائدة: ٤٥]
(ح ١١١٤٦)، وتفسير الطبري، وسنده ضعيف كسابقه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٢/٥)، وسنده ضعيف لأن مجالداً ليس بالقوي كما في
التقريب .

٤١٢
سُورَةُ المَائِدَة (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هدى إلى الحق ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات، ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَنَّةِ﴾ أي: متبعاً لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل مما يبيّن لبني إسرائيل بعض ما كانوا
يختلفون فيه، كما قال تعالى إخباراً عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى
حُرِّمَ عَلَيَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعض
أحكام التوراة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدَى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعلنا الإنجيل هدى يُهتدى به، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾؛
أي: زاجراً عن ارتكاب المحارم والمآثم، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنِيلِ بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ فِيَةٍ﴾ قرئ ﴿وليحكمَ﴾ بالنصب على أن اللام
لام كي؛ أي: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾. بالجزم على أن
اللام لام الأمر؛ أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة
محمد والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَقَّ
تُقِيمُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمّ﴾ الآية [المائدة: ٦٨] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَِّعُونَ
الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُمِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ يَأْمُرُهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ
فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
١٥٧
[الأعراف]. ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَن لَّْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ أي: الخارجون
عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق، وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في
النصارى، وهو ظاهر من السياق.
- ﴿وَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهٍ فَأَحْكُم
بَيْنَهُمِ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأْ وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِىِ مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْقَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنِّيِّئُكُمْ
بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَقَبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ
بَعْضِ مَآ أَنَزَلَ اللّهُ إِلَيْكُ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ
٢٥٠
أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٤٩
لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها
حيث كانت سائغة الاتباع وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه، كما تقدم
بيانه، شرع تعالى في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى:
﴿وَزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِلْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من
عند الله على عبده ورسوله محمد وَّ*، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقاً عند
حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله، كما
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَاً
(١٠٩)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا

٤١٣
• سُورَةِ المَائِدَة (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا (٣)﴾ [الإسراء] أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة رسله المتقدمة
من مجيء محمد لعلَّ ﴿لَمَفْعُولًا﴾؛ أي: لكائناً لا محالة ولا بد.
وقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ﴾ قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن [التميمي](١)،
عن ابن عباس: أي مؤتمناً عليه(٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب
قبله(٣).
ورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء
الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك (٤).
وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه
منها فهو باطل(٥).
وعن الوالبي عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي: شهيداً(٦)، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي(٧).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي: حاكماً على ما قبله من الكتب(٨).
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد
وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها
وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات، ما ليس في غيره، فلهذا
جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا
(١)﴾ [الحجر].
غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
فأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وابن أبي نجيح عن
مجاهد، أنهم قالوا في قوله: ﴿وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهٍ﴾ يعني: محمداً وَّهِ أمين على القرآن(٩). فإنه صحيح
في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضاً نظر،
وبالجملة فالصحيح الأول.
وقال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام
العرب، بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا صفة لما كان
المصدق صفة له، قال: ولو كان الأمر كما قال مجاهد لقال: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((التيمي)) وهو تصحيف لأن التميمي هو: أربدة معروف بالتفسير.
(٢) أخرجه الطبري من عدة طرق عن الثوري به، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج ويشهد له ما تقدم.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.
(٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.
(٩) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وبقية المفسرين ذكرهم بحذف
السند.

٤١٤
00000000000000000000000000000000000000000000000000000
سُورَةُ المَائِدَة (٤٨، ٥٠)
000000000000000000000000000
لما بين يديه من الكتاب، مهيمناً عليه، يعني من غير عطف(١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ أي: فاحكم يا محمد بين الناس، عربهم
وعجمهم، أميهم وكتابيهم، بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم
من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، هكذا وجهه ابن جرير بمعناه.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام،
عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان النبي ◌َّ مخيراً إن
شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى أحكامهم، فنزلت ﴿وَأَنِ أَحْكُ بَيْنَهُم بِمَآ أَزَلَ اَللَّهُ
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ فأمر رسول الله بَّ ر أن يحكم بينهم بما في كتابنا(٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله
على رسله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي لا تنصرف عن الحق
الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ﴾ .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يوسف بن أبي
إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ قال: سبيلاً(٣).
وحدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس
﴿وَمِنْهَاجَأَ﴾ قال: سنة(٤)، وكذا روى العوفي عن ابن عباس ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ سبيلاً وسنة، وكذا
روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي، أنهم
قالوا في قوله: ﴿شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾ أي: سبيلاً وسنة(٥) .
وعن ابن عباس أيضاً، ومجاهد أيضاً، وعطاء الخراساني عكسه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ أي: سنة
وسبيلاً(٦).
والأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضاً هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع
في كذا؛ أي: ابتدأ فيه، كذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء. أما المنهاج فهو الطريق
الواضح السهل، والسنن الطرائق.
فتفسير قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم.
ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع
المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن
(١) ذكره الطبري (التفسير ٣٨١/١٠) ط. شاكر.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) رواية العوفي أخرجها الطبري بسند ضعيف عنه به. ويشهد له أقوال المفسرين التالية: فقول مجاهد أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٦) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.

٤١٥
سُورَّةُ الْمَائِدَةِ (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وَل﴿ قال: ((نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد))(١) يعني بذلك التوحيد الذي
بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ (٣٥)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ
أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَحْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر
والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس،
وخفيفاً فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة،
والحجة الدامغة.
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قوله: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ يقول: سبيلاً
وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة،
يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله
غيره؛ التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام(٢). وقيل:
المخاطب بهذه الآية هذه الأمة ومعناه: لكل جعلنا القرآن ﴿مِنْكُمْ﴾ أيتها الأُمة شرعة ومنهاجاً؛
أي: هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي:
جعلناه، يعني القرآن، شرعة ومنهاجاً؛ أي: سبيلاً إلى المقاصد الصحيحة، وسنة أي طريقاً
ومسلكاً واضحاً بيناً، هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد تَظّمُ(٣).
والصحيح القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
فلو كان هذا خطاباً لهذه الأمة، لما صح أن يقول: ﴿وَلَوّ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ وهم أمة
واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء لجمع
الناس كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول
شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به
عبده ورسوله محمداً وَ﴿، الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اُللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِىِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ أي: أنه تعالى شرع
الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو
عزموا عليه من ذلك كله.
وقال عبد الله بن كثير: ﴿فِيِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ يعني من الكتاب(٤).
ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: ﴿فَأُسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ وهي
طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخاً لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب
أنزله، ثم قال تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة.
(١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَ ... ﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٤٣)،
وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائب عيسى للا (ح٢٣٦٥).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة به.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير.

٤١٦
• سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000
﴿فَيُنَّبِشَكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ﴾ أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين
بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا
برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة والأدلة الدامغة.
وقال الضحاك: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ يعني: أمة محمد بٍَّ(١)، والأول أظهر.
وقوله: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي
عن خلافه، ثم قال: ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيّكَ﴾ أي: واحذر أعداءك
اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من أمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة،
﴿فَإِن تَوَلَوْ﴾ أي: عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله، ﴿فَأَعْلَمَ أَنَّا يُبْدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم
بِبَعْضِ ذُنُوبِمٌ﴾ أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم
من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، ﴿وَإِنَّ كَثِيرً مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ أي: إن أكثر
الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ
وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)﴾ [يوسف]. وقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن
سَبِيلِ الهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦].
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن
جبير أو عكرمة. عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد الله بن صوريا
وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا
محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود، وأشرافهم، وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم
يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك
ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله وَّ﴿، فأنزل الله رَك فيهم ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَبِعْ
أَهْوَآءَهُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، رواه ابن
جرير وابن أبي حاتم(٢).
(٥٠)﴾ ينكر تعالى على
وقوله تعالى: ﴿أَفَتُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه
من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل
الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به
التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم [((جنكزخان))](٣) الذي وضع لهم ((الیاسق))،
وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية
والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه
شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله وَّ﴾، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي سنان عن الضحاك.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن أبي حاتم معلقاً عن ابن إسحاق به.
(٣) في (مح): شنكزخان، وفي الأصل: ((سكرخان)) والصواب المثبت.

٤١٧
• سُوْدَّةُ القَائِدَةِ (٥١، ٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا
لِّقَوْرِ يُوقِنُونَ﴾ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم
أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء،
القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي قال:
سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية(١).
وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال:
كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية(٢).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن [نجدة] (٣) الحوطي،
حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وصار: ((أبغض الناس
إلى الله من، من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرى بغير حق ليريق دمه)) (٤).
وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة (٥).
6 [﴿﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَيِّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَمَن يَتَوَكُم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ
مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَِّمِينَ ﴿ فَىَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىْ أَنْ تُصِيبَنَا
دَابِرَةٌ فَعَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ ﴿﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمّ إِنَّهُمْ ◌َعَكُمْ حَيِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ
ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام
وأهله - قاتلهم الله - ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال:
﴿وَمَنْ يَتَوَلَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ) الآية.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد - يعني ابن سعيد بن سابق -، حدثنا
عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عياض أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع
إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر
وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتاباً في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا
يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عبيدة الناجي لم أقف على ترجمة له، ومعناه صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: صحفت إلى: ((عبدة).
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه في المعجم الكبير (٣٧٤/١٠ ح١٠٧٤٩)، وأخرجه البخاري من طريق أبي
اليمان به نحوه، الصحيح، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق ح (٦٣٧٤).
(٥) ورد في الأصل يمين اللوحه ٣٢٤م ما نصه: إلى هنا آخر الجزء الأول من خط المؤلف عفى الله عنا وعنه.

٤١٨
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٥١، ٥٣)
00000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
0000000
أخرجوه، ثم قرأ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوِْيَةُ﴾ الآية(١).
ثم قال: حدثنا محمد بن الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن
عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً
وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةٌ﴾ الآية(٢).
حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل
عن ذبائج نصارى العرب، فقال: كل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّم ◌ِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾(٣)، وروي عن
أبي الزناد نحو ذلك(٤).
وقوله تعالى: ﴿فَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك وريب ونفاق، ﴿يُسَرِعُونَ فِهِمْ﴾؛ أي:
يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَآيِرَةٌ﴾ أي: يتأولون
في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند
اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. عند ذلك قال الله تعالى: ﴿فَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ﴾. قال
السدي: يعني فتح مكة(٥). وقال غيره: يعني القضاء والفصل(٦).
﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ قال السدي: يعني ضرب الجزية(٧) على اليهود والنصارى، ﴿فَيُصْبِحُواْ﴾
يعني: الذي والوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ من الموالاة،
﴿َدِمِينَ﴾ أي: على ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئاً، ولا دفع عنهم محذوراً، بل كان عين
المفسدة، فإنهم فضحوا وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين بعد أن كانوا مستورين، لا
يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا
منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون فبان كذبهم
وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ
(OF
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ
وقد اختلف القرّاء في هذا الحرف فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله: ﴿وَيَقُولُ﴾، ثم منهم
من رفع ويقول: على الابتداء، ومنهم من نصب عطفاً على قوله: ﴿فَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ
مِنْ عِندِهِ﴾ فتقديره: أن يأتي وأن يقول، وقرأ أهل المدينة (يقول الذين آمنوا) بغير واو(٨)،
وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير. قال ابن جرير عن مجاهد ﴿فَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ
بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ تقديره حينئذٍ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَِهِمْ إِنَهُمْ
لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ ﴾﴾ [واختلف المفسرون في](٩) سبب نزول هذه الآيات
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤)
ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((بالقضاء)).
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٨) والقراءتان متواترتان.
(٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).

٤١٩
سُورَةُ الَائِدَة (٥١، ٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الكريمات، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني
ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهوّد معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال
الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَّةٌ﴾ الآيات(١).
وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله وَط قه إلى بني قريظة
فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذبح(٢)، رواه ابن جرير.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن
إدريس قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن
الخزرج إلى رسول الله وَله فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ
إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف
الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول الله و * لعبد الله بن أبي ((يا أبا الحباب، ما بخلت
به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه)) قال: قد قبلت، فأنزل الله : ﴿يَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَهُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ﴾(٣).
ثم قال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن
الزهري: قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن
يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف: أغركم أن أصبتم رهطاً من قريش لا علم
لهم بالقتال؟ أما لو أمررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا، فقال عبادة بن
الصامت: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيراً سلاحهم شديدة
شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال
عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود، إني رجل لا بدّ لي منهم، فقال رسول الله إليه:
((يا أبا الحباب، أرأيت الذي نفّست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه»
فقال: إذاً أقبل، قال: فأنزل الله ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الْهُودَ وَالنَّصَرَ أَوْلِيَةً﴾ إلى قوله تعالى:
﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ [المائدة: ٦٧](٤).
وقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله وَل بنو
قينقاع، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله وَّر حتى نزلوا على حكمه،
فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا
حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله وَ ل﴿، فقال: يا محمد أحسن في موالي، قال:
فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع رسول الله وَّة، فقال له رسول الله وَطاهر: ((أرسلني))،
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، ولكنه مرسل.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية بن سعد وهو العوفي، وتشهد لبعضه رواية ابن
إسحاق الثابتة عن عبادة بن الصامت بعد روايتين.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ولبعضه شاهد في الرواية بعد التالية.

٤٢٠
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٥٤، ٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وغضب رسول الله ﴿ حتى رأوا لوجهه ظللاً، ثم قال: ((ويحك أرسلني)) قال: لا والله لا
أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود،
تحصدني في غداة واحدة إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله وَلفي: ((هم لك))(١).
قال محمد بن إسحاق: فحدثني أبو إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن
الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله وَّ﴾ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم
ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله وَلقر وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل
الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى رسول الله ◌َچ، وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: یا
رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف
الكفار، وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أُبي نزلت الآيات في المائدة ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
أَلْهُودَ وَالنَّصَرَ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن يَتَوَّلَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِرْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
[المائدة](٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن
إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله وَّر على
عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي وَلاير: ((قد كنت أنهاك عن حب يهود)) فقال عبد الله: فقد
أبغضهم أسعد بن زرارة فمات(٣)، وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق(٤).
] ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةِ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَبٍِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَّهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيهُ
إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ (®] وَمَن يَتَوَلَ اللَّهُ
٥٤
٥٦)
وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزَّبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله
يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدّ منعة، وأقوم سبيلاً، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ
[إبراهيم] أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى ههنا: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل.
(١) سيرة ابن هشام (٨٠٩/٢).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩١/٣٦ ح٢١٧٥٨)، وضعفه محققوه بسبب عنعنة ابن إسحاق،
وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٤١/١)، قال الساعاتي:
سكت عنه أبو داود والمنذري ورواه ابن إسحاق فقال: حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد ...
فالحديث صحيح لأن رجاله كلهم ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث (الفتح الرباني ٢١١/٢١). ولكن
لم أعثر على تصريح ابن إسحاق. فإن ثبت ذلك فالإسناد حسن.
(٤) سنن أبي داود، الجنائز، باب في العيادة رقم ٣٠٩٤ ولم يصرح ابن إسحاق بالسماع.