Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
• سُوَّرَّةُ الَائِدَةِ (٣٢، ٣٤)
وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن. هذه
الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل، فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني
إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا(١).
وقال الحسن البصري: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: وزراً، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا
أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾، قال: أجراً (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حُيي بن عبد الله، عن أبي
عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله وَل
فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله وَلايقول: ((يا حمزة، نفس تحييها
أحب إليك أم نفس تميتها؟)) قال: بل نفس أحييها. قال: ((عليك بنفسك))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيْنَتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة، ﴿ثُمَّ
إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم
بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود
الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت
الحروب أوزارها. فدوا من أسروه وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة
حيث يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُِّجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْأَثْم
تَشْهَدُونَ
وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوَكُمْ أُسَرَىْ تُفَدِّدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمَّ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَ
أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (﴾﴾ [البقرة].
وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤَا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ
تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾ الآية، المحاربة هي المضادة
والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض
يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قبض الدراهم
والدنانير من الإفساد في الأرض. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (®﴾ [البقرة].
ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن
حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن [يزيد، عن عكرمة] (٤) والحسن
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق سلام به (المصنف ٣٥٩/٩)،
وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم عن الحسن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر (المسند ح٦٦٣٩)، وفي سنده ابن لهيعة، ولعل
تصحيح أحمد شاكر بأنه يرى سماع حسن قبل احتراق كتب ابن لهيعة.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: زيد بن عكرمة وهو تصحيف.

٣٨٢
سُؤَدَّةُ المَائِدَة (٣٢، ٣٤)
9000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
البصري، قالا: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ نزلت هذه
الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تُحرِز
هذه الآية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم
لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب(١).
ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، نزلت في المشركين من تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه
ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه (٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ◌َّ عهد
وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع
أيديهم وأرجلهم من خلاف، رواه ابن جرير(٣).
وروى شعبة عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في
الحرورية ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ رواه ابن مردويه (٤).
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه
البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن
مالك أن نفراً من عكل(٥) ثمانية، قدموا على رسول الله وَ﴿ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا(٦)
المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول الله * ذلك، فقال: ((ألا تخرجون مع راعينا في
إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها)) فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا،
فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﴿ فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم،
فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت(٧) أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ
مسلم، وفي لفظ لهما: من عكل أو عرينة(٨)، وفي لفظ: وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون، فلا
يسقون (٩).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له الأثر التالي.
(٢) سنن أبي داود، الحدود، باب ما جاء في المحاربة (ح٤٣٧٢)، وسنن النسائي، تحريم الدم، تأويل
قول الله رَّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ ... ﴾ [المائدة: ٣٣] ٩٤/٧ - ٩٥، وصححه الألباني في
صحیح سنن النسائي (ح٣٧٥٨).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.
(٤) ذكر الحافظ أن الآية عامة في المشركين وغيرهم. اهـ. أي لم تخص هذه الفرقة بعينها.
(٥) عكل: قبيلة من تيم الرباب، من عدنان كما في فتح الباري.
(٦) أي: استثقلوها ولم يوافق هواؤها أبدانهم فمرضوا.
(٧) أي: بمسامير محمية.
(٨) عُرينة نسبة إلى عُرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بطن من بجيلة (اللباب في تهذيب الإنسان ٣٣٦/٢).
(٩) صحيح البخاري، الوضوء، باب أبوال الإبل .. (ح٢٣٣)، وصحيح مسلم القسامة، باب حكم المحاربين
والمرتدين (ح ١٦٧١).

٣٨٣
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٣٢، ٣٤)
وفي لفظ لمسلم: ولم يحسمهم، وعند البخاري قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا
بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، ورواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب،
وحميد عن أنس، فذكر نحوه وعنده فارتدوا، وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه، وقال
سعيد عن قتادة: من عكل وعرينة، وراه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما
سمل النبي 18 أعين أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء، ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة
عن أنس قال: أتى رسول الله وَ ﴿ نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه(١)، وقد وقع بالمدينة الموم(٢)
وهو البرسام، ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: عنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فارساً،
فأرسلهم وبعث معهم قائفاً يقفو أثرهم وهذه كلها ألفاظ مسلم ◌َّثُهُ .
وقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة وثابت البناني وحميد الطويل، عن أنس بن مالك أن ناساً
من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله وَّر في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من
أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل
رسول الله ◌َّه في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم وألقاهم في
الحرة قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا، ونزلت ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه وهذا لفظه،
وقال الترمذي: حسن صحيح(٣).
وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين عن سلام بن
أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: ما ندمت على حديث، ما ندمت على حديث
سألني عنه الحجاج، قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله وَير. قال: قلت قدم على
رسول الله 38 قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ما لقوا من بطونهم، وقد
اصفرت ألوانهم، وضَمُرت بطونهم، فأمرهم رسول الله ◌َ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من
أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم، عمدوا إلى الراعي فقتلوه،
واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله و 18 في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم
ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله قديم قد قطع
أيدي قوم وأرجلهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا بحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج
بهذا الحديث على الناس (٤).
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد - يعني ابن مسلم -، حدثني سعيد، عن
(١) هذه الألفاظ في المصدرين السابقين وصحيح البخاري، الزكاة باب استعمال إبل الصدقة (ح ١٥٠١)،
وصحيح مسلم (ح١٦٧١)، في (١٤) طريقاً ولفظاً.
(٢) الموم هو نوع من اختلال العقل، ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر كما في حاشية صحيح مسلم.
(٣) سنن أبي داود، الحدود، باب ما جاء في المحاربة (ح٤٣٦٧)، وسنن الترمذي، أبواب الطهارة، باب ما
جاء في بول ما يؤكل لحمه (ح٧٢)، وسنن النسائي، تحريم الدم، تأويل قول الله رَك: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اَللَّهَ ... ﴾ [المائدة: ٣٣] ٩٧/٧. وهو في الصحيحين كما تقدم.
(٤) في سنده سلام بن أبي الصهباء وهو ضعيف (لسان الميزان ٥٨/٣)، وقد توبع فأخرجه البخاري من طريق
سلام بن مسكين عن ثابت به لكنه مختصر (الصحيح، الطب، باب الدواء بألبان الإبل ح٥٦٨٥).

٣٨٤
• سُوَرَّةُ الْقَائِدَةِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قتادة، عن أنس، قال كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عُكل، فلما أتي بهم قطع أيديهم
وأرجلهم، وسمر أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم يلتقمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك
﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود - يعني عبد الرحمن بن
الحسن الزجاج -، حدثنا أبو سعد - يعني البقال -، عن أنس بن مالك قال: كان رهط من عرينة
أتوا رسول الله وَلجر وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل
فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصفت ألوانهم، وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي،
واستاقوا الإبل، فبعث النبي والتر في طلبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسمر أعين بعضهم،
وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية(٢).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن
يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس
يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن
الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام(٣).
وقال حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال،
عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر أو عمرو - شك يونس - عن
رسول الله * بذلك، يعني: بقصة العرنيين، ونزلت فيهم آية المحاربة(٤). ورواه أبو داود
والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه عن ابن عمر من غير شك(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن
موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير، قال: قدم على رسول الله وَّر قوم من عرينة
حفاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ◌َ ﴿ فلما صحوا واشتدوا، قتلوا رعاء اللقاح، ثم خرجوا
باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال جرير: فبعثني رسول الله ◌ّ في نفر من المسلمين
حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله وَّر، فقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله وَله يقول: النار حتى
هلكوا، قال: وكره الله رَّ سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية (٦). هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي وهو ضعيف، وفي إسناده
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أبو عوانة عن علي بن سهل به (المسند ح ٦٠٩٨)، وسنده صحيح.
(٢) في سنده أبو سعد البقال وهو سعيد بن المرزبان وهو ضعيف تقدم ذكره وقد توبع كما تقدم فيكون سنده
حسناً لغيره.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال، وقوله: وأصابوا الفرج الحرام مخالفة للرواية
الصحيحة .
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) سنن أبي داود، الحدود، باب ما جاء في المحاربة (ح٤٣٦٩)، وسنن النسائي، تحريم الدم ٧/ ١٠٠، وقال
الألباني: حسن صحيح، (صحيح سنن أبي داود ح ٣٦٧٤).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، ويتقوى معظمه بالشواهد السابقة.

٣٨٥
• سُورَةُ المَائِدَة (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي، وتقدم في صحيح مسلم أن
هذه السرية كانوا عشرين فارساً من الأنصار، وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه
الآية، فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم
قصاصاً، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي
هريرة، قال قدم على رسول الله و ﴿ رجال من بني فزارة قد ماتوا هزلاً، فأمرهم النبي وكلير إلى
لقاحه، فشربوا منها حتى صحّوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطلبوا فأتى بهم النبي ◌َلل
فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال أبو هريرة ففيهم نزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فترك النبي ◌َّهِ سمر الأعين بعد (١)، وروي من وجه آخر عن أبي
هريرة .
وقال أبو بكر بن مردویه: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا
أبو القاسم محمد بن الوليد، عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن
محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال:
كان للنبي وَ﴾ غلام يقال له يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة فكان
بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاؤوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم قال:
فبعث بهم النبي وسي* إلى يسار، فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا
على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي وَّر في آثارهم خيلاً
من المسلمين، كبيرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم إليه فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل
أعينهم (٢)، غريب جداً، وقد روي قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة منهم جابر
وعائشة وغير واحد، وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه
كثيرة جداً فرحمه الله وأثابه.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا
حمزة عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال:
كان أناس أتوا رسول الله وَله، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فبايعوه وهم كذبة، وليس الإسلام
يريدون، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي وَّر هذه اللقاح تغدوا عليكم وتروح، فاشربوا
من أبوالها وألبانها، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول الله وَّ فقال:
قتلوا الراعي، واستاقوا النعم، فأمر النبي ﴿ فنودي في الناس ((أن يا خيل الله اركبي)) قال:
فركبوا لا ينتظر فارس فارساً، قال: وركب رسول الله وَّر على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى
أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله وَ له وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ◌َّ فأنزل الله:
﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، قال فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم
وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبي الله وَّه منهم وصلب، وقطع وسمر الأعين،
(١) في سنده إبراهيم بن محمد الأسلمي: متروك (التقريب ص ٩٣).
(٢) في سنده موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي: منكر الحديث (التقريب ص٥٥٣).

٣٨٦
• سُؤَدَّةُ القَائِدَة (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: فما مثل رسول الله وَله قبل ولا بعد، قال: ونهى عن المثلة، وقال: ((ولا تمثلوا بشيء))
قال: وكان أنس يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم، قال: وبعضهم يقول:
هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة، وناس من بجيلة(١).
وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين: هل هو منسوخ، أو محكم؟ فقال بعضهم: هو
منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتاباً للنبي وَّ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾
[التوبة: ٤٣] ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ◌ّل عن المثلة، وهذا القول فيه نظر، ثم قائله
مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ.
وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفيه نظر، فإن قصته
متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة،
ومنهم من قال: لم يسمل النبي ◌َّر أعينهم، وإنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم
المحاربين، وهذا القول أيضاً فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي
رواية سمر أعينهم.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما
كان من سمل النبي وَ﴿ أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان
يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله وَير معاتبة في ذلك، وعلمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع
والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو يعني الأوزاعي، فأنكر
أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ثم نزلت هذه الآية في عقوبة
غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل(٢).
ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور من العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في
الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وهذا مذهب مالك
والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل
فيخدعه حتى يدخله بيتاً فيقتله، ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان لا إلى ولي
المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة
إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده
ممن یغیثه ویعینه.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُواْ أَوْ تُقَطَعَ أَبْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ
اٌلْأَرْضِّ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف
السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه، وإن شاء
قطع يده ورجله(٣) .
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى محمد بن عجلان وقوله: إن نزول الآية معاتبة للنبي وَ ر هو
رأي لابن عجلان، بدليل مخالفة الأوزاعي في ذلك.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٣٨٧
سُورَةُ القَائِدَة (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك(١)
وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير وحكى مثله عن مالك بن أنس ◌َّتُهُ ومستند هذا القول أن
ظاهر أو للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله في جزاء الصيد ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ
يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنَكُمْ هَدَيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ أَوْ كَفََّرَةٌ طَعَاهُ مَسَِكِينَ أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]
وكقوله في كفارة الفدية: ﴿فَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شٍُ﴾
[البقرة: ١٩٦] وكقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
أَوَ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذه كلها على التخيير فكذلك فلتكن هذه الآية.
[وقال الجمهور](٢): هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي: أنبأنا
إبراهيم بن أبي يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق، إذا قتلوا
وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال
ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من
الأرض(١)
وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عباس
بنحوه(٤)، وعن أبي مخلد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء
الخراساني نحو ذلك، وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.
واختلفوا: هل يصلب حياً ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح أو
نحوه، أو يقتل أولاً ثم يصلب تنكيلاً وتشديداً لغيره من المفسدين، وهل يصلب ثلاثة أيام ثم
ينزل أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة وعليه
التكلان.
ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده فقال: حدثنا
علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان، كتب
إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم
من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل،
وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله وَ ﴿ جبرائيل لنظلّا عن القضاء فيمن حارب
فقال: من سرق مالاً وأخاف السبيل، فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن
قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه(٥) .
وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْأْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾ قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه فيقام
(١) هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً إلا روايته عن الضحاك فلم يذكر عنه شيئاً.
(٢) زيادة من (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، الحدود، باب فيما جاء في قطاع الطريق ٨٦/٢
ح٢٨٢)، وسنده ضعيف لأن إبراهيم بن أبي يحيى متروك.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٥٨٩/٦)، وسنده ضعيف لضعف عطية وهو العوفي.
(٥) تقدم تخريجه قبل بضع صفحات.

٣٨٨
سُورَةُ المَائِدَة (٣٢، ٣٤)
عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن
جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس(١).
وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته
بالكلية(٢) وقال الشعبي: ینفیه - كما قال ابن هبيرة - من عمله كله.
وقال عطاء الخراساني: ينفى من جند إلى جند سنين، ولا يخرج من دار الإسلام، وكذا قال
سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان: إنه ينفى ولا يخرج
من أرض الإسلام.
وقال آخرون: المراد بالنفي ههنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير أن
المراد بالنفي ههنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي
ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم، خزي لهم بين الناس في
هذه الحياة الدنيا مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال:
إنها نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت لحظته قال:
أخذ علينا رسول الله و ﴿ كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا
نقتل أولادنا، ولا يَعْضَهُ بعضنا بعضاً، فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من
ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له(٣).
وعن علي قال: قال رسول الله وَله: ((من أذنب ذنباً فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته
على عبده، ومن أذنب ذنباً في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود عليه في
شيء قد عفا عنه)). رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب (٤).
وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعاً وموقوفاً، قال ورفعه
صحيح(٥).
وقال ابن جرير في قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيًا﴾ يعني: شر وعار ونكال وذلة وعقوبة
في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به، وقول أنس أخرجه الطبري بأسانيد
يقوي بعضها بعضاً، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند
ضعيف، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه وقول الليث
ومالك بن أنس أخرجهما الطبري بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عنهما. وقول الزهري أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٢) أخرجه بنحوه الطبري بسند حسن عن سعيد بن جبير.
(٣) صحيح مسلم، الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها (ح١٧٠٩).
(٤) المسند ٩٩/١، وسنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن (ح٢٦٢٦)، وسنن ابن
ماجه الحدود، باب الحد كفارة (ح ٢٦٠٤)، وحسنه الترمذي وصححه الدارقطني كما يلي.
(٥) العلل ١٢٩/٣.

٣٨٩
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حتى هلكوا لهم في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها
﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: عذاب جهنم، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ
فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك فظاهر، وأما .
المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع
الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع،
وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن
مجالد، عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض
وحارب، فكلم رجالاً من قريش منهم الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر، فكلموا
علياً فيه فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره، ثم أتى علياً، فقال: يا
أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، فقرأ حتى بلغ ﴿إِلَّا
اُلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ﴾ قال: فكتب له أماناً، قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر(١)،
وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي به، وزاد فقال حارثة بن بدر:
ألا بلغا همدان إما لقيتها
على النّأي(٢) لا يسلم عدو يعيبها
إله ويقضي بالكتاب خطيبها(٣)
لعمرُ أبيها إن همدان تتقي الـ
وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي، ومن طريق [أشعث](٤)، كلاهما عن
عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان نظر اته
بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني
كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فساداً، وإني تبت من قبل أن تقدروا عليّ، فقام أبو
موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً، وإنه
تاب من قبل أن نقدر عليه فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقاً فسبيل من صدق،
وإن يك كاذباً تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه
فقتله(٥).
ثم قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال الليث: وكذلك حدثني
موسى بن إسحاق المدني، [وهو الأمير عندنا](٦)، أن علياً الأسدي حارب وأخاف السبيل
وأصاب الدم والمال فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائباً، وذلك أنه
سمع رجلاً يقرأ هذه الآية ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
(١) في سنده مجالد فيه مقال.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الناس)). وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه مجالد أيضاً فيه مقال.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل تصحفت إلى: (أشعب)).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أشعث به (المصنف ٢٨٢/١٢)، وسنده
حسن.
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((وهو الآن عندنا)).

٣٩٠
• سُؤَدَّةُ المَائِدَةِ (٣٧،٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فوقف عليه فقال: يا عبد الله أعد قراءتها فأعادها
عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائباً حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل ثم أتى مسجد رسول الله وَله
فصلى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس فقاموا إليه
فقال: لا سبيل لكم علي جئت تائباً من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده
حتى أتى مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال: هذا علي جاء تائباً ولا
سبيل لكم عليه ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال: وخرج علي تائباً مجاهداً في سبيل الله في
البحر، فلقوا الروم فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا منه
إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم فغرقوا جميعاً(١).
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُوْاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ
يَوْمِ اٌلْقِيَّمَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِمِنَ مِنْهَا
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن
المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ اُلْوَسِيلَةَ﴾ .
قال سفيان الثوري، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة (٢). وكذا قال مجاهد
وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد(٣).
وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه (٤).
وقرأ ابن زيد ﴿أُوْلَئِكَ الَّيْنَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧](٥).
وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وأنشد عليه ابن جرير قول الشاعر:
وعاد التصافي بيننا والوسائل(٦)
إذا غفلَ الواشون عُدنا لوصلِنا
والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضاً علم على أعلى منزلة في
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الوليد بن مسلم، كثير التدليس والتسوية ولم يصرح بالسماع.
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن ابن عباس في سورة الإسراء [آية ٥٧]، وسنده منقطع لأن ابن
جريج لم يسمع من ابن عباس، أما السند الذي ذكره الحافظ ابن كثير فقد أخرجه الطبري من طريق الثوري
به بدون ذکر ابن عباس.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي وائل أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق منصور عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول
عبد الله بن كثير أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٦) ذكره الطبري ومعمر في مجاز القرآن ٦٤/١.

·
سُورَةُ الْمَائِدَةِ (٣٧،٣٥)
٣٩١
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الجنة وهي منزلة رسول الله 8* وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت
في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَليقول:
((من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة
والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة))(١).
(حديث آخر) في صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن
عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ◌َله يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول،
ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة
في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت
عليه الشفاعة))(٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن
أبي هريرة أن رسول الله وير قال: ((إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة)). قيل: يا رسول الله، وما
الوسيلة؟ قال: ((أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو))(٣).
ورواه الترمذي عن بندار، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن
كعب قال: حدثني أبو هريرة، ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحداً روى عنه
غير ليث بن أبي سليم(٤).
(حديث آخر) عن أبي هريرة څبه، قال أبو بكر بن مردویه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا
محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن
المعلى، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رفعه، قال: ((صلوا علي صلاتكم وسلوا الله لي
الوسيلة)) فسألوه، أو أخبرهم أن الوسيلة درجة في الجنة ليس ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن
(٥)
أكون أنا هو (٥).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن
عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا
إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة))، ثم قال الطبراني لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن
أعين(٦)، كذا قال: وقد رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن
(١) صحيح البخاري، الأذان، باب الدعاء عند النداء (ح٦١٤).
(٢) صحيح مسلم، الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن (ح ٣٨٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر (المسند ح٧٥٨٨).
(٤) سنن الترمذي، المناقب، باب في فضل النبي وم ير (ح٣٦١٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي
(ح ٢٨٥٧).
(٥) حكمه كسابقه.
(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ١/ ٣٧٠ (ح ٦٣٧)، قال الهيثمي: وفيه الوليد بن عبد الملك الحراني:
وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات (مجمع الزوائد ٣٣٨/١)، =

٣٩٢
• سُوَرَّةُ الْمَائِدَةِ (٣٧،٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر
بإسناده نحوه(١).
(حديث آخر) روى ابن مردويه بإسناده عن عمارة بن غزية، عن موسى بن وردان أنه سمع أبا
سعيد الخدري يقول: قال رسول الله وَله: ((إن الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله
أن يؤتيني الوسيلة على خلقه))(٢).
(حديث آخر) روى ابن مردويه أيضاً من طريقين عن عبد الحميد بن بحر، حدثنا شريك، عن
أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي وسلم قال: ((في الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا
سألتم الله فسلوا لي الوسيلة)) قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: ((علي وفاطمة والحسن
والحسين))(٣). هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن [الدشتكي] (٤)، حدثنا أبو زهير،
حدثنا سعد بن طريف، عن علي بن الحسين الأزدي مولى سالم بن ثوبان، قال: سمعت علي بن
أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: يا أيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين: إحداهما بيضاء،
والأخرى صفراء، أما البيضاء فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء
سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد،
واسمها الوسيلة، هي لمحمد ◌َ﴿ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك هي لإبراهيم عليّلا وأهل
بيته(٥)، وهذا أثر غريب أيضاً.
وقوله: ﴿وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات،
أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين
القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح، والسعادة
العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة، الآمنة
الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا يبأس، ويحيى لا يموت، لا تبلى ثيابه
ولا یفنی شبابه.
ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابِ يَّوْمِ الْقِيَمَةِ مَا نُقُبِّلَ
مِنْهُمِّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهباً وبمثله ليفتدي
بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه
ولا محيص ولا مناص، ولهذا قال: ﴿وَلَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ
= وروايته هنا عن موسى بن أعين وهو ثقة.
(١) في سنده موسى بن عبيدة وهو: الربذي ضعيف كما في التقريب.
(٢) يشهد له ما تقدم.
(٣) ضعفه الحافظ ابن كثير.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحف إلى: ((الرستكي)).
(٥) سنده ضعيف جداً لأن سعد بن طريف متروك رافضي رماه ابن حبان بالوضع (التقريب ص٢٣١).

٣٩٣
سُورَةُ الْمَائِدَةِ (٣٧،٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِمِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (®﴾ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَّ أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا
مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِهَا﴾ الآية [الحج: ٢٢]، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم
مسه ولا سبيل لهم إلى ذلك، وكلما رفعهم اللهب فصاروا في أعلى جهنم ضربتهم الزبانية
بالمقامع الحديد فيردوهم إلى أسفلها ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ تُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها،
ولا محید لهم عنها .
وقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَله: ((يؤتى
بالرجل من أهل النار فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال:
هل تفتدي بقراب الأرض ذهباً؟ قال: فيقول: نعم يا رب، فيقول الله: كذبت، قد سألتك أقل
من ذلك فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار))، رواه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة بنحوه(١)،
وكذا رواه البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه، عن قتادة، عن أنس به،
وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه عبد الملك بن حبيب عن أنس بن مالك به(٢)،
ورواه مطر الوراق عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه عنه.
ثم روى ابن مردويه من طريق المسعودي عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله أَنَّ
رسول الله وغير قال: ((يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة)) قال: فقلت لجابر بن عبد الله:
يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَدُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ.) الآية، ألا إنهم الذين كفروا.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث: من وجه آخر عن يزيد الفقير، عن جابر(٣)، وهذا
أبسط سياقاً .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن أبي شيبة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون،
أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني یزید الفقیر قال: جلست إلی جابر بن عبد الله وهو یحدث، فحدث
أن ناساً يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذٍ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس،
ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أن الله يخرج ناساً من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ
أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا﴾ الآية، فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم، فقال: دعوا
الرجل إنما ذلك للكفار، فقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ
لِيَفْتَدُوا بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد
جمعته، قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةُ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا
﴾ [الإسراء] فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقواماً بخطاياهم في النار ما شاء، لا
(١) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وصبغ أشدهم بؤساً في الجنة
(ح ٢٨٠٧).
(٢) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح٦٥٥٧)، والمصدر السابق، باب جزاء المؤمن
بحسناته ... (ح٢٨٠٨).
(٣) أخرجه مسلم من طريق يزيد الفقير به مختصراً (الصحيح، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها
(ح ٣٢٠).

٣٩٤
• سُوَرَّةُ المَائِدَةِ (٣٨، ٤٠)
يكلمهم فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم، قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به(١).
ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا عمر بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن
عليّ، أخبرنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المهلب، حدثني طلق بن حبيب قال: كنت من
أشد الناس تكذيباً بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها، يذكر الله
فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتراكَ أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني؟ إن الذين
قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً فعذبوا، ثم أخرجوا منها، ثم
أهوى بيديه إلى أذنيه فقال: صمّتاً إن لم أكن سمعت رسول الله وَله يقول: ((يخرجون من النار
بعدما دخلوا)) ونحن نقرأ كما قرأت(٢).
] ﴿وَالتَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَبْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ ( أَلَ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ
مُلْكُ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
.
يقول تعالى حاكماً وآمراً بقطع يد السارق والسارقة، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي،
عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما)
وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقاً لها لا بها، بل هو مستفاد من دليل
آخر، وقد كان القطع معمولاً به في الجاهلية، فقرر في الإسلام، وزيدت شروط أخر كما سنذكره
إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع
بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح ويقال: إن أول من قطع الأيدي في
الجاهلية قريش، قطعوا رجلاً يقال له: دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق
كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده، وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه
متى سرق السارق شيئاً قطعت يده به، سواء كان قليلاً أو كثيراً لعموم هذه الآية ﴿وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ فلم يعتبروا نصاباً ولا حِرزاً، بل أخذوا بمجرد السرقة.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي، قال: سألت
ابن عباس عن قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام، وهذا
يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك، فالله أعلم.
وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لو قال: ((لعن الله السارق يسرق
البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)) وأما الجمهور، فاعتبروا النصاب في السرقة وإن
كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة، فعند
الإمام مالك بن أنس تَخْثُ النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها
فما فوقه، وجب القطع، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَالر قطع
(١) أخرجه مسلم من طريق يزيد الفقير به (الصحيح، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ح ٣٢٠).
(٢) أخرجه البخاري من طريق سعيد بن المهلب به مختصراً (الأدب المفرد ح٧١٨) وقال الألباني: صحيح لغيره
(صحيح الأدب المفرد ح٦٢٩).

٣٩٥
سُورَةُ الْمَائِدَة (٣٨، ٤٠)
في مِجَنٌّ ثمنه ثلاثة دراهم، أخرجاه في الصحيحين(١)، قال مالك تَخُّْ: وقطع عثمان رَظُه في
أترُجّة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك، وهذا الأثر عن عثمان ر قد رواه
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقاً سرق في زمن
عثمان أترجّة، فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهماً، فقطع
عثمان يده. قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى الإجماع
السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافاً للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافاً لهم
في أنه لا بدّ من عشرة دراهم، والشافعية في اعتبار ربع دينار، والله أعلم.
وذهب الشافعي نَّثُ إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان
أو العروض فصاعداً، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من طريق الزهري
عن عمرة، عن عائشة ﴿ّا أن رسول الله وَّ﴾ قال: ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) (٢)
ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة ﴿نا أن
رسول الله مدير قال: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً))(٣) قال أصحابنا: فهذا
الحديث فاصل في المسألة، ونصٌّ في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن
المِجَنّ، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهماً، فهي ثمن
ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق، ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن
عفان وعلي بن أبي طالب ﴿ه، وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والأوزاعي
والشافعي وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور وداود بن علي الظاهري،
رحمهم الله.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، إلى أن كل واحد من ربع
الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحداً منهما أو ما يساويه، قطع عملاً بحديث ابن
عمر وبحديث عائشة ﴿ ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله وَ لفيه قال:
((اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك))(٤) وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة
دراهم، والدينار اثني عشر درهماً. وفي لفظ للنسائي ((لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن
المجن)). قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار، فهذه كلها نصوص دالة على عدم
اشتراط عشرة دراهم(٥)، والله أعلم.
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، رحمهم الله،
فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي
قطع فيه السارق على عهد رسول الله وَ * كان ثمنه عشرة دراهم.
(١) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿وَالشَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ... ﴾ [المائدة: ٣٨]
ح (٦٢٩٧).
(٢) المصدر السابق ح (٦٢٩٢).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها ح (٣١٩٠).
(٤) يشهد له ما سبق.
(٥) يشهد له الأحاديث السابقة.

٣٩٦
سُورَةُ الْقَائِدَةِ (٣٨، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن
أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد النبي ◌َّ عشرة
دراهم(١)، ثم قال: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده قال: قال رسول الله وَّر: ((لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن))(٢) وكان ثمن
المجن عشرة دراهم، قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن
المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمته واحداً
منهما، يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر رحمهم الله تعالى.
وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس؛ أي: في خمسة دنانير أو خمسين
درهماً، وينقل هذا عن سعيد بن جبير نَّهُ. وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من
حديث أبي هريرة (يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)) بأجوبة:
(أحدها): أنه منسوخ بحديث عائشة، وفي هذا نظر، لأنه لا بدّ من بيان التاريخ.
(والثاني): أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه.
(والثالث): أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده،
ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون
في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن أبا
العلاء المعري لما قدم بغداد، اشتهر عنه أنه أورد إشكالاً على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة
ربع دينار، ونظم في ذلك شعراً دل على جهله وقلة عقله، فقال:
ما بالها قطعت في ربع دينار
يد بخمس مئين عسجد وديتْ
وأن نعوذ بمولانا من النار
تناقض مالنا إلا السكوت له
ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب
القاضي عبد الوهاب المالكي تَخّْتُهُ أن قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت.
ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب
الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها. وفى باب السرقة ناسب أن
يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة
عند ذوي الألباب ولهذا قال: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: مجازاة على
صنيعهما السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ﴿نَكَلًا
مِّنَ اللهِ﴾؛ أي: تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: في انتقامه، ﴿حَكِيمٌ﴾
أي: في أمره ونهيه وشرعه وقدره.
ثم قال تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَ اَللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(١) سنده ضعيف لعنعنة بن إسحاق.
(٢) سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق ويشهد له ما سبق في الصحيح.

٣٩٧
• سُورَةُ المَائِدَة (٣٨، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس
فلا بدّ من ردّها إليهم أو بدلها عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها، وقد روى الحافظ أبو الحسن
الدارقطني من حديث [محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان](١)، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لقر أتي
بسارق قد سرق شملة، فقال: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله. قال: ((اذهبوا به
فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به)) فقطع فأتي به فقال: ((تب إلى الله)) فقال: تبت إلى الله،
فقال: ((تاب الله عليك))(٢). وقد روي من وجه آخر مرسلاً، ورجح إرساله علي بن المديني وابن
خزيمة رحمهما الله(٣).
وروى ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة
الأنصاري، عن أبيه أن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، جاء إلى النبي ◌ٍّ فقال: يا
رسول الله، إني سرقت جملاً لبني فلان، فطهرني فأرسل إليهم النبي وم ﴿ فقالوا: إنا افتقدنا جملاً
لنا، فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار (٤).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله،
عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سرقت امرأة حلياً فجاء الذين سرقتهم،
فقالوا: يا رسول الله، سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول الله وَ له: ((اقطعوا يدها اليمنى)) فقالت
المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله وَلقر: ((أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك))، قال:
فأنزل الله رَى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (®َ﴾(٥).
وقد رواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يحيى بن
عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد
رسول الله ور، فجاء بها إلى الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه المرأة سرقتنا. قال
قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله وَلهو: ((اقطعوا يدها))، فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار،
فقال: ((اقطعوا يدها)) فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال:
((نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك))، فأنزل الله في سورة المائدة ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدٍ
ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (®)﴾(١
وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين من رواية الزهري عن
[عروة](٧)، عن عائشة أن قريشاً أهمهم شأن المرأة التي سرقت، في عهد النبي ◌َّل في غزوة
(١) ما بين معقوفين زيادة من سنن الدارقطني (١٠٢/٣)، وفي نسخة (حم) و(مح) بياض، وسقط من الأصل.
(٢) أخرجه الدارقطني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (السنن ١٠٢/٣)، وضعفه الألباني في إرواء
الغليل (ح ٢٤٣١).
(٣) أي بدون ذكر أبي هريرة ونقله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٧٤/٤ وسنده ضعيف للإرسال.
(٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الحدود، باب السارق يعترف ح٢٥٨٨)، وضعفه البوصيري بسبب
ابن لهيعة (مصباح الزجاجة ٣١٧/٢)، وكذا الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٥٦٢).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه کسابقه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٧/٢)، وحكمه كسابقه.
(٧) كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل بياض.

٣٩٨
سُورَةُ المَائِدَةِ (٤١، ٤٤)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 00 0 00000000000000
الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله وَ﴾؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب
رسول الله وَر، فأتى بها رسول الله له، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله الفول
فقال: ((أتشفع في حد من حدود الله ربك؟)) فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان
العشي، قام رسول الله و ير فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد فإنما أهلك
الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها))، ثم أمر بتلك
المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتي بعد
ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله وَ لخير، وهذا لفظ مسلم (١). وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت
امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ◌َّ بقطع يدها.
وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعاً على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر
رسول الله ﴿﴿ بقطع يدها، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وهذا لفظه، وفي لفظ له أن
امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله وييقر: ((لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى
رسوله، وترد ما تأخذ على القوم))، ثم قال رسول الله وير: ((قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها))(٢).
وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة، ثم
قال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَعَلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المالك لجميع ذلكٍ، الحاكم
فيه، الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا
بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَآَخِرِينَ لَمْ يَأْتُوكٌ
يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِلِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ
فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئَأْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الذُّنْيَا
خِزِىٌّ وَلَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِسُّحْتِّ فَإِن جَاءُوَكَ فَأَعْكُمْ
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِلْقِسْطِ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَّةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
﴿ إِنَّآ أَنَزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَاَلْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ
وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِشَايَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله،
المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله رمَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن
(١) صحيح البخاري، الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان (ح ٦٧٨٨)، وصحيح مسلم،
الحدود، باب قطع السارق الشريف ... (ح١٦٨٨).
(٢) المسند ١٥١/٢، وسنن أبي داود، الحدود، باب في القطع في العادية إذا جحدت (ح٤٣٩٥)، وسنن
النسائي، قطع السارق، باب ما يكون حرزاً وما لا يكون ٨/ ٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي
داود (ح ٤ ٣٦٩).

٣٩٩
• سُوَدَّةُ المَائِدَة (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم ﴿سَمََّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: مستجيبون
له، منفعلون عنه، ﴿سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكٌ﴾ أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك
يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من
أعدائك ﴿يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ﴾ أي: يتأوّلونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما
عقلوه، وهم يعلمون، ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِتُرْ هَذَا فَخُذُوهُ وَ إِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ﴾ قيل: نزلت في قوم من
اليهود قتلوا قتيلاً، وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حکم
بالقصاص فلا تسمعوا منه، والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله
الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة
جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما
بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم
وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.
وقد وردت الأحاديث في ذلك فقال مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ظها: أن اليهود
جاؤوا إلى رسول الله 8﴿ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله وَل ـ: ((ما
تجدون في التوراة في شأن الرجم؟)) فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم،
إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما
بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد
فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله وسل﴿ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها
الحجارة(١)، أخرجاه، وهذا لفظ البخاري وفي لفظ له: فقال لليهود: ((ما تصنعون بهما؟)) قالوا:
نسخم وجوههما ونخزيهما، قال: ﴿فَأَتُواْ بِلتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]
فجاؤوا فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده
عليه فقال: ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه
بيننا، فأمر بهما فرجما(٢).
وعند مسلم أن رسول الله وَ ل# أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله وَ ل حتى جاء
يهود فقال: ((ما تجدون في التوراة على من زنى؟)) قالوا: نسود وجوههما ونحممهما، ونحملهما
ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال: ﴿فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ قال:
فجاؤوا بها فقرؤوها حتى إذا مرّ بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما
بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله وَّر: مُره فليرفع يده فرفع
يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله وسلّ فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن
رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه(٣).
(١) الموطأ، الحدود، باب ما جاء في الرجم (ح١)، وصحيح البخاري، المناقب باب قول الله تعالى:
﴿يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمّ ... ﴾ [البقرة: ١٤٦] (ح٣٦٣٥)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم
اليهود ... (ح ١٦٩٩/ ٢٧).
(٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب ما يجوز من تفسير التوراة من كتب الله بالعربية وغيرها (ح ٧٥٤٣).
(٣) صحيح مسلم، الحدود، باب رجم اليهود ... (ح٢٦/١٦٩٩).

٤٠٠
• سُؤَدَّةُ المَائِدَةِ (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثنا هشام بن سعد أن
زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله وَلقر إلى القف، فأتاهم
في بيت المدراس، فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلاً منا زنى بامرأة فاحكم. قال: ووضعوا
لرسول الله وَ﴿ وسادة فجلس عليها، ثم قال: ((ائتوني بالتوراة))، فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته
ووضع التوراة عليها، وقال: ((آمنت بك وبمن أنزلك)) ثم قال: (ائتوني بأعلمكم)) فأتي بفتى شاب
ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع(١) .
وقال الزهري: سمعتُ رجلاً من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن
أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث
بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا نبي من أنبيائك.
قال: فأتوا النبي ◌َ﴿ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في
رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال:
((أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟))
قالوا: يحمم ويجبه ويجلد، والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما،
قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله وَّيه سكت، ألظ به رسول الله وإليه النشدة، فقال:
اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي ◌َ ﴿: ((فما أول ما ارتخصتم أمر الله))؟
قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس فأراد
رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على
هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ◌َّةٍ: ((فإني أحكم بما في التوراة)) فأمر بهما فرجما، قال الزهري:
فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾
فكان النبي وَ﴿ منهم، رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه(٢)، وابن جرير.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن
عازب، قال: مرّ على رسول الله وَل﴿ يهودي محمم مجلود، فدعاهم، فقال: ((أهكذا تجدون حد
الزاني في كتابكم؟)) فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: ((أنشدك بالذي أنزل التوراة على
موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم
أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكُنّا إذا أخذنا الشريف تركناه،
وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف
والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي وَلجر: ((اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ
أماتوه)) قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله عَل: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى
اُلْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ أي يقولون: ائتوا محمداً فإن أفتاكم
(١) سنن أبي داود، الحدود، باب في رجم اليهوديين (ح٤٤٤٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٣٧٣٩).
(٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه، الحدود، باب في رجم اليهوديين (ح ٤٤٥٠)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق
الزهري به (المسند ١٨٢/١٣ ح٧٧٦١)، وقال محققوه: صحيح لغيره.