Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سُوَدَّةُ الْنِسَخَّاءِ (١٦٦، ١٧٠)
﴿ ﴿لَِّنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَلَ إلَيْكَ أَنَزَنُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَبِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلَّا بَعِيدًا (﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ
يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (٣٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرًا
وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَِّ مَا فِ
١٩٩)
١٧٠
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اَللَّهُ عَلِيَا حَكِيمًا
لما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى آخر السياق، إثبات
نبوته وَل﴿ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
بِمَآ أَنَزَلَ إلَيْكَ﴾ أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله
الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي ﴿لَّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنِيلٌ
مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ [فصلت]، ولهذا قال: ﴿أَنَزَّلَهُ بِعِلْمِةٍ﴾ أي: في علمه الذي أراد أن يطلع
العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من
العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي
مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا
شَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وخزرُ بن
المبارك، قالا: حدثنا عمران بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن
السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل
منك إلا بعمل، ثم [يقرأ](١) قوله: ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَتَبِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِلَِّ شَهِيدًا﴾(٢).
قوله: ﴿وَأَلْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أي: بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك مع شهادة الله
تعالى بذلك ﴿وَكَفَى بِاللَِّ شَهِيدًا﴾ .
قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: دخل على رسول الله وَ* جماعة من اليهود، فقال لهم: ((إني لأعلم والله إنكم
لتعلمون أني رسول الله)) فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله بق: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَلَ إِلَيْكَ
(٣)
أَنَزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا (٣﴾﴾ أي: كفروا في
أنفسهم، فلم يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق
وضلوا عنه، وبعدوا منه بعداً عظيماً شاسعاً، ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه
(١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي تفسير ابن أبي حاتم: ((قرأ)).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الخلاف السابق، وفي سنده الحسن بن سهل الجعفري ذكره ابن أبي
حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ١٧/٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وسنده حسن درسته في
مقدمة التفسير الصحيح.

٢٨٢
• سُوْرَةُ النِّسَّاءِ (١٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر
لهم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أي: سبيلاً إلى الخير ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خَلِينَ
فِبِهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ
فَقَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ أي: قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان
الشافي من الله ومن، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن خيراً لكم. ثم قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ
مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرَضِّ﴾ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال
تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اَللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ [إبراهيم] وقال
ههنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغویه،
﴿حَكِيمًا﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
﴿بَّأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى
أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنَةٌ فَقَامِنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةُ أَنْتَهُواْ
خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَحِدٌ سُبْحَتَهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَّهُ لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضُِ وَّكَفَى
بِاللَّهِ وَكِيلًا
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في
عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلهاً
من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا
فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقاً أو باطلاً، أو ضلالاً أو رشاداً، أو
صحيحاً أو كذباً، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَنَّخَذُوَاْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدَاً لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ (4)﴾ [التوبة].
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم قال: زعم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن رسول الله وَ لفي قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى
عيسى بن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)) (١). ثم رواه هو وعلي بن المديني عن
سفيان بن عيينة، عن الزهري كذلك، وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا
رواه البخاري عن [الحميدي] (٢)، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: ((فإنما أنا عبد
فقولوا: عبد الله ورسوله))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني عن
أنس بن مالك أن رجلاً قال: يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا فقال
رسول الله يقول: ((أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهويكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح١٥٤)، وصححه محققه أحمد شاكر.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: ((الحيدي)) وهو تصحيف.
(٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذَكَّرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ ... ﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٤٥).

٢٨٣
• سُوَّرَةُ الْنِسَّاءِ (١٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ربك))(١) تفرد به من هذا
الوجه .
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا أَلْحَقَّ﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولداً،
تعالى الله ريت عن ذلك علواً كبيراً، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا
هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من
رسله وكلمته ألقاها إلى مريم، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليّا إلى مريم فنفخ فيها
من روحه بإذن ربه ريك، فكان عيسى بإذنه ربك، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها،
فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ومك، ولهذا قيل
لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي
قال له بها: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان، والروح التي أرسل بها جبريل قال الله تعالى: ﴿مَّا
الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ﴾
[المائدة: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنَ
فَيَكُونُ (®﴾ [آل عمران]. وقال تعالى: ﴿وَلَِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن زُوحِنَا وَحَعَلْنَهَا
وَآَيْنَهَآ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَمََّمَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ اُلِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا
(٣)﴾ [التحريم]، وقال تعالى إخباراً
فِيهِ مِن رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَلِينَ
الآية [الزخرف].
عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَحَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَلِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾ هو قوله:
﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال:
سمعت [شاذ](٣) بن يحيى يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهٌ﴾ قال: ليس
الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى (٤).
وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أعلمها بها، كما زعمه في
قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] أي: يعلمك بكلمة منه
ويجعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوْاْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةُ مِّن رَبِّكٌ﴾ [القصص:
٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى ـ
ـ *.
وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٣/٣)، وأخرجه ابن حبان من طريق حماد به (الإحسان ١٤/
١٣٣ ح ٦٢٤٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٩٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((ساد)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده إلى شاذ صحيح وإن كان مجهولاً كما في التقريب، وقد سأل أبو
داود الإمام أحمد فقال: عرفته، وذكره بخير (تهذيب التهذيب ٢٩٩/٤ - ٣٠٠).

٢٨٤
• سُورَةُ الْنِشَخَّاءِ (١٧١)
09900000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
هانئ، حدثنا جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي و 8 قال: ((من شهد أن
لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته
ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)).
وقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن جنادة زاد: ((من
أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)) (١)، وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد،
عن ابن جابر به (٢)، ومن وجه آخر عن الأوزاعي به(٣).
فقوله في الآية والحديث: ((وروح منه))، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
ج
: [الجاثية: ١٣] أي: من خلقه ومن عنده وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى - عليهم
لعائن الله المتتابعه - بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله:
﴿وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾ أي: ورسول منه (٤)، وقال غيره: ومحبة منه(٥)، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق
من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله
في قوله: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤] وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلَّآئِفِنَ﴾ [الحج: ٢٦] وكما
ورد (٦) في الحديث الصحيح: ((فأدخل على ربي في داره)) أضافها إليها إضافة تشريف، وهذا كله
من قبيل واحد ونمط واحد.
وقوله: ﴿فَامِنُواْ بِلَهِ وَرُسُلٍِّ﴾ أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا
وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَكَةٌ﴾ أي: لا تجعلوا عيسى
وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذه الآية كالتي في سورة المائدة حيث
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدُ﴾ [المائدة: ٧٣]
وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَمَّخِذُونِ وَأَبِّىَ
إَِهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ... ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال في أولها: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
قَالُوَاْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ
أَبَّنَ مَرْيَمَ وَأَمَهُ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعَأُ وَلِلَّهِ مُلْكُ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [المائدة]. فالنصارى عليهم [لعائن)(٧) الله من جهلهم ليس لهم
ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهاً، ومنهم من يعتقده
شريكاً، ومنهم من يعتقده ولداً، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة. ولقد
أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولاً .
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَخْلُواْ فِى
دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ح ٣٤٣٥).
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (ح٢٨).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً .
(٣) المصدر السابق بعد (ح٢٨).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شاذ بن يحيى عن يزيد بن هارون، وسنده حسن.
(٦) كذا في الأصل، وفي (مح): ((روي)) وما في الأصل أفصح.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((لعنة)).

٢٨٥
• سُوَرَّةُ النَّسَاءِ (١٧٢، ١٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بترك الإسكندرية في حدود سنة
أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي
لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم
اختلفوا عليه اختلافاً لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفاً، فكانوا أحزاباً كثيرة،
كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد
من ذلك وأنقص. فلما رأى منهم عصابة قد زادوا على الثلاثمائة بثمانية عشر نفر، وقد توافقوا
على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها، وكان فيلسوفاً داهية، ومحق ما عداها من الأقوال،
وانتظم دست أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتباً وقوانين،
وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار ليعتقدوها ويعمدونهم عليها وأتباع هؤلاء
هم الملكانية(١). ثم إنهم اجتمعوا مجمعاً ثانياً، فحدث فيهم اليعقوبية(٢)، ثم مجمعاً ثالثاً فحدث
فيهم النسطورية (٣)، وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح ويختلفون في كيفية ذلك،
وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا، أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه على
ثلاث مقالات وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ
خَيْرًّاً لَكُمْ﴾ أي: يكن خيراً لكم ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلَدٌ﴾ أي: تعالى
وتقدس عن ذلك علواً كبيراً ﴿لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِ وَكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: الجميع
ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف
يكون له منهم صاحبة وولد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَّ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ
وَلَّ تَكُنْ لَُّ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ
الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا (٨َ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ لَلْجِبَالُ هَذَّا
﴿ أَن دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَخِذَ وَلَدَّا ﴿﴿ إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ
ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿ لَقَدْ أَحْصَنُهُ وَعَدَّهُمْ عَدَّا ﴿ وَكُلُّهُمْ ءَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا (٥)﴾ [مريم].
] ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ
عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِ فَسَيَحْثُرُهُ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٨) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّذَلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ
وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَا أَلَّذِينَ أَسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ
اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا !
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، عن
عطاء، عن ابن عباس: قوله: ﴿أَّنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يستكبر (٤).
وقال قتادة: لن يحتشم ﴿اٌلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَبِّكَةُ الْمُرُّونَ﴾ (٥).
(١) تقدم تعريفها في تفسير الآيات ١٥٥ - ١٥٩ من هذه السورة.
(٢) (٣) تقدم تعريف هاتين الفرقتين كما سبق في الحاشية السابقة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٣٧).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

٢٨٦
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٧٤، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ﴿وَلَا
الْمَلَئِكَةُ الْقُرَّبُونَ﴾ وليس له في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن
الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا اُلْمَلَئِكَةُ
الْقُرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل: إنما ذكروا
لأنهم اتخذوا آلهة مع الله كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده وخلق من خلقه،
كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَّمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ،
مُشْفِقُونَ ﴿٨َ ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتِ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ. فَذَلِكَ تَجْزِيِهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ
٢٩
[الأنبياء]، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِّهِ، وَيَسْتَكْبِ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي: فيجمعهم
إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يحيف، ولهذا قال:
فَمَّا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾ أي: فيعطيهم من الثواب على
قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه.
وقد روى ابن مردويه من طريق بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن
[شقيق، عن عبد الله }(١) مرفوعاً، قال: قال رسول الله وَّهِ: ﴿فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾
قال: أجورهم ((أدخلهم الجنة)) ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾ قال: ((الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن
صنع إليهم المعروف في دنياهم)) (٢) وهذا إسناد لا يثبت. وإذا روي عن ابن مسعود موقوفاً (٣)،
فھو جید.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْتَنْكَفُواْ وَاسْتَكْبرُواْ﴾ أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك
﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكُْونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين حقيرين ذليلين كما كانوا
ممتنعین مستکبرین .
﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (29َ) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَللَّهِ
وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيِهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا
يقول تعالى مخاطباً جميع الناس ومخبراً بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع
للعذر والحجة المزيلة للشبهة، ولهذا قال: ﴿وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي: ضياء واضحاً على
الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن(٤).
﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة، والتوكل على الله في
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((شقيق بن عبد الله)) وهو تصحيف.
(٢) في سنده إسماعيل بن عبد الله الكندي ضعيف (ميزان الاعتدال ٢٣٥/١)، وضعف إسناده الحافظ ابن كثير.
(٣) أخرجه أبو نعيم من طريق الثوري عن شقيق به موقوفاً (حلية الأولياء ١٠٨/٤).
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد وهو ضعيف.

٢٨٧
• سُوَّرَةُ النَّسَاءِ (١٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جميع أمورهم، وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير(١)، ﴿فَسَيُّدِْلُهُمْ فِى
رَحْمٍَ مِّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة، ويزيدهم ثواباً ومضاعفة ورفعاً في درجاتهم من
فضله عليهم وإحسانه إليهم، ﴿وَيَهْدِهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقاً واضحاً قصداً قواماً لا
اعوجاج فيه ولا انحراف وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج
الاستقامة وطريق [السلامة](٢) في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله
المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور، عن علي بن أبي
طالب ظُه، عن النبي ◌َّ﴿ أنه قال: ((القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين)) وقد تقدم
الحديث بتمامه في أول التفسير(٣)، ولله الحمد والمنة.
- ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَّةِّ إِنِ أَمْرُؤْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا
تَرَكَّ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لََّا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَهُمَا الثُُّثَانِ مِمَّا نَرَهْ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةُ رِّجَالًا
وَنِسَآءُ فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ آلْأُنَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء
قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال:
سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل علي رسول الله وَل﴿ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب
علي، أو قال: صبوا عليه، فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله
آية الفرائض(٥)، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة(٦)، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن
عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وفي بعض الألفاظ فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ
اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَّةِ ... ) الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان، وقال أبو الزبير قال
- يعني جابراً -: نزلت فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ [فِ اَلْكَلَّةِ﴾ (٧).
وكأن معنى الكلام - والله أعلم - يستفتونك عن الكلالة ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾](٨) فيها، فدل
المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي
(١) أخرجه الطبري بالسند السابق.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((الاستقامة)).
(٣) تقدم في تفسير سورة الفاتحة آية ٦، لا يصح رفعه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَّةِ ... ﴾ [النساء:
١٧٦] ح ٤٦٠٥).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٨/٣)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، الوضوء، باب حب النبي وَ﴾ (ح١٩٤)، وصحيح مسلم، الفرائض، باب ميراث الكلالة
(ح ١٦١٦).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).

٢٨٨
• سُورَةُ النِّسَخَّاءِ (١٧٦)
يحيط بالرأس من جوانبه ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد ومن الناس
من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية ﴿إِنِ أُمُ ؤَا هَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وقد
أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبه، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه
قال: ثلاث وَددتُ أن رسول الله وَّ ر، كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد والكلالة
وأبواب من أبواب الربا(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي
الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله وَ له عن
شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: ((يكفيك آية الصيف التي
في آخر سورة النساء))(٢) هكذا رواه مختصراً، وأخرجه مسلم مطولاً أكثر من هذا(٣).
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك - يعني ابن مغول - يقول:
سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال: سألت رسول الله وَله عن الكلالة، فقال:
(يكفيك آية الصيف)) فقال: لأن أكون سألت رسول الله وَ ل زل عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر
النعم(٤). وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعاً بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه. وقال الإمام
أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: جاء
رجل إلى النبي * فسأله عن الكلالة، فقال: ((يكفيك آية الصيف))(٥). وهذا إسناد جيد، رواه
أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش به (٦).
وكأن المراد بآية الصيف أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم، ولما أرشده النبي وَلقد إلى
تفهمها، فإن فيها كفاية نسي أن يسأل النبي و لو عن معناها، ولهذا قال: فلأن أكون سألت
رسول الله ﴿ عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن
المسيب، قال: سأل عمر بن الخطاب النبي ◌ّفر عن الكلالة، فقال: ((أليس قد بيّن الله ذلك))
فنزلت ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ﴾(٧).
(١) صحيح البخاري، الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب (ح٥٥٨٨)، وصحيح
مسلم، التفسير، باب في نزول تحريم الخمر (ح ٣٠٣٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/١)، وسنده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، المساجد، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً ... (ح ٥٦٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/١)، وسنده ضعيف بسبب إبراهيم لم يسمع من عمر، ولشطره
الأول شاهد صحيح تقدم في الحاشية السابقة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٥١/٣٠ ح١٨٥٨٩)، وضعفه محققوه لأن سماع أبي بكر بن
عياش من أبي إسحاق السبيعي ليس بذاك القوي، ولكن الألباني صححه كما يلي.
(٦) سنن أبي داود، الفرائض، باب من كان ليس له ولد وله أخوات (ح٢٨٨٩)، وسنن الترمذي، تفسير سورة
النساء (ح٣٠٤٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٥١٢).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان.

٢٨٩
سُورَةِ النِّسَكَّاءِ (١٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال قتادة: وذُكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة
النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة
والإخوة من الأُم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب
والأُم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في
كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير(١).
ذكر الكلام على معناها :
وبالله المستعان وعليه التكلان. قوله تعالى: ﴿إِنِ آَمْرُؤَا هَلَكَ﴾ أي: مات، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ
شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّ وَجْهٌَ﴾ [القصص: ٨٨] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله رَمَ، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا
فَانٍ ﴿َ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَاَلْإِكْرَامِ (٣)﴾ [الرحمن].
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل
يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد
صحيح إليه، ولكن الذي يرجع إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه الذي لا ولد له ولا
والد، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَلَهُ{ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئاً
لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن ولا والد بالنص عند التأمل
أيضاً، لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مكحول وعطية
وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم، فأعطى الزوج النصف
والأخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول الله وَ لقر قضى بذلك(٢). تفرد به أحمد من
هذا الوجه، وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت:
ترك بنتاً وأختاً إنه لا شيء للأخت لقوله: ﴿إِنِ آَمُأ ◌َلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا
تَكَ﴾ (٣) قال: فإذا ترك بنتاً فقد ترك ولداً فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور(٤) فقالوا في هذه
المسألة: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب بدليل غير هذه الآية، وهذه
الآية نصت أن يفرض لها في هذه الصورة وأما وراثتها بالتعصيب فلما رواه البخاري من طريق
سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله وَله،
النصف للبنت والنصف للأخت، ثم قال سليمان: قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول الله وَليم (٥).
(١) أخرجه الطبري من طريق قتادة به، وسنده ضعيف للانقطاع بين قتادة وأبي بكر فإنه لم يسمع منه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٨/٥)، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن عبد الله وهو ابن
أبي مريم الغساني الشامي (التقريب ص٦٢٣).
(٣) ذكره الطبري من غير سند (التفسير ٤٤٣/٩)، ط. شاكر.
(٤) لا يمكن الجزم بمخالفة الجمهور إلى ابن عباس وابن الزبير إذا صح السند إليهما أو إلى أحدهما، وقد
روي بحذف السند.
(٥) أخرجه البخاري من طريق شعبة عن سليمان به (الصحيح، الفرائض، باب ميراث الأخوات مع البنات
عصبة ح٦٧٤١).

٢٩٠
• سُوَّرَةِ النِّسْئِّاءِ (١٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وفي صحيح البخاري أيضاً عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة
ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني، فسأل ابن
مسعود فأخبره بقول أبي موسى فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، أقضي
فيها بما قضى النبي ﴿ النصف للبنت، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت،
فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعودٍ فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم(١).
وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُن لََّا وَلَدٌ﴾ أي: والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت كلالة، وليس
لها ولد؛ أي: ولا والد، لأنها لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئاً، فإن فرض أن معه من له فرض
صرف إليه فرضه كزوج أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ لما ثبت في الصحيحين عن ابن
عباس أن رسول الله وسلم قال: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر))(٢).
وقوله: ﴿فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثَُُّانِ مِمَّا تَرَكْ﴾ أي: فإن كان لمن يموت كلالة أختان، فرض لهما
الثلثان وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن ههنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد
حكم الأخوات من البنات في قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].
وقوله: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلَّذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنَيْنِ﴾ هذا حكم العصبات من البنين
وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وقوله: ﴿يُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمُ﴾ أي: يفرض لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.
وقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّواْ﴾ أي: لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو
عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات
بحسب قربه من المتوفى.
وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن
سيرين قال: كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله صليفيه، ورأس راحلة
عمر عند ردف راحلة حذيفة، قال: ونزلت ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَّةِ﴾ فلمَّاها
رسولُ الله ﴿ حذيفةَ، فلقّاها حذيفةُ عمرَ، فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة فقال: والله
إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله وليله، فلقيتكها كما لقانيها رسول الله وَ﴾، والله
لا أزيدك عليها شيئاً أبداً، قال: فكان عمر يقول: اللهم إن كنت بينتها له، فإنها لم تبين لي،
كذا رواه ابن جرير(٣)، ورواه أيضاً عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن
أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه (٤)، وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة.
وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا يوسف بن حماد المعني
(١) أخرجه البخاري من طريق أبي قيس عن هُذيل به (الصحيح، الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة
ح ٦٧٣٦).
(٢) تقدم عزوه في الآية ٣٣ من هذه السورة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع بين محمد بن سيرين وحذيفة خًا، ومتنه فيه
نكارة في قول حذيفة لعمر: والله إنك لأحمق ...
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.

٢٩١
• سُوَرَّةُ النِّسَاءِ (١٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومحمد بن مرزوق قالا: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن
محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيقة، عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة على النبي ◌ٌَّ وهو
في مسير له فوقف النبي ◌َّل، وإذا هو بحذيفة وإذا رأس ناقة حذيفة عند ردف راحلة النبي وَل
فلقاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر ظُه فلقاها إياه فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة،
فدعا حذيفة فسأله عنها فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله وَيقر، فلقيتك كما لقاني رسول الله وَليل،
والله إني لصادق والله لا أزيدك شيئاً أبداً. ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحداً رواه إلا
حذيفة، ولا نعلم له طريقاً عن حذيفة إلا هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى(١).
وكذا رواه ابن مردويه من حديث عبد الأعلى(٢).
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن
المسيب أن عمرٍ سأل رسول الله وَّ﴿ كيف تورث الكلالة؟ قال: فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ
يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَةِ ... ﴾، قال: فكأن عمر لم يفهم، فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله وَليه
طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال: ((أبوك ذكر لك هذا، ما أرى
أباك يعلمها))، قال: فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها. وقد قال رسول الله ما قال(٣).
رواه ابن مردويه، ثم رواه من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس أن عمر أمر حفصة أن
تسأل النبي ﴿ عن الكلالة فأملاها عليها في كتف، فقال: ((من أمرك بهذا أعمر؟ ما أراه يقيمها
أو ما تكفيه آية الصيف)) قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] فلما سألوا رسول الله وَلو نزلت الآية التي هي خاتمة النساء،
فألقى عمر الكتف، كذا قال في هذا الحديث وهو مرسل(٤).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثام، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن
طارق بن شهاب، قال: أخذ عمر كتفاً وجمع أصحاب رسول الله وَّ ه ثم قال: لأقضين في
الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذٍ حية من البيت فتفرقوا، فقال: لو
أراد الله بك أن يتم هذا الأمر لأتمه(٥). وهذا إسناد صحيح.
وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: حدثنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، حدثنا
الهيثم بن خالد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت محمد بن
طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب، قال: لأن أكون سألت رسول الله وَ ل عن
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢٠٦) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبيدة بن
حذيفة، وثقه ابن حبان (المجمع ١٣/٧)، ولا يكفي توثيق ابن حبان في هذه الحالة، وقال الحافظ ابن
حجر: مقبول (التقريب ص٦٥٦)، وهذه الرواية ليست فيها النكارة المذكور سابقاً.
(٢) حکمه کسابقه.
(٣) أخرجه إسحاق بن راهوية عن جرير به (كما في المطالب العالية المسندة ١٤٥/٢ ح ١٥٥١)، وفي سنده
سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر.
(٤) أي طاوس لم يدرك عمر فالإسناد منقطع.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.

٢٩٢
• سُوَّرَةُ الْنِسَنَّاءِ (١٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثلاث أحب إلي من حمر النعم: من الخليفة بعده؟ وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة في أموالنا ولا
نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. ثم قال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم
يخرجاه(١). ثم روى بهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مرة، عن مرة، عن عمر،
قال: ثلاث لأن يكون النبي وَل فيه بينهن لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها: [الخلافة](٢) والكلالة،
والربا، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وبهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة
قال: سمعت سليمان الأحول يحدث عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت آخر الناس
عهداً بعمر، فسمعته يقول: ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له، ثم
قال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه(٣).
وهكذا رواه ابن مردويه من طريق زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، وسليمان الأحول عن
طاوس، عن ابن عباس، قال: كنت آخر الناس عهداً بعمر بن الخطاب، قال: اختلفت أنا وأبو
بكر في الكلالة والقول ما قلت، قال: وذكر أن عمر شرك بين الإخوة للأم والأب وبين الإخوة
للأم في الثلث إذا اجتمعوا، وخالفه أبو بكر طًا(٤). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا
محمد بن حميد [العمري](٥)، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر كتب في
الجد والكلالة كتاباً، فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت فيه خيراً فأمضه حتى إذا طعن،
دعا بكتاب فمحى، ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت كتاباً في الجد والكلالة،
وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه(٦).
قال ابن جرير: وقد روي عن عمر رُبه أنه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان
أبو بكر ◌ُه يقول: هو ما عدا الولد والوالد (٧). وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة
والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وقول
علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بيّن ذلك ووضحه في
قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيْهٌ﴾، ولله الحمد والمنّة.
(١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتعليقه وتعقبه الذهبي بقوله: بل ما خرجا لمحمد شيئاً ولا أدرك عمر
(المستدرك ٣٠٣/٢).
(٢) كذا في (حم) و(مح) والمستدرك، وفي الأصل: ((الحاقة)) وهو تصحيف.
(٣) أخرج الحاكم الروايتين وصححهما ووافقه الذهبي في كلتيهما (المستدرك ٢/ ٣٠٤).
(٤) في سنده زمعة بن صالح: ضعيف (التقريب ص٢١٧).
(٥) اختلف في سماعه من عمر، والراجح أنه سمع منه قليلاً.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر، والراجح أنه سمع
منه قليلاً.
(٧) تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَّ﴾ [النساء: ١٢].

٢٩٣
• سُورَةُ القَائِدَة
000000900000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
00
47 00000
سُورَةُ المَائِدَة
وهي مدنية
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شهر بن
حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله وَّهر، إذ نزلت
عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عَضُد الناقة(١).
وروى ابن مردويه من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الأحول، قال: حدثتني أم عمرو،
عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله وَّر، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عُنق الراحلة من
ثقلها(٢
وقال أحمد أيضاً: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله عن أبي
عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: أنزلت على رسول الله ◌َ و سورة المائدة وهو
راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها، تفرد به أحمد(٣).
وقد روى الترمذي عن قتيبة، عن عبد الله بن وهب، عن حُبي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن
عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد
روي عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ [النصر](٤).
وقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي، ثم
قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(٥).
وقال الحاكم أيضاً: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن نصر، قال: قرئ
على عبد الله بن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن أبي [الزاهرية](٦)، عن جبير بن نفير، قال:
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٥٧/٤٥ ح ٢٧٥٧٥)، وضعفه محققوه بسبب ليث وهو ابن أبي
سليم وشهر بن حوشب ثم بالشواهد حكموا عليه بأنه حسن لغيره. وستأتي شواهده في الروايات التالية:
(٢) أخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان عن عاصم الأحول به (دلائل النبوة ١٤٥/٧)، ويشهد له
الروايات اللاحقة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٨/١١ ح٦٦٤٣)، وقال محققوه: حسن لغيره. قال السندي:
وحدوث الثقل فيه وهو عند نزول القرآن معلوم من الأحاديث الصحاح.
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه لكن بدون ذكر (الفتح)) (السنن التفسير، باب ومن سورة المائدة ح٣٠٦٣)،
لكن في نسخة المباركفوري بذكر الفتح (تحفة الأحوذي ٤٣٦/٨)، والمراد بالفتح هنا أي سورة النصر،
لأن سورة الفتح ليست من آخر ما نزل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي كما سيأتي عزوه.
(٥) المستدرك ٣١١/٢.
(٦) كذا في (حم) و(مح) والمستدرك، وفي الأصل: ((الزاهوية))، وهو تصحيف.

٢٩٤
سُوَدَّةُ المَائِدَة (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما إنها
آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، ثم
قال: صحيح على شرط الشيخين، لم يخرجاه (١)، ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن
مهدي، عن معاوية بن صالح، وزاد: وسألتها عن خُلُق رسول الله وَّر فقالت: القرآن. ورواه
النسائي من حديث ابن مهدي(٢).
بسم الله الرحمن الرحيم
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُوَّدٍ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِىِ
الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُمُ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تُحِلُّواْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا
الْمَدْىَ وَلَا الْقَلَيِدَ وَلَ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّيِهِمْ وَرِضْوَنًا وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شَتَكَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواُ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىْ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ
وَأَلْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ الَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا
مسعر، حدثني معن [وعوف](٣) أو أحدهما، أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي،
فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر
ینھی عنه (٤).
وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا الوليد، حدثنا
الأوزاعي، عن الزهري، قال: إذا قال الله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ افعلوا، فالنبي ◌َِّ منهم(٥).
وحدثنا أحمد بن سنان، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن خيثمة قال: كل شيء في
القرآن ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فهو في التوراة يا أيها المساكين(٦).
فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية يعني ابن هشام، عن
عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلا أن علياً سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي وَلّ أحد إلا قد
عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتب في شيء منه (٧). فهو أثر غريب، ولفظه
فيه نكارة، وفي إسناده نظر.
(١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتصحيحه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١١/٢).
(٢) المسند ١٨٨/٦، والسنن الكبرى (ح١١١٣٨).
(٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((عوان)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه (التفسير سورة الأنفال آية ١٥)، وسنده منقطع لأن معنا وعوفاً لم يسمعا
من ابن مسعود.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم کسابقه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه كسابقه، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم كسابقه. وضعفه الحافظ ابن كثير سنداً ومتناً.

٢٩٥
سُورَةُ المَائِدَة (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر، قلت: وعلي بن بذيمة وإن كان
ثقة إلا أنه شيعي غال، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل، وقوله: فلم يبق أحد من الصحابة
إلا عوتب في القرآن إلا علياً، إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد
ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي، ونزل قوله: ﴿وَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَكُمْ صَدَقَنَّ
فَإِذْ لَـ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]، وفي كون هذا عتاباً نظر، فإنه قد قيل: إن
الأمر كان ندباً لا إيجاباً، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم يصدر من أحد منهم خلافه،
وقوله: عن علي أنه لم يعاتب في شيء من القرآن فيه نظر أيضاً، فإن الآية التي في الأنفال التي
فيها المعاتبة على أخذ الفداء، عمَّت جميع من أشار بأخذه ولم يسلم منها إلا عمر بن
الخطاب ظ ◌ُته، فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس قال:
قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ( 8 الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى
نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه «هذا بيان من الله ورسوله ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَوْفُواْ بِاَلْعُقُودٍ﴾ فكتب الآيات منها حتى بلغ ﴿إِنَ اَللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]))(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق،
حدثني عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله وَله
عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم،
فكتب له كتاباً وعهداً، وأمره فيه بأمره، فكتب ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله
ورسوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ عهد من محمد رسول الله وَّ لعمرو بن حزم حين
بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون))(٢).
قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود(٣).
وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك، قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره (٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ يعني:
العهود، يعني: ما أحلّ الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا،
ثم شدّد في ذلك فقال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيْتَغِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ- أَنْ
يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوَّهُ الدَّارِ﴾(٥) [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ قال: ما أحلّ الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من
أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام(٦).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٢) سنده مرسل لأن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من صغار التابعين.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) ذكره الطبري كسابقه.
(٦) يشهد له سابقه عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري كسابقه.

٢٩٦
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وقال زيد بن أسلم: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة،
وعقد البيع، وعقد النكاح وعقد اليمين(١).
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة(٢). وقد استدل بعض
من ذهب إلى أنه لا خيار في [مجلس] (٣) البيع بهذه الآية ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ قال: فهذه تدل على لزوم
العقد وثبوته فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك
الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال
رسول الله ير: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) (٤) وفي لفظ آخر للبخاري ((إذا تبايع الرجلان فكل
واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا))(٥) وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع،
وليس هذا منافياً للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعاً، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنَّعَمِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، قاله الحسن وقتادة وغير
واحد.
قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه
الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتاً في بطن أمه إذا ذبحت.
وقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق مجالد، عن
أبي الوداك [جبر بن نوف] (٦)، عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة
أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: ((كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أُمه))
وقال الترمذي: حديث حسن(٧).
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عتاب بن
بشير، حدثنا [عبيد الله](٨) بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله،
عن رسول الله وَلفر، قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أُمه))(٩) تفرد به أبو داود.
(١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن،
ويشهد له قول ابن عباس المتقدم.
(٢) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب وسنده ضعيف لضعف موسى، ويشهد له قول
ابن عباس المتقدم.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وسقط من الأصل.
(٤) صحيح البخاري، البيوع، باب إذ لم يوقت الخيار هل يجوز البيع (ح٢١٠٩).
(٥) صحيح البخاري، البيوع، باب إذ خير أحدهما (ح٢١١٢).
(٦) كذا في (حم) والتخريج، وفي الأصل (ومح): ((حُييّ بن نوف)) وهو تصحيف.
(٧) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين (ح٢٨٢٧)، وسنن الترمذي، الأطعمة، باب ما
جاء في ذكاة الجنين (ح١٤٧٦)، وقال هذا حديث حسن صحيح، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب ذكاة
الجنين ذكاة أمه (ح٣١٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٤٥١).
(٨) كذا في (حم) و(مح) والتخريج وهو الصواب، وفي الأصل: ((عبيد)).
(٩) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٢٨٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح٢٤٥٢).

٢٩٧
• سُورَةُ المَائِدَةِ (١، ٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم
ولحم الخنزير(١).
وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه (٢).
والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ
لِغَيْرِ اُللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِّقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] فإن هذه وإن كانت
من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:
٣] يعني: منها فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.
وقوله تعالى: ﴿غَيَرَ مُحِلّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُمُ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال والمراد
بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، ويعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى
من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل: المراد أحللنا لكم الأنعام، إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد، وهو حرام
لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطَُّّ عَرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] أي: أبحنا تناول
الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا ههنا؛ أي: كما أحللنا الأنعام في
جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع
ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك
(٣)
الحج(٣).
وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي والبُدن من شعائر الله(٤). وقيل: شعائر الله محارمه؛
أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني بذلك
تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب
المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيَةٌ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ الَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُّ فَلَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٦].
وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله وَلاير قال في حجة الوداع: ((إن الزمان قد
استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث
متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان))(٥) وهذا يدل
على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) صحيح البخاري، التفسير، سورة براءة، باب ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ... ﴾ [التوبة:
٣٦] (ح ٤٦٦٢).

٢٩٨
سُورَةُ المَائِدَةِ (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿ّ في قوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني: لا
تستحلوا القتال فيه (١)، وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن
جرير أيضاً .
وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا
بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والمراد أشهر
التسيير الأربعة، قالوا: فلم يستثن شهراً حراماً من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع
على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك
أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء(٢) جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له
أماناً من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان، ولهذه المسألة بحث آخر له
موضع أبسط من هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْىَ وَلَا الْقَلَتِدَ﴾ يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه
تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها
هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى
هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج
رسول الله وَل﴿، بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعاً، ثم
اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل للحج والعمرة(٣)، وكان هديه إبلاً
كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ
[الحج] وقال بعض السلف إعظامها استحسانها واستسمانها.
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ
قال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله وَ ﴿ أن نستشرف العين والأذن، رواه أهل السنن (٤).
وقال مقاتل بن حيان: وقوله: ﴿وَلَا الْقَلَئِدَ﴾ فلا تستحلوها وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من
أوطانهم في غير الأشهر الحرم، قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر وتقلد مشركوا الحرم من لحاء شجر
الحرم فيأمنون به، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان،
قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن
عباس ﴿ًا، قال: نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله: ﴿فَإِن جَآَمُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ
أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢](٥) وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا محمد بن
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أي قشر الشجر (النهاية ٢٤٣/٤).
(٣) أخرجه البخاري من حديث عروة بن الزبير والمسور بن مخرمة ومروان وعائشة بنحوه (الصحيح، الحج،
باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ... ح١٦٩٤ و١٦٩٥ و١٦٩٦).
(٤) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (ح٢٨٠٤)، وسنن الترمذي، الأضاحي، باب ما
يكره من الأضاحي (ح١٤٩٨)، وقال حسن صحيح وبين معنى نستشرف أي: ننظر صحيحاً، وسنن
النسائي، كتاب الأضاحي، باب المقابلة وهي ما قطع طرف أذنها ٢١٦/٧، وسنن ابن ماجه، الأضاحي،
باب ما يكره أن يضحى به (ح٣١٤٣)، وقال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح٢٥٤٤).
(٥) سنده صحيح، وهذه الرواية وسابقتها إلى الآية ٤٠ من هذه السورة من الجزء المفقود من تفسير ابن أبي حاتم.

·
◌ُورَةُ القَائِدَةِ (٢،١)
٢٩٩
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبي عدي، عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا(١). وقال
عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون فنهى الله عن قطع شجره وكذا قال مطرف بن
عبد الله(٢).
وقوله تعالى: ﴿ وَلَّ ءَآَمِيْنَ اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَنًا﴾ أي: ولا تستحلوا قتال
القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً وكذا من قصده طالباً فضل الله وراغباً في
رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس
ومقاتل بن حيان وقتادة وغير واحد في قوله: ﴿يَبْنَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّتِهِمْ﴾ يعني بذلك التجارة(٣)،
وهذا كما تقدمٍ في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
وقوله: ﴿وَرِضْوَنًا﴾ قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم(٤).
وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جريج أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري كان قد
أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن
يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله وَك: ﴿ وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِم
وَرِضْوَنَا﴾(٥).
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أم البيت
الحرام أو بيت المقدس وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم - والله أعلم - فأما من قصده بالإلحاد
فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّمَا أَلْمُشْرِكُونَ نَسُ فَلَ
يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله وَّةٍ عام تسع لما أمّر
الصديق على الحجيج علياً وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله وَله ببراءة، وأن لا
يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان(٦).
وقال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَآ ءَِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني: من توجه قبل البيت
الحرام فكان المؤمنون والمشركون يحجون فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً منٍ مؤمن أو كافر
ثم أنزل الله بعدها ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة:
(١) سنده صحيح.
(٢) قول عطاء ومطرف بن عبد الله الشخير أخرجهما الطبري والسند الأول فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد
الرازي والسند الآخر فيه سفيان بن وكيع، وكلاهما ضعيف.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح من طريق معمر عنه، وقول مطرف بن عبد الله أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع: وهو
سفيان : ضعيف.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسندضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ولقبه سُنيد: ضعيف وكذلك الإسناد معضل لأن ابن
جريج من اتباع التابعين.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، تفسير سورة التوبة (باب وآذان من الله ورسوله ... )) (ح٤٦٥٥).

٣٠٠
• سُؤَدَّةُ القَائِدَةِ (١، ٢)
00000000000000000000000000000000 000 000000 000 000 000000 000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ
اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام(١).
وَلَا الْقَلَبِدَ وَلَآ ءَآتِيْنَ أَلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال:
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله:
منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر فلم يعرض له
أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد، وكان [المشرك}(٢) يومئذٍ لا يُصد عن
البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها قوله: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(٣) [التوبة: ٥].
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿وَلَا الْقَلَيِدَ﴾ يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم
فأمّنوهم، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر(٤):
ألم تَقتلا الحِرْجين إذ أعورا لكم يُمرَّان بالأيدي اللّحاء المضفّرا(٥)
جے
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما
كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد وهذا أمر بعد الحظر والصحيح الذي يثبت على
السير، أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده واجباً وإن كان مستحباً
فمستحب أو مباحاً فمباح، ومن قال: إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه
للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض
علماء الأصول، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ﴾ من القراء من قرأ
﴿أَنَ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الألف من أن (٦)، ومعناها ظاهر؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا
صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم
فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه
الآية كما سيأتي من قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىَّ﴾
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير عبد الرزاق، وفي الأصل: (المشركون)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وسنده صحيح.
(٤) هو حذيفة بن أنس الهذلي كما صرح الأستاذ محمود شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري معتمداً على كتاب
أشعار الهذليين ١٩/٣.
(٥) هذا البيت استشهد به الطبري في تفسيره وبين معنى (الحرجين)) أي: المقتولين، ومعنى قوله: (أعوراكم))
أي: أمكناكم من عورتهما. وقال محمود شاكر: والحرج بكسر الحاء وسكون الراء، الودعة قالوا: عنى
بالحرجين: رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن
شرفهما ... واللحاء: قشر الشجر، والمضفر: الذي جدل ضفائر .. وذكر سبب الشعر أن جُندباً أخو
البريق بن عياض اللحياني قتل قيساً وسالماً ابني عامر بن عريب الكنانيين، وقتل سالم جُنْدباً، اختلفا
ضربتين. (حاشية تفسير الطبري ٩/ ٤٧٠).
(٦) هذه قراءة متواترة وكذلك قراءة (إن)).