Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
• سُورَةُ النِّسَاءِ (١٤١)
42 ﴿الَّذِينَ يَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اَللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ
نَصِيبٌ قَالُوَأْ أَلَ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَّ ◌َاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى المُؤْمِينَ سَبِيلًا
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم
وظهور الكفر عليهم وذهاب ملتهم، ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة
﴿قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ نَصِيبٌ﴾
أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أُحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها
العاقبة ﴿قَالُواْ أَلَ نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْتَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم
خبالاً وتخذیلاً حتى انتصرتم علیهم.
وقال السدي: ﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ تغلب عليكم(١). كقوله: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة:
١٩] وهذا أيضاً تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم ويأمنوا
كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة إيقانهم.
قال تعالى: ﴿فَلَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي: بما يعلمه منكم أيها المنافقون من البواطن
الرديئة. فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهراً في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من
الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور.
وقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن
الأعمش، [عن ذر، عن سبيع](٢) الكندي، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف
هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؟ فقال علي ◌َُّه: أدنه أدنه، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ يَوْمَ اٌلْقِيَّمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(٣). وكذا روى ابن جريج عن عطاء
الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، قال: ذاك يوم القيامة،
وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي، يعني: يوم القيامة (٤).
وقال السدي: ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: حجة(٥)، ويحتمل أن يكون المعنى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى
اٌلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر
في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴿٨ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الَّلِينَ
مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾﴾﴾ [غافر]، وعلى هذا يكون رداً على المنافقين فيما
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((عن ذريع)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الثوري عن الأعمش به (التفسير ص٩٨)، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٠٩/٢).
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف للانقطاع بين عطاء الخراساني وابن عباس، ويشهد
له سابقه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق أسباط عن السدي.
٢٤٢
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٤١)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أملوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين خوفاً على
أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَىَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
◌َّرَضَُّ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَوَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآَ
أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ
(له) ﴾ [المائدة].
وقد استدل كثير من الفقهاء بهذا الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع
العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم
بالصحة، يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَپيلًا﴾ .
﴿ ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ اَلنَّاسَ
مُذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَّ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَّ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِّدَ لَهُ
وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلَّ قَلِيلًا
سَبِيلًا
قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٩]، وقال
ههنا: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اَللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ ولا شك أن الله لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر
والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم [يعتقدون](١) أن أمرهم كما راج عند
الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهراً، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة وأن أمرهم
يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة
والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ حَمِيعًا فَْلِفُونَ لَهُ كَمَا
﴾ [المجادلة]، وقوله: ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ أي:
يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ
هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك
يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَفْتِسْ مِن ◌ُّورِكُمْ قِيلَ
ارْجِعُواْ وَرَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَُّ بَابُ بَاِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ
تَكُنْ مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَرَضْتُمْ وَأَرْبَّبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّ جَّةَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ
اٌلْغَرُ ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارِّ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِبُ
١٥)
[الحديد].
وقد ورد في الحديث: ((من سمّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به))(٢). وفي حديث آخر:
((إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار)) عياذاً بالله من ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُّوْاْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُزَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُونَ اللَّهُ إِلََّّ قَلِيلًا﴾ هذه صفة
المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا إليها، قاموا وهم
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((يعتذرون)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث جندب بن عبد الله ظنه (صحيح البخاري، الرقاق، باب الرياء والسمعة
ح٦٤٩٩)، وصحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (ح٢٩٨٦).
٢٤٣
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٤٢، ١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما
روى ابن مردويه من طريق عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي
رباح، عن ابن عباس، قال: يُكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها
طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله وإن الله تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه،
ثم يتلو هذه الآية ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾(١). وروي من غير هذا الوجه عن ابن
عباس نحوه.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم كما قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ
الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُرَآءُونَ
النَّاسَ﴾ أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة،
ولهذا يتخلفون كثيراً عن الصلاة التي لا يرون فيها غالباً كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة
الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَلقال قال: ((أثقل الصلاة على
المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن
آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب
إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار))(٢). وفي رواية: ((والذي نفسي بيده، لو
علم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من
النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار))(٣).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي بكر المقدمي، حدثنا محمد بن دينار،
عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَّر: ((من أحسن
الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ريات)) (٤).
وقوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون بل هم
في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.
وقد روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال
رسول الله وَيقول: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، [تلك صلاة المنافق](٥) يجلس يرقب
الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً))(٦)، وكذا
رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر [المدني](٧)، عن العلاء بن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك الحنفي عن ابن عباس مختصراً، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل العشاء في الجماعة ح ٦٥٧)،
وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة (ح٦٥١).
(٣) صحيح البخاري، الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة (ح ٦٤٤)
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٥٤/٩ ح٥١١٧)، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري.
(٥) زيادة من (حم) و(مح) والتخريج.
(٦) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الصلاة، باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ١/
٢٢٠)، وسنده صحيح.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((المزني)) وهو تصحيف.
٢٤٤
• سُوَّرَةُ النِّسَخَاءِ (١٤٢، ١٤٣)
عبد الرحمن به، وقال الترمذي: حسن صحيح(١).
وقوله: ﴿مُذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان
والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع
المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى
أولئك ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٠]، وقال مجاهد:
﴿مُذَبّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَّ إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يعني: أصحاب محمد بََّ ﴿وَلَا إِلَى هَؤُّلاَءِ﴾ يعني: اليهود(٢).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن
ابن عمر، عن النبي ◌ّلر قال: ((مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة
وإلى هذه مرة ولا تدري أيتهما تتبع)) (٣)، تفرد به مسلم(٤)، فرواه عن محمد بن المثنى، وقال ابن
جرير: وحدثنا محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب فوقف به على ابن عمر ولم يرفعه،
قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين كذلك(٥).
قلت: وقد رواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف، عن عبيد الله، [وكذا رواه إسماعيل بن
عياش، وعلي بن عاصم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً](٦)، وكذا رواه عثمان بن
محمد بن أبي شيبة، عن عبدة، عن عبيد الله به مرفوعاً، ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله أو
عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً. ورواه أيضاً صخر بن جويرية، عن نافع، عن
ابن عمر، عن النبي ◌َّ بمثله(٧).
وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا الهذيل بن بلال، عن ابن عبيد أنه جلس
ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، فقال أبى: قال رسول الله ◌َ: ((إن مثل المنافق يوم
القيامة كالشاة بين الربيضين من الغنم، إن أتت هؤلاء نطحتها، وإن أتت هؤلاء نطحتها)) فقال له
ابن عمر: كذبت، فأثنى القوم على أبي خيراً أو معروفاً، فقال ابن عمر: ما أظن صاحبكم إلا
كما تقولون، ولكني شاهدي الله إذ قال: ((كالشاة بين الغنمين))، فقال: هو سواء، فقال: هكذا
(٨)
سمعته(٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: بينما
عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير: قال رسول الله وَيقول: ((مثل
المنافق كالشاة بين ربيضين، إذا أتت هؤلاء نطحتها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها))، فقال ابن عمير:
(١) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب التبكير بالعصر (ح٦٢٢)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء
في تعجيل العصر (ح١٦٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم (ح ٢٧٨٤).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومته، وقد ثبت مرفوعاً كما تقدم.
(٧) المسند ٩/ ٩٩ (ح٥٠٧٩)، وصححه محققوه.
(٦) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٧/٩ ح٥٣٥٩)، وضعفه محققوه بسبب ضعف الهذيل بن
بلال، ولشطره الأول شاهد صحيح تقدم.
٢٤٥
ـةِ النساءِ (١٤٢، ١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ليس كذلك، إنما قال رسول الله وَله: ((كشاة بين غنمين))، قال: فاحتفظ الشيخ وغضب، فلما
رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردّ ذلك عليك(١).
(طريقة أخرى عن ابن عمر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا [معمر](٢)، عن
عثمان بن بودويه، عن يَعفُر بن رَوذي، قال: سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول: قال
رسول الله : ((مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين))، فقال ابن عمر: ويلكم لا تكذبوا
على رسول الله وَلقول، إنما قال رسول الله وَليقول: ((مثل المنافق كمثل الشاة [العائرة](٣) بين الغنمين))(٤)،
ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
أبي الأحوص، عن عبد الله - هو ابن مسعود -، قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر
انتهوا إلى واد، فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على
شفير الوادي: ويلك أين تذهب إلى الهلكة، ارجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم إلى
النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاء سيل فأغرقه، فالذي عبر هو المؤمن،
والذي غرق المنافق ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءٍ﴾، والذي مكث الكافر(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن قتادة: ﴿مُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى
هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَى هَؤُلاءٍ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك، قال: وذكر
لنا أن نبي الله وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمنين وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر
فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر، أن هلم إلي
فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحصي له ما عنده، فما زال
المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه آذيُّ(٦) فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى
عليه الموت وهو كذلك، قال: وذكر لنا أن نبي الله وعليه كان يقول: ((مثل المنافق كمثل ثاغية (٧)
بين غنمين، رأت غنماً على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنماً على نشر فأتتها
فشامّتها (٨) فلم تعرف))(٩)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: ومن
صرفه عن طريق الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] فإنه من يضلل الله فلا هادي له،
والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل الله فلا هادي لهم ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا
معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يُسألون.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٧٦/٨ ح ٤٨٧٢)، وضعفه محققوه لأن المسعودي اختلط وسماع
يزيد وهو ابن هارون بعد الاختلاط ويشهد له ما سبق.
(٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((عمر)) وهو تصحيف.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((الناعرة)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٣/٩ ح ٥٦١٠)، وضعفه محققوه بسبب سكوت النقاد عن
يَعفُّر.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٧) ثغت الشاة: أي صاحت.
(٦) أي الموج الشديد.
(٨) شامتها: دنت إليها وشمتها لتعرف أهي أخواتها أم غيرها. قاله أحمد شاكر في حاشية الطبري.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة لكنه مرسل.
٢٤٦
• سُوَّرَّةُ الْنِسَخَاءِ (١٤٤، ١٤٧)
] ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَتْرِدُونَ أَنْ تَّجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ
سُلْطَانًا مُبِينًا ﴿﴿ إِنَّ الْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (٣٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
مَّا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ يعني: مصاحبتهم
ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال
تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَنْ
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه،
ولهذا قال ههنا: ﴿أَتْرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن
عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال: كل سلطان في القرآن
حجة(١). وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب
ـى(٢)](٣) .
القرظي والضحاك والسدي [والنضر بن عربي
ثم أخبرنا تعالى ﴿إِنَّ اٌلْتُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم
الغليظ .
قال الوالبي، عن ابن عباس: ﴿فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: في أسفل النار(٤). وقال
غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات.
وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة ﴿إِنَّ اٌلْتُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم، كذا رواه ابن جرير عن ابن وكيع، عن يحيى بن
يمان، عن سفيان الثوري به(٥) .
ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن
عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: الدرك
الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم (٦).
قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن
خيثمة، عن عبد الله - يعني: ابن مسعود - ﴿إِنَّ اٌلْتُفِقِينَ فِي الدَّرّكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في
(٧)
توابيت من نار تطبق عليهم
.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.
(٢) ذكرهم ابن كثير بحذف السند، وأخرج الطبري بعض الآثار بأسانيد ثابتة.
(٣) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل و(مح): ((النضر بن عدي)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن ابن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان ضعيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
٢٤٧
سُورَةُ الْنِسَاءِ (١٤٨، ١٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة،
عن ابن مسعود ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة
عليهم(١). ومعنى قوله: مبهمة؛ أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها .
وروى ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن
زيد، عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت
من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار(٢). ﴿وَلَنَ تَجِّدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: ينقذهم مما هم فيه
ويخرجهم من أليم العذاب.
ثم أخبر تعالى أن من تاب منهم في الدنيا، تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح
عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ
وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: بدلوا الرياء بالإخلاص فينفعهم العمل الصالح وإن قل.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن
أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل أن
رسول الله وَ * قال: ((أخلص دينك يكفك القليل من العمل))(٣).
﴿ فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثم
قال تعالى مخبراً عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ
اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا
عَلِيمًا﴾ أي: من شكر شكر له، ومن آمن قلبه به علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.
{ لَا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالشُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴿ إِن نُبْدُواْ
خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوٍّ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا
قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية يقول: لا يحب الله يدعو أحد على أحد إلا أن
يكون مظلوماً فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمْ﴾ وإن صبر
فهو خير له(٤) .
وقال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن [معاذ] (6) حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء،
عن عائشة، قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النبي ◌َّ: ((لا تُسَبّخي(٦) عنه))(٧)،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف وقد تابعه سلمة بن
كهيل في الرواية السابقة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عمرو بن مرة لم يسمع من معاذ (المراسيل لابن أبي
حاتم ص١٤٧).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((معقل)) وهو تصحيف.
(٦) أي: لا تخففي عنه إثم السرقة والعقوبة بدعائك عليه (المسند ٢١٥/٤٠).
(٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب فمن دعا على من ظلم ح ٤٩٠٩)، وسنده ضعيف لأن =
٢٤٨
سُورَةُ الْسَاءِ (١٤٨، ١٤٩)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه(١)، وفي
رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه(٢).
وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن
افترى عليك فلا تفترٍ عليه، لقوله: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ غُلِّمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَهِم مِّن سَبِيلٍ
٤١
[الشورى](٣).
وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي
هريرة أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((المستّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم)) (٤).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ
مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾ قال: ضاف رجل رجلاً فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس
فقال: ضفت فلاناً فلم يؤد إلي حق ضيافتي، قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم
حتى يؤدي الآخر إليه حق ضيافته(٥).
وقال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ
ظُلِ﴾ قال: قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم
يحسن(٦). وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول(٧)، وكذا
روي عن غير واحد عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي من طريق
الليث بن سعد، والترمذي من حديث ابن لهيعة، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير
مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر، قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا
يقرونا، فما ترى في ذلك؟ فقال: ((إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم،
وإن لم تفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم)) (٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث عن
= حبيباً وهو: ابن أبي ثابت روى عن عطاء أحاديث لم يتابع عليها وهذا الحديث منها كما قرر العقيلي في
الضعفاء ٢٦٣/١.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس بن عبيد البصري عن الحسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن، وإسماعيل ضعيف. والصحيح
الرواية السابقة .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم.
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب المستبان ح٤٨٩٤)، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من
طريق العلاء به (الصحيح، البر والصلة، باب النهي عن السباب ح ٢٥٨٧).
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف المثنى بن الصباح ولكنه توبع في تفسير الطبري
وابن أبي حاتم فيكون حسناً لغيره.
(٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، ولم يصرح ابن إسحاق بالسماع ويشهد له سابقه.
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وحكمه كسابقه.
(٨) صحيح البخاري، المظالم، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه (ح٢٤٦١)، وصحيح مسلم، اللقطة،
باب الضيافة (ح١٧٢٧).
٢٤٩
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٤٨، ١٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي كريمة، عن النبي وسلم أنه قال: ((أيما مسلم ضاف قوماً
فأصبح الضيف محروماً، فإن حقاً على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله))(١).
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد أيضاً: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي، عن المقدام
أبي كريمة، سمع رسول الله وَل يقول: ((ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه
محروماً كان ديناً عليه، فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه))(٢). ثم رواه أيضاً عن غندر، عن شعبة،
وعن زياد بن عبد الله البكائي، وعن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور
به، وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عوانة عن منصور به(٣).
ومن هذه الأحاديث وأمثالها، ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل
الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى،
حدثنا محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي (وَله، فقال: إن لي جاراً
يؤذيني، فقال له: ((أخرج متاعك فضعه على الطريق))، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق،
فكل من مر به قال: ما لك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم آخزه، قال: فقال
الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبداً (٤)، وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي
توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان به(٥)، ثم
قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله،
عن النبي ◌َّ، ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي وَلايَ(٦).
وقوله: ﴿إِن نُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّا قَدِيرًا (٣)﴾ أي: إن تظهروا
أيها الناس خيراً أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل
ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ
اَللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك
على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك، وفي الحديث
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٣/٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٥٪
١٠٨).
(٢) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ١٣٠/٤)، وأخرجه أبو داود من طريق منصور به (السنن، الأطعمة،
باب ما جاء في الضيافة ح ٣٧٥٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٥٠).
(٣) المسند ١٣٠/٤ - ١٣٣، وسنن أبي داود، الحديث السابق (ح ٣٧٥٠).
(٤) أخرجه البخاري من طريق صفوان بن عيسى به (الأدب المفرد ح١٢٤)، ومن الطريق نفسه أخرجه الحاكم
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٦٥/٤)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح الأدب المفرد ح ٩٢).
(٥) السنن، الأدب، باب حق الجوار (ح٥١٥٣). وقال الألباني أيضاً: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود
ح ٤٢٩٢).
(٦) أخرجه البزار (كما في كشف الأستار ح١٩٠٣) قال الهيثمي: فيه أبو عمر المنيهي تفرد عنه شريك (مجمع
الزوائد ١٧٣/٨)، ويشهد له ما تقدم عن أبي هريرة وقد أخرجه الحاكم أيضاً من طريق أبي عمر به
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٦٦/٤).
٢٥٠
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٥٢،١٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصحيح: ((ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبداً بِعَفْوٍ إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه))(١).
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ. وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ
بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيِّنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ
لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا
﴾ .
أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله، من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في
الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم لا عن
دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود - عليهم
لعائن الله - آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء
وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد رَير، والسامرة لا يؤمنون بنبيّ بعد يوشع خليفة موسى بن عمران،
والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له: زرادشت، ثم كفروا بشرعه فرفع من بين
أظهرهم، والله أعلم، والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان
واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبين أن
إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ
بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي في الإيمان، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ
ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقاً ومسلكاً، ثم أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً﴾ أي:
كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به، لأنه ليس شرعياً إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه
رسول الله، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلاً وأقوى برهاناً منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.
وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم
فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه،
وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله كلخير
حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله
عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَانَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ
اللّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾
يعني: بذلك أمة محمد ◌َّل، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال
تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِّكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ
(19)﴾ [البقرة]، ثم أخبر
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ سَوْفَ
يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي: لذنوبهم؛ أي إن كان
لبعضهم ذنوب، والحمد لله.
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع ح٢٥٨٨).
٢٥١
• سُوَّرَةُ النِّسَّاءِ (١٥٣، ١٥٤)
- ﴿يَسْثَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّدمِقَةُ بِظُلْمِهِمّ ثُمَّ أَتَّخَذُواْ الْحِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيْنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ
وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنَّا قُبِينًا ﴿َ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُوَرَ بِمِثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًّا وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ
[١٥٤)
فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِشَقًّا غَلِفًا
.
قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله سير أن ينزل عليهم كتاباً
من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة (١).
قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفاً من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه
فيما جاءهم به(٢) .
وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير
ذلك كما هو مذكور في سورة سبحان ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ اْأَرْضِ يَنْبُوعًا
٩٠
الآية [الإسراء]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَنْهُمُ
الضَّرِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة، حيث
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَّ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّحِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(لة ﴾ [البقرة].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيْنَتُ﴾ أي: من بعدما رأوا من الآيات
الباهرة والأدلة القاهرة على يدي موسى معظل في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوهم فرعون
وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيراً، حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا
لموسى: ﴿أَجْعَل لَّ إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبِّرُ مَا هُمْ فِهِ وَطِلٌ مَّا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ الآيتين [الأعراف]، ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة
الأعراف، وفي سورة طه، بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله رم، ثم لما رجع وكان ما كان،
جعل [الله](٣) توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه، أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده،
فجعل يقتل بعضهم بعضاً، ثم أحياهم الله رَق، وقال الله تعالى: ﴿فَعَفَّوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى
سُأَنَّا مُّبِينًا﴾ ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُوَرَ بِمِئَةِهِمْ﴾ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام
التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى فُلَّا، ورفع الله على رؤوسهم جبلاً، ثم ألزموا
فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى:
﴿وَإِذْ نَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةِ ... ﴾ الآية [الأعراف:
١٧١]، ﴿ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سَُّدًا﴾ أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن
(١) قول محمد بن كعب أخرجه الطبري من طريق أبي معشر عنه وسنده مرسل وقول السدي أخرجه ابن أبي
حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن
أبي عروبة وهذه المراسيل الثلاثة يقوي بعضها بعضاً.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد ضعيف، وسنده معضل أيضاً وما تقدم
یشهد لشقه الأول.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.
٢٥٢
• سُورَةُ الْنِسَنَّاءِ (١٥٥، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يدخلوا باب بيت القدس سجداً وهم يقولون: حطة؛ أي: اللّهم حطّ عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد
ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة
في شعرة ﴿وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِ السَّبْتِ﴾ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم،
ما دام مشروعاً لهم ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِئَقًّا غَلِيًا﴾ أي: شديداً، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب
ما حرم الله ◌َ، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَسَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ أَلَتِى
كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ... ﴾ الآيات [الأعراف: ١٦٣]، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في
سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيْنَتِّ﴾ [الإسراء: ١٠١] وفيه: وعليكم خاصة
يهود أن لا تعدوا في السبت.
] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِثَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَّبِيَّةَ بِغَيْرِ حَقِّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَفُأْ بَلْ طَبَعَ
اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا (® وَقَوْلِهِمْ إِنَّا
فَثَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍّ
مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍَّ إِلَّا لَنْبَعَ الَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا ﴿ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
(٨٥٨)
٠
وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ اٌلْقِيَّمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
وهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو
نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله؛ أي: حججه وبراهينه،
والمعجزات التي شاهدوها على يدي الأنبياء :﴿، قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَثِيَّءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة
إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمعاً غفيراً من الأنبياء لها. وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا
غُلْفُأَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي في
غطاء(١).
وهذا كقول المشركين ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيَّهِ وَفِيّ ءَاذَاِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ ﴾﴾ [فصلت]، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم؛ أي: أوعية للعلم
قد حوته وحصلته، رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس(٢)، وقد تقدم نظيره في سورة
البقرة(٣)، قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن
قلوبهم لا تعي ما يقول، لأنها في غلف وفي أكنّة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم، وعلى
القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة
﴿فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان.
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول
مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول سعيد بن
جبير وعكرمة ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٢) سنده ضعيف لأن الكلبي صرح أن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب.
(٣) آية ٨٨.
٢٥٣
سُورَةُ النِّسَتَّاءِ (١٥٥، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا (﴿5﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني
أنهم رموها بالزنا(١)، وكذلك قال السدي وجويبر ومحمد بن إسحاق وغير واحد(٢)، وهو ظاهر
من الآية، أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم:
وهي حائض فعليهم لعائن الله [المتتابعة](٣) إلى يوم القيامة.
وقولهم: ﴿إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب
قتلناه، وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ
لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما
بعث الله عيسى بن مريم بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات
الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائراً،
ثم ينفخ فيه، فيكون طائراً يشاهد طيرانه بإذن الله رم، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله
بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم حتى جعل نبي الله
عيسى عليه الصلاة والسلام، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما الصلاة
والسلام، ثم لم يقنعهم ذلك، حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلاً مشركاً
من عبدة الطاغوت والكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس
رجلاً يفتن الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه
بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن
الناس، فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى
المنزل الذي فيه عيسى عليه*، وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: [سبعة
عشر](٤) نفراً، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم
وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو
رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل
ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو،
وفتحت روزنة من سقف البيت، وأخذت عيسى ظلّلا سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو
كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ [آل عمران: ٥٥].
فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب، ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل
وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه، وتبجحوا بذلك وسلم
لهم طوائف من النصارى، ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح،
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول
جويبر أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يعلى بن عبيد عنه.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((التابعة)) وهو تصحيف.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: (ستة عشر)).
٢٥٤
سُورَةِ النَّسَاءِ (١٥٥، ١٥٩)
فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود، أن المصلوب هو المسيح بن
مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها(١)، والله
أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة.
وقد وضح الله الأمر وجلاه وبينه، وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم،
المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى: وهو أصدق القائلين ورب
العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرضٍ، العالم بما
كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَمُمْ﴾ أي: رأوا
شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكِ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلٍَّ إِلَّا أَنْبَعَ الَّلِنَّ﴾
يعني: بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود، ومن سلمه إليهم من جهال النصارى، كلهم في شك
من ذلك وحيرة وضلال وسعر، ولهذا قال: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو بل
شاكين متوهمين ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (﴿6﴾ أي: منيع الجناب، لا يرام جنابه
ولا يضام من لاذ [ببابه](٢) ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها،
وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن
عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج
على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، يعني: فخرج عليهم من عين في البيت،
ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن بي، قال: ثم قال:
أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال
له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب،
فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة (٣) في البيت إلى
السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي
عشرة مرة بعد أن من به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة، كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى
السماء وهؤلاء اليعقوبية(٤)، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء
النسطورية(٥)، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء
(١) هذه القصة ورد معظمها بأسانيد ثابتة كما سيأتي، وهي من أخبار أهل الكتاب التي لا تخالف القرآن والسنة
بل غالباً ما توافقهما.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: (به)).
(٣) روزنة أي: شباك أو نافذة صغيرة.
(٤) اليعقوبية: هم أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة بأن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم
والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى الظلّل على طريق
الظهور. (ينظر: الملل والنحل ٢٢٤/١ - ٢٢٥).
(٥) النسطورية: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه
قال: إن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة ... واتحدت الكلمة بجسد عيسىلعلّ لا على طريق الامتزاج كما قالت
الملكانية، ولا على طريق الظهور كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة وكظهور
النقش في الشمع إذا طبع الخاتم (المصدر السابق بتصرف).
٢٥٥
سُورَةِ النِّسَاءِ (١٥٥، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله
محمداً اوَ﴾(١)، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي
معاوية بنحوه (٢)، وكذا ذكره غير واحد من السلف، أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل
مكاني، وهو رفيقي في الجنة.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن
منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليه،
صورهم الله رج كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى، أو لنقتلنكم
جميعاً، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج
إليهم، وقال: أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه
لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه
ذلك(٣).
وهذا سياق غريب جداً.
قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني المثنى، حدثنا إسحاق،
حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهباً يقول: إن عيسى بن
مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم
طعاماً، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم، وقام
يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم، ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه،
فتعاظموا ذلك، وتكارهوه فقال: ألا من ردَّ عليّ الليلة شيئاً مما أصنع، فليس مني، ولا أنا منه،
فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك، قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت
أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعاظم بعضكم على بعض
وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها،
فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن
يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله، أما تصبرون
لي ليلة واحدة، تعينوني فيها؟ فقالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما
نطيق الليلة سمراً، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب الراعي وتفرق الغنم، وجعل
يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث
مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه،
وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه،
ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) تفسير النسائي ٥٧٤/١ - ٥٧٥.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
٢٥٦
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٥٥، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجدون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثین درهماً،
فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا
يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي
نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن
يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعاً، ثم إن أمه والمرأة التي كان
يداويها عيسى ظلَّ*، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان تحت المصلوب، فجاءهما عيسى
فقال: ما تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبي إلا خير، وإن هذا
شبه لهم، فأمُرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفُقد
الذي باعه ودل عليه اليهود، فسأله عنه أصحابه، فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه،
فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام تبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم،
فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه فلينذرهم وليدعهم(١).
سياق غريب جداً.
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني
إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلاً منهم يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع
عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه
دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحد من خلقك،
فاصرفها عني. وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دماً، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن
يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى عليّ. فلما أيقن أنهم داخلون
عليه، قال لأصحابه من الحواريين، وكانوا اثني عشر رجلاً: زبدي فطرس، ويعقوب بن زبدي،
ويُحنس أخو يعقوب، وانداراييس، وفيلبس، وابن تلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقايا،
وتداوسیس، وقثانيا، ويودس زكريا يوطا(٢).
قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس، وكانوا
ثلاثة عشر رجلاً سوى عيسى ظلَّلا، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان
عيسى، قال: فلا أدري هو من هؤلاء الاثني عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى
وكفروا بما جاء به محمد وَل من الخبر عنه، فإن كانوا ثلاثة عشر، فإنهم دخلوا المدخل حين
دخلوا، وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر (٣).
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانياً فأسلم، أن عيسى حين جاءه من الله: ﴿إِنّ
مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، قال: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في
الجنة حَتَّى يشبّه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال:
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو من الإسرائيليات التي ولع بها وهب بن منبه.
(٢) في بعض هذه الأسماء ورد فيها بعض التصحيفات ضبطت من رواية الطبري، فقد أخرجه بسنده ومتنه، وفيه
أيضاً محمد بن حميد الرازي. وأخرجه في تأريخه أيضاً ١/ ٦٠١.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
٢٥٧
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٥٥، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى عَلَّا، فدخلوا عليه، فأخذوه فصلبوه، فكان هو
الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، وقد رأوهم فأحصوا
عدتهم، فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون، وفقدوا رجلاً من العدة،
فهو الذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهماً
على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبّله، وهو الذي أقبّل
فخذوه، فلما دخلوا، وقد رفع عيسى ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشك أنه هو، فأكب
عليه يقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتى قتل
نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم
أنه يودس زكريا يوطا، وهو الذي شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: إني لست بصاحبكم، أنا الذي
دللتكم عليه، والله أعلم أي ذلك كان (١).
وقال ابن جرير، عن مجاهد: صلبوا رجلاً شبه بعيسى ورفع الله رَمَك عيسى إلى السماء
حياً(٢)، واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِ قَبْلَ مَوْنِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِمْ﴾
يعني: قبل موت عيسى يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير
الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم لا.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِثَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِ﴾، قال: قبل موت عيسى بن
مريم عليه(٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس مثل ذلك(٥).
وقال أبو مالك في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ قَبْلَ مَوْنٍِ﴾ قال: ذلك عند نزول عيسى، وقبل موت
عيسى بن مريم ظلَّلا، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به (٦).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوٌِّْ﴾ يعني: اليهود
خاصة(٧) .
(١) أخرجه الطبري بسنده السابق ومتنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) التفسير ٣٧٤/٩ (ط. شاكر).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٣٠٩/٢)، ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً بنحوه (الصحيح، الإيمان، باب نزول
عيسى ابن مريم ظلملا ح ٢٤٢).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حصين السلمي عن أبي مالك بنحوه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس .
٢٥٨
• سُوَّةُ النِّسَاءِ (١٥٥، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحسن البصري: يعني: النجاشي وأصحابه، رواهما ابن أبي حاتم(١).
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا [ابن علية](٢)، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن ﴿ وَإِن مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِ قَبْلَ مَوْتٌِ﴾ قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله، ولكن إذا نزل
آمنوا به أجمعون(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشير،
قال: سمعت رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله رَّ: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
قَبْلَ مَوْتٍِ﴾، قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً يؤمن
به البر والفاجر(٤). وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٥)، وغير واحد، وهذا القول
هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال ابن جرير: وقال آخرون: يعني بذلك ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ بعيسى قبل
موت صاحب الكتاب.
ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه إذا عاين [الملك](٦) علم الحق من الباطل، لأن كل من نزل
به الموت لم تخرج نفسه حت يتبين له الحق من الباطل في دينه.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن
بعیسی(٧).
حدثني المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:
﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْنِ﴾ كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته، قبل موت صاحب
الكتاب(٨) .
وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى(٩).
حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تُميلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي،
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو
عجل عليه بالسلاح(١٠). حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير،
عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوِْ﴾
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الحسن، وسبب الضعف ضعف سعيد بن سليمان النشيطي.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((أنس بن عُلية)) وهو خطأ .
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٦) كذا في (مح) وفي الأصل بدونه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٩) أخرجه الطبري بسند فيه خصيف بنحوه ويتقوى بما سبق.
(١٠) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف لكنه توبع في رواية ابن أبي طلحة
السابقة.
٢٥٩
• سُوَّرَّةُ النِّسَاءِ (١٥٥، ١٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: هي في قراءة أُبي (قبل موتهم) ليس يهودي يموت أبداً حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن
عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهويّ، قيل: أرأيت إن ضربت عنق
أحدهم؟ قال: يلجلج بها لسانه(١). وكذا روى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن
عباس ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ قَبْلَ مَوٌِْ﴾ قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن
بعيسى علّ وإن ضرب بالسيف تكلم به، قال: وإن هوى تكلم به وهو يهوي(٢)، وكذا روى أبو
داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، فهذه كلها أسانيد
صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين، وبه يقول الضحاك
وجويبر(٣). وقال السدي وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أبي بن كعب: (قبل موتهم) (٤).
وقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ
مَوْنٍِ﴾ قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت(٥).
وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء.
قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد وَ قبل
موت صاحب الكتاب.
ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن حُميد، قال: قال عكرمة:
لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد زَّو؛ يعني في قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا
لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٍِ﴾(٦) .
ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل
الكتاب بعد نزول عيسى ظلَّ إلا آمن به قبل موت عيسىلعلّه، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن
جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الآية في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى
وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبّه
لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم
القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريباً، فيقتل مسيح الضلالة،
ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا
يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه عتاب بن بشير صدوق يخطئ، وفيه خُصيف صدوق سيء الحفظ، ويتقوى
بما سبق.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خُصيف ويتقوى بالروايات السابقة.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، والتخريج السابق يغني لأنه صح عن ابن عباس كما قرر الحافظ ابن
کثیر.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً من طريق جويبر عن أبي، وجويبر متروك.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وحماد هو ابن سلمة، وحُميد هو: الطويل.
٢٦٠
سُوْرَةُ النَّسَاء (١٥٩،١٥٥)
•
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِ قَبْلَ
مَوْتٍ﴾ أي: قبل موت عيسى لعلّه الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب
﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد
نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى
أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له
ما كان جاهلاً به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيماناً نافعاً له، إذا كان قد شاهد الملك، كما
قال تعالى في أول هذه السورة ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حٌَّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
اُلْمَوِّثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْثَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... ) الآية [غافر: ٨٤]، وهذا يدل على
ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان
كل من آمن بمحمد وَل﴿ أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما، وحينئذٍ لا يرثه أقرباؤه من
أهل دينه، لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه أنه
يصير بذلك مسلماً، ألا ترى إلى قول ابن عباس؛ ولو تردى من شاهق أو ضرب بالسيف أو
افترسه سبع، فإنه لا بدّ أن يؤمن بعيسى، فالإِيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع ولا ينقل
صاحبه عن كفره لما قدمناه، والله أعلم.
ومن تأمل جيداً وأمعن النظر، اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه
الآية هذا، بل المراد بها الذي ذكرناه من تقرير وجود عيسى ظلَّ* وبقاء حياته في السماء وأنه
سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت
أقوالهم فيه، وتصادمت وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء وأفرط هؤلاء تنقصه
اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، [وأطراه] (١) النصارى بحيث ادعوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه
في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علواً كبيراً،
وتنزه وتقدس لا إله إلا هو.
ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر
الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له:
قال البخاري تَخُّْ في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: نزول عيسى ابن مريم ظلّلا،
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلاير: ((والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل
فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا
يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيراً لهم من الدنيا وما فيها))، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم
، وكذا رواه مسلم
(٢)
﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْنِهٌ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((وإفراط)).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (في الكتاب والباب المذكور ح٣٤٤٨).