Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سُورَةُ أَلِ عَقْرَانَ (١٨٥، ١٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الهاشمي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب
قال: لما توفي النبي ◌ّي وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال:
السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ
اُلْقِيمَةِ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله
فثقوا، وإياه فارجوا، فإِن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال
جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر فعاليَّا(١).
وقوله: ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ الثَارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَاذَ﴾ أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل
الجنة فقد فاز كل الفوز.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن
علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّيقول: ((موضع سوط في الجنة خير
من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم ﴿فَمَن زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ﴾))(٢). هذا
حديث ثابت في الصحيحين، من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة(٣)، وقد رواه بدون هذه الزيادة
أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه(٤)، ومن حديث محمد بن عمرو هذا
ورواه ابن مردويه من وجه آخر، فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن
يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمر بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال:
قال رسول الله وَر: ((لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) قال: ثم تلا هذه
الآية ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ﴾(٥) .
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ما رواه الإمام أحمد عن
وكيع بن الجراح [في تفسيره](٦)، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب
الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وَله: ((من أحبَّ أن يزحزح عن النار وأن
يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه))(٧) .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن أبي علي الهاشمي: وهو ضعيف (الجرح والتعديل
١٩٧/٦) ومحمد بن علي بن الحسين لم يسمع من علي ته، وسنده ضعيف. وقد أشبع الحافظ ابن حجر
هذا الحديث تخريجاً ولكن جميع طرقه ضعيفة (الإصابة ٤٤٢/١ - ٤٤٣) وبالنسبة للمتن فإن فيه نكارة لأن
الخضر ميت، وإن قيل: إنه حي!
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (ح٢٨٩٢)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب
فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (ح ١٨٨١).
(٤) الإحسان (ح٧٤١٧)، والمستدرك ٢٩٩/٢.
(٥) أخرجه البخاري من طريق أبي حازم عن سهل (الصحيح، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله
حـ ٢٨٩٢).
(٦) الزيادة من (عف).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولاً (المسند ح ٦٧٩٣) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه مسلم من طريق
الأعمش به (الصحيح، الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ح ١٨٤٤).

٤٨٢
سُورَةُ آل عمران (١٨٥، ١٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها
دنيئة فانية، قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
١٧
وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ
[الأعلى] وقال تعالى: ﴿وَمَا المَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ
يَفَذِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوِتُم مِّن شَىْءٍ فَمَّتَعُ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَأَ وَمَا
عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىْ﴾ [القصص: ٦٠]. وفي الحديث: ((والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس
أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه))(١)؟
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ قال: هي متاع هي متاع متروكة
[أوشكت](٢) - والله الذي لا إله إلا هو - أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله
إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله(٣).
وقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِيَّ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ اٌلْخَوْفِ وَالْجُوعِ
وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشْرِ الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ
رَجِعُونَ (6)﴾ [البقرة]، أي: لا بدّ أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله،
ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَذَى كَثِيرًاً﴾ يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم
المدينة قبل وقعة بدر مسلياً لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمراً لهم
بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الأُمُورِ﴾ .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري،
أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره، قال: كان النبي ◌َّر وأصحابه يعفون عن
المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾ قال: وكان رسول الله وَلَيه
يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم(٤). هكذا رواه مختصراً.
وقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية مطولاً، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن
الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد، حدثه أن رسول الله و ليه ركب على حمار عليه
قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل
وقعة بدر، قال: حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن
أُبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي
المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خَمّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه
(١) أخرجه مسلم من حديث المستورد بن شداد (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا ح٢٨٥٨).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((وسكن))، وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري من طريق أبي اليمان به مطولاً كما
سيأتي.

٤٨٣
سِوَرَةِ العَقْرَانَ (١٨٧، ١٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله وَ ﴿، ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله ريك وقرأ عليهم
القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في
مجالسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة ظه: بلى يا
رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى
كادوا [يتشاورون](١) فلم يزل النبي وَل﴾ [يخفضهم] (٢) حتى سكتوا، ثم ركب النبي ◌َّ دابته فسار
حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ◌َلجر: (يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟))
يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالله الذي
أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن
يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما [أبى](٣) الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك
الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله -* وكان رسول الله وَله، وأصحابه يعفون عن
المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً ... ﴾ الآية، وقال تعالى:
﴿وَذَّ كَثِرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا ... ﴾ الآية [البقرة: ١٠٩]،
وكان النبي لم يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله وكل ه بدراً،
فقتل الله به صناديد كفار قريش قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة
الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول صل﴿ على الإسلام فأسلموا(٤).
فكل من قام بحق أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر فلا بدّ أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر
في الله، والاستعانة بالله والرجوع إلى الله رَك .
2- ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَمُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ
وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴿٨) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (َ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرُ
هذا توبيخ وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا
بمحمد ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه،
فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والخط
الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء أن
(١) كذا في صحيح البخاري و(حم)، وفي الأصل: ((يتوارون))، وفي (عف): ((يتبارزون)) والصحيح ما في
الصحیح.
(٢) في الأصل: ((يحضهم)) وما أثبت من رواية البخاري.
(٣) في الأصل: ((أتى)) وما أثبت من رواية البخاري.
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى
كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] (ح٤٥٦٦).

٤٨٤
• سُورَةُ أَلَ عَثْرَانَ (١٨٧، ١٨٩)
00000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من
العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من
طرق متعددة عن النبي وَ ي، أنه قال: ((من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار))(١).
وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَعُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَاذَقٍ
مِّنَ الْعَذَابِ﴾ يعني بذلك: [المرائين](٢) المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن
النبي وقال: ((من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة))(٣). وفي الصحيح أيضاً:
((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور))(٤) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد بن
عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس. فقل: لئن كان
كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس:
ما لكم وهذه، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
لا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾. وقال ابن عباس: سألهم النبي ◌َُّ عن
شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك
إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه(٥)، وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم
والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم، وابن جرير، والحاكم في مستدركه وابن مردويه
كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه، ورواه البخاري أيضاً من حديث ابن جريج، عن ابن
أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس ... فذكره.
وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري به: أن رجالاً من المنافقين كان إذا خرج
رسول الله * إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله وَيقول فإذا قدم
رسول الله ﴿ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت ﴿لا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَعُونَ بِمَا أَنَوَأْ ... ) الآية(٦)، وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه(٧).
(١) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة (المسند ح٧٥٦١) وصححه أحمد شاكر.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح) وهو الصواب، وفي الأصل و(حم): ((المرابين)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه مسلم من حديث ثابت بن الضحاك بلفظه وأطول (الصحيح، الأيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان
نفسه بعد حديث ١١٠).
(٤) صحيح البخاري، النكاح، باب المتشبع بما لم ينل (ح٥٢١٩)، وصحيح مسلم، اللباس، باب النهي عن
التزوير في اللباس وغيره (ح٢١٢٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧١٢) وهو متفق عليه فقد أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير،
باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنَوَأْ ... ﴾ [آل عمران: ١٨٨] ح ٤٥٦٨)، ومسلم (الصحيح، صفات
المنافقين ح٢٠١٥).
(٦) المصدر السابق.
(٧) صحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٧).

٤٨٥
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٨٧، ١٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن
أسلم، قال: كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان، فقال: يا أبا سعيد
رأيت قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾، ونحن نفرح
بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن
ناساً من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله ﴿ بعثاً، فإن كان فيهم نكبة فرحوا
بتخلفهم، وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم
بالنصر والفتح، فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا؟ فقال مروان:
أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذلك يعني رافع بن
خديج، ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة، فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد
الخدري: ألا تحمدني على ما شهدت لك، فقال أبو سعيد، شهدت الحق، فقال زيد: أَوَلا
تحمدني على ما شهدت الحق؟ ثم رواه من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن
خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فقال مروان: يا
رافع في أي شيء نزلت هذه الآية؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ه(١)، وكان مروان يبعث
بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم، فقال له: ما ذكرناه. ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس
وما قاله هؤلاء، لأن الآية عامة في جميع ما ذكره، والله أعلم.
وقد روى ابن مردويه أيضاً من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن الزهري،
عن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد
خشيت أن أكون هلكت، قال: ((لِمَ))؟ قال: نهى الله المرء أن يحب أن يُحمد بما لم يفعل
وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحبُّ الجمال، ونهى الله أن نرفع
أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله وَالر: ((ألا ترضى أن تعيش
حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟)) فقال: بلى يا رسول الله. فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم
مسيلمة [الكذاب] (٢)(٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَغَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء(٤) على
الإخبار عنهم أي: لا يحسبون أنهم ناجون من العذاب بل لا بد لهم منه ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلِّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (٣)﴾ أي:
هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا
غضبه ونقمته فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، والقدير الذي لا أقدر منه.
(١) تقدم تخريجه من الصحيحين.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الدواب)) وهو تصحيف.
(٣) سنده ضعيف لأن الزهري لم يسمع من محمد بن ثابت الأنصاري كما في ترجمة محمد بن ثابت في تهذيب
التهذيب ٨٤/٧.
(٤) القراءتان متواترتان.

٤٨٦
• سُؤْرَةُ الْ غَقْرَانَ (١٩٠، ١٩٤)
اُلَّذِينَ يَذْكُرُونَ
] ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالتَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ
اللَّهَ قِيَكَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنَصَارِ ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا
يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَامَنَا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ
رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ اُلْقِيَمَةٌ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ
قال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التُستَري، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب
القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود،
فقالوا: [بمَ](١) جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف
كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ◌َّ فقالوا: ادع الله
أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
﴾ فليتفكروا فيها(٢). وهذا مشكل فإن هذه الآية مدنية،
أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
وسؤالهم أن يكون الصفا ذهباً كان بمكة، والله أعلم، ومعنى الآية أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِى
خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما
فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار
ونبات، وزروع وثمار، وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والروائح والطعوم والخواص.
﴿وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر
هذا، ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيراً، ويقصر الذي كان طويلاً. وكان
ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ أي: العقول التامة الذكية
التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم
فيهم: ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
[يوسف] ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا
بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم ◌ُشْرِكُونَ
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين: أن رسول الله وَلَيه
قال: ((صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك))(٣) أي: لا يقطعون ذكره
في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم، ﴿وَيَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي:
يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وحكمته واختياره ورحمته.
وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت الله
علي فيه نعمة ولي فيه عبرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار(٤).
(١) كذا في (عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل و(حم): ((بما)).
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/١٢ ح١٢٣٢٣) وسنده ضعيف بسبب يحيى وهو ابن
عبد الحميد الحماني وهو حافظ لكنه متهم بسرقة الحديث كما في التقريب، وجعفر بن أبي المغيرة عن
سعيد ليس بالقوي (تهذيب التهذيب ١٠٨/٢) ومتنه فيه نكارة.
(٣) صحيح البخاري، تقصير الصلاة، باب إذا لم يُطق قاعداً صلى على جنب (ح ١١٧).
(٤) هذا النص وما بعده إلى إنشاد الحسين بن عبد الرحمن يبدو أنه منقول من كتاب التوكل والاعتبار.

٤٨٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٩٠، ١٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وقال الفضيل: قال الحسن:
الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.
وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك وربما تمثل بهذا البيت:
ففي كل شيء له عبرة
إذا المرء كانت له فكرة
وعن عيسى ظلّا أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكراً، وصمته تفكراً، ونظره عبراً.
قال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة.
وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ولا فهم امرؤ قط إلا علم، ولا علم
امرؤ قط إلا عمل.
وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله ربك حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.
وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى
المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها .
وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعاً من بين أصحابه قد ذهب عقله.
وقال عبد الله بن المبارك: مرَّ رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب، إن
عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر: كنز الرجال، وكنز الأموال. وعن ابن عمر: أنه
كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتى الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول: أين
أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه، فيقول: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ [القصص: ٨٨].
وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه.
وقال الحسن البصري: يا ابن آدم، كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر
تتنفس للفكرة، وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة، انطمس من بصر قلبه بقدر
تلك الغفلة.
وقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه.
وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس، قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من
أصحاب النبي ولو، يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر. وعن عيسىِلَّا أنه قال:
يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفاً، واتخذ المساجد بيتاً، وعلم
عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد. وعن أمير المؤمنين عمر بن
عبد العزيز به، أنه بكى يوماً بين أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها
وشهواتها، فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها
عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
لذة المؤمن العبر
نزهة المؤمن الفكر
نحن كل على خطـر
نحمد اللّه وحده
قد تقضى وما شَعر
مره
رُبَّ لاه وعـ
ق المنى مونقَ الزهر
رُبَّ عيش قد كان فو

٤٨٨
• سُوْرَةُ أَلِ غَزَانَ (١٩٠، ١٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ن وظل من الشجر
في خرير من العيو
ت وطيب من الثمر
وسرور من النبا
سرعة الدهر بالغير
غيرته وأهله
إن في ذا المعتبر
نحمد الله وحده
للبيب إن اعتبر
إن في ذا لـعبرة
وقد ذمَّ الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال:
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ
﴿وَكَأَئِنِ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (٣)﴾ [يوسف] ومدح عباده المؤمنين [﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾](١) قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ أي: ما خلقت هذا
الخلق عبثاً، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم
نزهوه من العبث وخلق الباطل، فقالوا: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ أي: عن أن تخلق شيئاً باطلاً ﴿فَقِنَا عَذَابَ
الَّارِ﴾ أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب [والعبث، قنا
من عذاب النار بحولك وقوتك](٢) وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا. ووفقنا لعمل صالح تهدينا به
إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذاب كالأليم. ثم قالوا: ﴿رَبَّا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ
أَخْزَيْتَهُ﴾ أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع ﴿وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [أي]: (٣) يوم القيامة لا
مجير لهم منك. ولا محيد لهم عما أردت بهم ﴿رَّبََّآَ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ أي: داعياً
يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول وَ﴿ ﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَشَامَنَّأْ﴾ أي: يقول آمنوا بربكم فآمنا؛ أي:
فاستجبنا له واتبعناه؛ ﴿رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [أي: بإيماننا واتباعنا نبيك](٤)، ﴿رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا﴾ أي: استرها. ﴿وَكَفِرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فيما بيننا وبينك، ﴿ وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي: ألحقنا
بالصالحين، ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ قيل: معناه على الإيمان برسلك، وقيل: معناه على
ألسنة رسلك. وهذا أظهر.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن محمد،
عن أبي عقال، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَله: ((عسقلان(٥) أحد العروسين
يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفاً شهداء وفوداً
إلى الله، وبها صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثجُّ أوداجهم(٦) دماً، يقولون: ﴿رَبَّنَا
(١) هذه الزيادة ما بين معقوفين لا توجد في النسخ التي بين يدي، وهو مثبت من الأزهرية كما في طبعة
الشعب، وفي نسخة جار الله كما في طبعة دار طيبة بتحقيق سامي السلامة، ومن هاتين الطبعتين أضفت
النص.
(٢) هذه الزيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((إلى)) وهو تصحيف.
(٤) الزيادة من (عف) و(مح).
(٥) عسقلان: مدينة في فلسطين على ساحل البحر تقع بين غزة وبيت جبرين (معجم البلدان ٤/ ١٢٢).
(٦) الأوداج: جمع ودج وهو: عرق في العنق (الصحاح ٣٤٦/١).

٤٨٩
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٩٠، ١٩٤)
000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
فيقول الله: صدق عبيدي
وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ
اغسلوهم بنهر البيضة، فيخرجون منه نقاء بيضاً، فيسرحون(١) في الجنة حيث شاؤوا))(٢). وهذا
الحديث يُعدُّ من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعاً، والله أعلم.
﴿وَلَا تُخِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي: على رؤوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ لَلِيعَادَ﴾ أي: لا بد من
الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك.
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سُريج، حدثنا المعتبر، حدثنا الفضل بن
عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر، أن جابر بن عبد الله حدثه، أن رسول الله وَ له قال: (([العار](٣)
والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله وَ ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى
النار))(٤). حديث غريب.
وقد ثبت أن رسول الله وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل
لتهجده، فقال البخاري تَّلهُ: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني
شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس ظها، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة،
فتحدث رسول الله ﴿ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء
....
فقال: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ
الآيات، ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج
فصلى بالناس الصبح(٥). وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن [ابن أبي
مريم(٦)](٧) به. ثم رواه البخاري من طرق عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، أن
ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي وَّر وهي خالته، قال: فاضطجعت في عرض
الوسادة، واضطجع رسول الله ( جم وأهله في طولها، [فنام] (٨) رسول الله وَ ﴿ حتى إذا انتصف
الليل أو قبله أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله وَل ﴿ من منامه فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده،
ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنِّ معلقة فتوضأ منها، فأحسن
وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس ظها: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى
جنبه، فوضع رسول الله وَيؤ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين ثم
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((فيروحون)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٥/٣) وسنده ضعيف جداً بسبب أبي عقال وهو: هلال بن
زيد بن يسار البصري نزيل عسقلان وهو متروك (التقريب ٣٢٣/٢). وعدّه ابن الجوزي ضمن الموضوعات
٥٤/٢، ٥٥، ورد عليه الحافظ ابن حجر في القول المسدد ص٣٣.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أبي يعلى، وفي الأصل: ((المعاد)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه أبو يعلى سنده ومتنه (المسند ٣١١/٣ ح١٧٧٦). وسنده ضعيف بسبب الفضل بن عيسى وهو:
الرقاشي منكر الحديث ورمي بالقدر (التقريب ص٤٤٦).
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية ح٤٥٦٩).
(٦) كذا في صحيح مسلم، وفي الأصل: ((ابن مريم)).
(٧) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ١٩٠).
(٨) كذا في صحيح البخاري و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((قام)) وهو تصحيف.

٤٩٠
• سُورَةُ الَ عُقْرَانَ (١٩٠، ١٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن،
فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح(١). وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق
عن مالك به. ورواه مسلم أيضاً (٢) وأبو داود من وجوه أخر عن مخرمة بن سليمان به.
(طريق أخرى) لهذا الحديث عن ابن عباس ظها، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن
أحمد بن محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرّة، أنبأنا خلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن
أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس،
قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله وَله وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله القوي
بالناس صلاة العشاء الآخرة حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره، قام [فمرَّ بي](٣)، فقال: من
هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فمه قلت أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: ((فالحق
الحق فلما أن دخل قال: افرش عبد الله؟ فأتى بوسادة من مسوح. قال: فنام رسول الله وَل
عليها حتى سمعت غطيطه (٤)، ثم استوى على فراشه قاعداً، قال: فرفع رأسه إلى السماء، فقال:
((سبحان الملك القدوس)) ثلاث مرات ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى
ختمها(٥). وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه
حديثاً في ذلك أيضاً .
(طريق أخرى) رواها ابن مردويه من حديث عاصم بن بهدلة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس أن رسول الله وَلو خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل، فنظر إلى السماء وتلا
هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ يَ﴾﴾، ثم
قال: ((اللهم اجعل في قلبي نوراً، [وفي سمعي نوراً](٦) وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً،
وعن شمالي نوراً، ومن بين يدي نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً
وأعظم لي نوراً يوم القيامة))(٧).
وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحیح من روایة کریب عن ابن عباس څته، ثم روى ابن
مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،
قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بمَ جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء
للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص
ويحيي الموتى، فأتوا النبي ◌َّر فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه ريك، فنزلت
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الوضوء، باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره ح ١٨٣).
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٦٣).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((حرى))!
(٤) الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم (النهاية ٣٧٢/٣).
(٥) حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق محمد بن علي بن عبد الله بن عباس به (الصحيح، صلاة المسافرين،
باب الدعاء في صلاة الليل ح ٧٦٣).
(٦) ما بين المعقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) سنده ضعيف لإبهام شيخ عاصم بن بهدلة.

٤٩١
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٩٠، ١٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0000
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ الَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ (9)﴾ قال: فليتفكروا
فيها (١)، لفظ ابن مردويه. وقد تقدم هذا الحديث من رواية الطبراني في أول الآية، وهذا يقتضي
أن تكون هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر.
قال ابن مردويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن علي الحراني، حدثنا
شجاع بن أشرس، حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي وهو أبو جَناب، عن
عطاء، قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﴿يا، فدخلنا عليها وبيننا وبينها
حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غباً تزدد حباً. فقال ابن
عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيتهٍ من رسول الله وَّر، فبكت وقالت: كل أمره كان عجباً،
أتاني في ليلتي حتى مسَّ جلده جلدي، ثم قال: ((ذريني أتعبد لربي ◌ّ)) قالت: فقلت: والله إني
لأحب قربك، وإني أحب أن تَعَبّد لربك، فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صبَّ الماء، ثم قام
يصلي فبكى حتى بلَّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلَّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى
إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح. قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك
ما تقدم وما تأخر؟ فقال: ((ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل عليّ في هذه الليلة
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ (®﴾)) ثم قال: ((ويلٌ
لمن قرأها ولم يتفكر فيها))(٢).
وقد رواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، عن أبي جناب الكلبي، عن عطاء(٣).
قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أم المؤمنين عائشة معيّا وهي في
خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا: هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير.
قالت: يا عبيد بن عمير. ما يمنعك من زيارتنا، قال: ما قال الأول: زر غباً تزدد حباً. قالت:
إنا لنحب زيارتك وغشيانك. قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما هذه، أخبرينا بأعجب ما
رأيت من رسول الله وَله. قال: فبكت ثم قالت: كل أمره كان عجباً، أتاني في ليلتي حتى دخل
معي في فراشي، حتى لصق جلده بجلدي، ثم قال: ((يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي)). قالت:
إني لأحب قربك وأحب هواك. قالت: فقام إلى قربة في البيت فما أكثر صبّ الماء، ثم قام
فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أن دموعه بلغت حقويه حجره، قالت: ثم جلس فحمد الله
وأثنى عليه، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن ووضع يده تحت خده، ثم بكى حتى رأيت دموعه
قد بلغت الأرض فدخل عليه بلال فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصلاة يا رسول الله، فلما رآه
بلال يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما
(١) أخرجه ابن أبي حاتم مختصراً من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني عن يقعوب القمي عن جعفر به،
وسنده ضعيف بسبب يحيى وجعفر كما تقدم في أول رواية لتفسير الآية. وما ذكره الحافظ من دليل آخر فإنه
ضعيف أيضاً كما سيأتي.
(٢) سنده ضعيف بسبب أبي جناب الكلبي وهو: يحيى بن أبي حَيَّن ضعفوه لكثرة تدلسيه (التقريب ص٥٨٩)
ولم يصرح بالسماع. وفي متنه مبالغة في قوله: فبكى حتى بلّ الأرض!
(٣) في الأصل ورد بلفظ: ((وقد رواه عبد بن حميد عن جعفر بن عون عن أبي جناب الكلبي عن عطاء)) بأطول
من هذا وأتم سياقاً. وكذا في (حم) و(ح)، وأما في (عف) و(مح) فقد ساقه بطوله كما أثبت أعلاه.

٤٩٢
سُورَةُ آلْ عَثْرَانَ (١٩٥)
●
تأخر؟ فقال: ((يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً؟ وما لي لا أبكي وقد نزل عليّ الليلة ﴿إِنَّ فِى
خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ®)﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾)) ثم قال: ((ويل لمن قرأ هذه الآيات ولم يتفكر فيها))(١). وهكذا رواه أبو حاتم بن
حبان في صحيحه عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن
إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن
عمير على عائشة ... فذكر نحوه(٢). وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب
التفكر والاعتبار عن شجاع بن أشرس به(٣). ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت
سُنيداً يذكر عن سفيان هو الثوري رفعه، قال: ((من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها ويله)) يعد
بأصابعه عشراً (٤). قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل الأوزاعي: ما
غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن
سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا
الويل؟ فأطرق هنية ثم قال: يقرؤهن وهو يعقلهن.
(حديث آخر) فيه غرابة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، حدثنا
إسحاق بن إبراهيم البستي (٥) (ح) قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو
قال: أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي،
أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله وَلم يقرأ عشر آيات من
آخر سورة آل عمران كل ليلة(٦). مظاهر بن أسلم: ضعيف.
﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُم مِّنِ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضَِّ فَالَّذِينَ
هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِ سَبِيلِ وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ
يقول تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر(٧):
فلم يستجبْه عند ذاك مجيبُ
وداع دعا يا من يجيبُ إلى النّدى
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أم سلمة،
قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى:
(١) سنده ضعيف بسبب أبي جناب الكلبي كما تقدم آنفاً .
(٢) الإحسان ٣٢٩/٢ (ح ٦٢٠) في سنده عبد الملك بن أبي سليمان: صدوق له أوهام (التقريب ص٣٦٣).
(٤) في سنده سنيد وهو الحسين بن داود ضعيف.
(٣) في سنده أبو جناب الكلبي أيضاً.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الليثي)).
(٦) سنده ضعيف بسبب مظاهر بن أسلم المخزومي: وهو ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير.
(٧) هو كعب بن سعد الغنوي، وقد ورد هذا البيت في تفسير الطبري، والأصمعيات ص١٤، وأمالي القالي ٢/
١٥١.

٤٩٣
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٩٥)
فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ مِن ذَكَرٍ أَوَ أُنثَىُّ ... ﴾ إلى آخر الآية. وقالت
الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا (١). وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن
عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد
عن أم سلمة، قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَلِلٍ مِّنْكُمْ
مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضَِّ ... ) إلى آخرها، رواه ابن مردويه(٢)، ومعنى الآية أن المؤمنين
ذوي الألباب لما سألوا [ما سألوا](٣) مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم عقب ذلك بفاء التعقيب،
كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِ
وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (﴿4﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَى﴾ هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مجيباً لهم أنه لا يضيع عمل عامل منكم لديه، بل يوفى
كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضٍِ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سواء،
﴿ فَلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والإخوان
والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى
الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: ﴿وَأُوذُواْ فِى سَبِيلٍ﴾ أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم
آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِالَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وقال
[البروج] وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾.
تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾،
وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه.
وقد ثبت في الصحيحين أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً
محتسباً مقبلاً غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: ((نعم))، ثم قال: ((كيف قلت؟ فأعاد عليه
ما قال، فقال: نعم، إلا الدّين، قاله لي جبريل آنفاً))(٤). ولهذا قال تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَبِئَاتِهِمْ وَلَأُذِْلَّهُمْ جَنَّتٍ ◌َّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع
المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،
ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهُ﴾ أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا
يعطي إلا جزيلاً كثيراً، كما قال الشاعر:
إن يعذب يكن غراماً وإن يُعط جزيلاً فإنه لا يبالي
(١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن، كتاب التفسير ١١٣٦/٣ ح ٥٥٢)، وأخرجه الترمذي (السنن،
التفسير، باب ومن سورة النساء ح٢٠٢٣)، والحاكم (المستدرك ٣٠٠/٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة
به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح بما قبله (صحيح سنن الترمذي ح ٢٤٢٠) ويقصد
بما قبله طريق مجاهد عن أم سلمة التالي.
(٢) أخرجه الطبري والحاكم كلاهما من طريق ابن أبي نجيج به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/
٤١٦) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.
(٣) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة (الصحيح، الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كُفرت خطاياه إلا الدّين
ح ١٨٨٥).

٤٩٤
• سُورَةُ الَ ◌ّعَقْرَانَ (١٩٦، ١٩٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحاً.
قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن [دحيم](١) بن إبراهيم قال: قال الوليد بن مسلم: أخبرني حَريز بن
عثمان، أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فإنه لا يبغي على
مؤمن، فإذا أنزل بأحدكم شيء مما يحب، فليحمد الله، وإذا أنزل به شيء مما يكره، فليصبر
وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب(٢) .
مَتَكٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمٌّ وَيِْسَ أَلِهَادُ
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ الْبِلَدِ
لَكِنِ اُلَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهُ وَمَا عِندَ اللَّهِ
لِلْأَبْرَارِ (مَا﴾.
خَـ
يقول تعالى: لا تنظر إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل
يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجاً،
وجميع ما هم فيه ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمْ وَبِئْسَ الِهَادُ (®﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا
يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرَكَ تَقَلُُّهُمْ فِىِ اَلْبِلَدِ ﴾﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٨٦) مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ
الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ
غُلِيظٍ (19﴾ [لقمان] وقال تعالى: ﴿فَهِلِ الْكَفِرِينَ أَنْهِلَهُمْ رُوًَّ (®)﴾ [الطارق] أي: قليلاً، وقال
تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَنْ مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ مِنَ
[القصص] وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر أن مآلهم إلى النار، قال
الْمُحْضَرِينَ
بعده: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِندِ اللَّهُ﴾ أي
٩٨
ضيافة من عند الله ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْزَارِ
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا أبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا هشام بن
عمار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عبيد الله بن الوليد [الوصافي](٣)، عن محارب بن دثار، عن
عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ◌َّر قال: ((إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء،
كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق)» كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن
عمرو بن العاص مرفوعاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا
عيسى بن يونس، عن عبد الله بن الوليد [الوصافي](٤).
عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قال: إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء،
كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق(٥)، وهذا أشبه، والله أعلم.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، عن
(١) كذا في تفسير ابن أبي حاتم و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((رحيم)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه معلق.
(٣)(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((الرصافي)) وهو تصحيف.
(٥) رواية ابن مردويه وابن أبي حاتم فيها عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو ضعيف (التقريب ١/ ٥٤٠)، وأخرجه
ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.

٠
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٩٩، ٢٠٠)
٤٩٥
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رجل، عن الحسن، قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذرّ(١).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
خيثمة، عن الأسود، قال: قال عبد الله يعني: ابن مسعود: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا الموت
خير لها، لئن كان برّاً لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾(٢).
وكذا رواه عبد الرزاق عن الأعمش، عن الثوري به. وقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَمْ
خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمْ ... ) الآية [آل عمران: ١٧٨].
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة،
عن لقمان، [عن](٣) أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر
إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: ﴿وَمَا عِندَ الَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ويقول: ﴿وَلَا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُّوَاْ أَنَّمَا نُعْلِى لَمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوّاْ إِثْمًا﴾(٤) [آل عمران: ١٧٨].
- ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا
يَشْتَّرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
١٨٩٩
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على
محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون الله أي مطيعون له، خاضعون
متذللون بين يديه، ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات
بمحمد ◌ّ وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء
كانوا هوداً أو نصارى، وقد قال تعالى في سورة القصص: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِ
وَإِذَا يُثَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَاً إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم
يُؤْمِنُونَ
مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآية، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ:
أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءُ ... ﴾ [البقرة: ١٢١] الآية. وقد قال تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (®)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿﴿ لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ
اللَّهِ ءَانَّةَ أَلَيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ: أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَاً إِن كَنَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا (َ)
الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ، إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا
[الإسراء] وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلاً
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًاً (يَا﴾
كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما
النصارىُ فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه شيخ هشام: مبهم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية به (المصنف ١٣/
٣٠٣ رقم ١٦٤٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٩٨/٢).
(٣) في الأصل: ((بن)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب فرج بن فضالة: وهو ضعيف (التقريب ص٤٤٤) ..

٤٩٦
• سُوَرَّةُ الِ غَقْرَانَ (١٩٩، ٢٠٠)
000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000 000 000 000 000 000
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِبِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ﴿﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاَ ءَامَنَا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ ﴿﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِلَّهِ وَمَا
﴿ فَتَبَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا ... ﴾ الآية [المائدة: ٨٢ - ٨٥]، وهكذا قال ههنا: ﴿أُوْلَّكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ظه، لما قرأ سورة ﴿كهيعص ﴾﴾ [مريم]
بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعنده البطاركة والقساوسة، بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم.
وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي وله إلى أصحابه وقال: ((إن أخاً لكم
بالحبشة قد مات، فصلوا عليه)) فخرج إلى الصحراء فصفّهم وصلّى عليه(١).
وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن
أنس بن مالك، قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله وَيقول: ((استغفروا لأخيكم)) فقال بعض
الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ ... ) الآية(٢)، ورواه [عبد بن حميد و](٣) ابن أبي حاتم
من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن(٤) عن النبي ◌ّر، ثم رواه ابن مردويه
من طرق عن حميد، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم(٥) ورواه أيضاً ابن جرير من حديث أبي بكر
الهذلي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال رسول الله وَل فر حين مات
النجاشي: ((إن أخاكم أصحمة قد مات))، فخرج رسول الله ويطهر فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر
عليه أربعاً، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة، فأنزل الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
أُوْلَبِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾﴾(٦) وقال أبو داود(٧): حدثنا
محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني یزید بن رومان،
عن عروة، عن عائشة ◌َيًُّا، قالت: لما مات النجاشي كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره (٨) نور.
(١) صحيح البخاري، الجنائز، باب الصفوف على الجنازة (ح١٣٢٠)، وصحيح مسلم، الجنائز، باب في
التكبير على الجنازة (ح ٩٥١).
(٢) أخرجه ابن حاتم من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة عن مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن
سلمة به، وأحمد هذا ضعيف الحديث (الجرح والتعديل ٧١/٢) وله متابعات وشواهد ترقيه إلى درجة
الحسن لغيره. وقد سردتها في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم.
(٣) الزيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه النسائي من طريق حميد وعن الحسن (التفسير ٣٥٩/١ ح١٠٩) وسنده مرسل.
(٥) أخرجه النسائي من طريق حميد به (التفسير ٣٥٨/١ ح ١٠٨) وصححه محققوه.
(٦) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي به، وسنده ضعيف بسبب أبي بكر متروك كما في التقريب.
(٧) رواية أبي داود تقدمت رواية الحاكم في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل جاءت بعد رواية الحاكم.
(٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في النور يرى عند قبر الشهيد ح٢٥٢٣)، وسنده حسن.

٤٩٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (٢٠٠،١٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا
عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن
ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاءه
المهاجرون، فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت
بنا، فقال: لا، دواء بنصرة الله ◌َك خير من دواء بنصرة الناس، قال: وفيه نزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ ثم قال: هذا حديث صحيح
الإسناد، ولم يخرجاه(١).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ يعني: مسلمة أهل الكتاب(٢).
وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ ... ) الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ◌ّر فاتبعوه، وعرفوا الإسلام
فأعطاهم الله تعالى أخبر اثنين: للذي كانوا عليه من الإسلام من قبل محمد ◌َّ، وبالدين الذي
اتبعوا محمداً وَجَ(٣)، رواهما ابن أبي حاتم.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى، قال: قال رسول الله وَلجه: ((ثلاثة يؤتون أجرهم
مرتين)) فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي(٤).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَّرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم كما
فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك [مجاناً](٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
قال مجاهد: ﴿سَرِيعُ اُلْحِسَابِ﴾ يعني: سريع الإحصاء، رواه ابن أبي حاتم(٦) وغيره.
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [قال الحسن البصري تَخْتُهُ: أمروا
أن يصبروا](٧) على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا
لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يَملّون دينهم(٨)، وكذا قال
غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار
الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم(٩)، وروى
ابن أبي حاتم ههنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن
(١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتعليقه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٠٠/٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم مختصراً بسند حسن من طريق أبي بكر الحنفي عن عباد به.
(٤) صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته (ح٩٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان
برسالة نبينا محمد ﴾ (ح ١٥٤).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((حجاباً)) وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.
(٩) سيأتي ذكره مرفوعاً وموقوفاً في الروايات التالية.

٤٩٨
سُورَة العَقْرَان (٢٠٠،١٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة نظره، عن النبي وَّر، قال: ((ألا
أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا
إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط))(١).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة علي بن
يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال:
أقبل عليّ أبو هريرة يوماً، فقال: أتدري يا ابن أخي فيمَ نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي ◌َّ غزو يرابطون فيه،
ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم
أنزلت ﴿أَصْبِرُواْ﴾ أي: الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في
مساجدكم، ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من
طريق سعيد بن منصور عن ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة بنحوه(٢).
وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن
جده، عن شرحبيل، عن علي ظُه، قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب
والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط))(٣).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن
مهاجر، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله،
قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب))؟ قلنا: بلى
يا رسول الله. قال: ((إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد
الصلاة، فذلكم الرباط)» (٤).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن السلام البيروتي، أنبأنا
محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن أبي أيوب ﴿به، قال: وقف علينا رسول الله وَلّ، فقال: ((هل لكم إلى ما
يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر؟)) قلنا: نعم يا سول الله، وما هو؟ قال: ((إسباغ الوضوء
على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)). قال: وهو قول الله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ()﴾ فذلك هو
الرباط في المساجد، وهذا حديث غريب من هذا الوجه جداً (٥).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ومسلم (الصحيح، الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء ح٣٥١).
(٢) أخرجه الحاكم من طريق سعيد به (المستدرك ٣٠٠/٢، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً بسبب عبد الله بن سعيد المقبري وهو متروك (التقريب
ص٣٠٦).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحسنه محققه أحمد شاكر.
(٥) في سنده الوازع بن نافع العقيلي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك (لسان الميزان ٢١٣/٦).

٤٩٩
سُورَةُ العَقْرَانَ (٢٠٠،١٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، حدثني داود بن صالح،
قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: [يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية
﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾؟ قال: قلت: لا. قال: إنه لم يكن](١) يا ابن أخي في زمان
رسول الله 18 غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة، رواه ابن جرير(٢)، وقد تقدم
سياق ابن مردويه له، وأنه من كلام أبي هريرة ربه، والله أعلم، وقيل: المراد بالمرابطة ههنا:
مرابطة الغزو [في نحور العدو](٣) وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة
بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في
صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي ظها أن رسول الله ومدير، قال: ((رباط يوم في سبيل الله خير
من الدنيا وما [علیھا]))(٤)(٥)
(حديث آخر) روى مسلم عن سلمان الفارسي، عن رسول الله وَط ◌ّر أنه قال: ((رباط يوم وليلة
خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه وأمن
الفَتَّان))(٦) .
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن
شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني، أن عمرو بن مالك الجَنْبي أخبره، أنه سمع فضالة بن عبيد
يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في
سبيل الله، فإنه يَنْمي(٧) له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر)) (٨)، وهكذا رواه أبو داود
والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن
حبان في صحيحه أيضاً.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، وحسن بن موسى وأبو سعيد
عبد الله بن يزيد كلهم عن عبد الله بن لهيعة، حدثنا [مشرح بن هاعان] (٩)، سمعت عقبة بن عامر
يقول: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((كل ميت يختم له على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه
(١) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به، وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٣٠١/٢).
(٣) سقط كسابقه.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: ((وما فيها)) وهو تصحيف.
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (ح ٢٨٩٢).
(٦) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله (ح ١٩١٣).
(٧) كذا في المسند، وفي كل النسخ: ينمو، وكذا في سنن أبي داود كما في التخريج.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠/٦)، وأخرجه الترمذي من طريق ابن المبارك به وقال: حسن
صحيح (السنن، الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطاً ح١٦٢١)، وأخرجه أبو داود من طريق ابن
وهب عن أبي هانئ به (السنن، الجهاد، باب في فضل الرباط ح ٢٥٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن
أبي داود (ح٢١٨٢)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/
١٤٤).
(٩) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والمسند وفي الأصل: ((مسوح بن عاهان)) وهو تصحيف.

٥٠٠
سُورَةُ العَثْرَانَ (٢٠٠،١٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يجري عليه عمله حتى يبعث ويأمن من الفتّان)) (١). وروى الحارث بن محمد بن أبي أسامة في
مسنده عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد به إلى قوله: (حتى يبعث)) دون ذكر ((الفتان))(٢). وابن
لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.
(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى،
حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث، عن زهرة بن معبد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
رسول الله وَ* قال: ((من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى عليه عمله الصالح الذي كان يعمل،
وأجرى عليه رزقه، وأمن من الفتّان، وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع)) (٣).
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن
أبي هريرة، عن رسول الله وَ الر قال: ((من مات مرابطاً وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر،
وغدا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة)) (٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن
محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أم الدرداء ترفع الحديث،
قالت: ((من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة))(٥).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن
ثابت بن عبد الله بن الزبير، قال: قال عثمان رُه وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثاً
سمعته من رسول الله (1980 لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلّا الظن بكم، سمعت رسول الله الفول
يقول: ((حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها))(٦) وهكذا رواه أحمد
أيضاً عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان (٧)، وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن
عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير،
قال: خطب عثمان بن عفان الناس، فقال: يا أيها الناس إني سمعت من رسول الله وَطفل حديثاً لم
يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم [وبصحابتكم](٨) فليختر مختار لنفسه أو ليدع سمعت
رسول الله صل يقول: ((من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها))(٩).
(١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٥٠/٤، ١٥٧) وسنده حسن، وحسنه الحافظ ابن كثير كما سيأتي ويشهد له ما سبق.
(٢) بغية الباحث بزوائد الحارث (ح ٦٢٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح ٢٧٦٧)، وصححه
البوصيري في مصباح الزجاجة ٣٩١/٢، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٢٣٤).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠٤/٢) وسنده حسن بالشواهد.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٨٨/٤٤ ح ٢٧٠٤٠) وضعفه محققوه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٠٩/٢ ح ٤٦٣) وضعفه محققوه بسبب ضعف مصعب بن ثابت
وعدم سماعه من عثمان.
(٧) فيه مصعب بن ثابت أيضاً.
(٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: ((ونصحا منكم)) وهو تصحيف.
(٩) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح٢٧٦٦)، وسنده ضعيف
بسبب مصعب بن ثابت.