Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سُورَةُ الغتر ان (٦٨،٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد
مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس طها، قال: اجتمعت
نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله و له، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم
إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ
تُحَآَّجُّونَ فِىّ إِبْرَهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِيَةٍ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٣)﴾(١) أي: كيف تدعون
أيها اليهود أنه كان يهودياً، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها
النصارى أنه كان نصرانياً وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿هَكَنتُمْ هَؤُلاءِ حَجَبْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلَمٌ فَلِمَ تُحَبُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِمُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (1)﴾. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود
والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأيديهم التي
شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ويّ، لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله
عليهم ذلك وأمرهم بردِّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على
حقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِنَزَهِيمُ
يَهُدِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفاً عن الشرك قصداً إلى الإيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ
مِلَةَ إِنَهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ اُلْمُشْرِكِينَ (٢)﴾ [البقرة] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ
أَنَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة(٢) إبراهيم
الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي؛ يعني محمداً وَل ﴿، والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين
والأنصار ومن تبعهم بعدهم.
قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، عن
مسروق، عن ابن مسعود ◌َهُبه، أن رسول الله وَ له، قال: ((إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن
ولييٍ منهم أبي وخليل ربي ◌ّ)) ثم قرأ ﴿إِنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنََّهِيمَ لَلَّذِينَ أَنََّعُوهُ وَهَذَا النَِّىُّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ (٣)، وقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري(٤)، عن
سفيان الثوري، عن أبيه به، ثم قال البزار: [ورواه غير أبي أحمد، عن سفيان، عن أبيه، عن](٥)
أبي الضحى، عن عبد الله، ولم يذكر مسروقاً، وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع، عن سفيان،
ثم قال: وهذا أصح(٦). لكن رواه وكيع في تفسيره، فقال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي
(١) سنده حسن وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٢) في الأصل: (متابعة)) والمثبت من (عف) و(ح) و(مح).
(٣) سنن سعيد بن منصور (ح٥٠١) وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٢/ ٢٩٢).
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((أبي محمد)) وهو تصحيف.
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة آل عمران (ح٢٩٩٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي =

٣٦٢
سُورَةُ آلِّعَمْرَانَ (٦٩، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إسحاق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَله: [(إن لكل نبي ولاية من النبيين، وإن
وليي منهم أبي وخليل ربي ◌َ إبراهيم عليَّ*))، ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَ النَّاسِ بِإَِهِيمَ لَلَّذِينَ أَتََّعُوهُ وَهَذَا
النَّبِىُّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ ... ﴾ إلى آخر الآية](١) قوله: ﴿وَهُ وَبِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولي جميع المؤمنين
برسله.
] ﴿وَدَّت ◌َآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
(٦٩
يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمُ تَشْهَدُونَ ﴿﴿ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ
وَتَكْتُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ وَقَالَت ظَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ
النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ ءَاخِرَؤُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿﴿ وَلَا تُؤْمِنُوْاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اَللَِّ أَنْ يُؤْثَ
أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ بُمَاتُوُ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اٌلْعَظِيمِ
يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين، وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود
على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم، ثم قال تعالى منكراً عليهم: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ
تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٣٨)﴾ أي: تعلمون صدقها وتتحققون(٢) حقها ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ
لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ أي: تكتمون ما في كتبكم من صفة
محمد ◌َّ﴿ وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه ﴿وَقَالَت ◌ََّيِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنزِلَ عَلَىَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ ءَآَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (®)﴾، هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من
الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين
صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رجعهم(٣) إلى
دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى إخباراً عن اليهود بهذه الآية؛ يعني يهوداً
صلت مع النبي وَّل صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار [مكراً منهم](٤)، ليروا الناس أن قد بدت
لهم الضلالة منه بعد أن كانوا اتبعوه(٥) .
وقال العوفي عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول
النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم
منا (٦). وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك(٧).
= وأحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.
(١) ما بين معقوفين من (عف) و(مح)، وفي الأصل ورد بلفظ: ((فذكره))، وكذا في (ح) و(حم).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((وتحققون)).
(٣) كذا في الأصل و(حم) و(مح)، وفي (عف) بهذا اللفظ وتحته كلمة: ((ردهم)).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف وله شواهد سابقة ولاحقة.
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول أبي =

٣٦٣
سُورَةُ الَ ◌ّعَزْرَانَ (٧٥، ٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا
لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجون به عليكم قال الله
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتمِّ الإيمان بما ينزله
على عبده ورسوله محمد # من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات وإن
كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.
وقوله: ﴿أَنْ يُؤْثَ أَحَدٌّ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ بُمَكْتُوُاْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ يقولون: لا تظهروا ما عندكم من
العلم للمسلمين، فيتعلموه (١) منكم، ويساووكم فيه ويمتازون به(٢) عليكم لشدة الإيمان به، أو
يحاجّوكم به عند ربكم، أي: يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة،
وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَّةٌ﴾ أي:
الأمور كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يمنُّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور
التام، ويضلُّ من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره
غشاوة، وله الحجة والحكمة ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴿ يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اٌلْعَظِيمِ
(®﴾ أي: اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف بما شرف به نبيكم
محمداً اَلر على سائر الأنبياء، وهداكم به لأكمل الشرائع.
- ﴿﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهٍِ
إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيَسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَِّنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ﴿ بَى مَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ
يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ﴿مَنْ إِن
تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ﴾ أي: من المال ﴿يُؤَدِِّةٍ إِلَيْكَ﴾ [أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك](٣)
﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآيِمًا﴾ أي: بالمطالبة والملازمة
والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه
إليك. وقد تقدم الكلام على القنطار في أول السورة، وأما الدينار فمعروف.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني (٤)، حدثنا بقية، عن زياد بن الهيثم،
حدثنا مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار.
قال: معناه: من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار(٥).
= مالك أخرجه الطبري بسند ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول
الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(١) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: ((ليتعلمونه)).
(٢) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل بدون ذكر: ((به)).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) في الأصل: ((السلوني)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٣٦٤
سُورَةُ العَقْرَانَ (٧٥، ٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومناسب أن يذكر ههنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه، ومن أحسنها
سياقه في كتاب الكفالة حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن
هرمز الأعرج، عن أبي هريرة له، عن رسول الله وَ*، أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل، سأل
بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً.
قال: ائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج
في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركباً يركبها ليقدم عليه في الأجل الذي أجله، فلم يجد
مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها،
ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللّهم إنك تعلم أني كنت تسلفت(١) فلاناً ألف دينار فسألني شهيداً،
فقلت: كفى بالله شهيداً، وسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً فرضي بذلك، وأني جهدت أن
أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه،
ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج (٢) إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لينظر
لعل مركباً يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال [فأخذها لأهله حطباً، فلما كسرها وجد
المال(٣) والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما
زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت
بعثت إلي بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل هذا، قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي
بعثت في الخشبة، فانصرف(٤) بألف دينار راشداً، هكذا رواه البخاري في موضع معلقاً بصيغة
الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. ورواه
الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولاً، عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث به (٥)، ورواه البزار
في مسنده عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة،
عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ، بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي ◌َّ إلا من هذا
الوجه بهذا الإسناد، كذا قال وهو خطأ لما تقدم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَّتَِّنَ سَبِيلٌ﴾ أي: إنما حملهم على جحود الحق أنهم
يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا،
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة،
وانتفكوا (٦) بهذه الضلالة، فإن الله حرَّم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بُهُت.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة بن يزيد، أن رجلاً
سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن
(١) قوله: ((كنت تسلفت)) كذا في صحيح البخاري و(حم) وفي الأصل: ((أسلفت))، وفي (عف): ((سلّفت)).
(٢) في الأصل: ((فخرج)) والتصويب من البخاري و(حم).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وصحيح البخاري.
(٤) في الأصل: ((فانصف)) وهو تصحيف.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير آية الدين في سورة البقرة آية ٢٨٢.
(٦) في الأصل: ((وانتقلوا))، والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).

٣٦٥
سُورَةُ الْ عُقْرَانَ (٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب:
﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمَّيَِّنَ سَبِيلٌ﴾، إنهم إذا أدَّوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم(١).
وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا يعقوب، حدثنا
جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَُ عَلَيْنَا فِ الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾ قال:
نبي الله ◌َ﴾: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا
الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر))(٣).
ثم قال تعالى: ﴿بَ مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَأَنَّقَى﴾ أي: لكن من أوفى بعهده واتقى منكم يا أهل
الكتاب الذي عاهدكم الله عليه من الإيمان بمحمد ول﴿ إذا بعث كما أخذ العهد والميثاق على
الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله واتبع طاعته وشرعته التي بعث بها خاتم الرسل وسيد
البشر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَئِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَ
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ (®َ)﴾.
يقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه من اتباع محمد وَله وذكر صفته للناس
وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان(٤) القليلة الزهيدة، وهي: عروض هذه
الحياة الدنيا الفانية الزائلة ﴿أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها ولا حظ
لهم منها ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: برحمة منه لهم، يعني: لا
يكلمهم الله كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿وَلَا يُزَكِيهِمْ﴾ أي: من الذنوب
والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية
الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال علي بن مدرك(٥):
أخبرني، قال: سمعت أبا زرعة، عن خرشة (٦) بن الحرّ، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله وَاليه:
(ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)» قلت: يا
رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله وَله ثلاث مرات، [قال](٧):
((المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان)»(٨)، ورواه مسلم وأهل السنن من حديث
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٤) في الأصل: ((الأيمان)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) في الأصل: ((علي بن فديك))، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٦) في الأصل: ((حرسه)) وهو تصحيف، والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٧) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٨/٥) وسنده صحيح.

٣٦٦
سُورَةُ الْغَزْرَانَ (٧٧)
شعبة به(١) .
(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن
ابن الأحمس، قال: لقيت أبا ذرّ فقلت له: بلغني عنك أنك تحدث حديثاً عن رسول الله واله
قال: أما إنه لا يخالني أن أكذب على رسول الله وَ﴿، بعدما سمعته منه، فما الذي بلغك عني؟
قلت: بلغني أنك تقول: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله. قال: قلته وسمعته، قلت: فمن
هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: ((الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح
لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسّوا الأرض فينزلون، فيتنحى أحدهم
يصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه حتى يفرق
بينهما موت أو ظعن)) قلت: من هؤلاء الذين يشنأهم الله؟ قال: ((التاجر الحلاف - أو قال: البائع
الحلاف -، والفقير المختال، والبخيل المنان»(٢) غريب من هذا الوجه.
(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جرير بن حازم، حدثنا عدي
[بن عدي(٣)، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي هو ابن عميرة الكندي،
قال: خاصم رجل من كِندة، يقال له: امرؤ القيس بن عابس(٤)، رجلاً من حضرموت إلى
رسول الله ﴿ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة فقضى على امرئ القيس
باليمين، فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت [والله](6) - أو ورب الكعبة -
أرضي، فقال النبي ◌َّ: ((من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله وَك وهو عليه
غضبان)) قال رجاء: وتلا رسول الله وَّ﴿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ
القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: ((الجنة)).
قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها(٦) . ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي به(٧) .
(الحديث الثالث): قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله
قال: قال رسول الله وَيقول: ((من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم،
لقي الله رَك وهو عليه غضبان)). فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل
من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله صل﴿ فقال لي رسول الله وَلجر: ((ألك بينة؟))
قلت: لا. فقال اليهودي: ((احلف)) فقلت: يا رسول الله، إذاً يحلف فيذهب مالي.
(١) صحيح مسلم، الأيمان، بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح ١٠٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ونحو متنه (المسند ٢٦٩/٣٥ ح ٢١٣٤٠)، وصححه محققوه بالمتابعات، وذكر
الحافظ ابن كثير أنه غريب من هذا الوجه.
(٣) زيادة من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٤) كذا في المسند، وفي الأصل و(عف) و(حم): ((عامر)).
(٥) استدرك من المسند.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ونحو متنه (المسند ١٩١/٤ - ١٩٢) ورجاله ثقات وجرير بن حازم له أوهام إذا
حدث من حفظه، ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.
(٧) السنن الكبرى ٤٨٦/٣ (ح ٥٩٩٦).

٣٦٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فأنزل الله وَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا ... ) الآية (١). أخرجاه من
حديث الأعمش (٢).
(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن
أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَلجر: ((من
اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان)) قال: فجاء الأشعث بن قيس،
فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيَّ كان هذا الحديث، خاصمت ابن عمِّ
لي إلى رسول الله وَّر في بئر كانت لي في يده فجحدني، فقال رسول الله وَلير: ((بينتك أنها
بترك وإلا فيمينه)) قال: قلت: يا رسول الله، ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن
خصمي امرؤ(٣) فاجر، فقال رسول الله ويتلقى: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله
وهو عليه غضبان)) قال: وقرأ رسول الله وَ﴿ه هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا
قَلِيلًا أُوْلَكَ لَ خَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ (®﴾(٤).
(الحديث الرابع): قال أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رِشْدين عن زَبّان، عن
سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﴿ ﴿ه، قال: ((إن الله تعالى عباداً لا يكلمهم يوم
القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم)) قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: ((متبري من والديه
راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم وتبرأ منهم)) (٥).
(الحديث الخامس): قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام
- يعني: ابن حوشب -، عن إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني: السكسكي -، عن عبد الله بن أبي
أوفى، أن رجلاً أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلاً
من المسلمين، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الَهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا ... ) الآية. ورواه
البخاري من غير وجه عن العوام(٦).
(الحديث السادس): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٠٤٩) وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... ﴾ [آل عمران:
٧٧] (ح٦٦٧٦)، وصحيح مسلم، الأيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة (ح ٢٢٠).
(٣) كذا في (عف) و(ح) والتخريج، وفي الأصل: ((امز)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٧/٣٦ ح٢١٨٤٨) وسنده حسن.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٤٠) وسنده ضعيف بسبب رشدين، وزبان وهو ابن قائد
وكلاهما ضعيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق العوام به (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ .... ﴾ ح٤٥٥١). وسبق أنها نزلت في الأشعث بن قيس، وقد جمع الحافظ ابن
حجر بقوله: لا منافاة بين الحديثين بل يحمل على أن النزول كان بالسببين معاً (الفتح ٢١٣/٨).

٣٦٨
• سُورَةُ العَقْرَانَ (٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على
سلعة بعد العصر، - يعني: كاذباً -، ورجل بايع إماماً فإن أعطاه وفّى له وإن لم يعطه لم
يفٍ له))(١). ورواه أبو داود والترمذي من حديث وكيع، وقال الترمذي: حديث حسن
(٢)
صحیح(٢) .
] ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ اُلْكِتَبِ
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
.
يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله -، أن منهم فريقاً يحرفون الكلم عن مواضعه،
ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه
إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن أنس: ﴿يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ﴾ يحرفونه(٣).
وهكذا روى البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيدون(٤)(٥)، وليس أحد من خلق الله يزيل
لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله.
وقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما(٦) الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم
يضلّون بالتحريف والتأويل، وكتبٌ كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فأما كتبُ الله فإنها محفوظة لا تحول، رواه ابن أبي حاتم(٧). فإن عنى وهب ما
بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك
المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير
[المعنى المعرب](٨)، وفهمُ كثير منهم بل أكثرهم بل جميعهم فاسد، وأما إن عنى كتب الله التي
هي كتبه عنده فتلك كما قال: محفوظة لم يدخلها شيء.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٨٠) وسنده صحيح، أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عن
الأعمش به (الصحيح، الأيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... ح ١٠٨).
(٢) سنن أبي داود، البيوع، باب في منع الماء (ح ٣٤٧٤)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في نكث البيعة
(ح١٥٩٥).
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول
الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٤) هذه اللفظة في الأصل غير واضحة ومصحفة.
(٥) لم أجده في صحيح البخاري ولكن رواه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن
ابن عباس، ويشهد له ما تقدم.
(٦) كذا في (عف) و(حم) و(ح).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب.
(٨) قوله: ((المعنى المعرب)): كذا في (حم) و(ح)، وفي (عف) و(مح): ((المعبر المغرب))، وفي الأصل
تصحف إلى: ((المغبر بالمعرب)) .

٣٦٩
سُورَةُ العَقْرَانَ (٧٩، ٨٠)
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُنُواْ رَبَّكِيْتِنَ بِمَا كُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿ وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ
الْكَكَةَ وَالنَّبِنَ أَزْبَابًا أَيَأْمُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ (®﴾.
قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس قال: قال أبو رافع القرظي: حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران
عند رسول الله وَ﴾، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن
مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له: الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه
تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله وَ له: ((معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة
[غير الله](١) ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني)) أو كما قال ◌َ له، فأنزل الله في ذلك من قولهما(٢):
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾(٣)، فقوله:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْجُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُوْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله؛ أي
مع الله، وإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلان لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق
الأُولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال:
وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضاً؛ يعني: أهل الكتاب كانوا يتعبدون لأحبارهم ورهبانهم،
كما قال الله تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآَ
أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَحِدًّاً لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُنَ
﴾ [التوبة].
وفي المسند والترمذي كما سيأتي أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم. قال:
((بلى إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذاك عبادتهم إياهم)) (٤).
فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذمِّ والتوبيخ بخلاف الرسل
وأتباعهم من العلماء العاملين فإنما يأمرون بما يأمر الله به، وبلغتهم إياه رسله الكرام، وإنما (٥)
ينهونهم عمّا نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا
بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كُنُوْ رَبَّكِْعِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ
اُلْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين.
(١) كذا في (عف)، وفي الأصل و(حم): ((غيره)).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((من قوله)).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وتفرد بهذا الحديث محمد بن أبي محمد وهو مولى زيد بن
ثابت: مجهول، كما في التقريب.
(٤) أخرجه الترمذي من حديث عدي بن حاتم به وأطول ثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث
عبد السلام بن حرب وغُطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث (السنن، التفسير، سورة آل عمران
ح ٣٠٩٥) بل غُطيف بن أعين ضعيف (التقريب ص٤٤٣).
(٥) في الأصل: ((وإنها)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).

٣٧٠
• سُورَةُ أَلِ ◌ّعَثْرَانَ (٨٢،٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي حكماء علماء حلماء.
وقال الحسن وغير واحد: فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء
الخراساني وعطية العوفي والربيع بن أنس(١).
وعن الحسن أيضاً: يعني: أهل عبادة وأهل تقوى.
وقال الضحاك في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: حق على من تعلم
القرآن أن يكون فقيهاً ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أي: تفهمون معناه، وقرئ ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد من التعليم (٢
﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْكَتَكَةَ وَالنَّبْنَ
أَزْبَابًا﴾ أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله: لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿أَيَأْمُكُم بِالْكُفْرِ
بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ أي: لا يفعل ذلك [لأن](٣) من دعا إلى عبادة غير الله، فقد دعا إلى
الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ (٥)﴾ [الأنبياء] وقال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّغُونَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]،
@﴾ [الزخرف]
وقال: ﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ
وقال إخباراً عن [الملائكة](٤): ﴿﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّهُ
كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ ﴾﴾ [الأنبياء].
- ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآ ءَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا
مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ
الشَّهِدِينَ ﴿ فَمَنْ تَوَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ظلّله إلى عيسى لعل لمهما آتى الله أحدهم
من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو
فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
مِيثَقَ النَّبِّئِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة ﴿ثُمَّ
◌َآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ﴾ .
وقال ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وقتادة والسدي يعني: عهدي(٥).
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عكرمة عنه، وقول أبي رزين أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق منصور بن عباد عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف
الأعرابي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. وأخرجه الطبري
بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) وكلتاهما قراءتان متواترتان.
(٣) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: ((إلا)).
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أهل مكة)) وهو تصحيف.
(٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بالأقوال
التالية: فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الربيع أخرجه
الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق =

٣٧١
• سُورَةُ الَ عُقْرَانَ (٨١، ٨٢)
وقال محمد بن إسحاق: ﴿إِصْرِىٌّ﴾ أي: ثقل ما حملتم من عهدي(١)؛ يعني: ميثاقي الشديد
المؤكد ﴿قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿ فَمَنْ تَوَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: عن هذا
العهد والميثاق ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾.
قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس ظ﴾: ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه
الميثاق، لئن بعث الله محمداً، وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته
لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه(٢).
وقال طاوس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً (٣). وهذا
لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى عبد الرزاق عن
معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثل قول علي وابن عباس(٤).
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن
عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي ◌َ ﴿، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي من
قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيّر وجه رسول وَّ قال:
عبد الله بن ثابت، قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله وَل﴾؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً،
بالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، قال: فسُري عن النبي صل﴿ وقال: ((والذي نفسي بيده لو أصبح
فيكم موسى ظلّا، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من
النبيين))(٥).
(حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا حماد، عن مجالد، عن الشعبي،
عن جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد
ضلّوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حياً بين
أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني)) (٦).
= أسباط عنه وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.
(٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه مختصراً، وقول علي بن
أبي طالب أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سيف بن عمر وهو متروك.
(٣) قول طاوس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن طاوس عن أبيه، وقول الحسن البصري أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر
الرازي عنه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده متنه، وسنده حسن.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٥/٤، ٢٦٢) وسنده ضعيف فيه جابر بن يزيد الجعفي:
ضعیف، وعبد الله بن ثابت: مجهول.
(٦) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (١٠٢/٤ ح٢١٣٥) وسنده ضعيف بسبب مجالد وهو ابن سعيد بن عمير وهو
ليس بالقوي وقد تغيّر في آخر عمره (التقريب ٢٢٩/٢)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق مجالد به (المسند
٣٤٩/٢٣ ح١٥١٥٦).

٣٧٢
• سُورَةُ الْ عُقْرَانَ (٨٣، ٨٥)
وفي بعض الأحاديث: ((لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعى))، [فالرسول](١)
محمد خاتم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه - دائماً إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي
لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب طاعته المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان
إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الربّ
جلّ جلاله لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه
أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به.
] ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ لَوَّعًا وَكَرْهَا وَإِلَيَّهِ
يُرْجَعُونَ ﴿ قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَاُلْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن ◌َّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (19)
وَمَن يَبْتَعْ غَيّرَ الْإِسْلَئِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
يقول تعالى منكراً على من أراد ديناً سوى دين الله الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو
عبادة الله(٢) وحده لا شريك له، الذي ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: استسلم له من
فيهما طوعاً وكرهاً، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ](٣) لَوَعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد:
١٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اَللَّهُ مِن ◌ٍَْ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآَبِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُوَّ
دَخِرُونَ (َّ
﴿ يَخَافُونَ
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآَةٍ وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
رَهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ﴾﴾ [النحل] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم الله
كرهاً، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع.
وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة، فقال الحافظ أبو القاسم
الطبراني: حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النُفيلي، حدثنا محمد بن
محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي ◌َّ: ﴿وَلَّهُ أَسْلَمَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَوَعًا وَكَرْهَا﴾، ((أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن
ولد على الإسلام، وأما كرهاً فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى
الجنة وهم كارهون))(٤)
وقد ورد في الصحيح: ((عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل)»(٥) وسيأتي له
شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأول للآية أقوى، وقد قال وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان
عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهًا﴾ قال: هو كقوله:
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((فإن رسول الله)).
(٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): ((عبادته)).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٤) المعجم الكبير ١٩٤/١١ (ح١١٤٧٣)، وسنده ضعيف جداً بسبب محمد بن محصن العكاشي فقد كذبه
بعض النقاد (ينظر: التقريب ص ٥٠٥) وهو مرسل أيضاً.
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب الأسارى في السلاسل (ح ٣٠١٠).

٣٧٣
سُورَةُ أَلِ عَقْرَانَ (٨٦، ٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥](١)، وقال أيضاً: حدثنا سفيان،
عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا﴾
قال: حين أخذ الميثاق(٢). ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد فيجازي كلّاً بعمله، ثم قال
تعالى: ﴿قُلّ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني: القرآن، ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي، ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد
إسرائيل - وهو يعقوب - الاثني عشر، ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني: بذلك التوراة والإنجيل،
﴿وَالَِّيُونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ وهذا يعمُّ جميع الأنبياء جملة ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ يعني: بل نؤمن
بجميعهم ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمؤمنون من هذه الأُمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب
أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، أي: من سلك طريقاً سوى
ما شرعه الله، فلن يقبل منه ﴿وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِينَ﴾ كما قال النبي ◌َّر في الحديث
الصحيح: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ))(٣).
وقال الإمام أحمد: ((حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا
الحسن(٤))، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدنية، قال: قال رسول ◌َله: «تجئ الأعمال يوم
القيامة، فتجى الصلاة فتقول: يا ربِّ، أنا الصلاة فيقول: إنك على خير وتجئ الصدقة فتقول: يا
ربِّ، أنا الصدقة فيقول: إنك على خير، ثم يجي الصيام فيقول: يا ربِّ، أنا الصيام، فيقول:
إنك على خير، ثم تجئ الأعمال كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير، ثم يجئ الإسلام
فيقول: يا ربِّ، أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك
أعطى، قال الله في كتابه: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
(®﴾)) (٥)، تفرد به أحمد. قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة،
ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة (٦).
.﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَهُمُ الْبَيْنَتُّ وَاللَّهُ
لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿﴿ أُوْلَبِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
خَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمُ ﴾﴾.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله(٧) بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا
(١) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به. (٢) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.
(٣) حديث صحيح تقدم تخريجه من الصحيحين في تفسير سورة آل عمران آية ٣١.
(٤) في الأصل: ((الحسين)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٧٢٧) وسنده ضعيف منقطع كما صرح ابن الإمام أحمد في
آخر الرواية.
(٦) المصدر السابق.
(٧) في الأصل: ((عبد))، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.

٣٧٤
• سُورَةُ أَلِ عِنْرَانَ (٩٠، ٩١)
داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدَّ ولحق
بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت ﴿كَيْفَ يَهْدِى
اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(®﴾ فأرسل إليه قومه فأسلم(١). وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن
أبي هند به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٢).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: جاء
الحارث بن سويد فأسلم مع النبي و 9، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه ﴿كَيْفَ يَهْدِى
اللَّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن
رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه(٣).
فقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَ هُمُ
الْبَيِّنَتُ﴾ أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم
الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعدما تلبسوا به من العماية؟
ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ
لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ أي: يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه، ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: في
اللعنة، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم
ساعة واحدة، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ وهذا
من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه، تاب عليه.
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ
٩٠
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِّهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلٌِّ وَمَا لَهُم ◌ِّنْ تَّضِرِينَ
يقول تعالى متوعداً ومتهدداً لمن كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفراً، أي: استمر عليه إلى
الممات، ومخبراً بأنه لن تقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ أَلْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ
أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ [النساء]، ولهذا قال ههنا: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الضَّالُونَ﴾ أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي.
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما سيأتي.
(٢) السنن الكبرى، التفسير، سورة آل عمران، قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِمْ﴾ [آل
عمران: ٨٦] (ح ٨٥)، والإحسان، باب الردة ٣٢٣/٦ (ح ٤٤٦٠)، والمستدرك ١٤٢/٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري، والباوردي وابن منده كلاهما في الصحابة من طريق
جعفر بن سليمان به (ينظر: الإصابة ٢٧٩/١) وسنده مرسل فإن مجاهداً لم يسمع الحارث.

٣٧٥
سُورَةُ العَقْرَانَ (٩٠، ٩١)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن قوماً أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا،
فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله وَله، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ
إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ﴾. هكذا رواه، وإسناده جيد (١)، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَمَاتُؤْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم ◌ِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَلَى بِهِ=﴾ أي: من مات على
الكفر فلن [يقبل منه خيراً أبداً، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة، كما سئل
النبي ◌َّ* عن عبد الله بن جدعان وكان يقري الضيف ويفكُّ العاني ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟
فقال: ((لا، إنه لم يقل يوماً من الدهر: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين)) (٢). وكذلك لو افتدى بملء
الأرض ذهباً ما قبل منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]،
وقال: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ﴾ [إبراهيم: ٣١]،
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ
اَلْقِيَّمَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمِّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ [المائدة: ٣٦]. ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِهِ﴾﴾ فعطف ﴿وَلَوِ اُفْتَدَى﴾ به على
الأول، فدلَّ على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم، ويقتضي
ذلك أن](٣) لا ينقذه من عذاب الله شيء ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهباً، ولو افتدى نفسه من الله
بملء الأرض ذهباً، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها .
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثني شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن
مالك، أن النبي وَّ، قال: ((يُقال للرجل(٤) مِن أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على
الأرض من شيء، أكنت(٥) مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من
ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك))(٦)، وهكذا
أخرجه البخاري ومسلم(٧).
(طريق أخرى): وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا حماد عن ثابت، عن أنس، قال:
قال رسول الله وَالر: ((يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟
فيقول: أي ربِّ [خير منزل، فيقول: سَلّ وتمنّ، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى
الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لِما يرى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول
له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا ربِّ](٨) شرّ منزل، فيقول له: تفتدى مني
(١) حكم عليه الحافظ ابن كثير بجودة إسناده، وهو إسناد الطبري المتقدم عن ابن عباس.
(٢) أخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل
ح ٢١٤).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٤) في الأصل: ((الرجل)) وهو تصحيف.
(٥) في الأصل: ((كنت))، والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٧/٣) وسنده صحيح، وهو متفق عليه كما يأتي.
(٧) صحيح البخاري، الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح٣٣٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين
(ج ٢٨٠٥).
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.

٣٧٦
• سُورَةُ أَلِ عَقْرَانَ (٩٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[بطلاع](١) الأرض ذهباً؟ فيقول: أي ربِّ نعم، فيقول: كذبت، قد سألتك أقلّ من ذلك وأيسر
فلم تفعل، فيرد إلى النار)(٢). ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌّ وَمَا لَهُم مِّنِ نَّصِينَ﴾ أي: وما
لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.
.(@)
- ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَّ وَمَا نُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِ عَلِيمٌ
[روى وكيع في تفسيره عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْرَّ﴾
قال: البر الجنة](٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع
أنس بن مالك، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحبّ أمواله إليه بيرحاء،
وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ◌َل* يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما
نزلت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَن
تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها
وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي قلقى: ((بخ بخ ذاك مال
رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين))، فقال أبو طلحة: أفعل يا
رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، أخرجاه (٤)، وفي الصحيحين أن عمر قال: يا
رسول الله لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال:
(حبس الأصل وسبل(٥) الثمرة))(٦).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن
هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر،
قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية ﴿لَن نَّنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُّونَ﴾ فذكرت ما
أعطاني الله، فلم أجد شيئاً أحب إليَّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حُرَّة لوجه الله، فلو أني
أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، يعني: تزوجتها (٧).
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((ملء)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٧/٣) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم (الصحيح، كتاب صفات
المنافقين ح٢٨٠٧).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (عف). وسنده حسن ويشهد له ما رواه ابن أبي حاتم من طريقين عن ابن
مسعود.
(٤) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] (ح ٤٥٥٤)،
وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة (ح٩٩٨).
(٥) في الأصل: ((سبيل)).
(٦) أخرجه البخاري بنحوه، الصحيح، الشروط، باب الشروط في الوقت (ح ٢٧٣٧)، وكذا في صحيح مسلم
(ح ١٦٣٢).
(٧) كشف الأستار بزوائد البزار (ح٢٩١٤) وأخرجه ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق إبراهيم بن مهاجر عن
مجاهد عن ابن عمر وهذان الإسنادان يقوي بعضها الآخر.

٣٧٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (٩٣، ٩٥)
00000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000000
كُلُّ الَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِّبَنِىَ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُغَزَّلَ
6
فَمَنِ اُفْتَرَىُ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
التَّوْرَةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿ قُلْ صَدَقَ اَللَّهُ فَأَتَِّعُواْ مِلَّةَ إَِّهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُثْرِكِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، قال: قال ابن
عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله وَ ل﴿ فقالوا: حدثنا(١) عن خلال نسألك عنهنَّ لا
يعلمهنَّ إلا نبيّ، قال: ((سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه،
لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام)» قالوا: فذلك لك، قالوا: أخبرنا عن أربع
خلال: أخبرنا أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وأخبرنا كيف
هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه،
فقال: ((أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً،
فطال سقمه، فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه ليُحرمَن أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان
أحبّ الطعام إليه لحمان الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها»؟ فقالوا: اللّهم نعم. قال: ((اللّهم
اشهد عليهم)). وقال: (([أنشدكم](٢) بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل
تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد، والشبه
بإذن الله إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان
أنثى بإذن الله؟)) قالوا: نعم. قال: ((اللَّهم اشهد عليهم)). وقال: (([أنشدكم](٣) بالذي أنزل التوراة
على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه، ولا ينام قلبه))؟ قالوا: اللهم نعم. قال:
((اللّهم اشهد)) قال: ((وإن ولييّ جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه)). قالوا: فعندها نفارقك،
لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ ... ) الآية
[البقرة: ٩٧]. ورواه أحمد أيضاً عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به (٤).
(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن
بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله وَله،
فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك،
فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] قال:
((هاتوا)) قالوا: أخبرنا عن علامة النبي قال: ((تنام عيناه ولا ينام قلبه))، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث
المرأة، وكيف تذكر؟ قال: ((يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذكرت، وإذا علا
ماء المرأة أنثت)) قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: ((كان يشتكي عرق النسا، فلم
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ورواية المسند، وفي الأصل: ((نيئنا)).
(٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) في الأصل: ((أشهدكم)) والتصويب كسابقه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٤٧١، ٢٤٨٣) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي
وحسنه (السنن، التفسير، ومن سورة الرعد ح٣١١٧) وأخرجه الحاكم مختصراً وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٢/ ٢٩٢).

٣٧٨
سُورَةُ الْ عُقْرَانَ (٩٣، ٩٥)
00000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا وكذا - قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل - فحرم لحومها))
قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ((ملك من ملائكة الله رَك موكل بالسحاب
بيده - أو في يديه - مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله (ملك)) قالوا: فما هذا
الصوت الذي يسمع؟ قال: ((صوته)). قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن
أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: ((جبريل نّـ
،،
قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدوناً، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة
والنبات والقطر، لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... ) إلى آخر الآية(١)
وقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي:
حسن غريب(٢). وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيلظلَّ * - وهو يعقوب -
يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر الله لئن
عافاه الله لا يأكل عِرقاً ولا يأكل ولد ما له عرق(٣). وهكذا قال الضحاك والسدي(٤). كذا رواه
وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناناً به واقتداءً بطريقه، قال:
وقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَكَةُ﴾ أي: حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.
قلت: ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان:
(إحداهما): أن إسرائيل لعلّ حرم أحبَّ الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغاً(٥) في
شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فهذا هو
المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ
عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبٍِّ ... ) الآية [الإنسان: ٨].
(المناسبة الثانية): لما تقدم السياق في الردِّ على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح
وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأُمه، كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته
وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تبارك وتعالى، شرع في الردِّ على اليهود، وبيان أن
النسخ(٦) الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن
نوحاً فليّلا لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرَّم
إسرائيل على نفسه لُحمان: الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك،
وأشياء أخرى زيادة على ذلك، وكان الله ربّ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم
ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم عليّ، وقد فعله الخليل في
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه تقريباً (المسند ٢٨٥/٤ ح٢٤٨٣) وحسنه محققوه إلا السؤال عن الرعد.
(٢) سنن الترمذي، الموضع السابق والسنن الكبرى للنسائي ٣٣٦/٥ (ح ٩٠٧٢).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين وكلاهما ضعيف ويشهد له ما تقدم مرفوعاً.
(٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له ما تقدم، وقول السدي أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) قوله: ((سائغاً)) كذا في (عف) و(حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: ((شائعاً)).
(٦) في الأصل: ((المسيح))، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).

٣٧٩
• سُوَّرَةُ أَلِ عَقْرَانَ (٩٦، ٩٧)
هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين
الأختين سائغاً(١)، وقد فعله يعقوب علّ جمع بين الأختين، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة،
وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله
للمسيح لعلّل، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟
وكذلك ما بعث الله به محمداً وَي من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما
بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىَ إِسْرَوِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَوِيلُ عَلَى
نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزََّ التَّوْرَةٌ﴾ أي: كان حلّاً لهم، جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه
إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوَّرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ فإنها ناطقة بما قلناه ﴿فَمَنِ
اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ ﴾﴾ أي: فمن كذب على الله وادعى أنه
شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً، وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج
بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُؤْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ
صَدَقَ الله﴾ أي: قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ﴿ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِنْزَهِيَمَ
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا مِلَّة إبراهيم التي شرعها في القرآن على لسان محمد وليه
فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكل منها ولا أبينٍ ولا
أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَبْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمَا مِلََّ إِنَزَهِيمَ حَنِفَأْ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(يَا﴾ [الأنعام].
فِيهِ مَايَكْتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيدٌ
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ
وَمَنْ دَخَلَهُ كَنَ ءَامِنَاً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ اَلْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اُلْعَلَمِينَ
يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس؛ أي: لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به،
ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليللعلَّل* الذي
يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه
عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ أي: وضع مباركاً
﴿وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن
أبيه، عن أبي ذرّ رَظُه، قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال:
((المسجد الحرام). قلت: ثم أي؟ قال: ((المسجد الأقصى)). قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون
سنة)). قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم حيث أدركتَ الصلاة فصلّ فكلها مسجد))(٢). وأخرجه البخاري
ومسلم من حديث الأعمش به(٣) .
(١) في الأصل: ((سابقاً)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٠) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ ... ﴾ [ص: ٣٠] (ح ٣٤٢٥)،
وصحيح مسلم، المساجد، الحديث الأول (ح ٥٢٠).

٣٨٠
• سُوْدَةُ أَلِ غَيْرَانَ (٩٦، ٩٧)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن(١) بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، عن
شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي ◌َُّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى
بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله(٢).
وحدثنا أبي، حدثنا الحسن(٣) بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن
عرعرة (٤)، قال: قام رجل إلى علي ظُه، فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في
الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً(٥). وذكر تمام
الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا .
وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقاً (٦)، والصحيح قول علي ظه. فأما
الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن
أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((بعث الله جبريل إلى آدم
وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا
أول بيت وضع للناس))(٧) فإنه كما ترى من مفردات(٨) ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه - والله
أعلم - أن يكون هذا موقوفاً على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم
اليرموك من كلام أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبُ
أعناق الظلمة والجبابرة (٩) بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون
فيها؛ أي يزدحمون(١٠). قال قتادة: إن الله بكَّ به الناس جميعاً، فيصلي النساء أمام الرجال ولا
يفعل ذلك ببلد غيرها(١١). وكذا روى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب
ومقاتل بن حيان(١٢).
(١) في الأصل: ((الحسين)) وهو تصحيف، والتصويب من التخريج و(عف).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفيه مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي كما في التقريب، ويشهد له
قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُتَكُمْ قِبْلَةُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ﴾ [يونس: ٨٧]. ورجح قول علي الحافظ ابن كثير كما
سيأتي.
(٣) في الأصل: ((الحسين) وهو تصحيف، والتصويب كسابقه.
(٤) في الأصل: ((عمرة)) وهو تصحيف والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه كاملاً، وفي سنده خالد بن عرعرة سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح
والتعديل ٣٤٣/٣)، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٢٩٣/٢).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم سند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٧) دلائل النبوة ٤٥/٢، وقد أكد البيهقي على تفرد ابن لهيعة بهذا الحديث.
(٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((تفردات)) وكلاهما صحيح.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند صحيح عن محمد بن زيد بن مهاجر.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند حسن عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم بلفظه بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(١٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وقول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد حسان.