Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سُورَةُ العَقْرَانَ (٣٨، ٤١)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن كَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحمد الله وقال: ((الحمد لله الذي جعلك يا بنية
شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً وسئلت عنه، قالت: هو من
عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب)) فبعث رسول الله و لو إلى علي، ثم أكل
رسول الله ◌َ، [وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي(وَ[3](١) وأهل بيته حتى
شبعوا جميعاً، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران،
وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً(٢).
فَنَادَتْهُ
] ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبٍَّّ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَّةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَِّ
الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِ اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ
الضَّالِحِينَ ﴿َ قَالَ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا
يَشَآءُ ﴿ قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَهْزًا وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا
وَسَبِّحْ بِلْعَشِّ وَالْإِبْطَرِ
لما رأى زكريا عليّ أن الله يرزق مريم ينا فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في
الشتاء، طمع حينئذٍ في الولد وكان شيخاً كبيراً قد ضَعُفَ، ووهن منه العظم واشتعل الرأس شيباً،
وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقراً، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفياً، وقال: ﴿رَبِّ
هَبْ لِ مِن لَّدُنكَ﴾ أي: من عندك ﴿ذُرِيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: ولداً صالحاً ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَِّ﴾. قال
تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَبِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِ الْمِحَابِ﴾ أي: خاطبته الملائكة شفاهاً خطاباً، أسمعته
وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما
بشرته به الملائكة ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة
وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان(٣).
وقوله: ﴿مُصَدِّقًّا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة
وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية: ﴿مُصَدِّقًا
بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى ابن مريم(٤).
وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم (٥) .
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٢) في سنده عبد الله بن لهيعة فيه مقال، وعبد الله بن صالح: صدوق كثير الخطأ ثبت في كتابه فيه غفلة
(التقریب ص٣٠٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان عن قتادة.
(٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول عكرمة تقدم عند ابن أبي حاتم، وقول قتادة أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق النضر بن عربي،
وطريق الضحاك أخرجه ابن المنذر بسند صحيح من طريق علي بن الحكم عنه. وطريق السدي أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.

٣٤٢
• سُورَةِ الِغَقْرَانَ (٣٨، ٤١)
00000000000000000000000000000000 0000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه(١).
وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾، قال: كان يحيى وعيسى
ابني خالة، وكانت أُم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك
تصديقه بعيسى تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى (٢)، وكلمة الله عيسى، وهو
أكبر من عيسى ◌ِلَّا(٣)، وهكذا قال السدي أيضاً(٤).
قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحليم(٥).
قال قتادة: سيداً في العلم والعبادة(٦).
وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحليم التقي(٧).
قال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم(٨). وقال عطية: السيد في خلقه ودينه.
وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب(٩).
وقال ابن زيد: هو الشريف (١٠)
.
وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله ميت(١١).
وقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي
الشعثاء وعطية العوفي، أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء(١٢).
وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له(١٣).
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((بعيسىُ)).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) قول الربيع بن أنس ذكره عبد بن حميد وابن أبي حاتم تعليقاً وكذا قول أبي العالية ذكره ابن أبي حاتم
بحذف السند، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه (المصنف
٥٦٢/١١ رقم ١١٩٥٧)، وقول قتادة ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٧) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف، وقول الضحاك أخرجه الطبري والخرائطي (مكارم
الأخلاق ص٦٠) بسند ضعيف، وقول الثوري أخرجه الطبري بسند حسن عنه.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن سعيد عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي بكر الهذلي عنه.
(١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(١١) أخرجه مسلم بن خالد الزنجي من طريق ابن أبي نجيح عنه وسنده صحيح (التفسير ص٧٤).
(١٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف وقول ابن مسعود أخرجه الطبري وابن المنذر بسند
حسن، وقول مجاهد أخرجه مسلم بن خالد الزنجي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه (التفسير
ص٧٤)، وقول سعيد بن جبير أخرجه البخاري معلقاً (الصحيح، تفسير سورة آل عمران ٤١/٦)، وقول
عكرمة أخرجه البيهقي معلقاً (السنن الكبرى ٨٣/٧)، وقول أبي الشعثاء أخرجه عبد بن حميد معلقاً.
(١٣) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف الإسناد، وقول الربيع أخرجه ابن المنذر بسند جيد من طريق أبي جعفر
الرازي عنه.

٣٤٣
سُورَةُ آل عمران (٣٨، ٤١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له (١).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه،
عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء(٢).
وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثاً غريباً جداً، فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب
البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عباد - يعني ابن العوام - عن يحيى بن سعيد، عن
سعيد بن المسيب، عن ابن العاص - لا يدري عبد الله أو عمرو - عن النبي ◌ّ في قوله:
﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: ثم تناول شيئاً من الأرض، فقال: ((كان ذكره مثل هذا))(٣). ورواه ابن
المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر،
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:
قال رسول الله وَله: ((ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا))، فإن الله يقول:
﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: ((وإنما ذكره مثل هدبة الثوب)) وأشار بأنملته(٤).
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن
سعيد الأنصاري، أنه سمع سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد
من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا. ثم قرأ سعيد ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، ثم أخذ شيئاً
من الأرض، فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه
السبابة(٥). فهذا موقوف أصح إسناداً من المرفوع بل وفي صحة المرفوع نظر، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا : حدثنا
حجاج بن سليمان العمري(٦)، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة أن النبي وَلفي قال: ((كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه إن شاء أو
يرحمه، إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين)) ثم أهوى النبي ◌َّ إلى
قذاة من الأرض، فأخذها وقال: ((وكان ذكره مثل هذه القذاة))(٧).
[وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفا: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿وَحَصُورًا﴾
ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوباً أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء،
وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء عليه، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا
يأتيها كأنه حُصِر عنها. وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق قابوس عن أبيه عنه.
(٣) أخرجه ابن المنذر بسنده ومتنه (التفسير ص١٩١) وفي سنده سويد بن سعيد لين الحديث (التقريب
ص٢٦٠)، ونص ابن المنذر ورد في الأصل قبل رواية أبي هريرة التالية وأثبت كما في (عف) و(مح).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكم عليه ابن كثير.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده صحيح.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: ((العمري)) وهو تصحيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حجاج بن سليمان القمري وهو منكر الحديث (الجرح
والتعديل ١٦٢/٣).

٣٤٤
• سُورَةُ آلِغَقْرَانَ (٤٢، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد بَانَ لكَ من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم
يمنعها إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله رَ كيحيى لعلا، ثم هي في حق من قدر عليها،
وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا، وهي درجة نبينا وَّر الذي لم يشغله كثرتهن
عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد
صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: ((حُبب إليَّ من
دنياكم))(١) هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه
كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء
الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال:
﴿هَبْ لِ مِن لَّدُّنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولداً له ذرية ونسل وعقب، والله (وَلَ أعلم] (٢).
وقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّلِينَ﴾ هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من
الأولى، [كقوله لأُم موسى: ﴿إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]](٣) فلما تحقق
زكريا علَّه هذه البشارة، أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ﴿قَالَ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ تُلَمُ
وَقَدْ بَلَغَنِىَ اُلْكِبَرُ وَأَمْرَتِى عَاقِرٌ قَالَ﴾ أي: الملك ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ أي: هكذا أمر الله
عظيم، لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر، ﴿قَالَ رَبٍّ أَجْعَل ◌ِيَّ ءَايَةٌ﴾ أي: علامة أستدل بها على
وجود الولد مني ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾ أي: إشارة لا تستطيع النطق
مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: ﴿ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ثم أمر بكثرة الذكر
والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾.
وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.
يَمَرْيَمُ
- ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ (َه)
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
أَقْنُقِ لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَزْكَبِى مَعَ الَرَّكِمِينَ
يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (@)﴾
هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عقله عن أمر الله لهم بذلك، أن الله قد
اصطفاها؛ أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس،
واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله وَليته:
((خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده،
ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط)) ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم، فإنه رواه عن
محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق(٤) به.
(١) حديث صحيح تقدم نحوه في بداية تفسير الآية رقم (١٤) من هذه السورة.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٤) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل نساء قريش (ح٢٠١، ٢٠٢).

٣٤٥
• سُورَةُ الَّعَتْرَانَ (٤٢، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب نظرته، قال:
سمعت رسول الله (8* يقول: ((خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد))
أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله(١).
وقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن
أنس، أن رسول الله وَل قال: ((حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت
خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون)) تفرد به الترمذي وصححه(٢).
قال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن
مالك، أن رسول الله وَالر، قال: ((خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة
فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله)) رواه ابن مردويه(٣).
وروى ابن مردويه من طريق شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَتليفون:
((كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون،
وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (٤).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مُرَّة،
سمعت مرة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله وَ له: «كَمُلَ من
الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون)). وقد أخرجه
الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به، ولفظ البخاري: ((كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل
من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد
على سائر الطعام))(٥). وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم تظلّلام
في كتابنا البداية والنهاية(٦)، ولله الحمد والمنة.
ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في
العمل، لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه مما فيه محنة لها، ورفعة في الدارين بما
أظهر الله فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولداً من غير أب، فقال تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُقِى
لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَبِى مَعَ الزَّكِينَ ﴾﴾ أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بَل
لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلُّ لَّهُر قَدِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
(١) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ... ﴾ [آل عمران:
٤٢] (ح ٣٤٣٢)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل خديجة أم المؤمنين يتا (ح ٣٤٣٠).
(٢) السنن، المناقب، باب فضل خديجة ﴿قا (ح٣٨٨٨).
(٣) في سنده عبد الله بن أبي جعفر الرازي: وهو صدوق يخطئ (التقريب ص٢٩٨)، وأبوه: عيسى بن أبي
عيسى: صدوق سيء الحفظ (التقريب ص٦٢٩) وما يرويه ليس من صحيفة أبي العالية، فالإسناد ضعيف.
(٤) أخرجه البخاري نحو من حديث أبي موسى الأشعري دون ذكر خديجة وقد ورد ذكرها في الحديث السابق
المتفق عليه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبَكَةُ ... ﴾ (ح٣٤٣٣).
(٥) تقدم تخريجه من صحيح البخاري في الحديث السابق.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل بلفظ: ((الهداية)) وهو تصحيف، والنص ورد في البداية
والنهاية (٨/ ٥٥ - ٥٦).

٣٤٦
• سُوْدَةُ أَلِّعَقْرَانَ (٤٢، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الحاث، أن دراجاً أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله وَلّه، قال:
((كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة)) (١). ورواه ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن
دراج به(٢)، وفيه نكارة (٣).
وقال مجاهد: كانت مريم لا تقوم حتى تتورم كعباها(٤).
والقنوت: هو طول الركود في الصلاة، يعني امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْتِى لِرَبِّكِ﴾ .
قال الحسن: يعني أعبدي لربك(٥). ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الرَّكِينَ﴾ أي: كوني منهم.
وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة، حتى نزل الماء الأصفر في
قدميها(٦)، ﴿ثقا. [وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي،
وفيه مقال: حدثنا علي بن بحر بن بري، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن
أبي كثير، في قوله: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُنِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى﴾ قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في
عينيها(٧). وذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب،
قال: كانت مريم عَل، تغتسل في كل ليلة](٨).
ثم قال تعالى لرسوله بعدما أطلعه على جلية الأمر: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي:
نقصه عليك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
أي: ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك
حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في
الأجر.
قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن
أبي بزة، أنه أخبره عن عكرمة، وأبي بكر، عن عكرمة، قال: ثم خرجت بها - يعني: أُم مريم
بمريم - تحملها، في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ◌َّاه، قال: وهم يومئذٍ يلون
في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها، وهي
أنثى، ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردّها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران
يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا، فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا
تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة،
فقرعهم زكريا فكفلها (٩).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه دراج وروايته عن أبي هيثم ضعيفه كما في التقريب.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((مكابرة)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الثوري بسند حسن من طريق الحكم بن عتيبة عن مجاهد (التفسير ص٣٦).
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمرو بن أبي سلمة عنه.
(٧) تاريخ دمشق، تراجم النساء ص٣٦٩. وحكم على سنده الحافظ ابن كثير بقوله: وفيه مقال.
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٩) هذه الرواية تقدمت في تفسير الطبري عند الآية ٣٧ (تفسير الطبري ٣٥١/٦ رقم ٦٩٠٩) وفيها الحسين وهو =

٣٤٧
• سُورَةُ العَقْرَانَ (٤٥، ٤٧)
٠
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ذكر عكرمة أيضاً (١) والسدي وقتادة والربيع بن أنس وغير واحد، دخل حديث بعضهم في
بعض، أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن، واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه فأيهم يثبت في جَرْيَة
الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال: إنه ذهب صعداً يشق
جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم، صلوات الله وسلامه عليه(٢).
- ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى
وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلَّا وَمِنَ الصَّلِحِينَ (٨) قَالَتْ رَبٍ أَنَّى يَكُونُ
اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ
لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌّ قَالَ كَذَلِكِ اَللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٍ، إِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
هذه بشارة من الملائكة لمريم قليلا بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير. قال الله تعالى:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي:
بقوله له: كن فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكر
الجمهور على ما سبق بيانه ﴿أَسْمُهُ اُلْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: يكون مشهوراً بهذا في الدنيا،
يعرفه المؤمنون بذلك وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته (٣). [وقيل أنه كان مسيح
القدمين، لا أخمص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات برئ، بإذن الله
تعالى] (٤)، وقوله: ﴿عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبة إلى أُمه حيث لا أبَ له. ﴿وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ
اُلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من
الكتاب وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه
أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال
صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك ﴿ وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في قوله
وعمله، له علم صحيح وعمل صالح.
قال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَّير: ((ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جُريج))(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر(٦) يحيى بن محمد بن قزعة، حدثنا الحسين - يعني
= ابن داود ولقبه: سنيد وهو ضعيف وابن جريج لم يصرح بالسماع، فالإسناد ضعيف.
(١) في الأصل: ((عكرمة والسدي)) أيضاً والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) وهو الصواب لأن القول السابق
لعكرمة فقط وليس للسدي.
(٢) ذكره نحوه الطبري في الموطن السابق كما في الحاشية السابقة.
(٣) أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي يحيى عبد الرحمن الثقفي بلفظ: ((كان سائحاً)).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق وسيأتي من
طريق آخر صحيح.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((أبو الصف)) وهو تصحيف.

٣٤٨
• سُورَةُ الْ عَثْرَانَ (٤٨، ٥١)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
المروزي -، حدثنا جرير - يعني ابن حازم -، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي وَلقر، قال:
((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جُريج، وصبي آخر)) (١).
فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله رَك، قالت في مناجاتها: ﴿رَبٍ أَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ
وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَرٌ﴾ تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن
أتزوج، ولست بغياً حاشا لله؟ فقال لها الملك عن الله رَك في جواب ذلك السؤال: ﴿كَذَلِكِ اَللَّهُ
يَخْلُقُ مَا يَتَهُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء، وصرح ههنا بقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَمْ﴾ ولم
يقل: يفعل، كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكدّ ذلك
بقوله: ﴿إِذَا قَضَوْ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فلا يتأخر شيئاً بل يوجد عقب الأمر بلا مهلة
[القمر] أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها،
كقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّ وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ
فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح بالبصر.
وَرَسُولًا إِلَى بَنِىّ إِسْرَوِيلَ أَنِ قَدْ جِئْتُكُم ◌َِابَةِ
٤٨
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ
مِّن رَّبِّكُمْ أَنِ أَغْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِينِ كَهَنَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُنُ طَيْرًا بِذْنِ اللّهِ وَأَبْرِىُ الْأَكْمَهَ
وَاْأَبْرَ وَأُخِ اَلْمَوْقَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُوتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لَكُمْ إِن كُمُ
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ
مُؤْمِنِينَ
مِّن رَّبِّكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
يقول تعالى مخبراً عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى ظلّلها: أن الله يعلمه ﴿اُلْكِنَبَ
وَالْحِكْمَةَ﴾، الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة، والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة،
و﴿ وَالتَّوْرَنَّةَ وَاَلْإِنِلَ﴾، فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل
على عيسى ابن مريم ◌َها. وقد كان عيسى لعلّلا يحفظ هذا وهذا.
وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ أي: يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً لهم: ﴿أَنّ قَدْ
جِثْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنْ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ اُلِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُنُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾
وكذلك كان يفعل، يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه فيطير عياناً بإذن الله ، الذي
جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله ﴿وَأُتْرِىءُ الْأَكْمَهَ﴾ قيل: إنه الذي يبصر نهاراً ولا يبصر
ليلاً(٢)، وقيل: بالعكس. وقيل: الأعشى. وقيل: الأعمش(٣). وقيل: هو الذي يولد أعمى(٤)
وهو أشبه، لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي ﴿وَالْأَبْرَفَ﴾ معروف، ﴿وَأُخِ اٌلْمَوْقَ بِإِذْنِ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة وهو مقبول كما في التقريب،
وقد توبع في الصحيحين فأخرجه البخاري عن مسلم بن إبراهيم، ومسلم من طريقٍ يزيد هارون كلاهما عن
جرير بن حازم (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَأَذَكَّرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَ ... ﴾
[مريم: ١٦] ٢٠١/٤) الطبعة اليونينية وصحيح مسلم، البر والصلة، باب تقديم بر الوالدين بعد حديث رقم
(٢٥٥٠). وهذا الحديث وما بعده خمسة أحاديث سقط من فتح الباري الطبعة السلفية (٤٦٩/٦).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن قتادة.

٣٤٩
سُورَةُ الْ عُقْرَانَ (٥٢، ٥٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تُناسب أهل زمانه، فكان الغالب
على زمان موسى ظلَّل السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيّرت كل
سحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما
عيسى علّا، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد
إليه إلا أن يكون مؤيداً من الذي شرَّع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على
مداواة الأكمه والأبرص؟ وبعث من هو في قبره رهين(١) إلى يوم التناد. وكذلك محمد وَله، بعث
في زمان الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله رَك، لو اجتمعت الإنس والجن
على أن يأتوا بمثله [أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله](٢) لم يستطيعوا أبداً ولو كان بعضهم
لبعض ظهيراً، وما ذاك إلا لأن كلام الربِّ وَ لا يشبه كلام الخلق أبداً، وقوله: ﴿وَأُنَيِّئُكُمْ بِمَا
تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾ أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغد،
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك كله ﴿لَيَّةً لَّكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ﴾ أي: مقرراً لها ومثبت ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ
عَلَيَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن عيسى عظّ نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين.
ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئاً، وإنما أحلَّ لهم بعض ما كانوا تنازعوا فيه،
فأخطأوا وانكشف لهم عن المُغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى ﴿ وَلِأُبِنَ لَكُمْ بَعْضَ أَلَّذِى
تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] والله أعلم. ثم قال: ﴿وَجِئْتُكُم بَِايَةٍ مِنْ نَيْكُمْ﴾ أي: بحجة ودلالة
على صدقي فيما أقول لكم: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَّ وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ﴾ أي: أنا وأنتم
سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه ﴿هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .
٤ فَلَمَّا أَحَسَ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُنَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ
ءَامَنَا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿﴿ رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ
.
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
٥٢)
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على
الضلال، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ﴾ قال مجاهد: أي: من يتبعني إلى الله(٣).
وقال سفيان الثوري وغيره: أي من أنصاري مع الله(٤)؟ قول مجاهد: أقرب. والظاهر أنه أراد
من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي وسلم يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: ((من
رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)(٥) حتى وجد الأنصار،
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((من هو رهين في قبره)).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه. وقد رجحه الحافظ ابن كثير.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن يوسف الفريابي عنه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر (المسند ٣٢٢/٣)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/
٦٢٤) وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٧/ ١٧٧).

٣٥٠
• سُورَةُ الْ عَثْرَانَ (٥٨،٥٥)
فآووه ونصروه وهاجر إليهم، فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر، رضي الله عنهم وأرضاهم.
وهكذا عيسى ابن مريم ظلّ انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور
الذي أنزل معه، ولهذا قال الله تعالى مخبراً عنهم: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الَّهِ مَامَنَا بِلَّهِ وَاشْهَدْ
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿ رَبََّآ ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ وَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾﴾ الحواريون قيل:
كانوا قصارين(١)(٢)، وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم(٣)، وقيل: صيادين(٤).
والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وليو لما ندب الناس
يوم الأحزاب، فانتدب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير ظه، فقال النبي ◌َّه: ((إنَّ لكل نبيّ
حواري، وحواربي الزبير))(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة،
عن ابن عباس ﴿ّ في قوله: ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِينَ﴾ قال: مع أمة محمد ◌ٍَّ(٦)، وهذا إسناد جيد.
ثم قال تعالى مخبراً عن ملا بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك(٧) بعيسى ظلّ*، وإرادته بالسوء
والصلب حين تمالؤوا عليه، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافراً، فأنهوا إليه أن ها هنا رجلاً
يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك مما
تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من
يأخذه ويصلبه وينكِّل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجَّاه الله تعالى من بينهم ورفعه
من روزنة (٨) ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل
أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان
هذا من مكر الله بهم، فإنه نجَّى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون
أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعناداً للحق ملازماً لهم، وأورثهم ذلة لا
٠
تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَنْكِرِينَ
.
2- ﴿إِذَا قَالَ اللّهُ يَعِيسَىَ إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعَكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَبَعُوكَ فَوْقَ
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (@)
فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَمَا لَهُم مِّن نَصِرِينَ ﴿﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ
فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمُّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ ﴿﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (
٥٨
اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾ فقال قتادة وغيره: هذا من
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((نصارى)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣)(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل الطليعة (ح٢٨٤٦)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من
فضائل طلحة والزبير (ح٢٤١٥).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.
(٧) كذا في (عف)، وفي الأصل و(حم) و(ح): ((القتل)).
(٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((ذروة)) وهو تصحيف.

٣٥١
• سُورَةُ أَلِ غَزَانَ (٥٨،٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إليّ ومتوفيك، يعني بعد ذلك(١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إني متوفيك، أي: مميتك(٢).
وقال محمد بن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفّاه الله ثلاث ساعات من
النهار حين رفعه إليه (٣). قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفّاه سبع ساعات، ثم أحياه.
وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه.
وقال مطر الوراق: متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت(٤)، وكذا قال ابن جرير: توفيه هو
رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا(٥) - النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَّيْلِ
وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنََّارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ
فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ تُسَمَّىَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمِ
بَنَفَكْرُونَ
(٤)﴾ [الزمر]، وكان رسول الله وَلا، يقول إذا قام من النوم: ((الحمد الله الذي أحيانا
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا
٨٥٦
بعدما أماتنا ... )) (٦) الحديث. وقال تعالى: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا
قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ [وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيِّهَ لَهُمْ﴾](٧) إلى قوله: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ
يَقِينًا ﴿ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيًَّا ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ(٨) بِ قَبْلَ مَوْنِدٌ
وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء].
والضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْنٍِّ﴾ عائد على عيسى لعلّها، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن
بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه،
فحينئذٍ يؤمن به أهل الكتاب كلهم، لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر،
عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: ﴿ إِّ مُتَوَفِيكَ﴾: يعني وفاة
المنام، رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله وَ﴾ [لليهود](٩): ((إن عيسى لم يمت،
وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة)) (١٠).
وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَبَعُوكَ
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهكذا وقع فإن المسيح فعلا، لما رفعه الله إلى السماء،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، بسند ثابت عنه.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر.
(٥) أخرجه الطبري بسند جيد عن الربيع بن أنس، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن جريج.
(٦) أخرجه البخاري من حديث حذيفة (الصحيح، الدعوات، باب ما يقول إذا أصبح ح٦٣٢٥).
(٧) ما بين قوسين زيادة من (عف).
(٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((سيومنن)) وهو تصحيف.
(٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وتفسير الحسن إسناده حسن، وروايته عن النبي ◌َّهُ مرسلة.

٣٥٢
• سُورَةُ آلْ عُقْرَانَ (٥٨،٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تفرقت أصحابه شيعاً بعده، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته،
ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد
حكى الله مقالاتهم في القرآن ورد على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريباً من ثلاثمائة سنة، ثم
نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده،
فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه إلا أنه بدل لهم دین المسیح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه،
ووضعت له القوانين، والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحلَّ في زمانه لحم الخنزير،
وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه
فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع
والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة الملكية
منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم، لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن
كان الجميع كفاراً عليهم لعائن الله، فلما بعث الله محمداً بَّر، فكان من آمن به يؤمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ [قد](١)
صدَّقوا الرسول النبيَّ الأُمي العربي، خاتم الرسل وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق
بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مع ما قد
حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله
به محمداً له من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائماً منصوراً
ظاهراً على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واجتازوا جميع
الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما،
وأُنفقت في سبيل الله كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم رَكَ في قوله: ﴿وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَسْتَغَِنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُمُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح
حقاً، سلبوا النصارى بلاد الشام وأجلوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال
الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة.
وقد أخبر الصادق المصدوق وي أُمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من
الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً، لم يرَ الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد
جمعت في هذا جزءاً مفرداً، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَّعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٦ ◌َأَمَا الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن ◌َّصِرِينَ (3﴾﴾﴾ وكذلك فعل تعالى بمن
كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه وأطراه (٢) من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي،
وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشقّ ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ
مِن وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَلِحَتِ فَيُوَفِّيِهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: في الدنيا
(١) ((قد)) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((والمره)) وهو تصحيف.

٣٥٣
سُورَةُ العَقْرَانَ (٥٩، ٦٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ ﴾﴾ أي: هذا الذي قصصنا
عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، وهو مما قاله الله تعالى وأوحاه إليك
ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍّ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَ أَمْرًا فَإِنَّمَا
(٣٥)﴾ [مريم] وههنا قال تعالى:
يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
اُلْحَقُ مِن
2] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَّمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
زَّيَِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتَرِنَ ﴿ فَمَنْ حَلَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ
وَنِسَآَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اَللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ
اَلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ
ءَدَمَّ﴾ فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أُم بل ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالذي
خلق آدم من غير أب، قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى (والأَحرى](١) وإن جاز ادعاء
البنوة في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق
أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً، ولكن الربَّ جلَّ جلاله أراد أن
يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق
عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم:
﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] وقال ههنا: ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَلاَ تَكُ(٢) مِّنَ الْمُمْتَِّينَ﴾ أي هذا هو
القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
ثم قال تعالى آمراً رسوله و ﴿، أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور الباني ﴿فَمَنْ
حَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَذِسَآءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾
أي: نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبَبِلْ﴾ أي: نلتعن ﴿فَنَجْعَل لَّمْنَتَ اَللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾
أي: منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد
نجران النصارى حين قدموا فجعلوا يحاجّون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة
والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم(٣)، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار،
قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله وَّ ر وفد نصارى نجران ستون
راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم(٤) وهم: العاقب واسمه
عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس بن الحارث،
وزيد، وقيس، ويزيد ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنّس، وأمر هؤلاء يؤول
(١) زيادة من (عف) و(ح) و(مح).
(٢) في الأصل: ((تكونن)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن الربيع بن أنس لكنه مرسل، - مطولاً -.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل و(مح): ((يؤول إليهم أمرهم))، وكلاهما صحيح.

٣٥٤
سُورَةُ العَقْرَانَ (٥٩، ٦٣)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إلى ثلاثة منهم وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون
إلا عن رأيه، والسيد وكان ثِمالهم(١) وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة، وكان
أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان رجلاً من العرب من بني بكر بن وائل،
ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته
في دينهم (٢)، وقد كان يعرف أمر رسول الله وَله وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة
جيداً، ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند
أهلها .
قال ابن إسحاق(٣): وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله ول
المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جُبب وأردية في جمال
رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ربَّ: ما رأينا بعدهم
وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ويهله، فقال رسول الله وَله :
((دعوهم)) فصلوا إلى المشرق، قال: فكلّم رسول الله وَّر منهم: أبو حارثة بن علقمة، والعاقب
عبد المسيح، والسيد الأيهم(٤) وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون:
هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله [عن قولهم علواً كبيراً](٥).
وكذلك النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام،
ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بأمر الله تعالى
وليجعله الله آية للناس. ويحتجون على(٦) قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد
تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة
بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وأمرت
وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم. وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن، فلما كلمه
الحبران، قال لهما رسول الله وص له: ((أسلما)) قالا: قد أسلمنا، قال: ((إنكما لم تسلما فأسلما)).
قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: ((كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما الله ولداً وعبادتكما
الصليب وأكلكما الخنزير)). قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله وَ﴿ عنهما فلم يجبهما،
فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية
منها (٧). ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها(٨) .. إلى أن قال: فلما أتى رسول الله وَّو الخبر
(١) ثُمالهم: ورد في نسخة (عف) تحت هذه الكلمة: بالكسر الغِيات. وهو معنى الثمال فقد ذكر ابن الأثير
الثِّمال بالكسر الملجأ والغياث، وقيل: هو المُطعِم في الشدة (النهاية ٢٢٢/١).
(٢) سيرة ابن هشام بتصرف ٥٧٣/١.
(٣) في الأصل: ((ابن عباس)) وهو تصحيف.
(٤) ورد في الصحيحين من حديث حذيفة مجيء وفد نجران وفيه العاقب والسيد، كما سيأتي في الصفحة
التالية.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٦) كذا في (عف) و(حم)، وفي الأصل و(مح): ((في)).
(٧) سيرة ابن هشام ٥٧٥/١ - ٥٧٦ ورد ذكره بأطول منه وسنده معضل، لأن محمد بن جعفر الزبير تابع تابعي.
(٨) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦ - ٥٨٣.

٣٥٥
• سُوْرَةُ الَ ◌ّعْرَانَ (٥٩، ٦٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردُّوا ذلك عليه دعاهم
إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا
إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال:
والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر
صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط، فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه
للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول
في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا النبي و ﴿ فقالوا: يا أبا القاسم، قد
رأينا ألَّا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه
لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا، قال محمد بن جعفر: فقال
رسول الله وسلم: ((ائتوني العشية(١) أبعث معكم القوي الأمين)) فكان عمر بن الخطاب له يقول:
ما أحببت الإمارة قط حبي(٢) إياها يومئذٍ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجراً،
فلما صلى رسول الله وَ﴾ الظهر، سلّم ثم نظر عن يمينه ويساره فجعلت أتطاول له ليراني، فلم
يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال: ((اخرج معهم فاقضٍ بينهم بالحق
،(٣)
فيما اختلفوا فيه)). قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة نصّ ◌ُبئه
وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم [بن عمر](٤) بن قتادة، عن محمود بن
لبيد، عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله وص له ... فذكر نحوه(٥)، إلا أنه
قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق، وزيادات أخر.
وقال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن صِلة بن زفر، عن حذيفة ظُه، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى
رسول الله ﴿ ﴿ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبياً
فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا
تبعث معنا إلا أميناً، فقال: ((لأبعثنَّ معكم رجلاً أميناً حق أمين حق أمين))، فاستشرف لها
أصحاب رسول الله وَلفر، فقال: ((قُم يا أبا عبيدة بن الجراح)) فلما قام، قال رسول الله وَ له: ((هذا
أمين هذه الأُمة) رواه البخاري أيضاً ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي
إسحاق السبيعي، عن صِلة، عن حذيفة، بنحوه (٦). وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من
حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلة، عن ابن مسعود بنحوه(٧).
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن
(٢) في الأصل: ((حتى)) وهو تصحيف.
(١) في الأصل: ((العيشة)) وهو تصحيف.
(٣) سيرة ابن هشام ٥٨٣/١ - ٥٨٤ وسنده معضل كسابقه.
(٤) ((ابن عمر)) سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) في سنده عنعنة ابن إسحاق ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.
(٦) صحيح البخاري، المغازي، باب قصة أهل نجران (ح ٤٣٨٠)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب
فضائل أبي عبيدة بن الجراح (ح ٢٤٢٠).
(٧) المسند (ح ٣٩٣٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، فضل أبي عبيدة بن الجراح (ح١٣٦).

٣٥٦
سُورَةُ العَقْرَانَ (٦٣،٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 000 000 000000000
رسول الله وَل﴿، قال: ((لكل أُمة أمين، وأمين هذه الأُمة أبو عبيدة بن الجراح))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات(٢)، عن عبد الكريم بن
مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل قبحه الله، إن رأيت محمداً
يصلي عند الكعبة لآتينَّه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال: ((لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو
أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله وله
لرجعوا(٣) لا يجدون مالاً ولا أهلاً))(٤)، وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن
معمر، عن عبد الكريم به، وقال الترمذي: حسن صحيح (٥).
قال ابن مردويه(٦): وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جداً، ولنذكره
فإن فيه فوائد كثيرة، وفيه غرابة، وفيه مناسبة لهذا المقام. قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله
الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع(٧)، عن أبيه، عن
جده، قال يونس - وكان نصرانياً فأسلم -: إن رسول الله وَل﴿، كتب إلى أهل نجران قبل أن
ينزل عليه: طس(٧) سليمان ((باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى
أسقف نجران وأهل نجران أسلم أنتم، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد
فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم
فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام)). فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فَظُعَ به (٨)،
وذعره ذعراً شديداً، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة، وكان من
همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة (٩) قبله لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب، فدفع
الأسقف كتاب رسول الله وَ﴿ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال
شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا
هو ذاك الرجل، ليس لي في أمر النبوة رأي، ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك
فيه برأيي وجهدت لك، فقال الأسقف: تنجَّ فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث
الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من
حِمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف:
(١) صحيح البخاري، المغازي، باب قصة أهل نجران (ح ٤٣٨٢).
(٣) في الأصل: ((رجعوا)) والمثبت هو الصواب.
(٢) في الأصل: ((في قراة)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٢٢٢٥) وسنده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن
عبد الكريم به (التفسير ص٩٩).
(٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (ح٣٣٤٨). وقال: حسن صحيح غريب.
(٦) كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي (عف) و(مح) بدون: ((قال ابن مردويه)). اهـ. ولم أعلم أن ابن مردويه
ينقل عن البيهقي.
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: ((سيوع)) وهو تصحيف.
(٨) كذا في (عف) والتخريج، وفي الأصل: ((قطع به)) وهو تصحيف، ومعناه: افزعه.
(٩) في الأصل: ((معطلة)) وهو تصحيف، وما أثبت من (عف).

٣٥٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (٥٩، ٦٣)
.
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تنحَ(١) فاجلس، فتنحى فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن
فيض(٢) من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه؟ فقال
له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف، فتنحى فجلس ناحية، فلما اجتمع الرأي منهم
على تلك المقالة جميعاً، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في
الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوس ورفعت
النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضُرب بالناقوس ورفعت المسوح، أهل الوادي أعلاه وأسفله،
وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه (٣) ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل،
فقرأ عليهم كتاب رسول الله وَليه، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن
يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي،
فيأتونهم بخبر رسول الله وَله .
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللاً لهم يجرونها من
حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله و ﴿ فسلموا عليه، فلم يرد عليهم،
وتصدوا لكلامه نهاراً طويلاً، فلم يكلمهم وعليهم تلك الحُلل وخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون
عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانا (٤) معرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين
والأنصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا
مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهاراً طويلاً، فأعيانا أن يكلمنا،
فما الرأي منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا(٥) لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا
الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه
وخواتيمهم(٦)، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه، ففعلوا فسلموا عليه فرد سلامهم، ثم قال:
((والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم)). ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل
به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن
كنت نبياً أن نسمع ما تقول فيه؟ فقال رسول الله وَله: ((ما عندي [فيه] (٧) شيء يومي هذا، فأقيموا
حتى أخبركم بما يقول لي [الله تعالى] (٨) في عيسى)) فأصبح الغد، وقد أنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ
اُلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ
مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمِّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (@)
﴿ فَمَنْ حَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ
اُلْمُمْتَرِينَ
وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اَللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ ﴾﴾ فأبوا أن يقرّوا بذلك، فلما
أصبح رسول الله 18 الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل
(١) قوله: ((تنحَ)) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: ((قيصر)) وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: ((وغيره))، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٤) في الأصل: ((وكان))، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٥) في الأصل: ((وقال))، والتصويب كسابقه.
(٦) في الأصل: ((وخواتمهم)).
(٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٨) الزيادة من (عف).

٣٥٨
سُورَةُ أَلِ عُقْرَانَ (٥٩، ٦٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذٍ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما
أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردُّوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمراً
ثقيلاً، والله لئن كان هذا الرجل ملكاً مبعوثاً فكنا أول العرب طعناً (١) في عينيه ورداً عليه أمره،
لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم
جواراً، ولئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعنّاه، لا يبقى منَّا على وجه الأرض منا شعر ولا
ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: رأيي أن أحكِّمه، فإني أرى رجلاً
لا يحكم شططاً أبداً، فقالا له: أنت وذاك، قال: فتلقى شرحبيل رسول الله وَّر، فقال له: إني
قد رأيت خيراً من ملاعنتك. فقال: ((وما هو؟)) فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى
الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله وَله: ((لعلَّ وراءك أحداً يثرِّب عليك))؟
فقال شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما يرد الوادي(٢) ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل.
فرجع رسول الله وَّير فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه، فكتب لهم هذا الكتاب ((بسم الله
الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران - إن كان عليهم حكمه - في كل
ثمرة(٣) وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلّة، في
كل رجب ألف حلّة، وفي صفر ألف حلّة)) وذكر تمام الشروط وبقية السياق(٤).
والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع، لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدّى
الجزية إلى رسول الله وَل﴿، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِأَلْيَّوْمِ الَْخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حَتَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (®)﴾ [التوبة].
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن
مهران، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: قدم على النبي وَل
العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله وَ له،
فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرَّا له بالخراج، قال:
فقال رسول الله وَلجر: ((والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً)) قال جابر: وفيهم
نزلت ﴿تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ قال جابر: ﴿ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾
رسول الله وَّ﴿ وعلي بن أبي طالب ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين ﴿وَنِسَآءَنَا﴾، فاطمة(٥). وهكذا رواه
(١) في الأصل: ((طعن))، وصححت في (عف) كما هو مثبت.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((الرأي) وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: ((في كل غرة)) وهو تصحيف.
(٤) دلائل النبوة ٣٨٥/٥ - ٣٨٩ وفي سنده سلمة بن عبد يشوع، ذكره ابن قطلوبغا، وذكر أنه لم يقف على ذكر
له ولا لأبيه ولا جدہ (من روى عن أبيه عن جده ص٢٥٦). وذكر الحافظ ابن كثير في مطلعه أن فيه غرابة،
ومن هذه الغرائب مطلع الكتاب: باسم إله إبراهيم .... وقد نقده ابن القيم بقوله: لا أظن ذلك محفوظاً،
وقد كتب إلى هرقل: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) هذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك (زاد المعاد ٦٤٢/١).
(٥) في سنده بشر بن مهران قال ابن أبي حاتم: ترك أبي حديثه كما في الجرح والتعديل، وقد توبع في رواية
الحاكم لكن ذكر الحافظ ابن كثير أن المرسل عن الشعبي أصح كما سيأتي في الحديث الآتي.

٣٥٩
سُورَةُ الْ عُقْرَانَ (٦٤)
•
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري(١)، عن علي بن حجر، عن
علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا
قال(٢). وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي مرسلاً، وهذا أصح. وقد
روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ اَلْحَقّ﴾ أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في
شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد ﴿وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فَإِن تَوَلَّؤْ﴾ أي: عن هذا إلى غيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من عدل عن الحق إلى
الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته
شيء [سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته](٣).
- ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ،
.
شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ الَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم. ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ
تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال لههنا، ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَآَم
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُ﴾ أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا
نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وثناً ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا شيئاً، بل نفرد العبادة لله
وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
(٥)﴾ [الأنبياء]، [وقال تعالى](٤): ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ
إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَأْ فَأَعْبُدُونِ
أُتَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا
أَرْبَابًا مِن دُونِ الَّهِ﴾ .
قال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله(٥).
وقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض(٦).
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة،
فَأَشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم. وقد ذكرنا في شرح البخاري
عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن
أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر، فسأله عن نسب رسول الله وَلقه، وعن صفته ونعته وما
يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركاً، لم يسلم بعد،
وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح، كما هو مصرح به في الحديث، ولأنه لما سأله: هل
يغدر؟ قال فقلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، قال: ولم تُمكني كلمة
(١) في الأصل: ((الأزهر)).
(٢) المستدرك ٢ / ٥٩٣ - ٥٩٤.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٤) زيادة من (عف) و(ح) و(مح).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج بن محمد عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عنه.

٣٦٠
سُورَةُ الْ عَثْرَانَ (٦٥، ٦٨)
أزيد فيها شيئاً سوى [هذه](١)، والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله وَل قر فقرأه فإذا فيه:
((بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع
الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم
الأريسيين(٢) و﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُنْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ،
شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اَللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦)﴾(٣).
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها،
نزلت في وفد نجران(٤)، وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية، ولا خلاف أن آية الجزية نزلت
بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره
محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه:
(أحدها): يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين، مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.
(الثاني): يحتمل أن صدر سورة آل عمران، نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية، وتكون
هذه الآية، نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية، ليس بمحفوظ لدلالة
حديث أبي سفيان.
(الثالث): يحتمل أن قدوم وفد نجران، كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مصالحة عن
المباهلة لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول الجزية بعد
ذلك على وفق ذلك، كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش
في تلك السرية قبل بدر، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.
(الرابع): يحتمل أن رسول الله وَللتر، لما أمر بكتب هذا الكلام في كتابه إلى هرقل، لم يكن
أنزل بعد، ثم أنزل القرآن موافقة له ولد، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي
الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَتَّخِذُواْ مِن مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [البقرة:
١٢٥] وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَّهُ: أَزْوَجَّا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].
] ﴿وَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىِّ إِبْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِيَّةٍ أَفَلاَ
هَكَنتُمْ هَؤُلاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ، عِلَمٌ فَلِمَ تُعَلْجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِ عِلْمَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
تَعْقِلُونَ (٥)
وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨ مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِهِيمَ لَلَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
.
ينكر تبارك وتعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل لفظله، ودعوى كل
(١) ((هذه): سقطت من الأصل واستدركت من (عف) و(ح) و(مح).
(٢) الأريسيين: الفلاحين (ينظر: فتح البخاري ٣٩/١)، وكذا لفظها في البخاري وأما في (عف) فجاءت بلفظ:
((اليريسين))، وفي الأصل: ((البريتين)) وهو تصحيف.
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي (ح٧).
(٤) ذكره ابن إسحاق بسند ضعيف معضل من طري ق محمد بن جعفر بن الزبير (سيرة ابن هشام ١/
٥٧٦). وأخرجه البيهقي بسند عن ابن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي أمامة (دلائل النبوة ٣٨٥/٥)
وسنده معضل أيضاً.