Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سُورَةُ العَقْرَانَ (١٣،١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة، والدأب بالتسکین والتحريك کنھر ونهر، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس : يقولون لا تأسف أسى وتجمل وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم وجارتها أُم الرباب بمأسل(١) كدأبك من أُم الحويرث قبلها والمعنى كعادتك في أُم الحويرث حين(٢) أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها، والمعنى في الآية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه، ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِكَايَقِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوِمٌ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴾﴾ أي: شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء وذَلّ له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه. ] ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَيِفْسَ الْمِهَادُ (١) قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِتَتَيْنِ الْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: ﴿سَتُقْلَبُونَ﴾ أي: في الدنيا، ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِلَى جَهَنَّمٌ وَبِفْسَ الْمِهَادُ﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله و ﴿ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: ((يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً)). فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿قُل لِلَِّنَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُخْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَبِفْسَ أَلْمِهَادُ ﴾ إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(٣)، وقد رواه محمد بن إسحاق أيضاً، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس ... فذكره(٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ أي: قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم ﴿ءَايَةٌ﴾ أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعلٍ أمره ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي: طائفتين ﴿اَلْتَقَنَّا﴾ أي: للقتال ﴿فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم المسلمون، ﴿وَأُخْرَىَ كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر، وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ اُلْعَيْنِ﴾ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر أن المسلمين مثليهم في (١) ديوان امرئ القيس ص٩. (٢) في الأصل: ((حتى)) وهو تصحيف. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وسنده حسن إلى قتادة لكنه مرسل، وقد وصله أبو داود كما سيأتي في الرواية التالية. (٤) أخرجه أبو داود والطبري بسند حسن من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به (السنن، الخراج، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة ١٥٤/٣). ٣٢٢ سُورَةُ العَقْرَانَ (١٢، ١٣) العدد رأي أعينهم(١)، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سبباً لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمير بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون، وهكذا كان الأمر. كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً(٢)، ثم لما وقع القتال أمدّهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم. (والقول الثاني): أن المعنى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَبْنِ﴾ أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم؛ أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلاً(٣). وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف، كما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله وسلّر، لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال: ((كم ينحرون كل يوم))؟ قال: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، فقال النبي وَليته: (القوم ما بين التسعمائة إلى الألف))(٤). وروى أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة، عن علي ◌َُّه، قال: كانوا ألفاً(٥)، وكذا قال ابن مسعود(٦). والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى [كل] (٧) تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم، لكن وجه ابن جرير هذا وجعله صحيحاً كما تقول: عندي ألف، وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجاً إلى ثلاثة آلاف، كذا قال(٨). وعلى هذا فلا إشكال، لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر ﴿وَإِذْ يُرِيكُهُمْ إِ الْتَقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِيَّ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]؟ فالجواب: أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى، كما قال السدي عن مُرّة الطيب، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِىِ فِشَتَيْنِ اَلْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ﴾ قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن (١) التفسير ٢٤٥/٥. (٢) هذا العدد ورد في صحيح البخاري، المغازي، باب عدة أصحاب بدر (ح ٣٩٥٧). (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به. (٤) سيرة ابن هشام ٦١٦/١، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده مرسل وتشهد له رواية علي بن أبي طالب التالية. (٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٥٩/٢ ح٩٤٨)، وابن أبي شيبة (المصنف ٣٦٢/١٤)، كلاهما من طريق إسرائيل عن جده أبي إسحاق السبيعي به، وصحَّ إسناده محققو المسند. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود (المصنف ١٤/ ٣٧٤)، واختلف في سماع أبي عبيدة من أبيه ابن مسعود، ورجحَّ الحافظ أنه لم يسمع منه كما في التقريب، وتشهد له رواية علي السابقة. (٧) في الأصل سقط لفظ: ((كل)) واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). (٨) التفسير ٢٥٠/٥. • سُوْدَةِ الِغَقْرَانَ (١٤، ١٥) ٣٢٣ مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً، واحداً، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اٌلْتَقَيْتُمْ فِىِّ أَعْيُنِكُمْ قَلِلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىّ أَعْيُنِهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٤] (١)، وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً (٢)، فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم رَمَك، ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل المصاف والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر ﴿لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان علي الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ سِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقال ههنا: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّأُوْلِى الْأَبْصَرِ﴾ أي: إن في ذلك لمعتبر (٣) لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ وَاُلْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَنَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْبُ اَلْمَعَابِ ﴿﴿ ﴿ قُلْ أَوْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّنِ ذَالِكُمُّ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَقَرَةٌ وَرِضْوَابٌ مِنَ اللهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (جم) . يخبر تعالى عمَّا زُين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء، لأن الفتنة بهنَّ أشد، كما ثبت في صحيح أنه وَّه، قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء))(٤)، فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، ((وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء))(٥)، وقوله وَّيقول: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة(٦)، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله))(٦) وقوله في الحديث الآخر: ((حُبِّب إليَّ النساء والطيب، وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة))(٧). (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي به، وأخرجه ابن أبي حاتم بدون ذكر مرة الطيب. (٢) تقدم الكلام عن ترجيح الحافظ ابن حجر عدم سماع أبي عبيدة من أبيه ابن مسعود، وتشهد له رواية علي السابقة. (٣) في الأصل: (لعبر)) وكلاهما صحيح. (٤) أخرجه مسلم من حديث أسامة بن زيد مرفوعاً (الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ح٢٧٤٠). (٥) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس موقوفاً (الصحيح، النكاح، باب كثرة النساء ح٥٠٦٩). (٦) أخرج هذا الشطر مسلم في صحيحه، الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (ح ١٤٦٧). (٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس (المسند ٢٨٥/٣)، وسنده حسن وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٦٠/٢). ٣٢٤ • سُؤْرَةُ أَلِ غَيْرَانَ (١٤، ١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقالت عائشة ينا: لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله وَّر من النساء إلا الخيل(١)، وفي رواية: ((من الخيل إلا النساء))، وحبّ البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد وَل﴿ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث: ((تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة))(٢)، وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود شرعاً . وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره(٣). وقيل: ألف دينار(٤)، وقيل: ألف ومائتا دينار(٥) وقيل: اثنا عشر ألفاً(٦)، وقيل: أربعون ألفاً(٧)، وقيل: ستون ألفاً (٨)، وقيل: سبعون ألفا (٩)، وقيل: ثمانون ألفاً(١٠)، وقيل غير ذلك، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: (القنطار اثنا عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء إلى الأرض))، وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة به(١١)، وقد رواه ابن جرير عن بُندار، عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفاً(١٢) وهذا أصحّ، وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر (١٣)، وحكاه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم (١) أخرجه النسائي من حديث أنس (السنن الكبرى، كتاب الخيل، باب حب الخيل ٣١٣/٤ ح ٤٣٨٩)، وفي سنده إبراهيم بن طهمان: ثقة يغرب (التقريب ص ٩٠). (٢) أخرجه أبو داود من حديث معقل بن يسار (السنن، النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ح ٢٠٥٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٦٢/٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٠٥). (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك وفيه شيخ الطبري مبهم، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك بلفظ: ((ألف دينار))، ومنهم يقول: (اثنا عشر ألفاً)). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق يزيد الرقاشي عن أنس. (٥) سيأتي عن أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي بن كعب. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الحسن البصري. (٧) لم أجد من أخرجه. (٨) لم أجد من أخرجه. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عمر، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن مجاهد. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن المسيب. (١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٧٤٣)، وسكت عنه أحمد شاكر وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الصمد به (السنن، الأدب، باب بر الوالدين ح ٣٦٦٠)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ١٥٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح٢٩٥٣). (١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (١٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح عن معاذ، وقول ابن عمر أخرجه الطبري من طريق أبي طيبة عنه. وأبو طيبة هو عبد الله بن مسلم السلمي وهو صدق يهم (التقريب ص٣٢٣)، وهذا القول رجحه ابن عطية في المحرر ٣٤/٣، وأبو حيان في البحر ٢٩٧/٢ والثعالبي في (الجواهر الحسان ٢٤٩/١)، وأرى أنه = ٣٢٥ سُورَةُ الَ عُقْرَانَ (١٤، ١٥) قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية(١)، ثم قال ابن جرير كَُّهُ: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زرِّ بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله وَله: ((القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية))(٢). وهذا حديث منكر أيضاً، والأقرب أن يكون موقوفاً على أبي بن كعب كغيره (٣) من الصحابة، وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن إبراهيم، عن يحَنّس أبي موسى، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف، أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم)) (٤)، ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه(٥)، وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتَّيس (٦)، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل ورجل آخر، عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله وَله عن قول الله تعالى: ﴿وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ﴾؟ قال: ((القنطار ألفا أوقية)) صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم(٧)، وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة، أنبأنا زهير - يعني ابن محمد -، أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر قد سماه - يعني يزيد الرقاشي-، عن أنس، عن رسول الله وَ ل﴿، في قوله: ((قنطار يعني ألف دينار))(٨) وهكذا رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة ... فذكر بإسناده مثله سواء(٩)، وروى ابن جرير عن الحسن البصري: عنه مرسلاً وموقوفاً (١٠)، وقال الضحاك: من العرب عليه: القنطار ألف ومائتا دينار، وهو رواية العوفي عن ابن عباس من يقول: القنطار ألف دينار، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفاً (١١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم، عن حماد، عن سعيد الجَريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهباً . قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد مرفوعاً، والموقوف أصحّ(١٢). = يختلف بحسب البلدان والأوزان فيها، والله أعلم. (١) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، كما في التقريب. (٣) لفظ: ((كغيره) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بلفظ مثل: ((التل العظيم))، هو مرسل وموسى بن عبيدة الزبدي وهو ضعيف. (٦) قوله: ((بتنيس)) زيادة من (عف) و(ح) و(حم). (٥) وفيه أيضاً موسى بن عبيدة. (٧) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووفقه الذهبي (المستدرك ١٧٨/٢)، ووقفه أصح فلو ثبت عن النبي ◌َتيار ذلك لما اختلف فيه الصحابة والتابعين. (٨) تقدم تخريجه وتضعيفه بسبب الرقاشي. (٩) تقدم تصحيح الحاكم والذهبي والتعليق على ذلك. (١٠) تقدم أنه صح عن الحسن، أما طريق العوفي عن ابن عباس أخرجه الطبري وسنده ضعيف. (١١) تقدم في الرأي الأول. (١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه، فإن أبا محمد هو ابن أبي حاتم نفسه، وسنده صحيح. ٣٢٦ • سُورَةِ العَقْرَانَ (١٤، ١٥) (وحبّ الخيل على ثلاثة أقسام): تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخراً ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها، ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر كما سيأتي الحديث بذلك - إن شاء الله تعالى - عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، وأما المسومة، فعن ابن عباس طيها: المسؤَّمة: الراعية، والمطهمة: الحسان(١)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم(٢)، وقال مكحول: المسومة: الغرَّة والتحجيل(٣)، وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج، عن أبي ذرّ ◌َُّه، قال: قال رسول الله وَله: ((ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللَّهم إنك خولتني من خولتني من بين آدم، فاجعلني من أحبّ ماله وأهله إليه، أو أحبّ أهله وماله إليه))(٤). وقوله تعالى: ﴿وَالْأَثَْمِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم، ﴿ وَالْعَرْثِ﴾ يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي(٥)، عن مسلم بن بُديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﴾، قال: ((خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة)) (٦) المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَكَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيّ﴾ أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْثُ الْمَغَابِ﴾ أي: حسن المرجع والثواب. وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حُميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب رضُّه لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ﴾ قلت: الآن يا ربِّ حين زينتها لنا، فنزلت ﴿قُلْ أَوْنِفُكُم بِخَيْرٍ مِّنِ ذَالِكُمُّ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ ... ﴾ الآية(٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَوُنَبِشُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ أي: قل يا محمد (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك بن عبد الله عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس، وسنده ضعيف بسبب شريك وخصيف وله شواهد تالية تقوية. (٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت بلفظ: ((الراعية))، وقول مجاهد: أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((المطهمة)) حسناً. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق شيخ مجهول عن مكحول. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٢/٣٥ ح٢١٤٩)، وصححه محققوه موقوفاً، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٤٤). (٥) في الأصل: ((البدوي)) وهو تصحيف. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٣/٢٥ ح ١٥٨٤٥)، وهو مرسل لأن سويد بن هبيرة تابعي ليست له صحبة (ينظر: الجرح والتعديل ٢٣٣/٤). (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، وأبو بكر حفص بن عمر بن سعد لم يدرك عمر، وسنده ضعيف. ٣٢٧ • سُوْرَةُ العَقْرَانَ (١٧،١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 للناس: أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة، ثم أخبر عن ذلك، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَّتٌ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ﴾ أي: تتخرق(١) بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَلِينَ فِيهًا﴾ أي: ماكثين فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً . ﴿وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا ﴿وَرِضْوَبٌّ مِّنَ اللهِ﴾ أي: يحلّ عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [٧٢] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَيَّنَا إِنَّنَاَ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوَيَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٨ الصَبِينَ وَالضَدِينَ وَاُلْقَدْتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾﴾ . يصف تبارك وتعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَاَ ءَامَنًا﴾ أي: بك وبكتابك وبرسولك، ﴿فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُويَنَا﴾ أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا بفضلك ورحمتك، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿الصَِّينَ﴾ أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، ﴿وَالضَدِّقِينَ﴾ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه(٢) من الأعمال الشاقة، ﴿وَالْقَدِنِينَ﴾ والقنوت الطاعة والخضوع ﴿وَالْمُنفِقِينَ﴾ أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات ﴿وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾ دَلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب فعاليّا، لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِىّ﴾ [يوسف: ٩٨] إنه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله وَ﴾، قال: ((ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ... )) الحديث(٣). وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءاً على حِدة، فرواه من طرق متعددة. وفي الصحيحين عن عائشة ظّا قالت: ((مِن كلِّ الليل قد أوتر رسول الله وَليل من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر))(٤). (١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) في الأصل: ((تجري)) وهو تصحيف. (٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: ((يلزمون)) وهو تصحيف. (٣) صحيح البخاري، التهجد، باب الدعاء والصلاة آخر الليل (ح١١٤٥)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء (ح٧٥٨). (٤) صحيح البخاري، الوتر، باب ساعات الوتر (ح٩٩٦)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٧٤٥). ٣٢٨ • سُورَةُ الِغَزْرَانَ (١٨، ٢٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، رواه ابن أبي حاتم(١). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه، قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربِّ، أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود نظافته(٢). وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نُؤمر إذا صلّينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة. 62 ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ قَابِمًا بِالْقِسْطِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعِزُ اُلْحَكِيمُ ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَهُ وَمَا أَخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْمِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرُ بَِايَتِ اَللَّهِ فَإِنَ اَللَّهَ سَرِيعُ لَحِسَابِ ﴿٨ فَإِنْ حَجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَّنِ أَتَّبَعَنُّ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِنِعِنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَيْكَ ٢٠ الْبَلَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ شهد تعالى وكفى به شهيداً وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين ﴿أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: ﴿لَِّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَتِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٣)﴾ [النساء] ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَتَكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام ﴿قَبِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تأكيد لما سبق، ﴿الْعَيِزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو (٣) القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي ◌َ﴿ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ قَبِمًا بِلْقِسْطِّ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْعَهِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يا ربّ (٤). وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير، قال: سمعت رسول الله وَ له حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال: ((وأنا أشهد أي ربّ))(٥). (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سليمان بن موسى عن نافع به. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده حريث بن أبي مطر: وهو ضعيف (التقريب ص١٥٦). (٣) في الأصل: ((عبد)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤٢١)، وضعفه أحمد شاكر. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عمر بن حفص بن ثابت سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير = ٣٢٩ سُورَةُ الِغَزْرَانَ (٢٠،١٨) وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار، [حدثني أبي] (١)، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمرَّ بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ قَبِمًا بِالْقِسْطِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ ﴾ إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ الَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ قالها مراراً، قلت: لقد سمع فيها شيئاً فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردِّد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: ((يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله ريك: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة))(٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد وَ ﴿ه الذي سدَّ جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد رَّي، فمن لقي الله بعد بعثة محمد بنّي بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا فَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ اُلْخَسِرِينَ ﴾ [آل عمران]، وقال في هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾، وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ (﴿شَهِدَ اللَّهُ إِنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ أنَّ الذِينَ عِندَ اللّهِ وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَبِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيرُ الْإِسْلَمُ﴾)، بكسر ﴿ أَنَّهُ﴾، وفتح ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمْ﴾(٣). أي: شهد هو والملائكة(٤) وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم. ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعدما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، فقال: ﴿وَمَا أَخْتَلَفَ أَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت ١٤٩/٦)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ١٠٢/٦)، ومحمد بن المتوكل: وهو صدوق له أوهام كثيرة (التقريب ٢٠٤/٢). (١) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج. (٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٤٥/١٠ ح ١٠٤٥٣)، وفي سنده: عمر المختار وهو متهم بالوضع (ميزان الاعتدال ١٤٣/٤). (٣) تفسير الطبري ٢٦٨/٦، ومعاني القرآن للفراء ١٩٩/١، وقراءة: ((إِنه)) شاذة وأما قراءة ((أن الدين)) فهي متواترة قرأ بها الكسائي. (٤) كذا في الأصل و(حم)، وفي (عف) و(ح): ((والملائكة). ٣٣٠ • سُورَةُ أَلِعَتْرَانَ (٢٠،١٨) حقاً، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِشَايَتِ الَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي [من](١) جحد ما أنزل الله في كتابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابٍ﴾ أي: فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنّ ◌َجُوَكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ آَتَّبَعَنٍ﴾ أي: فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ﴿وَمَنِ أَثَّبَنِّ﴾ على ديني يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُوَاْ إِلَى اللَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَّ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [يوسف] ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله محمد اليه أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به، الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَالْأُمِِِّّنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ﴾ أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة، والحجة البالغة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْشَلُونَ ﴾﴾ [الأنبياء] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته، وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في (٢) غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿بَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه وَلّ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم(٣) امتثالاً (٤) لأمر الله له بذلك، وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن همّام، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأُمة: لا يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار)) رواه مسلم(٥)، وقال ◌َّر: ((بعثت إلى الأحمر والأسود))(٦). وقال: ((كان النبي يُبعث إلى قومه [خاصة] (٧) وبُعثت إلى الناس عامة))(٨). وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس ظُه: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي ◌ّ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ◌َّ دخل عليه وأبوه قاعد عند (١) لفظ: ((من)) سقط من الأصل وهو مثبت في (عف) و(ح) و(حم). (٢) كذا في (عف) و(حم) و(ح) وفي الأصل: ((من)). (٣) ينظر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة (ح ٦٤، ٦٥)، وصحيح مسلم كتاب اللباس والزينة (ح ٢٠٩٢). (٤) كذا في (عف) و(حم) و(ح) والتخريج، وفي الأصل: ((إما)). (٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد وَير (ح ١٥٣). (٦) أخرجه مسلم من حديث جابر ظبه (الصحيح، المساجد، ح٥٢١). (٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). (٨) أخرجه البخاري من حديث جابر ظالله (الصحيح، التيمم، باب ١ ح٣٣٥). ٣٣١ • سُورَةُ أَلِعُقْرَانَ (٢٢،٢١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رأسه فقال له النبي ولاير: ((يا فلان قل: لا إله إلا الله)) فنظر إلى أبيه فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ◌َّ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله [وأنك رسول الله](١)، فخرج النبي وَّ ه وهو يقول: ((الحمد لله الذي أخرجه بي من النار)) رواه البخاري في الصحيح (٢)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِهَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّيْنَ بِغَيْرِ حَقِّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلَْخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ . هذا ذمّ من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله، قديماً وحديثاً، التي بلغتهم (٣) إياها الرسل استكباراً عليهم، وعناداً لهم، وتعاظماً على الحق، واستنكافاً عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿ وَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ◌َّه: ((الكبر بطر الحق وغمط الناس))(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي(٥) بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص - يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري -، حدثنا محمد بن حمزة، حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح رُه، قال: قلت: يا رسول الله، أي: الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: ((رجل قتل نبياً أو مَنْ أمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر)) ثم قرأ رسول الله وٍَّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ الَّهِ وَيَقْتُّلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِاَلْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾، ثم قال رسول الله وَّر: ((يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله رَات))(٦). وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي(٧) محمد بن حفص، عن ابن حُمَير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به (٨). (١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج. (٢) الصحيح، الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ (ح١٣٥٦)، والحديث أخرجه الإمام أحمد بسنده متنه (المسند ١٧٥/٣). (٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((بلغتها)) وهو تصحيف. (٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (ح١٤٨). (٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج وفي الأصل: ((الزبير بن الحر بن علي)) وهو تصحيف. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو الحسن مولى لبني أسد وهو: مجهول (الجرح والتعديل ٩/ ٣٥٧) . (٧) كذا في (عف) و(ح)، و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((الرصافي))، وهو تصحيف. (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. ٣٣٢ سُورَةُ الإِ عُقْرَانَ (٢٧،٢٣) 00000000000000000000000000000000000000000000000000 00000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وعن عبد الله بن مسعود نظبه، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم(١) من آخره، رواه ابن أبي حاتم (٢). ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق(٣)، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع مهين ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّنِْ نَّصِرِينَ ] ﴿أَلَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ الَِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَوْلَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم ◌ُعْرِضُونَ ﴿٣َ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَّهُ فِ دِينِهِمِ مَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥ يقول تعالى منكراً على اليهود والنصارى المتمسكين(٤) فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد بَّر، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّمَا تَعْدُودَاتٍ﴾ أي: إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة [في الدنيا](٥) يوماً وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة(٦) . ثم قال تعالى: ﴿وَغَّهُمْ فِ دِينِهِمِ مَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياماً معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه ولم ينزل الله به سلطاناً، قال الله تعالى متهدداً لهم ومتوعداً: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبيائه، والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر؟ والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم(٧) عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في وقوعه وكونه، ﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءٍ وَثُعِزُ مَنْ تَشَاءٍ وَتُذِلُ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرٌ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿َ تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ ١٣٧ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَْيْتَ مِنَ الْعَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ يقول تبارك وتعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد معظماً لربك وشاكراً له ومفوضاً إليه ومتوكلاً عليه ﴿اللَّهُوَّ (١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((قتلهم وهو تصحيف)). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي معمر الأزدي، وهو عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود. (٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((الحق)). (٤) تقدم في آية رقم (٨٠). (٥) كذا في (ح) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((المتمسكون)) والصواب ما أُثبت. (٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). (٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((يحاسبهم)). ٣٣٣ سُورَةُ الِغَزْرَانَ (٢٧،٢٦) مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: لك(١) الملك كله ﴿تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَنْ قَشَاءٍ وَثُعِزُ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُ مَن تَشَدَّةٌ﴾ أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن [وفي](٢) هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ول#مل وهذه الأُمة(٣)، لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي، خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصّه بخصائص لم يعطها نبياً من الأنبياء، ولا رسولاً من الرسل في العلم بالله وشريعته، واطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. لهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ اُلْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُ مَنْ قَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَدَءُ بِيَدِكَ الْخَيْرٌ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعَّال لما تريد، كما ردَّ تعالى على من يحكم عليه ﴾ [الزخرف]، قال الله في أمره حيث قال: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ تعالى رداً عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكُ نَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ فَعِيشَتَهُمْ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَأْ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] أي: نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة، والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلْآَخِرَةُ (١)﴾ [الإسراء]. أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من(٤) تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوباً بالحميرية، فعُرِّب له، فإذا هو بسم الله: ما اختلف الليل والنهار ولا دارت نجوم السماء في الفلك قد زال سلطانه إلى ملك إلا بنقل النعيم عن ملك ليس بفانٍ ولا بمشترك وملك ذي العرش دائم أبداً وقوله تعالى: ﴿قُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّلِّ﴾ أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان(٥)، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمِيِّتِ وَتُخْرِجُ أَلْمِيْتَ مِنَ الْعَّيِّ﴾ أي: تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء (١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: (له)). (٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وسقط من الأصل. (٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((وعلى هذه الأمة)). (٤) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل: ((في)) وهو تصحيف. (٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((يتقاربان)) وهو تصحيف. ٣٣٤ سُورَةُ الْ عُقْرَانَ (٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتِّر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل. قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد، حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿ها، عن النبي ◌َّر، قال: ((اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُوَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْنِ الْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءٌ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَأُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَهْءٍ قَدِيرٌ ()))(١). ] ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ﴾ أي ومن يرتكب نهي الله [في هذا](٢) فقد بريء من الله، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ أَلْمُؤْمِنِينُّ أَتْرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا قُبِينًا (19)﴾ [النساء] ﴿ بَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْهُوَ وَالنَّصَرَ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَنْ يَتَوَلَُّم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى (@﴾ [المائدة] وقال تعالى: مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّمِينَ وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ... ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَّةَ السَِّلِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَلَّةٌ﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتاقيهم(٣) بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: ((إنا لنكشِّر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم))(٤). وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التُّقية بالعمل إنما التُقية باللسان(٥)، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التُّقية باللسان(٦)، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس (٧). ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ (١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٧١/١٢)، وفي سنده جعفر بن جسر بن فرقد يروي المناكير (لسان الميزان ١١١/٢ - ١١٢). (٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). (٣) في الأصل غير منقوطة، ونقطت من (عف) و(ح) و(جم). (٤) أخرجه البخاري تعليقاً (الصحيح، الأدب، باب المداراة مع الناس). وقد روي من طرق ضعيفة ذكرها الحافظ ابن حجر (الفتح ٥٣٨/١٠). (٥) أخرجه الطبري من طريق الثوري عن ابن جريج عمن حدثه عن ابن عباس، وسنده ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن ابن عباس وسنده منقطع. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويشهد له الآثار التالية. (٧) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد، وقول أبي الشعثاء، وهو جابر بن زيد، = ٣٣٥ • سُورَةُ الِغَزْرَانَ (٣٠،٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل]. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة (١). ثم قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَمٌ﴾ أي: يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: [إليه](٢) المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط(٣)، عن عمرو بن ميمون، قال: قام فينا معاذ بن جبل، فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار (٤). - ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُحُمَّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَهُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأْ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِلْعِبَادِ ( يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات(٥)، وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وقدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُضَرِّ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَّأْ بَعِيدًا﴾، يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر، كما (1)﴾ [القيامة] فما رأى من أعماله حسناً سرَّه ذلك قال تعالى: ﴿يُّ الْإِنَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول الشيطانه الذي كان مقترناً به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء ﴿يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِيْنُ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ثم قال تعالى مؤكداً ومهدداً ومتوعداً ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَمْ﴾ = والضحاك ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند. (١) أخرجه البخاري تعليقاً الصحيح، الإكراه، الباب الأول، وقد وصله عبد بن حميد وابن أبي شيبة من طريق عوف الأعرابي عن الحسن (الفتح ٣١٤/١٢)، وإسناد عبد بن حميد، عن روح، عن عوف الأعرابي به، (تغليق التعليق ٥/ ٢٦٠)، وسنده صحيح. (٢) ((إليه)): سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). (٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: ((بلفظ ابن ساقط)) وهو تصحيف. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن. (٥) في الأصل: ((في سائل الأحوال واللحظات في جميع الأوقات)) والمثبت من (عف) و(ح) و(مح). ٣٣٦ • سُورَةُ أَلِ عَنْرَانَ (٣١، ٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: يخوفكم عقابه، ثم قال جلَّ جلاله مرجياً لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَهُونٌ بِالْعِبَادِ﴾، قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه(١). وقال غيره: أي رحيم بخلقه يحب [لهم(٢) أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم وأن يتبعوا رسوله الكريم. جَ قُلْـ - ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُنْ ذُنُوبَكُمْ وَالَهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِينَ هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله وَلي، أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)(٣)، ولهذا قال: ﴿قُلٌّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل(٤) لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء(٥) العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْسِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة حينًا، قالت: قال رسول الله وَلّ: ((وهل الدين إلا الحب والبغض، قال(٦) الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَِّعُونِ﴾)). قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا: منكر الحديث(٧). ثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي باتباعكم الرسول ◌َّل، يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته(٨)، ثم قال تعالى آمراً لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلّ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْ﴾ أي: تخالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحبُّ من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب الله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق فيض بن إسحاق عن الفضيل بن عياض، عن الحسن. وفيض بن إسحاق سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ١٣٩/٧)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٨٨/٧. (٢) ((لهم)) زيادة من (عف) و(مح) و(حم). (٣) أخرجه مسلم (الصحيح، الأقضية باب ١٨) وأخرجه البخاري تعليقاً (الصحيح، البيوع، باب النجش). في أوله: وأخرجه موصولاً عن عائشة بلفظ: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ)) (الصحيح، الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور ح٢٦٩٧). (٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: ((يجعل)) وهو تصحيف. (٥) ((الحكماء)) زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح). (٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل كما قال بزيادة لفظ ((كما)) والصواب هو المثبت كما في تفسير ابن أبي حاتم. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وتعليقه بأنه منكر. (٨) كذا في النسخ وفي نسخه (عف) فوق هذه الكلمة وردت لفظ: رسالته وكأنه يبين معنى: سفارته. ٣٣٧ • سُورَةُ آلِ ◌ّعَقْرَانَ (٣٣، ٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الأُميّ خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]، إن شاء الله تعالى. ذُرِّيّةٌ بَعْضُهَا مِنْ ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ مَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ E . بَعْضِرُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيهُ يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم عظَل خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحاً فعلها وجعله أول رسول [بعثه] (١) إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطاناً، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً [فلم يزدهم ذلك إلا فراراً، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، و](٢) لم ينجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد بنَلته، وآل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أُم عيسى ابن مريم ظلِّلا. قال محمد بن إسحاق بن يسار تخّتُهُ: هو عمران بن ياشم بن أمون منشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يارم بن يهفاشاط بن أسابر بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود ◌ِلَهُ(٣)، فعيسى ظلَّل من ذرية إبراهيم كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. 2- ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطْفِى مُحَرًَّا فَتَقَبَّلْ مِنِيُّ إِنَّكَ أَنْتَ السَمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِِّ وَضَعْتُهَا أُنَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَ كَلْأُنْقِّ وَ إِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ امرأة عمران هذه هي أُم مريم مؤقتا، وهي حنة بنت فاقوذ(٤). قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوماً طائراً يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل، نذرته أن يكون محرراً؛ أي: خالصاً مفرغاً للعبادة(٥) ولخدمة(٦) بيت المقدس، (١) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح). (٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح). (٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق وفي هذا الاسم وردت بعض التصحيفات في الأصل استدركت عن رواية ابن إسحاق. (٤) ذكره الطبري عن ابن إسحاق من الطريق السابق، وفي الأصل ورد بلفظ: ((فاترد)) وهو تصحيف والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم). (٥) أخرجه الطبري عن ابن إسحاق من الطريق السابق. (٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: ((نذرته)) وهو تكرار للكلمة السابقة: ((ونذرته)). ٣٣٨ • سُورَةُ الِغَقْرَانَ (٣٥، ٣٦) فقالت: ﴿رَبٍّ إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِىُّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لدعائي العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكراً أم أنثى؟ ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّ وَضَبْتُهَا أُنْقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرئ برفع التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقرئ بتسكين التاء(١)، على أنه من قول الله ◌َ، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَ كَالْأُنْنى﴾ أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ فيه دليل(٢) على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقرراً، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله وَله حيث قال: ((ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم)) أخرجاه (٣)، وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه(٤) حين ولدته أمه إلى رسول الله وسي﴿ فحنكه وسماه عبد الله(٥). وفي صحيح البخاري: أن رجلاً قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال: ((اسم ولدك عبد الرحمن))(٦)، وثبت في الصحيح أيضاً: أنه لما جاءه أبو أُسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه، فردَّه إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله وَّر في المجلس سماه المنذر(٧). فأما حديث قتادة عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله وَله، قال: ((كل غلام رهين بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه)) فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، وروي: ويُدَمّى (٨)، وهو أثبت وأحفظ، والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب ((النسب)) أن رسول الله وَلقره، عقَّ عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم، فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح، ولو صحَّ لحمل على أنه أَشْهَرَ اسمه بذلك يومئذٍ، والله أعلم، وقوله: إخباراً عن أُم مريم أنها قالت: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ أي: عوَّذتها بالله وَ من شر الشيطان، وعوَّذت ذريتها وهو ولدها عيسى ◌ِّل*، فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، [عن أبي هريرة](٩) قال: قال رسول الله: ((ما من مولود يولد إلا مسَّه الشيطان حين يولد، فيستهل (١) وكلتاهما قراءة متواترة. (٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل (وح) و(حم) بلفظ: ((دلالة)) وكلاهما صحيح. (٣) أخرجه البخاري من حديث أنس (الصحيح، الجنائز، باب قول النبي ◌َّير: ((إنا بك لمحزونون)) ح١٣٠٣)، ومسلم في الصحيح، الفضائل (ح٢٣١٥). (٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((ذهب إلى ناحية)) وهو تصحيف والتصويب أيضاً من التخريج. (٥) صحيح البخاري، العقيقة، باب تسمية المولود (ح٥٤٥٧)، وصحيح مسلم، الأدب (ح٢١٤٤). (٦) صحيح البخاري، الأدب، باب أحب الأسماء إلى الله (ح٦١٨٦). (٧) صحيح البخاري، الأدب، باب تحويل الاسم (ح٦١٩١). (٨) أخرجه الإمام أحمد من طريق همام عن قتادة به، ويلفظ بالروايتين (المسند ٢٧١/٣٣ ح ٢٠٠٨٣)، وصححه محققوه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر تفسير: ويدمي (الفتح ٥٩٣/٩)، وأخرجه أبو داود، السنن، الأضاحي، باب في العقيقة (ح٢٨٣٧)، والترمذي وصححه، السنن، الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة (ح١٥٢٢)، والنسائي، السنن، العقيقة، باب متى يعق؟ ١٦٦/٧، وابن ماجه، السنن، الذبائح، باب العقيقة (ح٣١٦٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٦٣). (٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج. ٣٣٩ سُورَةُ الِ عُقْرَانَ (٣٧) صارخاً من مسّه إياه، إلا مريم وابنها)) ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾، أخرجاه من حديث عبد الرزاق(١)، ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج، عن بقية، حدثنا الزبيدي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ بنحوه(٢)، وروي من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرةً أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم)) ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾(٣). ومن حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة (٤). ورواه ابن وهب أيضاً، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشْمَعِلّ(٥)، عن أبي هريرة (٦). ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي وَلقر بأصل الحديث(٧). وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله وَله: ((كلُّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب)) (٨). ﴿فَقَبَلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًّا وَكَفَّلَهَا ذَكَرِيَّأْ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّه لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: جعلها شكلاً مليحاً ومنظراً بهيجاً، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيًّا﴾ وفي قراءة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية(٩)؛ أي جعله كافلاً لها . قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة (١٠). (١) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا﴾ [آل عمران: ٣٦] (ح٤٥٤٨)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى عليه الصلاة والسلام، قبل (حديث ٢٣٦٦). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر. (٤) صحيح مسلم، الموضع السابق بعده بحديثين. (٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، والتخريج وفي الأصل: ((عن أبي ذئب عن عجلان مولى إسماعيل)) وهو تصحيف)) . (٦) أخرجه أحمد في المسند (ح٧٨٦٦)، والطبري في تفسيره. (٧) أخرجه الطبري من طريق عبد بن سليمان عن ابن إسحاق به، وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط. وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٩٤/٢). (٨) أخرجه الطبري من طريق شعيب بن الليث عن الليث به. (٩) كلتاهما قراءتان متواترتان. (١٠) أخرجه الطبري بنحوه من الطريق السابق عن ابن إسحاق. ٣٤٠ سُورَةُ آل عمران (٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين القولين، والله أعلم. وإنما قدّر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علماً جماً نافعاً وعملاً صالحاً، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما(١). وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح ((فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة))(٢)، وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضاً توسعاً، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صل﴿ قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: ((الخالة بمنزلة الأُم))(٣). ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكِيَّا الْمِحْرَبَ وَبَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ . قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف(٤). وعن مجاهد ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ أي: علماً، أو قال: صحفاً [فيها علم](٥) رواه ابن أبي حاتم(٦)، والأول أصحّ وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السُّنة لهذا نظائر كثيرة. فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قَالَ يَمَرْمُ أَنَّ لَكٍ هَذَا﴾ أي: يقول: من أين لك هذا؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله وَله، أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شقَّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال: ((يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟)) قالت: لا والله - بأبي أنت وأمي - [فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ◌َ﴿ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله وَعليه، فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي](٧) قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال: ((هلمي يا بنية)). قالت: فأتيته بالجفنة، فكشف عنها، فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه وقدمته إلى رسول الله، فلما رآه حمد الله وقال: ((من أين لك هذا يا بنية))؟ قالت: يا أبتِ ﴿هُوَ (١) أخرجه الطبري بنحوه من الطريق السابق عن ابن إسحاق. (٢) سيأتي تخريجه في مطلع سورة الإسراء في قصة الإسراء والمعراج. (٣) صحيح البخاري، الصلح، باب كيف يكتب، هذا ما صالح فلان بن فلان ... (ح٢٦٩٩). (٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند في أغلبهم، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عنه، وقول قتادة والسدي والربيع بن أنس أخرجه الطبري بأسانيد حِسان عنهم، وقول سعيد بن جبير والضحاك أخرجه الطبري بأسانيد ضعاف يشهد لها ما سبق. (٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إبراهيم بن رستم عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.