Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
• سُوَرَّةُ الْبَقَرّة (٢٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ
بِ اللّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع
رسول الله وَ﴿ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾(١).
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس قال
البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصغر، عن
رجل من أصحاب النبي وَّ﴿ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها
الآية التي بعدها (٢). وهكذا روي عن عليّ وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي
ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة، أنها منسوخة بالتي بعدها، وقد ثبت بما
رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله : ((إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل)) (٣).
وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَله: ((قال الله: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها
سيئة، وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً))(٤) لفظ مسلم وهو
في إفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَليّة، قال:
((قال الله: إذا همَّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات،
إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة)) (٥).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد
رسول الله وَّي، قال: ((قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم
يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم
يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها)). وقال رسول الله وَله: ((قالت الملائكة: ربِّ وذاك أن
عبدك، يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن
تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جراي)). وقال رسول الله وَ له: ((إذا أحسن أحد إسلامه،
فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى
يلقى الله )) تفرد به مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق(٦) بهذا السياق واللفظ، وبعضه
في صحيح البخاري. وقال مسلم أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد الأحمر، عن هشام، عن
ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَالر: ((من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾
ح٤٥٤٦).
(٣) صحيح البخاري، الإيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الإيمان (ح ٦٦٦٤)، وصحيح مسلم، الإيمان،
باب تجاوز الله عن حديث النفس (ح٢٠١).
(٤) صحيح مسلم، باب إذا همّ العبد بحسنة (ح١٢٨).
(٥) المصدر السابق، باب إذا همّ العبد بحسنة (ح١٢٨).
(٦) أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق به (الصحيح، الإيمان، الباب السابق (ح١٢٩).
٣٠٢
سُورَةُ الَقَةِ (٢٨٤)
حسنة، ومن همَّ بحسنة فعملها كتبت له عشراً(١) إلى سبعمائة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم
تكتب له، وإن عملها كتبت)) تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب (٢). [وقال مسلم
أيضاً] (٣): حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء
العطاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله وَله فيما يروي عن ربه تعالى، قال: ((إن الله كتب
الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن
همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر
حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة،
وإن همّ بها فعملها، كتبها الله عنده سيئة واحدة)) ثم رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن
سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الرزاق، زاد: ((ومحاها الله ولا
يهلك على الله إلا هالك)) وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من
أصحاب رسول الله وَطير، فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال:
((وقد وجدتموه؟)) قالوا: نعم، قال: ((ذاك صريح الإيمان)) لفظ مسلم(٤)، وهو عند مسلم أيضاً من
طريق الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله وَليقيم به(٥)، وروى مسلم أيضاً من
حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله وَّيقول عن الوسوسة،
قال: ((تلك محض(٦) الإيمان))(٧) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيِّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ
اللّهُ ﴾: فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في
أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو
قوله: ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من
التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي: من الشك والنفاق(٨). وقد روى العوفي(٩) والضحاك عنه قريباً من
هذا .
وروى ابن جرير عن مجاهد والضحاك نحوه (١٠)، وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة
لم تنسخ(١١)، واختار ابن جرير ذلك واحتجَّ على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى
(١) لفظ: ((عشراً)) سقط من النسخ الخطية، واستدرك من صحيح مسلم.
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، الباب السابق ١٣٠، وما بعده بحديثين.
(٣) قوله: وقال مسلم أيضاً سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(م) و(ح).
(٤)(٥) صحيح مسلم، الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان (ح٢٠٩ و٢١٠).
(٦) في الأصل: ((صريح)) والتصويب من صحيح مسلم، كما سيأتي في التخريج ومن نسخة (عف) و(م).
(٧) صحيح مسلم، الإيمان، الباب السابق (ح ١٣٣).
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس.
(١١) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
٣٠٣
• سُورَةُ الَقَة (٢٨٥، ٢٨٦)
قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلاً: حدثنا ابن
بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد بن هشام (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن
علية، حدثنا ابن هشام، قالا جميعاً في حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: بينما
نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما
سمعت رسول الله 18 يقول في النجوى، قال: سمعت رسول الله صل * يقول: ((يدنو المؤمن من
ربه ك حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربِّ أعرف،
مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها
لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على
رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾ [هود: ١٨]))(١).
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة به(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن
زيد، عن أُمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَشُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم
بِهِ اللَّهُ﴾ قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله وسل ◌ّر عنها، فقالت: هذه مبايعة الله العبد
وما يصيبه من الحمى والنكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه فيفقدها، فيفزع لها ثم يجدها في
ضبنته حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر(٣). وكذا رواه الترمذي وابن
جرير من طريق حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (٤).
(قلت): وشيخه علي بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة
أبيه، أُم محمد أُمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.
﴿وَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونُّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِّكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَ
تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ([َ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا
تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّأْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِ وَأَعْفُ عَنَّا
وَأُغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ
ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما .
(الحديث الأول): قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن
إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي ◌َ ﴿، قال: ((من قرأ بالآيتين)) وحدثنا أبو
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ... ﴾ [غافر: ٥١] (ح ٤٦٨٥)، وصحيح مسلم،
التوبة، باب قبول توبة القاتل (ح٢٧٦٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: فيه مقال، كما ذكر الحافظ ابن
کثیر .
(٤) السنن، التفسير (ح ٢٩٩١).
٣٠٤
• سُوَرَّةُ الْبَقَةِ (٢٨٥، ٢٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نعيم: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال
رسول الله : ((من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه))(١). وقد أخرجه بقية الجماعة
عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله(٢). وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن
منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن عنه به(٣)، وهو في الصحيحين أيضاً عن عبد الرحمن، عن
علقمة، عن ابن مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به، وهكذا رواه أحمد بن
حنبل، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن ابن
مسعود، عن النبي ◌َّ، قال: ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه))(٤).
(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي،
عن خرشة بن الحرّ، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله وَليه: ((أُعطيت
خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي)»(٥) قد رواه ابن مردويه من حديث
الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرّ، قال: قال
رسول الله : ((أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش)).
(الحديث الثالث): قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن
مغول (ح) وحدثنا ابن نمير(٦) وزهير بن حرب، جميعاً، عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال
ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك ابن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مُرَّة، عن عبد الله،
قال: لما أُسري برسول الله وَ له، انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما
يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها، قال: ﴿إِذْ يَغْثَى السّدْرَةَ مَا
يَغْشَى (43﴾ [النجم] قال: فراش من ذهب، قال: أُعطي رسول الله وسلّ ثلاثاً: أُعطي الصلوات
الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أُمته شيئاً المقحمات(٧).
(الحديث الرابع): قال أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل،
حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني(٨)، عن عقبة بن
عامر الجهني قال: قال رسول الله وَله: ((اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أُعطيتهما من
تحت العرش)»(٩). هذا إسناد حسن ولم يخرجوه في كتبهم.
(١) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة (ح٥٠٠٨).
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (ح ٨٠٨).
(٣) صحيح البخاري، الباب السابق (ح٥٠٠٩)، وصحيح مسلم، الباب السابق ٨٠٧.
(٤) المسند ١١٨/٤، وهو متفق عليه كما سبق.
(٥) المسند ١٥١/٥، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣١٢/٦)، وأخرجه الحاكم من طريق
جبير بن نفير عن أبي ذر وقال: والحديث له شاهد من حديث حذيفة أخرجه مسلم (المستدرك ١/ ٥٦٢ -
٥٦٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤٧١/٣.
(٦) في الأصل: ((بن يعمر)) وهو تصحيف والتصويب من صحيح مسلم.
(٧) صحيح مسلم، الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى (ح ١٧٣).
(٨) في الأصل: ((يزيد بن عبد الله المزني)) وهو تصحيف والتصحيح من المسند.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٧/٤)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣١٢/٦)، وصححه =
٣٠٥
• سُورَةُ الََّقَة (٢٨٦،٢٨٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(الحديث الخامس): قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق
الحربي، أخبرنا مروان(١)، أنبأنا ابن عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال
رسول الله وي: ((فضلنا على الناس بثلاث أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز
تحت العرش، لم يعطاها أحد قبلي، ولا يعطها أحد بعدي)) ثم رواه من حديث نعيم بن أبي
هند، عن ربعي، عن حذيفة بنحوه(٢).
(الحديث السادس): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل،
أخبرنا محمد بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن
الحارث، عن علي، قال: لا أرى أحداً عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنها
من كنز أُعطيه نبيكم وَ لّ من تحت العرش(٣). ورواه وكيع في تفسيره عن إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن عمير بن عمرو المخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحداً يعقل، بلغه الإسلام، ينام
حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش.
(الحديث السابع): قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بُندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي،
حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث
الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي وَ لّ، قال: ((إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات
والأرض بألفي عام، أنزله منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأ بهنَّ في دار ثلاث ليال فيقرّ
بها شيطان)) ثم قال: هذا حديث غريب(٤)، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن
سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (٥).
(الحديث الثامن): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين، أخبرنا الحسن بن
الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا ابن أبي مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن
سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا قرأ سورة البقرة وآية الكرسي ضحك وقال:
(إنهما من كنز الرحمن تحت العرش)) وإذا قرأ: (ومن يعمل سوءاً يجز به) ﴿وَأَنْ لَّْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا
سَعَى (٨) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٣) ثُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَاءُ الْأَوْنَى ﴾﴾ [النجم] استرجع واستكان(٦).
(الحديث التاسع): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن
الألباني في صحيح الجامع الصغير ٣٧٩/١.
=
(١) في الأصل: ((سرور)) وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(ح) و(م).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في الصحيح (١٣٣/١ ح ٢٦٤)، وابن حبان في الإحسان (٣١٠/١٤ ح ٦٤٠٠)، كلاهما
من طريق أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراش به.
(٣) في سنده الحارث الأعور: وهو ضعيف كما في التقريب وقد توبع، فقد أخرجه ابن الضريس من طريق
شعبة عن أبي إسحاق عن عمير بن سعيد، عن علي (ص١٤٨ ح١٧٧)، وعمير بن سعيد: ثقة، كما في
التقريب. وفي رواية وكيع التالية متابعة عمير بن عمرو للحارث الأعور.
(٤) السنن، فضائل القرآن (ح٢٨٨٢)، ورجاله ثقات ولكن حماد بن سلمة تغير حفظه بآخرة كما في التقريب،
ورواية الحاكم من طريقه أيضاً.
(٥) المستدرك ١/ ٥٦٢.
(٦) في سنده ابن أبي مريم، وهو عبد الله الغساني: وهو ضعيف كما في التقريب.
.
٣٠٦
• سُورَةُ الَقَةُ (٢٨٥، ٢٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يحيى بن حمزة، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد،
عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله وَله: ((أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم
سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة))(١).
(الحديث العاشر): قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله وَّر وعنده جبريل إذ سمع
نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء، ما فتح قط.
قال: فنزل منه ملك فأتى النبي وَله، فقال له: أبشر بنورين قد أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة
الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أُوتيته، رواه مسلم والنسائي وهذا لفظه (٢).
فقوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ◌َُّ بذلك، قال ابن جرير:
حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن رسول الله وَطير، قال لما نزلت
عليه هذه الآية: ((ويحق له أن يؤمن)) (٣). وقد روى الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو النضر الفقيه،
حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير،
عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ◌َِّ ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ﴾ قال النبي ◌َّ: ((حق له أن يؤمن))، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٤).
وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع، فقال: ﴿كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَمَبِّكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد
صمد، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء
على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل
الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ
شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ◌ّية، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم
الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَآ﴾ أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾
سؤال للمغفرة والرحمة واللطف.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا فضيل، عن عطاء بن السائب، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى
قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال: قد غفرت لكم(٥).
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر، قال: لما
(١) في سنده عبيد الله بن أبي حميد: متروك، كما في التقريب.
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة (ح ٨٠٦).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ضعيف.
(٤) المستدرك ٢٨٧/٢، وتعقبه الذهبي بأن سنده منقطع.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
٣٠٧
• سُورَةُ الَقَرة (٢٨٦،٢٨٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نزلت على رسول الله وَله: ﴿وَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَتَبِكَتِهِ،
وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن زُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
(٧٨٥)
قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاً ... ﴾ إلى آخر هذه الآية (١).
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ أي: لا يكلف أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه
تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في
قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أي: هو وإن حاسب
وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس
وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله: ﴿لَهَا مَا
كَسَبَتْ﴾ أي: من خير ﴿وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت
التكليف. ثم قال تعالى مرشداً عباده إلى سؤاله، وقد تكفّل لهم بالإحابة كما أرشدهم وعلمهم أن
يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآ أَوَ أَخْطَأَنَا﴾ أي: إن تركنا فرضاً على جهة النسيان، أو فعلنا
حراماً كذلك، أو أخطأنا؛ أي الصواب في العمل جهلاً منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح
مسلم من حديث أبي هريرة، قال: ((قال الله: نعم)) ولحديث ابن عباس، قال الله: ((قد فعلت)).
وروى ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء. قال
ابن ماجه في روايته: عن ابن عباس، وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء، عن عبيد بن عمير،
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن الله وضع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه)(٢). وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم(٣)، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر،
عن أُم الدرداء، عن النبي وَ لّ، قال: ((إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان،
والاستكراه)) قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآناً ﴿رَبَنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَ﴾(٤).
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا من
الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأُمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت
عليهم، التي بعثت نبيك محمداً وَلّر، نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين
الحنيفي السهل السمح، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله وَل، قال:
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وسنده مرسل لأن حكيم بن جابر
تابعي .
(٢) سنن ابن ماجه، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي (ح٢٠٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن
ماجه (ح ١٦٦٤).
(٣) أعلّه ابن أبي حاتم بأن الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء (العلل ٤٣١/١ ح ١٢٩٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو بكر الهذلي: متروك، كما في التقريب، وأم الدرداء
تابعیة، ویشهد له سابقه.
٣٠٨
• سُوَّةُ الْبَقَة (٢٨٥، ٢٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الله: (نعم))(١)، وعن ابن عباس، عن رسول الله وَ ل أنه قال: قال الله قد فعلت وجاء في
الحديث من طرق عن رسول الله وَّه أنه قال: (بُعثتُ بالحنيفية السمحة))(٢).
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِدٍ﴾ أي: من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما
لا قبل لنا به.
وقد قال مكحول في قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾ قال: الغربة والغلمة، رواه ابن
أبي حاتم(٣)، قال الله: ((نعم)).
وفي الحديث الآخر: ((قال الله: قد فعلت))(٤).
وقوله: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا﴾ أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿ وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فيما
بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وَأَرْحَمْنَاً﴾ أي: فيما يستقبل فلا
توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه
فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.
وقد تقدم في الحديث أن الله قال: ((نعم)).
وفي(٥) الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت.
وقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك
التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، ﴿فَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اُلْكَفِرِينَ﴾ أي: الذين جحدوا
دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا
عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخر، قال الله: نعم.
وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس، قال الله: قد فعلت(٦).
وقال ابن جرير: حدثني مثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق أن
معاذاً ﴿به، كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِنَ﴾ قال: آمين(٧). ورواه
وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال:
(٨) .
آمين(١٨
آخر تفسير سورة البقرة، ولله الحمد والمنة.
(١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه ﴿ لن يكلف إلا ما يطاق (ح ١٩٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن (المسند ٣٤٩/٤١ ح٢٤٨٥٥).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن مكحول - والغلمة بضم الغيْن وسكون اللام -: شهوة النكاح (لسان العرب ١٢/
٤٣٩).
(٤) هذه الجملة أراها مكررة، فقد ذكرت قبل قول مكحول وبعده أيضاً بخمسة أسطر.
(٥)(٦) تقدم في صحيح مسلم في الصفحة السابقة.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو إسحاق وهو السبيعي لم يلق معاذاً ظه. وسنده منقطع.
(٨) في سنده رجل مبهم وهو الواسطة بين أبي إسحاق ومعاذ.
٣٠٩
• سُورَةُ الِغَزْرَانَ (١، ٤)
2000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
00000
سورة آل عمران
هي مدنية، لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزل في وفد نجران وكان(١) قدومهم في
سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها (٢)، إن شاء الله تعالى،
وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير البقرة.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الَّّ ﴿ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ أَ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيِِّ وَأَنْزَلَ
التَّوْرَةَ وَاَلْإِنِيلَ ﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنَزَلَ اٌلْفُرْقَانُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاَللَّهُ
)﴾ .
عَزِيزٌ ذُوَ آَنِثِقَاءٍ
قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ
الْقَيُُّ ﴾﴾ و﴿ الَمَ ﴾ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَىُّ الْقَيُّومُ ﴾﴾ عند تفسير آية الكرسي(٣)، وقد تقدم
الكلام على قوله: ﴿الّمّ ﴾﴾ في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته، وتقدم الكلام على
قوله: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
﴾ فى تفسير آية الكرسي.
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ﴾ يعني: نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي: لا
شك فيه ولا ريب، بل هو منزل(٤) من الله رَك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً،
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء فهي
تصدقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها، لأنه طابق ما أخبرت به، وبشرت
من الوعد(٥) من الله بإرسال محمد بٍَّ وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَّلَ التَّوْرَةَ﴾ أي:
على موسى بن عمران، ﴿وَالْإِنِيلَ﴾ أي: على عيسى ابن مريم ◌َِّ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا
القرآن ﴿هُدَى لِلنَّاسِ﴾ أي: في زمانهما. ﴿وَأَنزَلَ الْقُرْقَانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال. والحق
والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات،
والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.
وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان لههنا: القرآن(٦). واختار ابن جرير أنه مصدر لهُهنا لتقدم
(١) في الأصل: ((وكانت)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) آية ٢٥٥.
(٢) آية ٦١ من السورة نفسها.
(٤) في الأصل: ((نزل)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) في الأصل: ((وبشرته من الموعد)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٦) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن عنه ..
وقول الربيع أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
٣١٠
سُورَةُ آلِّعَقْرَانَ (٩،٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذكر القرآن في قوله: ﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّةٌ﴾ وهو القرآن.
وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح، أن المراد بالفرقان لههنا التوراة (١)، فضعيف أيضاً
لتقدم ذكر التوراة، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِكَايَاتِ اللَّهِ﴾ أي: جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، ﴿لَهُمْ
عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب عظيم السلطان، ﴿ذُو أَنْشِقَامٍ﴾
أي: ممن كذب بآياته(٢) وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.
هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ اَلْأَرْحَامِ كَيْفَ
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِيِ اٌلْأَرْضِ وَلَا فِىِ السَّمَآءِ
L
يَشَاءُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ لْحَكِيمُ ﴾﴾.
يخبر تعالى أنه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك(٣)، ﴿هُوَ الَّذِى
يُصَوُِّكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن
وقبيح، وشقي وسعيد، ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: هو الذي خلق، وهو المستحق
للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا تُرام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها
تعريض، بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره
في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى؛ عليهم لعائن الله، وقد تقلب
في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال؟ كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدٍ
خَلْقٍ فِي ◌ُظْلُمَتٍ ثَلَثٍّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].
] ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَِهَتْ فَأَمَا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ
زَيْغٌ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ أَلْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا
بِهِ، كُلِّ مِنْ عِندِ رَيْنَا وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴿٣ رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ
رَبَّا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّ رَيّبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات، هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا
التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم،
فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس
انعكس ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحُكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ [أي: أصله
الذي يرجع إليه عند الاشتباه](٤) ﴿وَأُخَرُ مُتَشَبِهٌَ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد
تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم
والمتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضيها:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٢) في الأصل: ((آياته)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٣) في الأصل: ((لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من ذلك)) والمثبت من (عف) و(حم) و(ح).
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
٣١١
• سُورَةُ اَلِ عُقْرَانَ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به (١). وكذا
روي عن عكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنهم قالوا:
المحكم الذي يعمل به (٢) .
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئً﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيتان بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوّأْ
إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها، ورواه ابن أبي حاتم(٣) وحكاه عن سعيد بن جبير
ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد، أن
يحيى بن يَعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية وهي ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَةٌ﴾، فقال أبو
فاختة: فواتح السور، وقال يحيى بن يَعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام(٤).
وقال ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: هنّ أم الكتاب يقول: أصل
الكتاب، وإنما سمَّاهنَّ أم الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب(٥).
وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ (٦).
وقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم والمؤخر، والأمثال فيه، والأقسام، وما يؤمن
به ولا يعمل به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس(٧).
وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قاله(٨) مقاتل بن حيان(٩).
وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضاً(١٠).
وهذا إنما هو في تفسير قوله: ﴿كِثَبًا مُّتَشَبِهَا مَثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣] هناك ذكروا أن المتشابه هو
الكلام الذي يكون في (١١) سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعاً بحذف الإسناد، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق
ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق إسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد الله بن قيس عن ابن عباس بدون ذكر الآية الثالثة، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي، (المستدرك ٢٨٨/٢).
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مجهول عن ابن عباس.
(٤) قول سعيد بن جبير ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول يحيى بن يعمر أسنده ابن أبي حاتم بسنده
ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٨) في الأصل: ((قال)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٩) في الأصل: ((قال)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) من طريق بكير بن معروف عنه.
(١٠) أخرجه عبد بن حميد بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد كما في حاشية تفسير ابن أبي حاتم.
(١١) في الأصل تكرر لفظ: (يكون)) وسقط لفظ: ((في)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
٣١٢
• سُورَةُ الِغَقْرَانَ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وصفة النار وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار (١)، ونحو ذلك. وأما هُهنا فالمتشابه هو الذي يقابل
المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمناه وهو الذي نصَّ عليه محمد بن إسحاق بن يسار (٢) وَُّهُ
حيث قال: منه آيات محكمات فهنَّ حجّة الربّ، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهنَّ
تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، قال: والمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل
ابتلى الله فيهنَّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق(٣).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغُ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل
﴿فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم
الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دامغ لهم
وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم
يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد
نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُّ أَنْعَمْنَا
عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَِّ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ (®﴾ [آل عمران] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله
وعبد ورسول من رسل الله.
ـى: ﴿وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِ"﴾ أي: تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل بن حيان والسدي:
يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن (٤).
وقد قال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة ◌َيًُّا
قالت: قرأ رسول الله وَّه ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحُكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾
إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ فقال: ((فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم)»
هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة رضيُها ليس
بينهما أحد(٥)، وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما
عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عنها(٦)، ورواه محمد بن يحيى العدني في
مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب به، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب(٧)،
وكذا رواه غير واحد عن أيوب، وقد(٨) رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به(٩)،
ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه:
(١) قوله: ((ثم حال))، كذا في الأصل و(ح) و(حم) وفي (عف): ((وحال)).
(٢) في الأصل: ((بشار)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق مختصراً.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن السدي وبسند حسن عن مقاتل بن حيان.
(٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٤٨/٦، ٢٥٦) وهو حديث متفق عليه كما سيأتي.
(٦) السنن، المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل (ح ٤٧).
(٧) تفسير عبد الرزاق ١١٦/١.
(٨) في الأصل: ((كذا رواه)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٩) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١/ ٢٧٧ (ح ٧٦).
٣١٣
• سُورَةُ العَقْرَانَ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000000000000
عارٍم: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، [عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به(١). وتابع أيوب](٢)
أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار، عن أبي داود الطيالسي،
عن أبي عامر الخراز فذكره(٣)، وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى
الأبح(٤)، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة(٥). ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم
ونافع بن عُمر(٦) الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن
ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة فذكره(٧). وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية،
ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم عن القعنبي، عن
يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة يا، قالت:
تلا رسول الله وَ﴿ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحُكَمَكُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَكَّرُ
إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ قالت: قال رسول الله وَله: ((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين
سمى الله فاحذروهم)) لفظ البخاري(٨). وكذا رواه الترمذي أيضاً، عن بُندار عن أبي داود
الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم به وقال: حسن صحيح، وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد
بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم يذكر
القاسم، كذا قال(٩). وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي،
حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة ﴿يّ، قالت: سئل رسول الله وَ ل﴿ عن قول الله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَتَّبِعُونَ مَا
تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسول الله وَيلة: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله
فاحذروهم))(١٠) .
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن
عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﴿ها، قالت: نزع رسول الله وسل* بهذه الآية:
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، فقال رسول الله وَله: ((قد حذركم الله فإذا رأيتموهم
فاعرفوهم))(١١). ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به.
(١) في تفسير ابن المنذر المطبوع من طريق نافع عن ابن أبي مليكة عن عائشة (تفسير القرآن ص١٣١ رقم ٢٥٦).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة آل عمران (ح ٢٩٩٧).
(٤) في الأصل: ((الأشج)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٥) سنن سعيد بن منصور (ح ٤٩٢).
(٦) في الأصل: ((عمرو))، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
(٨) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب ﴿مِنْهُ مَايَتٌ تُحُكَّمَكُ﴾ [آل عمران: ٧] (ح ٤٥٤٧)، وصحيح
مسلم، في كتاب العلم (وليس في كتاب القدر، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن ح ٢٦٦٥)، وسنن أبي
داود، السنة، باب مجانبة أهل الأهواء (ح٤٥٩٨).
(٩) أخرجه بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح٢٩٩٣، ٢٩٩٤).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
٣١٤
• سُورَةُ الَّعَمْرَانَ (٧، ٩)
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة
يحدث عن النبيِ وَّ في قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ قال: ((هم
الخوارج)»(١).
وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: ((هم الخوارج)) وقد رواه
ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعاً فذكره، وهذا الحديث أقل أقسامه
أن يكون موقوفاً من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة
الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ◌َّل غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم
الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم، وهو ذو الخويصرة - بقر الله
خاصرته -: اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله وَثيقول: ((لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل،
أيأمنني(٢) على أهل الأرض ولا تأمنوني)). فلما قفا (٣) الرجل استأذن عمر بن الخطاب، وفي
رواية: خالد بن الوليد، رسول الله في قتله، فقال: ((دعه فإنه يخرج من ضئضئ(٤) هذا - أي: من
جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قرائتهم، يمرقون من
الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قلتهم أجراً لمن قتلهم)) (٥).
ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رُه وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب،
وقبائل وآراء، وأهواء، ومقالات، ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم
الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق وَ ◌ّير في قوله: ((وستفترق هذه
الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ((من
كان على أنا عليه وأصحابي))، أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة(٦).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه،
عن قتادة، عن الحسن، عن جُندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة، أو سمعه منه، يحدث عن
رسول الله وسلم أنه ذكر «إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن، ينثرونه نثر الدقل(٧) يتأولونه على غير
تأويله)»(٨). لم يخرجوه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾ اختلف القراء في الوقف ههنا، فقيل: على الجلالة،
كما تقدم عن ابن عباس ظبه أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٢/٥)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٢) في الأصل: ((يأمنني)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) في الأصل: ((مضى)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٤) في الأصل: ((صيصي)) وهو تصحيف والتصويب كسابقه.
(٥) أخرجه البخاري (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ح٢٦١٠)، وصحيح مسلم، الزكاة،
باب ذكر الخوارج (ح ١٠٦٣).
(٦) أخرجه الحاكم وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ١٢٨/١ - ١٢٩)، وفي سنده: عبد الرحمن بن زياد
وهو الإفريقي وهو ضعيف كما في التقريب.
(٧) لفظ: ((الدقل)) تصحف في الأصل ("إلى: له بل)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٨) في سنده عمرو بن عاصم وهو القيسي البصري وهو صدوق في حفظه شيء (التقريب ص٤٢٣).
٣١٥
سُورَةُ الِ غَقْرَانَ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله(١).
ويُروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم(٢) .
وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن
إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك
الأشعري، أنه سمع رسول الله وسلم يقول: ((لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم
المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذ المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا
اللَّهُ وَالَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، ... ﴾ الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه))(٣)
غريب جداً .
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا هشام بن
عمار، حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن
رسول الله وَل، قال: ((إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما
تشابه فآمنوا به))(٤) .
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ(٥): (وما
يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون آمنا به)(٦).
وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون
تأويله(٧) .
وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: (إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في
العلم يقولون: آمنا به)، وكذا عن أبي بن كعب(٨)، واختار ابن جرير هذا القول.
ومنهم من يقف على قوله: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ﴾، وتبعهم كثير من المفسرين(٩) وأهل الأصول،
(١) أخرجه ابن المنذر بسند ضعيف من طريق محمد بن السائب الكلبي عن ابن عباس (التفسير ص١٣١ رقم
٢٥٥)، وأخرجه الطبري من طريق أبي الزناد عن ابن عباس، وأبو الزناد لم يسمع عن ابن عباس لأنه مات
سنة ١٣٠ وهو ابن ٦٦ سنة (ينظر: تهذيب التهذيب ٢٠٤/٥).
(٢) يقصد بهذا القول: الوقف على لفظ الجلالة، وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي الشعثاء وأبي
نهيك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] قالا: إنكم تصلون هذه الآية
وهي مقطوعة ... وأخرجه بنحوه بسند حسن عن عروة، وبسند صحيح عن عائشة بنحوه.
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣٣٢/٣ ح ٣٤٤٢) وفي سنده محمد بن إسماعيل بن عياش:
عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع. (التقريب ص٤٦٨).
(٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن شعيب به (المسند ح ٦٧٤١)، وصححه محققه أحمد شاكر،
وأخرجه ابن سعد من طريق عبد العزيز بن أبي حازم به (الطبقات الكبرى ١٩٢/٤)، وحسنه الألباني في
السلسلة الصحيحة ٢٨/٤.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: ((يقول))
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه في تفسيره وسنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح عن عمر بن عبد العزيز، وبسند صحيح عن مالك.
(٨) ذكره الطبري وأبو داود في المصاحف ص٥٩ وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٢/٢.
(٩) في الأصل: ((المقربين)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
٣١٦
سُورَةُ الَّعُقْرَانَ (٩،٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه
قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله(١).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به (٢).
وكذا قال الربيع بن أنس(٣).
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد
﴿إِلَّ اللّهُ وَلَّسِخُونَ فِى الْمِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِء﴾، ثم ردّوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل
المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتّسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضاً،
فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع (٤) به الكفر(٥).
وفي الحديث أن رسول الله وسير دعا لابن عباس، فقال: ((اللَّهم فقهه في الدين وعلمه
التأويل)) (٦) ومن العلماء من فصل هذا المقام وقال: التأويل يطلق، ويراد به في القرآن معنيان:
أحدهما: التأويل لمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى
اَلْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيَّ بَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: حقيقة ما أُخبروا به من أمر المعاد،
فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية
إلا الله ◌َك، ويكون قوله: ﴿وَالَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و﴿يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ﴾ خبره، وأما إن أريد
بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله: ﴿يَبِتْنَا بِتَأْوِيلِ﴾ [يوسف:
٣٦] أي: بتفسيره، فإن أُريد به هذا المعنى، فالوقف على ﴿وَالَّسِحُونَ فِ الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون
ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه،
وعلى هذا يكون (٧) قوله: ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ حالاً منهم، وساغ هذا، وأن يكون من المعطوف
دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ﴾ إلى قوله:
﴿وَلَّذِينَ جَُّو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا ... ) الآية [الحشر: ٨ - ١٠]، وقوله
تعالى: ﴿وَجَءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّا صَفًّاً
[الفجر] أي: وجاءت الملائكة صفوفاً صفوفاً.
وقوله إخباراً عنهم أنهم: ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ أي: المتشابه، ﴿كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَاْ﴾ أي: الجميع من
المحكم، والمتشابه حقّ وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله
وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، لقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح به.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح به.
(٣) أخرجه الطبري بسند لم يذكر فيه اسم شيخه.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: ((ورفع))، وفي تفسير الطبري: (ودُفع)) وكلها متقاربة.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن حُميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، والرواية في سيرة ابن هشام ١ / ٥٧٧.
(٦) أخرجه البخاري بلفظ: ((اللَّهم علمه الكتاب))، (الصحيح، العلم، باب قول النبي ◌َّ: ((اللهم علمه
الکتاب» ح٧٥).
(٧) في الأصل: ((فيكون)).
٣١٧
• سُورَةُ أَلِ عَقْرَانَ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لَوَجَدُواْ فِيهِ أَخْتِلَفًا ككَثِيرًا (٨﴾ [النساء]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي: إنما
يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة](١).
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض
الرقي، حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي و ﴿ أنساً وأبا أمامة وأبا الدرداء
قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله ◌َّي، سئل عن الراسخين في العلم، فقال: ((من برّت(٢)
يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه عن جده، قال: سمع رسول الله وَ ﴿ قوماً يتدارؤون، فقال: ((إنما هلك من كان قبلكم بهذا،
ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه
ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه))(٤). وتقدم رواية ابن مردويه لهذا
الحديث من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به.
وقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن
أبي حازم، عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله وَّ ر، قال: ((نزل
القرآن على سبعة أحرف، والمِراء في القرآن كفر - قالها ثلاثاً (٥) - ما عرفتم منه فاعملوا به، وما
جهلتم منه فردوه إلى عالمه جل جلاله)) وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه عِلّة بسبب قول الراوي:
((لا أعلمه إلا عن أبي هريرة».
وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، قال:
أخبرني نافع بن يزيد، قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في
مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم(٦). ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَگَّرُ
إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي: إنما يعقل ويفهم ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم
المستقيمة .
ثم قال تعالى مخبراً عنهم أنهم دعَوا ربهم قائلين: ﴿رَبََّا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا
تَمِلها عن الهدي بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يبتغون ما تشابه
من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ﴾ أي: من
عندك ﴿رَحْمَةٌ﴾ تثبت بها قلوبنا وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عف).
(٢) في الأصل: ((من بر في يمينه)) والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه عبد الله بن يزيد، وهو ابن آدم الدمشقي يروي أحاديث موضوعة
(ميزان الاعتدال ٥٢٦/٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٧٤١)، وصححه محققه أحمد شاكر، وحسنه الألباني في
السلسلة الصحيحة ٢٨/٤.
(٥) كذا في مسند أبي يعلى وفي النُسخ جميعها بدون: ((قالها)) (مسند أبي يعلى ٤١٠/١٠ ح ٦٠١٦)، فقد
أخرجه بسنده ومتنه.
(٦) لم أجده في تفسير ابن المنذر المطبوع ولعله من رواية أخرى لتفسير ابن المنذر، وسنده صحيح.
٣١٨
• سُورَةُ أَلَ عَثْرَانَ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قالا
جميعاً: حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن
النبي ◌َّ كان يقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) ثم قرأ ﴿رَبََّا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ ﴾﴾(١). ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن [بكار،
عن](٢) عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن
السكن، سمعها تحدث: إن رسول الله وَّلقره، كان يكثر من دعائه «اللَّهم مقلُّب القلوب، ثبت قلبي
على دينك)) قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: ((نعم، ما خلق الله من بني آدم
من بشر إلا قلبه بين أصبعين من أصابع الله رَات، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه))(٣). فنسأل الله
ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب - وهكذا
رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، رواه أيضاً عن
المثنى، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، وزاد قالت: قلت: يا
رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: ((بلى، قولي: اللَّهم ربَّ النبي محمد، اغفر
لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن))(٤).
ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا
العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن
أبي حسان الأعرج، عن عائشة رضي ثها قالت: كان رسول الله و له كثيراً ما يدعو ((يا مقلب القلوب ثبت
قلبي على دينك)) قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: ((ليس من قلب إلا وهو
بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله:
﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن ◌َّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ (@)))(٥) غريب من هذا الوجه،
ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة (٦).
وقد روى أبو داود والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي
وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي
عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ينا أن رسول الله وَله، كان إذا استقيظ من الليل قال: ((لا إله
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن بالشواهد وقد حسنه الترمذي (السنن، الدعوات ح٣٥٢٢)،
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٧٩٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص بنحوه (الصحيح، القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ح٢٦٥٤)، وينظر
تفصيل تخريجه في: تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم، سورة آل عمران رقم ١٤٥.
(٢) ما بين معكوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).
(٣) الشق الأول من الحديث ثابت كما تقدم، والشق الثاني حكمَ عليه الحافظ في الحديث الثاني لابن مردويه
بأنه غريب من هذا الوجه.
(٤) ذكرهما الطبري بالإسنادين واللفظين وحكم المتن كسابقه.
(٥) في سنده: سعيد بن بشير: وهو ضعيف كما في التقريب، ولشقه الأول شاهد تقدم من رواية ابن أبي حاتم
والترمذي ومسلم.
(٦) تقدم في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
٣١٩
• سُورَةُ أَلَ غَزْرَانَ (١٠، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إلا أنت، سبحانك، اللَّهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللَّهم زدني علماً ولا تزغ قلبي
بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)) لفظ ابن مردويه (١).
وقال عبد الرزاق، عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي
أنه أخبره، أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله (٢) الصنابحي أنه صلى وراء أبي
بكر الصديق ظه المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار
المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ
(٣)
بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُيَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَابُ
قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر
لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله الصنابحي؟ فأخبره بما سمع أبا عبد الله ثانياً. قال عمر:
فما تركناها منذ سمعناها منه وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك، فقال له رجل: على أي شيء
كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ [الإخلاص).
وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد به، وروى
هذا الأثر الوليد أيضاً عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن
الصنابحي، أنه صلى خلف أبي بكر المغرب، فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة
يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة، ابتدأ القراءة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ
هذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿﴾ وقوله: ﴿رَبََّآَ
إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّ رَّبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٤).
أي: يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم
فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلاً بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.
2] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ الَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
كَدَأْبٍ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُبِم وَاللَّهُ شَدِيدُ أُلْمِقَابِ
١٠
يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَءُ
الدَّارِ ﴾﴾ [غافر] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا
بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم
بِهَا فِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ [التوبة] وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
(١) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقال عند النوم (ح٥٠٦١)، وعمل اليوم والليلة للنسائي (ح ٨٦٥)،
والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٣٤١/١٢ (ح٥٥٣١)، وضعفه الألباني بسبب عبد الله بن الوليد
التجيبي وهو لين الحديث كما في التقريب (ضعيف سنن أبي داود ح ١٠٧٤).
(٢) في الأصل: ((أبو عبيد الله) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١٠٩/٢ - ١١٠ ح٢٦٩٨)، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق من طريق رجاء بن حيوة عن محمود بن ربيع عن الصنابحي به، (المصنف ٢/ ١١٠ ح٢٦٩٩)،
وسنده صحيح ومحمود بن الربيع، ومحمود بن لبيد المذكوران في تفسير ابن كثير كلاهما من صغار الصحابة.
٣٢٠
سُورَةُ أَلِّعَقْرَانَ (١١،١٠)
(9)﴾ [آل عمران]، وقال ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
فِي الْبِلَدِ ( مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَهُمْ جَهَنَّمْ وَبِئْسَ الِهَادُ
كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه(١) ﴿لَن
تُغْفِى عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي حطبها الذي تسجر به،
وتوقد به، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ
٩٨
[الأنبياء].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد،
عن هند بنت الحارث(٢)، عن أُم الفضل أُم عبد الله بن عباس، قالت: بينما نحن بمكة، قام
رسول الله وَ﴿ه من الليل فنادى: ((هل بلغت اللَّهم، هل بلغت))؟ ثلاثاً، فقام عمر بن الخطاب رضي ته
قال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله وله: ((ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه،
ولَتَخُوضُنّ البحارَ بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه، ثم يقولون: قد
قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟)) قالوا: يا رسول الله، فمن
أولئك؟ قال: ((أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار))(٣).
وكذا رأيته بهذا اللفظ وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت
الحارث امرأة عبد الله بن شداد، عن أُم الفضل، أن رسول الله وَ * قام ليلة بمكة، فقال: ((هل
بلغت)»؟ يقولها ثلاثاً، فقام عمر بن الخطاب وكان أواهاً، فقال: اللَّهم نعم، وحرصت، وجهدت،
ونصحت، فاصبر، فقال النبي والر: ((ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال
البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا
وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير)) قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟
قال: (أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار))(٤)، ثم رواه من طريق موسى بن عبيدة(٥)، عن
محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب بنحوه(٦).
وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون(٧)، وكذا روي
عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد(٨)، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون (٩)،
(١) في الأصل: ((رسله)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٢) في الأصل: ((حزن)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، ولبعضه شاهد في الصحيحين، (صحيح البخاري،
الجهاد، باب ركوب البحر ح٢٨٩٤، ٢٨٩٥، وصحيح مسلم الإمارة، باب فضل الغزو (ح ١٦٠، ١٦١).
(٤) حسنه المنذري (الترغيب ١٣٠/١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (ح١٣٠ - ١٣٢).
(٥) في الأصل: ((موسى بن عبيد)) والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٦) في سنده: موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف، وقد توبع كما سبق في رواية ابن أبي حاتم.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك به، وسنده ضعيف لأن بشر بن
عمارة ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس، ويشهد له أقوال التابعين من تلاميذ ابن عباس كما سيأتي.
(٨) قول عكرمة ومجاهد أخرجه الطبري بسند فيه سنيد: وهو ضعيف، وقول الضحاك أخرجه ابن المنذر، في
حاشية النسخة الخطية من تفسير ابن أبي حاتم، بسند قوي من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول الربيع
أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٩) هو قول الربيع كما تقدم تخريجه.