Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ • سُوَدَّةُ الْبََّقَة (٢٠٠، ٢٠٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْكُمْ ءَبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرَأْ فَيِنَ النَّاسِ (١٥) وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِىِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اِسَابِ يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿ گنگگُت ◌َابَآءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه: فقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه(١). يعني: كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس(٢). وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه(٣)، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات [ويحمل الديات](٤)، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد ◌َله: ﴿فَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْكُمْ ◌َآءَكُمْ أَوْ أَشْدَ ذِكْرَأْ﴾(٥). قال ابن أبي حاتم: وروي عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك(٦) وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة(٧)، والله أعلم. والمقصود منه الحثّ على كثرة الذكر الله رَ، ولهذا كان انتصاب قوله، أو أشد ذكراً على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً، و﴿أَوْ﴾ ـ ههنا - لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: ﴿فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٣٧)﴾ [الصافات]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ [النجم] فليست لههنا للشك قطعاً، وإنما هي لتحقيق [المخبر](٨) عنه بأنه كذلك أو أزيد منه . (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الملك عن عطاء، وأخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به، وفيه سنيد: ضعيف وقد توبع في رواية ابن أبي حاتم. (٢) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، وقول الربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي ويشهد له ما سبق من قول عطاء والربيع. (٤) قوله: ((ويحمل الديات)) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) و(مح). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به. (٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد، وقد أسند بعضها الطبري كما سيأتي في الحاشية الآتية. (٧) فقد أخرج نحوه بإسناد صحيح عن مجاهد، وبإسناد حسن عن أبي وائل، وبإسناد حسن عن قتادة، وبإسناد حسن عن سعيد بن جبير وعكرمة. (٨) في الأصل: ((الخبر)) وما أثبت من (عش) و(عف). ١٢٢ سُورَةُ النََّقَةِ (٢٠٢،٢٠٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاثِنَا فِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبُّه بمن هو کذلك. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللَّهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِىِ الدُّنَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين)](١) فيقولون: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الذُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْأَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فأنزل الله: ﴿أُوْلَبِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ اَلِسَابِ﴾(٢). ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِ اٌلْأَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام. وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وجسداً صابراً، فقد أُوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار(٣). ولهذا وردت السنّة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي وَ ﴿ يقول: ((اللَّهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار))(٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، [قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة](٥) كان أكثر ما يدعوها النبي وَليه؟ قال: يقول: ((اللَّهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)) [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا (١) قوله: ((من المؤمنين)) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن الحارث عنه. (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً ... ﴾ [البقرة: ٢٠١] ح ٤٥٢٢). (٥) ما بين معقوفين من (عف) وجاء في الأصل: ((عن أنس قال)) والصواب ما أثبت كما سيأتي في صحيح مسلم . ١٢٣ • سُورَةُ الََّقَرّة (٢٠٢،٢٠٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه](١)(٢) ورواه مسلم(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد - يعني: أبا طالوت -، قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: ((اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)) وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام، فادع الله لهم، فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله (٤). وقال أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله* عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله وَلا ير: ((هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟)) قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله وَ ﴿: ((سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه -، فهلا قلت: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِ الْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال: فدعا الله فشفاه(٥). انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي(٦) به(٧). وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: ((﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾)» (٨). ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ نحو ذلك(٩). وفي سنده ضعيف، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن (١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) وصحيح مسلم. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠١/٣)، وهو في الصحيح كما يلي. (٣) أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية به (الصحيح، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل (ح ٢٦٩٠). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٧/٣)، وأخرجه مسلم من طريق ابن أبي عدي به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة ح٢٦٨٨). (٦) في الأصل: ((أبي عدي)) والتصويب من (عف) و(عش) ورواية مسلم. (٧) تقدم عزوه في تخريج رواية الإمام أحمد السابقة. (٨) أخرجه الشافعي في مسنده بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، كتاب الحج، باب فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة ٣٤٧/١ ح ٨٩٨)، وسنده حسن. أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤١١/٣)، وابن أبي شيبة (المصنف ١٠٨/٤)، وابن حبان (موارد الظمآن ح١٠٠١)، كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج به، وأخرجه أبو داود من طريق عيسى بن يونس عن ابن جريج به (السنن، المناسك، باب الدعاء في الطواف ح١٨٩٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٦٦٦)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن ابن جريج وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٧). (٩) سنن ابن ماجه، المناسك، باب أفضل الطواف (ح٢٩٥٧)، وفي سنده حميد بن أبي سويد: مجهول (التقريب ص ١٨١)، فهو كما قال الحافظ: في سنده ضعف. ١٢٤ سُورَةُ الْبََّقَةِ (٢٠٣) سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَير: ((ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكاً يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبََّآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾))(١). وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ يخرجاه(٢) . ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَاءٍ فَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَّ E إِثْمَ عَلَيَّةِ لِمَنِ اتَّقَنَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَّرُونَ قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر (٣). وقال عكرمة: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات (٤) المكتوبات: الله أكبر الله أكبر" وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَلجر: ((يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب))(٥) . وقال أحمد أيضاً: حدثنا هُشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله وَل: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله)(٦) ورواه مسلم أيضاً(٧)، وتقدم حديث جبير بن مطعم: ((عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح))(٨). وتقدم أيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: ((وأيام منى ثلاثة فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا (٩) إثم عليه))(٩) . (١) في سنده عبد الله بن هرمز - وهو المكي - ضعيف (التقريب ص٣٢٣). (٢) ووافقه الذهبي على تصحيحه (المستدرك ٢٧٧/٢ - ٢٧٨). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بدون ذكر الأيام المعلومات. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٢/٤ - ١٥٣)، وصححه أحمد شاكر برقم (٧١٣٤ و٩٠٠٨)، وأخرجه الترمذي من طريق موسى بن علي به، وقال: حسن صحيح (السنن، الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق ح٧٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٦٢٠). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٥/٥ - ٧٦)، وهو في الصحيح كما يلي. (٧) صحيح مسلم، الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق (ح١١٤١). (٨) وهو حديث صحيح تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ ... ﴾ [البقرة: ١٩٨]. (٩) وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٧٨/٢). ١٢٥ • سُوَدَّةُ الْبََّقَة (٢٠٣) وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلّاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله وَليو [قال: ((أيام التشريق أيام طعم وذكر الله))، وحدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله (وَ ي](١) بعث عبد الله بن حذافة يطوف في مِنَى: ((لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله رغمت))(٢). وحدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري قال: بعث رسول الله وَ﴿ عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال: ((إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدي)) زيادة حسنة ولكن مرسلة(٣). وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار أن رسول الله وَّل بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: ((إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله)) (٤). وقال هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله وَل عن صوم أيام التشريق، قال: ((وهي أيام أكل وشرب وذكر الله))(٥). وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: [لكأني](٦) أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله وَّر البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر(٧). وقال مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق؛ أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده(٨). وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي [ويحيى بن أبي كثير](4) والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك (١٠). وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت، وأفضلها (١) ما بين المقعوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) ورواية الطبري. (٢) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما ويشهد له ما تقدم من حديث نبيشة في صحيح مسلم. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وهو مرسل ولشطره الأول شاهد تقدم من حديث نبيشة في الصحيح. (٤) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم به، وهو مرسل. (٥) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم وأخرجه الطحاوي من طريق هشيم به (شرح معاني الآثار ٢/ ٢٤٤ وله شواهد تقدمت. (٦) في الأصل: ((فكأني)) وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح). (٧) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح ٢١٤٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣٤/١ - ٤٣٥)، كلهم من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية للإمام أحمد فأخرجه من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم به (المسند ١١٦/٢ ح٧٠٨)، وسنده حسن. وما تقدم یشهد له. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الحكم عن مقسم به. (٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح). (١٠) ذكرهم كلهم أبي حاتم بحذف الأسانيد، وأخرج الطبري بأسانيد ثابتة عن مجاهد وإبراهيم وقتادة والسدي وشعبة وعطاء نحوه. ١٢٦ • سُوَّرَةُ الْبَرَّةِ (٢٠٤، ٢٠٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أولها (١) . والقول الأول هو المشهور، وعليه دلّ ظاهر الآية الكريمة حيث قال: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فىِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيّْةٍ﴾ فدلّ على ثلاثة بعد النحر ويتعلق بقوله: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللّهَ فِيَّ أَيَّاءٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي تَُّ وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ويتعلق به. أيضاً الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه . كان يكبر في الدارقطني لكن لا يصح مرفوعاً (٢)، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيراً، ويتعلق بذلك أيضاً التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: ((إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله (عمل))(٣). [ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف، قال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُشَّرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى ذَرَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (19)﴾ [المؤمنون]](1). - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ اَلْخِصَامِ ◌َ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُّ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهٌََّ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿َ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله والقر، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك(٥) . وعن ابن عباس، أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَلّهِ﴾(٦). وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد(٧)، وهو الصحيح. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن زرِّ بن حبيش عنه. (٢) أخرجه الدارقطني من حديث جابر من عدة طرق كلها عن عمرو بن شمر (السنن، كتاب العيدين ٤٩/٢ - ٥٠ ح٢٦ - ٢٩)، ونقل أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي أقوال النقاد في تكذيب عمرو بن شمر. وذكر الحافظ أنه لا يصح مرفوعاً. (٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(عش) و(ح). (٣) السنن، المناسك، باب في الرمي (ح١٨٨٨). (٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط عنه به، وسنده مرسل. (٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عنه. (٧) قول قتادة ومجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول الربيع بن أنس يرويه عن أبي العالية أخرجه ابن أبي = ١٢٧ سُورَةُ الََّمَة (٢٠٤، ٢٠٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اَللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلْبِهِ .... ) الآية(١). وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن لله عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترئون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أُنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد(٢). وهذا الذي قاله القرظي، حسن صحيح. وأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اَللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (ويَشهد اللهُ) بفتح الياء وضم الجلالة(٣). ﴿عَلَى مَا فِى قَلِّهِ﴾ ومعناها هذا وإن أظهر لكم الجميل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ﴾ [المنافقون] وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة(٤)، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق [كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨]](٥) هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس(٦). وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٧)، واختاره ابن جرير وعزاه = حاتم بسند جيد. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده حسن. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه أبو معشر نجيح: ضعيف كما في التقريب واستحسن متنه الحافظ. (٤) وهي قراءة متواترة. (٣) وهي قراءة شاذة. (٥) الزيادة من (عش) و(عف) و(ح). (٦) إسناده حسن، وهذا الأثر هو الذي تقدم تخريجه في تفسير الطبري وابن أبي حاتم. (٧) رواية عبد الرحمن بن زيد أخرجها الطبري من طريق ابن وهب عنه مرفوعاً، وسنده معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي. ١٢٨ • سُوَّةُ الََّةِ (٢٠٤، ٢٠٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد(١)، والله أعلم. وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَامِ﴾ الألَد في اللغة الأعوج ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَُّّ﴾ [مريم: ٩٧] أي: عوجاً، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله وسلم أنه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))(٢). وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن ابن مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) (٣). قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي ◌ُّل:(٤)، وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَُّ اٌلْخِصَامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي وَّ، قال: ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) (٥). وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِىِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ أي: هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، فَحَشَرَ ـيَ ﴿ فَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ اٌلْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى وأفعاله قبيحة، والسعي - ههنا - هو القصد، كما قال إخباراً عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَذْبَرَ يَتْعَى فَنَادی ٢٦) [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: ((إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار))(٦)، فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما . وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فساداً، منع الله القطر فهلك الحرث والنسل(٧). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْرِّ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتقِ الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ (١) عزاه إلى ابن عباس أي الرواية المتقدمة من رواية ابن إسحاق، وما حكاه عن مجاهد فقد أخرجه أيضاً بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، المظالم، باب إذا خاصم فجر (ح٢٤٥٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، بيان خصال المنافق (ح٥٨). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (ح ٤٥٢٣). (٤) صحيح البخاري، الأحكام، باب الألد الخصم (ح٧١٨٨). (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (التفسير ١/ ٩٧). (٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً بعدة ألفاظ (الصحيح، المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينه ح ٦٠٢) وما بعده. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عنه. ١٢٩ سُورَةُ الََّقَة (٢٠٤، ٢٠٧) 10000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ءَيَتُنَا بَهِنَتٍ تَعْرِفُ فِىِ وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَِنَّأُ قُلْ أَفَأْتِيِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (®)﴾ [الحج]، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَكَّ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: هي كافيته عقوبة في ذلك. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَللَّهِ﴾ قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الآية (١). ويروى أن رسول الله وَيُ قال له: ((ربح البيع صهيب ربح البيع صهيب))(٢). قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليان الضبعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صُهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ◌َ ﴿ قالت لي قريش: يا صُهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبداً، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ◌َّ فقال: (رَبح صُھیب رَبح صُھیب)) مرتین(٣) . وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أقبل صُهيب مهاجراً نحو النبي ◌َّ فاتبعه نفر من قريش، فنزل [عن](٤) راحلته وأنثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل(6) سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي ◌َّر قال: ((ربح البيع ربح البيع)) قال: ونزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَ الَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (﴾﴾(٦). (١) أخرجه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مختصراً وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٨/٢)، وأخرجه ابن سعد (الطبقات ٢٢٨/٣)، الحارث بن أبي أسامة (بغية الباحث ح٦٧٩)، وابن أبي حاتم كلهم من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن صهيب وعلي بن زيد هو ابن جدعان: ضعيف. وله شواهد سابقة ولاحقة. وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن عكرمة بنحوه. (٢) لفظ رواية الحاكم: ((أبا يحيى ربح البيع)). (٣) سنده حسن إذا سمع أبو عثمان النهدي من صهيب. وإذا لم يسمع فسنده حسن لغيره بما سبق. وقد أخرجه ابن سعد من طريق أبي عثمان قال: بلغني أن صهيباً .. (الطبقات الكبرى ٢٢٧/٢). (٤) في الأصل: ((من)). (٦) في سنده علي بن زيد تقدم الكلام عنه في الرواية قبل السابقة. (٥) في الأصل: ((كل)). ١٣٠ • سُورَةُ الْبَقَةُ (٢٠٩،٢٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةٌ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْنُلُونَ وَيُقْنَلُونٌَّ وَهْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الْثَوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَاَلْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِّ، وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (®﴾ [التوبة]. ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فردَّ عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (١). ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿ فَإِن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ . يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك، قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله: ﴿أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ﴾ يعني: الإسلام(٢). وقال الضحاك، عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿آدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ﴾ يعني: الطاعة (٣) . وقال قتادة أيضاً: [الموادعة](٤). وقوله(٥): ﴿كَانَّةٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك: جميعاً، وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر. وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله وي طهر في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلاً، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها (٦). (١) أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن المغيرة بن شعبة أن عمر بن الخطاب كتب نحو ما ذكر دون تسمية هشام بن عامر. ورواية أبي هريرة أخرجها الطبري وفيها تسمية هشام بن عامر. (٢) رواية العوفي عن ابن عباس أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف لكنه يتقوى برواية مجاهد التي رواها الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، ورواية قتادة أخرجها عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، ورواية السدي أخرجها الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، ورواية ابن زيد أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، ورواية الضحاك أخرجها الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان. (٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. وقول أبي العالية والربيع بن أنس ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند. (٤) قوله: ((الموادعة)) سقط من الأصل، واستدرك من (ح) و(عش) و(عف). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن عكرمة مرسلاً. وسُنيد: ضعيف. ١٣١ • سُوَّةُ الْبَقَة (٢١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام. ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَآَفَّةً﴾ حالاً من الداخلين؛ أي: ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا [كلهم](١) أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جداً ما استطاعوا منها، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَآَفَّةٌ﴾ كذا قرأها بالنصب، يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد بَلٍ ولا تدعوا منها شيئاً وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها(٢). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ﴾ أي: اعملوا الطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣)﴾ [البقرة]، و﴿إِنََّا يَدْعُواْ حِزْبَهُ ◌ِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. قال مطرف: أغشُّ عباد الله لعبيد الله الشيطان(٣). وقوله: ﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّنُ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيْنَتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز؛ أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره (٤). وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته (٥) إلى عباده(٥) . 42 ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ وَالْمَلَبِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُّ وَإِلَى اللَّهِ تُرَجَعُ الأمُورُ يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ وَالْمَتِكَةُ﴾ يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُّ وَإِلَى الَّهِ تُرُجَعُ اَلْأُمُورُ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكَّا دََّّا ﴿َ وَجَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا (٣َ وَجِاْعَّهَ يَوْمَيِمِ بِجَهَنَّهُ يَوْمَئِذٍ يَنَذَكَرُ اُلْإِنِسَنُ وَأَّى لَهُ الذِّكْرَى (٣)﴾ [الفجر] وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِى رَبُّكَ أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبٌِّ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]. (١) قوله: ((كلهم)) سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم سنده ومتنه وفيه محمد بن عون: متروك كما في التقريب. فالإسناد ضعيف جداً. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عن مطرف. (٤) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وذكر قتادة بدون سند. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل. ١٣٢ • سُورَةُ الْبََّرَةَ (٢١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ـ ههنا - حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة، عن رسول الله وَّر، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحداً واحداً من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد وَ ل38، فإذا جاؤوا إليه قال: ((أنا لها أنا لها)) فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال: وينزل الجبار ون في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ربِّ العرش(١) ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً (٢). وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه ــ ههنا - أحاديث فيها غرابة، والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي وَلّ، قال: ((يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي))(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ... ) الآية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب(٤). قال: وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلََّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام منظوم بالياقوت، مكلل بالجوهر والزبرجد (٥). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في ظلل من الغمام، قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا (١) كذا في الأصل و(عش)، وفي (عف) و(ح): ((ذي العرش)). (٢) أخرجه الطبري مطولاً وفي سنده رجل مبهم من الأنصار، وإسماعيل بن رافع المدني ضعيف (الكامل لابن عدي ٢٧٨/١). (٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (المسند ص٢٠٦)، والحاكم في (المستدرك ٣٧٦/٢)، كلاهما من طريق المنهال بن عمرو به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وذكره المنذري عن مسعود مطولاً قال: رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح واللفظ له (الترغيب ٣٩١/٤ - ٣٩٥)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طرق ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالي وهو ثقه (مجمع الزوائد ٣٤٣/١٠)، وصححه الذهبي في كتاب العلو، والألباني في مختصر العلو ص١١١ (ح٩٦). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وزهير بن محمد التميمي ضعيف (انظر: تهذيب التهذيب ٣٤٨/٣)، وهو منقطع لأن هذه الأمور الغيبية تؤخذ عن النبي ◌َّر والصحابة ـ ١٣٣ • سُؤَدَّةُ الْبَقَةَ (٢١٢،٢١١) لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا(١). وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِىِ ظُكَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَئِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام) وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِلْغَمَِ وَزْلَ المَلَبِكَةُ تَنْزِيلًا (٥)﴾ [الفرقان](٢). ﴿وَسَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ كَمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَقِ بَيْنَهُمٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٣ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ أَثَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَمَةِ وَالَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة؛ أي: حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله [كفراً](٣)؛ أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تعالى إخباراً عن كفار قريش: ﴿﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِفْسَ الْقَرَارُ ﴾﴾ [إبراهيم] ثم بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَا وَأَحَلُواْ قَوَمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (@) أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذي رضوا بها، واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها من مصارفها التي أمروا بها، مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث (ابن آدم أَنفق أُنفق عليك)) (٤) وقال النبي ◌َّر: ((أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً))(٥). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي جعفر به، وما ورد من القراءة فهي شاذة. وأخرجه الطبري بسند حسن أنها قراءة أبي بن كعب ◌ُه ولعلها من القراءة المنسوخة. (٣) قوله: ((كفراً)) سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(عش) و(ح). (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٤٦٨٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة (ح ٩٩٣). (٥) أخرجه الطبراني من طريق قيس بن الربيع عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن ابن مسعود مرفوعاً (المعجم الكبير ١٩١/١٠ - ١٩٢، ح ١٠٣٠٠)، قال الهيثمي: وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٢٦/٣)، وقد توبع قيس إذ أخرجه الأصبهاني في الترغيب = ١٣٤ • سُورَةُ الََّة (٢١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِّفٌُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفي الصحيح: ((إن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة](١) كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً))(٢). وفي الصحيح: ((يقول ابن آدم: مالي مالي. [وهل لك من](٣) مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس))(٤). وفي مسند الإمام أحمد عن النبي وَلّ أنه قال: ((الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له))(٥) . ] ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغَيَأْ بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرٍَّ مُسْتَقِيمٍ قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين(٦) نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا)(٧). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٨)، كذا روى أبو جعفر الرازي عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان = والترهيب ٨٣٧/٢ (ح٢٠٤٩)، من طريق مفضل بن صالح عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن مسروق به، وله شاهد أخرجه البزار والطبراني في الكبير برقم (١٠٢٠)، وفي الأوسط وحسنه المنذري (الترغيب ٥١/٢)، وحسنه السخاوي في المقاصد الحسنة ص١٠٤. (١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج. (٢) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّ ﴾﴾ [الليل] (ح ١٤٤٢)، وصحيح مسلم الزكاة، باب من المنفق والممسك (ح ١٠١٠). (٣) في الأصل: وإن والتصويب من (عف) و(عش) و(ح) والتخريج. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق (ح٢٩٥٩). (٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق دويد عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة مرفوعاً (المسند ٤/ ٤٨٠، ح٢٤٤١٩)، وضعفه محققوه والألباني من ضعيف الجامع الصغير ١٦٠/٣، وقال السخاوي: ورجاله ثقات (المقاصد الحسنة ص٢١٧)، وجود إسناده المنذري في الترغيب ٧٧/٤، والعراقي في تخريج الإحياء ٣/ ٢٠٣، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة (مجمع الزوائد ٢٨٨/١٠)، ودويد مقبول وكان يرسل كما في التقريب، لذلك جُود إسناده فلا يضعف ولا يوثق، وكم من المقبولين أخرج لهم أرباب الصحاح. (٦) في الأصل: ((كان فيما بين)) وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح) ورواية الطبري. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شيبان بن فروخ عن همام به، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن بشار به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٤٦/٢)، ولعل قراءة ابن مسعود من القراءة المنسوخة فقد ثبت أيضاً عن أبي. (٨) المستدرك ٥٤٦/٢. ١٣٥ • سُورَةُ الْبَقَةِ (٢١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يقرؤها (كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين)(١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعاً فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فكان أول من بعث نوحاً(٢). وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولاً(٣). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿كَنَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفاراً ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾(٤). والقول الأول عن ابن عباس أصح سنداً ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحاً مفعِلَّا، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَغُواْ فِيَّةٍ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتَهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرٍَّ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾، قال: قال النبي ◌َّ: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع فغداً لليهود وبعد غد للنصارى)»(٥)، ثم رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة (٦). وقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهُ﴾ فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ولو ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر به. (٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في تفسيره، وسنده صحيح. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ضعيف. (٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وهو متفق عليه أخرجه البخاري من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة (الصحيح، الجمعة، باب فرض الجمعة ح٨٧٦)، وأخرجه مسلم من طريق الأعرج وأبي صالح وهمام كلهم عن أبي هريرة به (الصحيح، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح٨٥٥). (٦) سنده صحيح. ١٣٦ • سُوَّةُ الْبَقَّة (٢١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إبراهيم علا، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى علّ*، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أُمة محمد * للحق من ذلك(١). وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ،﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله رَّ وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم، وفي قراءة أبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول في هذه الآية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن (٢). وقوله: ﴿پإذْنِهُ﴾ أي: بعلمه بهم وبما هداهم له، قاله ابن جرير(٣): ﴿وَلَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ أي: وله الحكمة(٤) والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله وَير، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: («اللّهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))(٥). وفي الدعاء المأثور: ((اللَّهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً)) (٦). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللهُّ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِّكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَآءُ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب. (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب. (٣) ذكره الطبري، بلفظ: ((بعلمه بهم لما هداهم له)) (التفسير ٦٣٣/٣). (٤) في الأصل: ((الحكم) وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح). (٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين (ح ٧٧٠). (٦) ذكره العراقي بلفظ: ((اللهم أرني الحق حقاً فأتبعه)) (المغني عن حمل الأسفار ٣٦٦/٢). ١٣٧ • سُوَرَّةُ الْبَقَة (٢١٤) قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان(١): ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ الفقر. قال ابن عباس: ﴿وَالضَّرَّةُ﴾ السقم ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ خوفاً من الأعداء زلزالاً شديداً، وامتحنوا امتحاناً عظيماً(٢)، كما جاء في الحديث الصحيح عن خبّاب بن الأرت، قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: ((إن من كان قبلكم [كان أحدهم](٣) يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه))، ثم [قال](٤): ((والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)»(٥). وقال الله تعالى: ﴿الَّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِينَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقد حصل من هذا ﴿إِذّ جانب عظيم للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: جَاءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الْقُونَأَ هُنَالِكَ أَبْتِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَلَا شَدِيدًا ﴾ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا ﴾﴾ الآيات [الأحزاب]. ولما سأل هِرَقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت(٦) الحرب بينكم؟ قال: سجالاً، يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة(٧). وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اَللَّهُ﴾ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُّهْرًّا جَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُسْرًا ﴾﴾ [الشرح]، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال: ﴿أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وفي حديث أبي رزين: ((عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب ... )) الحديث(٨)](٩). (١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا رواية ابن مسعود أخرجها بسند حسن. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه. (٣) قوله: ((كان أحدهم)) سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج. (٤) قوله: ((قال)) سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج. (٥) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٦١٢ و٦٩٤٣). (٦) في الأصل: ((كان)) والتصويب (عش) و(عف) و(ح) والتخريج. (٧) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي (ح٧). (٨) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٠٦/٢٦، ح١٦١٨٧)، وضعفه محققوه. (٩) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح). ١٣٨ • سُورَةُ الََّقَةِ (٢١٥، (٢١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 - ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَى وَاَلْسَلِكِينِ وَأَبْنِ ﴾. السَبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع(١). وقال السدي: نسختها الزكاة(٢)، وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد(٣)، فبيَّن لهم تعالى ذلك، فقال: ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَى وَالْسَكِيْنِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث: ((أُمكَ وأباكَ وأُختك وأخاك، ثم أدناك أدناك))(٤). وتلا ميمون بن مهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلاً ولا مزماراً ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان(٥). ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن الله يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم مثقال ذرة. ] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمِّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفُّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام. وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد(٦). (قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: ((من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية))(٧)، وقال عليه السلام يوم الفتح: ((لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا))(٨). وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ﴾ أي: شديد عليكم ومشقة وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمّ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ﴾ وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث رجل من بني يربوع (المسند ١٥٩/٢٧، ح٦٦١٣)، وصححه محققوه. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي المليح عن ميمون به. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكر بن عمرو المعافري عن الزهري به. (٧) أخرجه مسلم، الصحيح، الإمارة، باب (ح١٩١٠). (٨) البخاري، الصحيح، جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة (ح١٨٣٤)، وأخرجه مسلم، الصحيح، الحج (ح ١٣٥٣). ١٣٩ سُورَةُ البََّقَة (٢١٨،٢١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون. ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ الَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهَّ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِّ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّى يُذُوَكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الَّهِ وَاَللَّهُ غَفُورُ زَحِيمٌ (﴿لَ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جُندب بن عبد الله، أن رسول الله وَل بعث رهطاً، وبعث عليهم [أبا عبيدة بن الجراح أو أبا عبيدة بن الحارث](١)، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله سير فجلس فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: ((لا تكرهنَّ أحداً على السير معك من أصحابك)) فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية(٢). وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٌ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن رسول الله وَّل بعث سرية، وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف [لبني](٣) نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: ((أن ◌ِرْ حتى تنزل بطن نخلة)). فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله وَل*، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا يجوبان يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب رسول الله وَلقه، فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال، أراد أهل مكة (١) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح) ورواية ابن أبي حاتم. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. وحسنه الحافظ ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب (ل٨٧ب). (٣) في الأصل: ((أبي)) والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج. ١٤٠ • سُورَةُ النََّقَةَ (٢١٧، ٢١٨) أن يفادوا الأسيرين [وعاب] (١) عليه المشركون. وقالوا: إن محمداً يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقتل في أول رجب وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل الله يعير أهل مكة ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد له وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمداً بَطّر، أكبر من القتل عند الله(٢) وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدوا رسول الله وَّل وردوه عن المسجد في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله وم القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ الَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ﴾ من القتال فيه، وأن محمداً وَلي بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى [وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد بيَّة، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى(٣)، وكانت أول رجب، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغير ذلك أكبر منه ﴿وَصَدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ﴾ إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد بله، والشرك أشد (٤) منه (٤). وهكذا روى أبو سعيد [البقال](6) عن عكرمة، عن ابن عباس، أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْثَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيَةِ ... ﴾ إلى آخر الآية (٦)، وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني تَخْذَهُ، في كتاب السيرة له، إنه قال: وبعث - يعني: رسول الله ◌َ و - عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه (١) قوله: ((وعاب)) في الأصل بياض، واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج أما في (عش) فغير واضحة. (٢) أخرجه الطبري بسنده عن السدي مرسلاً، وسند السدي الذي ذكره ابن كثير ضعيف فيه خلط وتشهد له الرواية السابقة. (٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف وتشهد له رواية جندب السابقة. (٥) في الأصل: ((المنهال)) والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) وأبو سعيد البقال هو: سعيد بن المرزبان: ضعيف (التقريب ص٢٤١)، وتشهد له رواية جندب السابقة. (٦) في سنده: (الكلبي)) وقد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، ولكن هذه الرواية مشهورة. وقد وردت في الروض الأنف ٢٢/٣.