Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَفْسِيرُ الْقُرُ العَظْ
لإَام إبن كثير
فَيِيَةُ الْمُفَسِّرِينَ وَمُفَتْرُ المُحدِّثِيْنَ
تَحْقِيْقُ
أ.د. حكمت بن بشيربن يلسين
أستاذ كرسي الدراسات القرآنية في جامعة الملك عبد العزيز
أُشْرَفَ عَلَى طَبْعِهِ
سعد بن فواز العميل
الجُزْءُالثَّاني
الآية ١٤٢ من سورة البقرة - حتى آخر سورة آل عمران
دارابن الجوزي

0
3

قال الإمام الشوكاني رج اله عن تفسير ابن كثير رحمه الكه
وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها
دالبدر الطالع ١٥٣/١)
تَفْسِّيُ القرآنُ العَظْ
و وزيرفك
لإَام إبن كثير
فَقِيَةُ الْمُفَسِرِينَ وَمُفَتْرُالمُحدِّثِينَ
٢

جَميِّعْ لَ حُقُوقِ مَخْفَظَةٌ لِّارْ ابِ الجَيُ
الطّبْعَة الأولىى
١٤٣١هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٣١٥ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
دارابن
U
للنشر و التوزيع
دارابن الجوزي
لِنَشرٌّ والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ -
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ -
فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠
البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
• سُوْرَةُ النََّقَة (١٤٢، ١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بسم الله الرحمن الرحيم
ـُّ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّنْهُمْ عَن قِبْلَئِهِمُ الَِّ كَنُواْ عَلَيَّهَأَ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَاَلْمَغْرِبُّ يَهْدِى
مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٧) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدٌأُ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَّبِعُ الرَّسُولَ مِعَن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً
(١٤٣)
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمَّ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
[قيل: المراد بالسفهاء هنا مشركو العرب. قاله الزجاج(١).
وقيل: أحبار يهود. قاله مجاهد(٢).
وقيل: المنافقون. قاله السدي(٣).
والآية عامة في هؤلاء كلهم (٤)، والله أعلم](٥).
قال البخاري: حدثنا أبو نُعيم، سمع زُهيراً، عن أبي إسحاق، عن البراء ظُه أن النبي وَيه
صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وإنه
صلّى أول صلاة صلّاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلّى معه، [فمَّر](٦)
على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّت مع النبيِ نَّهِ قِبَلَ مكة، فداروا كما
هم قِبَل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قِبَلَ البيت رجالاً قُتلوا لم ندرٍ ما نقول
فيهم، فأنزل الله رَ ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمَّ إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَّهُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(٧).
انفرد به البخاري من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال:
كان رسول الله وهل يصلّي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السّماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
[البقرة: ١٤٤] فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا من مات منّا قبل أن نُصرف إلى القبلة،
وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾، وقال السفهاء من
الناس، وهم أهل الكتاب: ﴿مَا وَلَّئُهُمْ عَن قِبْلَئِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيَّهَا﴾، فأنزل الله ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ
النَّاسِ ... ﴾ إلى آخر الآية(٨).
(١) معاني القرآن ٢١٨/١.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وصححه الحافظ ابن حجر
(الفتح ١٧١/٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) وقول الحافظ ابن كثير وافقه جمع من المفسرين والمحدثين كابن عطية في المحرر الوجيز ٢/٢، والقرطبي في
جامعه ١٠/٢، والرازي في تفسيره ١٢٠٩١/٤، والبيضاوي في تفسيره ١/ ٨٦، وابن جزي في التسهيل ٦٢/١.
(٥) ما بين معقوفتين سقط من (حم) و(عف) والأصل، وأُثبت من (عش) و(ح).
(٦) في الأصل بلفظ: ((يمر)) والتصويب من رواية الصحيح وبقية النسخ.
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب ﴿سَيَقُولُ الشُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ... ﴾ [البقرة: ١٤٢] (ح٤٤٨٦).
(٨) سنده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ابن إسحاق به.

٦
• سُورَةُ الََّتَّةَ (١٤٢، ١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله صل﴿ قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر
شهراً، وكان يحب أن يوجَّه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ
قِبْلَةُ تَرْضَهَّا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] قال: فوجّه نحو الكعبة. وقال
السفهاء من الناس، وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَئِهِمُ الَِّى كَنُواْ عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَلْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن رسول الله وَ ﴿ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن
يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله وَ * بضعة عشر شهراً، وكان
رسول الله * يحب قِبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله بها: ﴿فَوَلُواْ
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: نحوه، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلِمُ
الَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(٢) .
وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله وَ ل أمر باستقبال
الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل
صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت
المقدس، [قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على
قولين، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت
المقدس كان باجتهاده عليّا(٣). والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ول
المدينة](٤)، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهراً، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يُوجه إلى
الكعبة التي هي قِبلة إبراهيم، فأُجيب إلى ذلك، وأُمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب
رسول الله ﴿ الناس، فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلّاها إليها: صلاة العصر، كما تقدم
في الصحيحين من رواية البراء، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلّى: أنها الظهر،
[وقال: كنت أنا وصاحبي أول من صلّى إلى الكعبة(٥) .
وذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن تحويل القبلة نزل على رسول الله ورسله وقد صلّ
ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة، فسمي: مسجد القبلتين.
وفي حديث نويلة بنت أسلم(٦) أنهم جاءهم الخبر بذلك وهم في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره وسنده ثابت، وتشهد له الروايات الثلاث السابقة.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم) و(عش).
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٥٠.
(٥) أخرجه النسائي من طريق مروان بن عثمان أن عبيد بن حُنين أخبره عن أبي سعيد بن المعلّى مطولاً (السنن
الكبرى ح ١٠٩٣٧) وفي سنده: مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى ضعيف (التقريب ص٥٢٦).
(٦) كذا في نسخة (عش)، وفي (حم): ((توليه)) والتصويب من الإصابة (٤٢٠/٤)، وأسد الغابة (٥٥٦/٥)، وما
ورد عن ابن عبد البر ذكره من طريق جعفر بن محمود عن جدته أم أبيه نويلة بنت أسلم ... فذكره
(الاستيعاب ٤١٨/٤ في حاشية الإصابة). وأخرجه ابن مردويه من طريق إسحاق بن إدريس عن إبراهيم بن =

٧
• سُوَرَّةُ الْبَقَةِ (١٤٢، ١٤٣)
الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري](١). وأما
أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني كما جاء في الصحيحين عن ابن
عمر ظُه أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله وَله
[قد أُنزل عليه الليلة قرآن](٢) وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام،
فاستداروا إلى الكعبةُ
وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه، لأنهم
لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن
الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿مَا وَلَّهُمْ عَن قِبْلَئِمُ الَِّ كَنُواْ عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة
يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُل لَِِّّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي:
الحكم والتصرف والأمر كله لله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَّ وَجْهُ الَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] و﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: الشأن كله في امتثال
أوامر الله، فحيثما وجّهنا توجّهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجّهنا في كل يوم مرات إلى
جهات متعدّدة، فنحن عبيده وفي تصرُّفه، وخدّامه حيثما وجّهنا توجّهنا، وهو تعالى له بعبده
ورسوله محمد ﴿ وأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجُّههم
إلى الكعبة المبنيّة على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض إذ هي بناية
إبراهيم الخليل عليّ*، ولهذا قال: ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد روى الإمام أحمد عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن(٤)، عن عمر بن
قيس(٥)، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَل ـ يعني في أهل الكتاب -: ((إنهم لا يحسدوننا
على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها، وضلّوا عنها وعلى القبلة التي
هدانا الله لها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين)) (٦)
جعفر عن أبيه عن جدته نويلة به، كما سيأتي في تفسير آية (١٤٤) من هذا التفسير المبارك. وفي سنده
إسحاق بن إدريس وهو الأسوادي البصري متهم بالكذب (انظر: ميزان الاعتدال ١٨٤/١).
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عف) و(ع)، وأثبت في نسخة (عش) و(حم) و(ح).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عف) والمثبت من عش (حم) و(ح).
(٣) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] (ح٤٤٨٨)،
ومسلم، الصحيح، المساجد، باب تحويل القبلة (ح٥٢٦).
(٤) حصين بن عبد الرحمن. كذا في مسند أحمد ٤٨١/٤١ (ح٢٥٠٢٩)، والنسخ كلها إلا في الأصل فضيل بن
عبد الرحمن وهو تصحيف.
(٥) عمر بن قيس. كذا في المسند (ح٢٥٠٢٩)، وفي كل النسخ ورد بلفظ: ((عمرو بن قيس)) وهو تصحيف لأن
عمر بن قيس ورد ذكره في المسند، وكذا ورد في ترجمته أنه روى عن محمد بن الأشعث (تهذيب الكمال
٤٨٥/٢١) .
(٦) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤١ / ٤٨١ ح ٢٥٠٢٩) وسنده صحيح.

٨
سُورَةُ النََّقَرّةَ (١٤٢، ١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000000
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
يقول تعالى: ((إنما حَوّلِناكم إلى قِبلة إبراهيم علَّ*، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم
القيامة شهداء على الأمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل))، والوسط ههنا: الخيار والأجود،
كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً، أي: خيرها، وكان رسول الله وَ ير وسطاً في قومه، أي:
أشرفهم نسباً، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي: العصر، كما ثبت في الصحاح
وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأصح (١) المذاهب،
كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَحْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدّينِ مِنْ حَرَجَّ ◌ِلَّةَ أَبِيَكُمْ إِنَزَهِيَرَّ هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ
مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسَِّ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الإمام أحمد: [حدثنا](٢) وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال
رسول الله ويالقر: ((يُدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه، فيقال
لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيُقال لنوح: من يشهد لك؟
فيقول: محمدٌ وأمته. قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: والوسط: العدل،
فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم). رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من
طرق عن الأعمش(٣) .
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله وقوله: ((يجيء النبي يوم القيامة ومعه رجلان وأكثر من ذلك، فيدعى
قومه فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم.
فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأُمته. فيُدعى محمد وأُمته، فيقال لهم: هل بلّغ هذا قومه؟
فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا فأخبرنا أن الرُّسل قد بلّغوا، فذلك
قوله ◌َك: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ قال: عدلاً، ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾))(٤).
وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد
الخدري عن النبي وَّرَ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾ قال: ((عدلاً))(٥) .
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي
مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس(٦)، حدثني مُكتب لنا، عن جابر بن عبد الله،
(١) كذا في الأصل (م) و(ح) و(حم) وفي (عش) بلفظ: ((وأوضح)) وما أثبت أقوى.
(٢) كذا في المسند ونسخة (عش) و(ح) و(عف) وفي الأصل بلفظ: (عن)).
(٣) أخرجه البخاري من طريق الأعمش به (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:
١٤٣] ح ٤٤٨٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥٨/٣، وسنده صحيح ويشهد له ما سبق وما لحق.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥٨/٣، وسنده صحيح وتقدم تخريجه في الصحيح.
(٦) المغيرة بن عتيبة بن نهاس، وفي الأصل: ((المغيرة عن عتيبة بن بناس)) والصواب كما في بقية النسخ،
وترجمته في الجرح والتعديل ٢٢٧/٨، وكذا أخرجه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما .

٩
• سُوَّرَةُ النََّمَةَ (١٤٢، ١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن النبي وَ ﴿ قال: ((أنا وأُمتي يوم القيامة على كوم(١) مشرفين على الخلائق، ما من الناس إلا
ودّ أنه مِنّا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه وفايل)) (٢).
وروى الحاكم في مستدركه وابن مردويه أيضاً، واللفظ له من حديث مصعب بن ثابت، عن
محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله قال: شهد رسول الله وَص84* جنازة في بني سلمة،
وكنت إلى جانب رسول الله وسير فقال بعضهم: والله يا رسول الله لِنَعْم المرء كان، لقد كان عفيفاً
مسلماً، وكان: وأثنوا عليه خيراً، فقال رسول الله وَله: ((أنت بما تقول)). فقال الرجل: الله أعلم
بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي وَلو: ((وجبت))، ثم شهد جنازة في بني حارثة،
وكنت إلى جانب رسول الله صلّر، فقال بعضهم: يا رسول الله، بئس المرء كان، إن كان لَفظاً
غليظاً، فأثنوا عليه شراً، فقال رسول الله وَ له لبعضهم: ((أنت بالذي تقول؟)). فقال الرجل:
الله أعلم بالسرائر فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله وَل: ((وجبت)). قال مصعب بن
ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله وَلَّ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا لَِّكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن
بريدة، عن أبي الأسود أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتاً
ذريعاً، فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرّت به جنازة، فأُثنى على صاحبها خيراً، فقال: وجبت،
وجبت، ثم مرّ بأخرى فأُثنى عليها شراً، فقال عمر: وجبت. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا
أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله وسلم: ((أيما مسلم شَهِد له أربعة بخير أدخله الله
الجنة)). قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال: ((وثلاثة)). قال: فقلنا: واثنان؟ قال: ((واثنان)). ثم لم
نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به(٤).
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو
الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي [عن
أبيه](٥) قال: سمعت رسول الله وَلَه بالنَّباوة(٦) يقول: ((يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم)).
قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: ((بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض))(٧).
(١) قال ابن الأثير: وأصل الكوم: من الارتفاع والعلو (النهاية ٢١٠/٤).
(٢) في سنده شيخ المغيرة مجهول، ويشهد له ما تقدم وما تأخر من الروايات.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: مصعب ليس بالقوي (المستدرك ٢٦٨/٢)،
ویشهد له حديث عمر الذي يليه كما سيأتي تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري، الصحيح، الجنائز، باب ثناء الناس على الميت (ح١٣٦٨).
(٥) كذا في نسخة (عش) و(عف) و(ح) و(مح). وفي الأصل: ((عن لبيد) وهو تصحيف كما سيأتي في التخريج.
(٦) وفي سنن ابن ماجه: والنباوة من الطائف (ح٤٢٢١).
(٧) أخرجه ابن ماجه، السنن، الزهد، باب الثناء الحسن (ح٤٢٢١)، وأحمد في المسند ٤١٦/٣، والحاكم =

١٠
• سُوْرَةُ الْبَقَةِ (١٤٢، ١٤٣)
ورواه ابن ماجه عن (أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، ورواه الإمام أحمد، عن
يزيد بن هارون، وعبد الملك بن عمرو وشريح، عن نافع، عن ابن عمر به)(١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَبِعُ الرَّسُولَ مِعَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيَّةٍ
وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾. يقول تعالى: إنما شرعنا لك يا محمد التوجُّه أولاً إلى
بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما
توجهت ممن ينقلب على عقبيه؛ أي: مرتداً عن دينه.
﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة وهو: صرف التوجُّه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي:
وإن كان هذا لأمراً عظيماً في النفوس إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول،
وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فله أن
يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة، والحجة البالغة في جميع ذلك،
بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكاً كما يحصل للذين آمنوا
إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِهِ إِيمَنَّأَ
وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى
فَمَّا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبِشِرُونَ
رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ
ءَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الََّلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول وَيّ
واتباعه في ذلك وتوجّه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن [السابقين](٢) الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا
القبلتين.
وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن
دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء جاءٍ فقال: قد أنزل
على النبي وَل﴿ قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها فتوجّهوا إلى الكعبة(٣).
وقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر(٤)، ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري،
وعنده أنهم كانوا ركوعاً فاستداروا كما هم إلى الكعبة وهم ركوع(٥)، وكذا روى مسلم من
حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس مثله(٦).
= كلهم من طريق نافع بن عمر به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢٠/١) وصححه البوصيري
في مصباح الزجاجة ٣٠١/٣، وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٠٠).
(١) ما بين قوسين بياض في الأصل و(حم)، وسقط من نسخة (مح) و(عف)، وأثبت في نسخة (عش) و(ح)
وهو الصواب كما في التخريج المذكور في الحاشية السابقة.
(٢) في الأصل: ((للسابقين)).
(٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَتِ كُنْتَ عَلَيْهَا ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] (ح ٤٤٨٨).
(٤) صحيح مسلم، المساجد، باب تحويل القبلة (ح٥٢٦).
(٥) السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ابتداء القبلة (ح٣٤١) وصححه الترمذي.
(٦) صحيح مسلم، المساجد، باب تحويل القبلة (ح ٥٢٧).

١١
• سُورَةُ الََّقَةَ (١٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله وانقيادهم لأوامر الله ريك رضي الله عنهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان
يضيع(١) ثوبها عند الله.
وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو
بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَنَكُمْ﴾(٢) .
[ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه](٣).
وقال [ابن إسحاق] (٤): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ أي: بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيّكم واتباعه إلى القبلة
الأخرى؛ أي: ليعطيكم أجرهما جميعاً ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾(٥).
وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمداً وَلـ
وانصرافكم معه حيث انصرف ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾(٦).
وفي الصحيح: أن رسول الله وَثم رأى امرأة من السبي قد فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت
كلما وجدت صبياً من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته
ضمّته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله وَ له: ((أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي
تقدر على أن لا تطرحه؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: ((فوالله الله أرحم بعباده من هذه
بولدها)»(٧) .
] ﴿قَدْ نَرَى تَقَّلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَتُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ
عَمَّا يَعْمَلُونَ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن
رسول الله ** لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت
المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله وسل بضعة عشر شهراً، وكان يحب قِبلة إبراهيم،
فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله:
﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِلَئِمُ الَِّ كَنُواْ عَلَيَّهَأَ قُل لِلّهِ
الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال الله تعالى:
(١) في (عش) و(ح) وفي الأصل: ((لا يضيع)).
(٢) تقدم تخريجه في مطلع تفسير الآية (١٤٢).
(٣) السنن، التفسير، سورة البقرة (ح ٢٩٦٤) وصححه. وما بين معقوفين سقط من الأصل.
(٤) في الأصل بياض.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، ويشهد له ما سبق.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عن الحسن، ويشهد له ما سبق.
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب رحمة الولد (ح٥٩٩٩).

١٢
• سُورَةُ النََّقَةَ (١٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَقَبِعُ الرَّسُولَ مِتَن يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيْةٍ﴾(١) [البقرة: ١٤٣].
وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن
الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان النبي 8ّ* إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس
رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى
(٢) .
الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل
.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن(٣) يحيى بن قمطة قال:
رأيت عبد الله بن عمرو جالساً في المسجد الحرام بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: ﴿فَنُوْلِيَنَّكَ
قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة.
ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن هشيم، عن يعلى بن عطاء به (٤).
وهكذا قال غيره. وهو أحد قولي الشافعي كَُّهُ: أن الغرض إصابة عين الكعبة.
والقول الآخر: وعليه الأكثرون أن المراد المواجهة(٥) كما رواه الحاكم من حديث أبي
إسحاق، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي بن أبي طالب ظه(٦): ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ قال: شطره: قِبَله.
ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٧) .
وهذا قول أبي العالية(٨) ومجاهد(٩) وعكرمة(١٠) وسعيد بن جبير (١١) وقتادة (١٢) والربيع بن
أنس(١٣) وغيرهم، وكما تقدم في الحديث الآخر: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة))(١٤).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما والنحاس (الناسخ والمنسوخ ٥٨/١ - ٥٩)، والبيهقي (السنن
الكبرى ١٢/٢ -١٣) وسنده ثابت.
(٢) في سنده داود بن الحصين ثقة، لكن روايته عن عكرمة فيها مقال (انظر: التقريب ص١٩٨) وله شواهد إلا
قوله: يؤم به جبرائيل غلـ
(٣) في الأصل: ((عطاء بن يحيى بن قطمة)) وهو تصحيف والتصويب من (عش) و(ح) ورواية الحاكم.
المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٢٦٩/٢ وفي سنده يحيى بن قطة، وسكت عنه البخاري (التاريخ الكبير
٨/ ٢٩٩، وابن أبي حاتم (الجرح ١٨١/٨)، وذكره ابن حبان في الثقات ٥٢٩/٥) ..
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٥٦).
(٦) كذا في (ح) وفي الأصل و(عش) عن علي بنظ ◌ُه.
(٧) المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٢٦٩/٢.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٦٠) من طريق داود بن أبي هند عنه.
(٩) أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١٠)(١١) ذكرهما ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٦٤، ٦٥).
(١٢) أخرجه الطبري بسند حسن في تفسيره من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(١٣) أخرجه الطبري بسند حسن في تفسيره من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(١٤) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه (السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق
والمغرب قبلة ح٣٤٣، ٣٤٤) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للسنن، والألباني في صحيح السنن
(ح٢٨٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٠٥/١).
(٥) في (عش): ((الوجهة)).

١٣
سُورَةُ الْبَوَّة (١٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[وقال القرطبي(١): روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ضيها أن رسول الله وَلاه قال:
((البيت قِبلة لأهل المسجد، والمسجد قِبلة لأهل الحرم، والحرم قِبلة لأهل الأرض في مشارقها
ومغاربها من أُمتي))](٢).
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي ◌َّ صلّى
قِبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه قبلته قبل البيت، وأنه صلّى
صلاة العصر وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلّي معه فمرّ على أهل المسجد وهم
راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله وَلّ قِبل مكة. فداروا كما هم قِبل
البيت(٣).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما قدم رسول الله وَلـ
المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله وَ لا يحب
أن يُحوَّل نحو الكعبة، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة(٤).
وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله وكله
فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله و ﴿ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست.
فقرأ رسول الله وَّ﴿ هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ حتى فرغ
من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ◌َ﴿ فنكون أول من صلّى،
فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي وَل﴿ وصلّى للناس الظهر يومئذ(٥).
وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول(٦) صلاة صلّاها رسول الله وَّل إلى الكعبة صلاة
الظهر، وأنها الصلاة الوسطى(٧) .
والمشهور أن أول صلاة صلّاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى
صلاة الفجر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق
التُستَري، حدثنا رجاء بن محمد السقطي، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر،
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥٩/٢.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (عش). وهذا الحديث أخرجه القاسم بن سلام (الناسخ والمنسوخ ح٢١
ص١٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم (المستدرك ٢٦٧/٢) كلهم من طريق ابن جريج به وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه البخاري عن أبي نعيم به (الصحيح، التفسير، باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ح٤٤٨٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الحسن بن عطية عن إسرائيل به.
(٥) أخرجه النسائي من طريق مروان بن عثمان أن عبيد بن حنين أخبره عن أبي سعيد المعلى (السنن الكبرى
ح١٠٩٣٧) وفي سنده مروان ضعيف (التقريب ص٥٢٦).
(٦) في (عش): ((أول)) وهو تصحيف.
(٧) هذه الرواية مخالفة لما في الصحيح: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما سيأتي عند قوله تعالى:
﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى ... ﴾ [البقرة: ٢٣٨].

١٤
• سُؤَدَّةُ الْبَقَةَ (١٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حدثني أبي، عن جدّته أُم أبيه نويلة بنت مسلم(١) قالت: صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني
حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلّينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله وَلقول قد استقبل
البيت الحرام، فتحوّل النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلّينا السجدتين الباقيتين
ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدّثني رجل من بني حارثة أن النبي وَ ر قال: ((أولئك رجال
يؤمنون بالغيب))(٢) .
وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا محمد بن علي بن دُحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا
مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس قال: بينما
نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع إذا أتى منادٍ بالباب: أن القبلة قد حوّلت إلى
الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحوّل هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو
الكعبة(٣) .
وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات
الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه
يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلّي على كل
حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئاً في نفس الأمر، لأن الله تعالى
لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها.
[مسألة: وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده،
كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة قال المالكية لقوله: ﴿فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ
اَلْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال
القيام. وقال بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره.
وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه
أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث. وأما في حال ركوعه فإلى موضع
قدميه، في حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره] (٤).
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن ◌َّبِّهِمْ﴾ أي: واليهود الذين أنكروا
استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في
كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله وَله وأمته وما خصّه الله تعالى به وشرفه من
الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسداً وكفراً وعناداً، ولهذا
يهددهم الله تعالى(٥) بقوله: ﴿وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ .
(١) نويلة بنت مسلم: قال الحافظ ابن حجر: نويلة بنت أسلم أو مسلم الأنصارية الحارثية (الإصابة ٤٢٠/٤).
(٢) في سنده إسحاق بن إدريس الأسواري البصري، متهم بالكذب (ميزان الاعتدال ١٨٤/١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قيس به (المصنف ٣٣٥/١) وسنده صحيح.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٥) في (عش) و(ح): ((تهددهم تعالى)).

١٥
سُورَةُ الََّقَّةِ (١٤٥ - ١٤٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَلَيِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ فِلَتَكَّ وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَنَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ
قِبْلَةَ بَعْضِّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَّا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله وَاليه(١) وأنه لو
أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
﴿ وَلَوَ جََّتْهُمْ كُلُّ ◌َايَةٍ حَتَّى يَوْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيَمَ
[يونس]. ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلَيِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَّ﴾ وقوله: ﴿وَمَآ
أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمْ﴾ إخبار عن شدة متابعة الرسول ◌َّليه لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم
مستمسكون بآرائهم [وأهوائهم](٢) فهو أيضاً متمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته وأنه لا يتبع
أهواءهم في جميع أحواله وما كان (٣) متوجّهاً [إلى بيت المقدس لكونها] (٤) قبلة اليهود، وإنما
ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذّر تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى، فإن
العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطباً للرسول والمراد الأمة: ﴿وَلَيْنِ أُتَّبَعْتَ
أَهْوَآءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَ مِنَ الْعِلْمِّ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّلِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
الْحَقُّ مِن رَّبِكٌ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
١٤٦
يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول وَ﴾ كما يعرف أحدهم
ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله وله
قال لرجل معه صغير: ((ابنك هذا؟)) قال: نعم يا رسول الله أشهد به. قال: ((أما إنه لا يجني
عليك ولا تجني عليه))(٥).
[قال القرطبي: ويُروى (٦) عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمداً كما تعرف ولدك؟
قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان
من أمه. قلت: وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمّ﴾ من بين أبناء الناس. لا يشك أحد ولا
يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم](٧)، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان
العلمي ﴿لَيَّكْنُمُونَ الْحَقّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ◌َِّ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
(١) في الأصل بعض الكلمات غير واضحة.
(٢) في الأصل: ((وأعوانهم))، وما أثبت من (عش) و(ح) أفصح.
(٣) كذا في الأصل وفي (عش) و(ح): ((ولا كان)).
(٤) كذا في (عش) و(ح) وفي الأصل: ((لبيت المقدس لأنها)).
(٥) أي لا يطالب الأب بجناية ابنه، ولا يطالب الابن بجناية أبيه (انظر: النهاية ٣٠٩/١). وأخرجه الإمام أحمد
من حديث أبي رمثة في المسند (٦٧٦/١١ ح ٧١٠٦) وصححه محققوه، وأخرجه أبو داود، السنن، الديات،
باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه (ح٤٤٩٥)، وصححه الألباني في صحيح (السنن ح ٣٧٧٣).
(٦) في تفسير القرطبي: ((رُوي)) (الجامع ١٦٣/٢)؛ أي بصيغة التمريض.
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).

١٦
• سُورَةُ الْبَقَرَّة (١٤٨ - ١٥٠)
ثم ثبّت تعالى نبيه وَلّ والمؤمنين، وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول وَل﴿ل هو الحق الذي لا مرية
١٤٧
فيه ولا شك فقال: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِكٌ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
﴿وَلِكُلِّ وِجْهَؤُ هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ (َ﴾
قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلِكُلِّ وِجَهَةُ هُوَ مُوَلِهاً﴾ يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل
قبيلة قِبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون(١)، وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو
موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة القبلة التي هي القبلة (٢). وروي
عن مجاهد(٣) وعطاء(٤) والضحاك(٥) والربيع بن أنس(٦) والسدي نحو هذا(٧).
وقال مجاهد في الرواية الأخرى(٨) والحسن(٩): أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقرأ ابن عباس وأبو جعفر الباقر وابن عامر: (ولكل وجهة هو مولاها)(١٠)، وهذه الآية شبيهة
بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ [وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ
ءَاتَنَكُمْ](١١) فَاسْقَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقال هاهنا: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ
يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت
أجسادكم وأبدانكم.
ـ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ زَيِّكْ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ (٣٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ
لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُنَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ فِظَّا
هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.
[وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات: فقيل: تأكيد، لأنه أول ناسخ وقع في
(١) أخرجه الطبري بسند مسلسل بالضعفاء.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند جيد.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره بسند فيه الحسين وهو سنيد.
(٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ: ((لكل قول قبلة قد ولّوها)).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد بلفظ: ((أمر كل قوم
أن يصلوا إلى الكعبة)).
(٩) في الأصل: ((ولكن)) والتصويب من (عش) و(ح) و(عف) ومن رواية ابن أبي حاتم في تفسيره فقد صرح
بقول الحسن.
(١٠) وهذه القراءة متواترة سبعية.
(١١) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عش) و(ح).

١٧
سُورَةُ الََّّة (١٤٩ - ١٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الإسلام على ما نصَّ عليه ابن عباس وغيره(١).
وقيل: بل هو مُنزل على أحوال، فالأمر الأول: لمن هو مشاهد الكعبة. والثاني: لمن هو في
مكة غائباً عنها. والثالث: لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي (٢).
وقال القرطبي: الأول: لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث: لمن
خرج في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي(٣).
وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلُّقه بما قبله أو بعده من السياق فقال أولاً: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ
السَّمَاءِ فَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ لَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ
يِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يَود
التوجه إليها ويرضاها .
وقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن زَيِّكُ
وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (29)﴾ فذكر أنه الحق من الله وارتقاءه المقام الأول حيث كان موافقاً
لرضا الرسول ﴿ فبيّن أنه الحق أيضاً من الله يحبه ويرتضيه وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع
حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون
بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم عليّلها إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت
حجتهم لما صرف الرسول و18 عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا
يعظمون الكعبة، وأعجبهم استقبال الرسول إليها .
وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله سبحانه وتعالى
أعلم] (٤).
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ﴾ أي: أهل الكتاب فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة
التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا
بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس وهذا أظهر.
قال أبو العالية: ﴿لِثَلَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ﴾ يعني به: أهل الكتاب حين قالوا: صرف
محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ◌َّل
[انصرافه](٥) إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا (٦).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو
هذا(٧)، وقال هؤلاء في قوله: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ يعني: مشركي قريش(٨).
(١) قول ابن عباس ثبت عنه كما تقدم في مطلع تفسير الآية (١٤٤).
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٦٨/٢.
(٢) التفسير الكبير المجلد الثاني.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٥) في الأصل: ((الصرافة)) وما أثبت من (عش) و(ح) وهو أفصح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٧) ذكره تفسير ابن أبي حاتم، وقول مجاهد وقتادة، أخرجهما الطبري بأسانيد ثابتة في تفسيره.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده الجيد عن أبي العالية، وبنحوه أخرجه الطبري في تفسيره بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

١٨
• سُؤَدَّةُ الْبَقَةِ (١٥١ -١٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ووجه بعضهم حجة الظلمة وهي داحضة أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم،
فإن كان توجُّهه إلى البيت المقدس على ملة إبراهيم فلم رجع عنه؟
والجواب: أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولاً، لما له تعالى في ذلك من
الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي: الكعبة، فامتثل أمر الله في
ذلك أيضاً، فهو صلوات الله وسلامه عليه مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة
عین، وأُمته تبع له.
وقوله: ﴿فَلَ تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين، وأفرِدوا الخشية لي، فإنه
تعالى هو أهل أن يخشى منه، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ
حُبَّةُ﴾ لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع
وجوهها ﴿وَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلّت عنه الأُمم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا
كانت هذه الأُمة أشرف الأُمم وأفضلها .
] ﴿كَمَّا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَكِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِمُكُمُ الْكِنَبَ وَلْحِكْمَةَ
وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (3َ فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِ وَلَا تَكْفُرُونِ
يذكّر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثه الرسول محمد مرَّة إليهم يتلو عليهم
آيات الله مبينات ويزكيهم؛ أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال
الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب وهو: القرآن والحكمة،
وهي: السنّة، ويعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية(١) الجهلاء يسفهون بالقول
الفِرى (٢)، فانتقلوا ببركة رسالته ويمن سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا
أعمق الناس علماً، وأبرّهم قلوبهم، [وأقلّهم تكلُّفاً، وأصدقهم لهجة](٣). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ
مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِهِمْ رَسُولَا مِنْ أَنْفُسِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
اَلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ (9)﴾ الآية [آل عمران]، وذمّ من لم
يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ
دَارَ اُلْبَوَارِ
[إبراهيم] .
قال ابن عباس: يعني: بنعمة الله محمداً(٤) وَّر، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه
١٥٣
النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره وقال: ﴿فَاذَكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ
قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِكُمْ﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني(٥).
قال عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن موسىلعلَّلا قال: ((يا ربِّ
(١) في الجاهلية: بياض في (عش).
(٢) الفرى: جمع فرية وهي الكذبة (النهاية ٤٤٣/٣).
(٣) في الأصل: ((وأقلها تكلفاً، وأصدقها)) والتصويب من (عش) و(ح).
(٤) في الأصل: ((يعني: محمداً وَّر)) والمثبت من (عش) و(ح).
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

١٩
• سُوَرَّةُ البَفَرَةَ (١٥١ -١٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد
كفرتني) (١).
قال الحسن البصري(٢) وأبو العالية(٣) والسدي(٤) والربيع بن أنس(٥): إن الله يذكر من ذكره،
ويزيد من شكره، ويعذّب من كفره(٦).
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: هو أن
يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا
عمارة الصيدلاني، أخبرنا مكحول الأزدي، قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب
الخمر والسارق والزاني يذكر الله وقد قال الله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾؟ قال: إذا ذكر الله هذا
ذكره الله بلعنته حتى يسكت(٧) .
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم
فيما أوجبت لكم على نفسي(٨).
وعن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي (٩).
وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه(١٠).
وفي الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني
في ملأ ذكرته في ملأ خير منه))(١١).
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال رسول الله وَليته :
((قال الله رقيّ: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في
ملأ من الملائكة - أو قال: في ملأ خير منهم -، وإن دنوتَ مني شبراً دنوتُ منك ذراعاً، وإن
دنوتَ مني ذراعاً دنوتُ منك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول)) (١٢).
صحيح الإسناد أخرجه البخاري من حديث قتادة، وعنده قال قتادة: الله أقرب
(١) سنده حسن، وهو من أخبار بني إسرائيل.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الجيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٤)(٥) ذكرهما ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسیره، وسنده حسن.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق جسر اليمامي عن الحسن.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه باللفظين.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(١١) متفق عليه. أخرجه البخاري، الصحيح، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:
٢٨] (ح ٧٤٠٥)، وصحيح مسلم، الذكر، باب الحث على ذكر الله تعالى (ح٢٦٧٥).
(١٢) المسند ١٣٨/٣، وأخرجه البخاري من طريق قتادة به (الصحيح، التوحيد، باب ذكر النبي وَ ل وروايته عن
ربه ح٦ ٧٥٣).

٢٠
• سُوَّرَةُ النََّقَّة (١٥٣، ١٥٤)
بالرحمة(١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد
الخير فقال: ﴿وَإِذْ تَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ
٧
[إبراهيم].
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس، حدثنا
أبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خزّ(٢) لم نره عليه قبل
ذلك ولا بعده فقال: إن رسول الله وَ ﴿ قال: ((من أنعم الله عليه نعمة، فإن الله يحب أن يرى أثر
نعمته على خلقه)). وقال رَوح مرة: ((على عبده)(٣).
(١٥٣)
وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِىِ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
د
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيَّةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ (®)﴾ (٤).
لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر والإرشاد إلى الاستعانة بالصبر
والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها أو في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في
الحديث: ((عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاءً إلا كان خيراً له، إن أصابته سرّاء فشكر كان خيراً
له، وإن إصابته ضرّاء فصبر كان خيراً له))(٥).
وبيَّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمُّل المصائب: الصبر والصلاة، كما تقدم في قوله:
٤٥﴾ [البقرة]. وفي الحديث: كان
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ
رسول الله ◌َ﴿ إذا حزَبهُ أمر صلّى(٦) .
والصبر: صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات.
والثاني أكثر ثواباً، لأنه المقصود كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: [الصبر](٧) في بابين:
الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء،
فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله(٨).
وقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ينادي منادٍ: أين
(١) قول قتادة لم أجده في رواية البخاري، وإنما ورد في المسند بلفظ: ((فالله وَك أسرع بالمغفرة)) (المسند
١٣٨/٣).
(٢) الخزّ: ثياب ينسج باطنها من صوف وظاهرها من حرير (انظر: النهاية ٢٨/٢، وفتح الباري ٢٩٥/١٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٥٩/٣٣ (ح١٩٩٣٤) وصححه محققوه.
(٤) بجوار الآية وفوقها حواشي منقولة من تفسير ابن كمال والأصفهاني.
(٥) أخرجه مسلم، الصحيح، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير (ح٢٩٩٩).
(٦) أخرجه أبو داود من حديث حذيفة (السنن، الصلاة، باب وقت قيام النبي ◌َّر من الليل ح١٣١٩، وحسّنه
الألباني في صحيح سنن أبي داود ح١١٧١).
(٧) سقطت من الأصل وأثبتت من (عش) و(ح).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسنده صحيح ولا
يضر ضعف عبد الرحمن لأنه من تفسيره وليس من روايته.