Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ • الفصل الأول: ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 POD 00000 الفصل الأول ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى إن الشذرات المذكورة في المقدمة من النشاط العلمي في تصنيف التفسير تفصح عن الجهود التي بذلت في القرون السبعة الأولى الهجرية، وتتجلى فيها الهمم العالية لأرباب الأقلام التي حَبَّرت تلك الكتب التي استفاد منها الحافظ ابن كثير مباشرة أو بواسطة كما استفاد من غيرها؛ لأن تفسيره اشتمل على أكثر من مائتين وخمسين مصدراً. وقد ساعد الحافظ ابن كثير على هذه الاستفادة من ذلك النشاط العلمي موقع بلده بين أربع حضارات عريقة إذ تقع بلاد الشام بين العراق ومصر والجزيرة العربية وتركيا مركز الدولة العثمانية. لقد أطلَّ الحافظ ابن كثير من نافذة دمشق إلى تلك الحضارات المجاورة واطلع على التفاسير المذكورة سابقاً فانتقى منها اللباب وجمع منها ما لذّ وطاب، وأتى بالعجب العجاب، وأكبر دليل على ذلك قبول الأُمة لكتبه عامة وتفسيره خاصة. هذا التفسير الذي طار في كل مطار وكثر قصّاده في الأقطار، وارتشف من رحيقه طلاب العلم الكبار والصغار، حتى بلغت طبعاته العشرات لفترة عشرات السنوات، منذ سنة (١٣٠٠ هـ) طبعة بولاق في مصر وإلى عامنا هذا في هذه الطبعة الجديدة، ويستنتج من كثرة الطبعات إقبال القراء على هذا الكتاب وكثرة اقتنائهم له، ولا شك أن هذا الإقبال والقبول يدل على القيمة العلمية للكتاب، ونجاح مؤلفه في منهجه في التفسير. وقبل التعرف على منهجه والقيمة العلمية أذكر ترجمة مختصرة للحافظ رحمه الله تعالى. فمن هو الحافظ ابن كثير؟ هو فقيه المفسرين ومفسر المحدثين، وأديب المؤرخين وخطيب الشاميين، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي (١) وصفه الإمام الذهبي: بالإمام الفقيه المحدث الأوحد البارع(٢). ووصفه الحافظ ابن حجر فيما نقله عن الإمام الذهبي بقوله: الإمام المفتي المحدث البارع فقيه متفنن محدث متقن مفسر (٣). (١) ينظر: (البداية والنهاية)) (٣٣/٤، ٣٤)؛ و((تاريخ ابن قاضي شهبة)) (٤١٦/٣)؛ و((طبقات المفسرين) للسيوطي، رقم (١٦١). (٢) ((المعجم المختص)) (ل٢٤ب) صورة في الجامعة الإسلامية عن المكتبة الناصرية برقم (١٥٢). (٣) ((الدرر الكامنة)) (٥٧٤/١). ٢٢ • الفصل الأول: ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 · ولادته ونشأته وعائلته: ولد الحافظ ابن كثير في مطلع القرن الثامن سنة (٧٠١هـ) على الراجح(١) في منطقة بُصرى قرب دمشق، وقد نشأ في عائلة علمية مرموقة، إذ اتسمت عائلة الحافظ ابن كثير بقيادة المنابر ورفع لواء العلم، فقد تسلم أبوه أحد منابر العلم إذ كان خطيباً (٢)، ومن أعضاء عائلته الذين تأثر بهم: أخوه الأكبر عبد الوهاب الذي أخذ عنه الحافظ وحظي برعايته والاستفادة من علمه بعد وفاة أبيه، وخصوصاً أن أباه قد توفي مبكراً سنة (٧٠٣هـ) وعمر الحافظ سنتان. ومن عائلته زوجته الصالحة زينب بنت يوسف المزي وكانت حافظة للقرآن الكريم، قرأت القرآن على أُمها عائشة بنت صديق زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وأمها قرأت على الشيخة الصالحة العابدة الناسكة فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية (٣). * طلبه للعلم: قضى الحافظ ابن كثير ست سنوات في بُصرى ثم انتقل إلى دمشق سنة (٧٠٧هـ)، وقد بدأ الحافظ طلبه للعلم بحفظ القرآن الكريم وأتمَّ حفظه ولم يتجاوز العاشرة من عمره، إذ ختم القرآن الكريم في سنة إحدى عشرة وسبعمائة على الشيخ المقرئ المحدث أبي عبد الله محمد بن حسين بن غيلان الحنبلي (ت ٧٣٠هـ)، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تأريخه، ووصفه بالشيخ الصالح العابد الناسك الخاشع إمام مسجد السلالين (٤). ثم أخذ عن الشيخ محمد بن جعفر بن فرعوش ابن اللباد (ت٧٢٤هـ) فقرأ عليه شيئاً من القراءات(٥) ويعتبر حفظ القرآن دعامة أساسية لمن يريد أن يلج باب التفسير وخاصة في تفسير القرآن بالقرآن حيث يسهل عليه استحضار الآيات التي تفسر بعضها بعضاً، ويعرف ما تقدم تفسيره فيسهل عليه الوقوف على تكرار بعض الألفاظ والآيات بسهولة، كما يسهل عليه سياق الروايات حيث يرتب الروايات التي سمعها أو كتبها حسب علاقتها بالآي القرآني، فمتى ما أراد مراجعتها فباستحضاره الآية يستطيع أن يستحضر الروايات المتعلقة بها . والعجيب أن الحافظ ابن كثير ترجم للحافظ برهان الدين الدمياطي (ت٧٠٥هـ) ووصفه بقوله: شيخنا العلامة برهان الدين الحافظ الكبير الدمياطي، حامل لواء هذا الفن - أعني صناعة الحديث وعلم اللغة - في زمانه مع كبر السن والقدر، وعلو الإسناد وكثرة الرواية، وجودة الدراية، وحسن (١) إن تحديد سنة مولد الحافظ ابن كثير اختلف فيه الذين ترجموا له إلى عصرنا الحاضر فمنهم من قال: إنه في سنة (٧٠٠هـ)، وبعضهم جعله في سنة (٧٠١هـ)، وبعضهم قال: إنه في (٧٠٢هـ)، ومنهم من قال: إنه في سنة (٧٠٣هـ)، والقول الفيصل ما قاله الحافظ ابن كثير عن نفسه فهو أدرى من غيره على الإطلاق فقد صرح أنه ولد سنة (٧٠١هـ) بل كتب ذلك بخط يده كما وجدته في ثبت النذرومي ((الأعلام للزركلي)) (٣٢٠/١). (٢) ينظر: ((البداية والنهاية)) (٣١/١٤ - ٣٣). (٤) ينظر: ((البداية والنهاية)) (١١٨/١٤). (٣) ينظر: ((البداية والنهاية)) (٧٢/١٤). (٥) ينظر: المصدر السابق. ٢٣ • الفصل الأول: ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 التأليف وانتشار التصانيف، وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق(١). فإذا ثبت ذلك أنه شيخه فيدل أنه قد أخذ علم الحديث الشريف مبكراً جداً وهو في سن الرابعة من عمره. ويكون بذلك قد بدأ بتعلم القرآن الكريم والسنة المشرفة مبكراً جداً ليمتلأ قلبه بالنور والهداية، إنها بداية عظيمة وانطلاقة حكيمة حظي بها الحافظ بتدبير من الله تعالى لتهيئة هذا الحافظ لمهمة عظيمة كما سيأتي ذكره في أعماله ومصنفاته. وفي العقد الثاني من عمره أخذ ينهل مبكراً من كبار علماء دمشق في شتى العلوم ومنها أنه تدرب على الكتابة بالأخذ عن الشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد الجيلي ثم الدمشقي، فقد وصفه في تاريخه بقوله: الكاتب الفاضل المعروف بابن البصيص، شيخ صناعة الكتابة في زمانه، وقد أقام يُكِّب الناس خمسين سنة، وأنا ممن كتب عليه أثابه الله. اهـ. وقد ذكره ضمن الذين ماتوا سنة (٧١٦هـ)، وقد يكون هذا التدريب في العقد الأول من عمره (٢). وكذلك في هذه الفترة من عمره أخذ عن الشيخ عيسى بن المطعم (ت٧١٩هـ) الذي اشتهر بسماعه لصحيح البخاري(٣). كما سمع مبكراً أيضاً سنة (٧٢٤هـ) صحيح مسلم من الوزير العالم محمد بن محمد الغرناطي الأندلسي في تسعة مجالس على الشيخ العلامة نجم الدين العسقلاني(٤)، وسمع سنن الدارقطني من الشيخ الحافظ أبي زكريا محيي الدين يحيى بن الفاضل جمال الدين الشيباني الشافعي (ت ٧٢٤هـ) (٥) . وقد واكب هذه القراءة والحفظ للقرآن والسنة سلوك عملي يتحرك في شخصية الحافظ ابن كثير منذ صغره، حيث أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ) وحظي بالتفقه عليه، وتأثر بشخصيته وعلمه وعمله، وكان معجباً بمقدمة شيخ الإسلام في أصول التفسير، ولهذا توّج بها مقدمة تفسيره، ولم ينسبها إلى شيخ الإسلام ليستفيد منها أكبر عدد ممكن من الناس لأن البعض كان لا يعرف حقيقة شيخ الإسلام ابن تيمية بل كان التشويش حول شيخ الإسلام يعتري أسماع بعضهم، ومن هنا تتجلى شخصية الحافظ ابن كثير منذ ريعان شبابه لأنه تأثر بذلك الإمام المجدد. قال الحافظ ابن حجر: وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن لسببه(٦)، وخصوصاً عندما أفتى في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، كما حظي بملازمة الحافظ المزي وقرأ عليه ((تهذيب الكمال)» وصاهره على ابنته (٧). وقد أخذ أيضاً عن كبار شيوخ الشام آنذاك كالحافظ الذهبي (ت٧٤٨هـ)، وابن الشحنة (ت٧٢٠هـ)، والفزاري (ت٧٢٩هـ)، وابن قاضي شهبة (ت٧٢٦هـ)، والإمام الأصولي شمس الدين (١) («البداية والنهاية)) (٤٠/١٤). (٣) ينظر: ((معجم الشيوخ)) للإمام الذهبي (ل١٠٩). (٥) ينظر: ((البداية والنهاية)) (١١٥/١٤). (٧) ينظر: المصدر السابق. (٢) («البداية والنهاية)) (١٤ /٧٥ - ٧٩). (٤) ينظر: ((البداية والنهاية)) (١٤٩/١٤). (٦) ((الدرر الكامنة)) (٣٧٤/١). ٢٤ • الفصل الأول: ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 محمود بن عبد الرحمن الأصبهاني (ت٧٤٩هـ)، وغيرهم كثير، وقد سرد ذكرهم كلهم في البداية والنهاية حسب تاريخ وفياتهم. إضافة إلى أولئك فقد رافق جمعاً من الفقهاء في رحلته إلى الحج(١)، ولا شك أن هذه الرحلة زادته اطلاعاً على الفتاوى وخصوصاً ما يخص المناسك. إن هذه المسيرة والمصابرة في طلب العلم والجثو على الركب بين أيدي العلماء الأكابر أعطى الحافظ ابن كثير علماً غزيراً، وفهماً كبيراً، وعلوماً كريمة، وفهوماً حكيمة جعلته يتربع الكراسي العلمية في أشهر جوامع الشام كالجامع الأموي، وجامع تنكز، ومسجد ابن هشام، كما قام بالتدريس في المدرسة النجيبية والعزية والنورية، ثم بلغ مرتبة كبار النقاد الحفاظ إذا تولى مشيخة أُم الصالح والمشيخة التنكزية بعد الإمام الحافظ الذهبي(٢). وتتجلى جوانب أخرى من شخصية الحافظ ابن كثير بالنظر في إنتاجه العلمي من المصنفات المتميزة في موضوعاتها النافعة، ومنهجيتها البارعة، ومحتوياتها الماتعة، وموسوعيتها الجامعة، وعلى سبيل المثال في تفسيره نرى القيمة العلمية العالية، وكذا بقية كتبه فكتابه جامع المسانيد حاول فيه جمع حديث الرسول وَل و، وكتابه البداية النهاية أرخ فيه من بدء الخلق إلى زمانه ويعتبر من التواريخ المعتمدة والمعتبرة في منهجه وموسوعته وقوة مصادره وسهولة أسلوبه، إن هذا الإنتاج الكثير والتنوع المنير ذاع صيته في الآفاق وکثر قصاده حتى بلغت کتبه بلاد خراسان وتبريز وقصده طلاب العلم من تلك البلاد (٣)، وهذا ينطق ويفصح عن مقام مؤلفه العلمي ويظهر مكانته المرموقة. وإذا تفحصنا مؤلفات الحافظ ابن كثير نراها ذات طابع موسوعي في كثير من مؤلفاته كالتفسير، والسيرة النبوية، وجامع المسانيد، والبداية والنهاية، وطبقات الفقهاء الشافعيين وغيرها، ولقد أدرك الحافظ خطورة الهجوم على العلوم بتدمير وإحراق وإغراق الكتب، كهجوم التتار والحملات الصليبية والخلافات المذهبية، لذا انبرى لحفظ الكثير من الكتب في بطون تلك الموسوعات النفيسة. أما عن عدد مؤلفات الحافظ ابن كثير فقد أحصاها ووصفها فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله بن صالح الفالح فلا داعي لسردها وقد ذكر (٦٩) مؤلفاً (٤). (١) ينظر: ((البداية والنهاية)) (١٤ / ١٥٤). (٢) ينظر: (ذيل تذكرة الحفاظ)) (ص٥٨، ٥٩). (٣) ينظر: ((البداية والنهاية)) (٢٩٤/١٤). (٤) ((حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم)) (ص ٤٠ - ٦٣). ٢٥ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 POD 00C #7 00000 الفصل الثاني دراسة مختصرة للتفسير المبحث الأول منهج الحافظ ابن كثير في التفسير سلك الحافظ ابن كثير منهجاً علمياً دقيقاً في إيراد التفسير فتناول جميع ضروب البيان، وأذكرها مرتبةً حسب أهميتها، وهي كما يلي: أولاً: تفسير القرآن بالقرآن: حرص الحافظ ابن كثير أن يصدر تفسيره بالبيان القرآني، وهو منهج مثالي قد رسمه الإمام الشافعي في كتابه القيم ((الرسالة)) وجعله البيان الأول من أنواع البيان، وتبعه أفذاذ المفسرين وأكّد على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته الشهيرة في أصول التفسير، وقد توّج بها الحافظ ابن كثير مقدمة تفسيره، وأخذ بهذا المنهج في بداية كل تفسيره فكلما وجد آية مبيِّنة للآية التي يريد تفسيرها فإنه يوردها ويصرح بها، بل ويذكر مرادفاتها ليوضح المعنى بالآيات القرآنية، وقد يشير إلى تفسير القرآن بالقرآن ولا يصرح كما في تفسير قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَلْنَا لَهُمْ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (٣)﴾ [الإسراء] فقال الحافظ: وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات. اهـ. فهذه إشارة إلى الآيات التي فيها الإطلاق مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وكقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، وفي هذا تنشيط للقارئ بأن يبحث عن هذه الآيات. وتفسير القرآن بالقرآن له أهميته وقيمته العلمية، وتتجلى فيما يلي: ١ - أهميته في أمر التدبر فكلما جال النظر والفكر في تفسير القرآن بالقرآن زاد تدبراً وتأثراً. ٢ - أجمع العلماء على أنه أحسن طرق التفسير، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاه الزركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان ومن بعدهم. ٣ - السهولة وخصوصاً في البيان المتصل، لأنك تجد تفسير الآية في لاحقها في آية أو في بضع آیات. ٤ - يضع الحد الفيصل للخلاف في تفسير بعض القضايا، كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ٢٦ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (٧)﴾ [الضحى] يفسرها قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَنُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وكذلك تفسير ﴿الصََّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فهو الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾﴾ [الإخلاص]، وكلا المسألتين فيهما خلاف طويل قل من يصل إلى القول الراجح فيهما . ٥ - يفتح آفاقاً لمن ينشد التفسير ويكون مستنده فيها قوياً، وذلك في التفسير الموضوعي والتحليلي والفقهي. من أجل ذلك فإن الحافظ ابن كثير حرص على هذا المنهج العلمي. ثانياً: التفسير النبوي: اعتنى الحافظ بالبيان النبوي حسب منهج شيخه ابن تيمية وإمامه الشافعي، ولو أحصينا الأحاديث التي سردها الحافظ ابن كثير في تفسيره لبلغت ألوف الأحاديث، ولا غرابة من ذلك فقد تميز التفسير النبوي في أهميته الكبرى في التفسير، ومن معالم أهميته ما يلي: ١ - أنه وحي يوحى، فكما أن القرآن وحي فكذلك البيان النبوي وحي. ٢ - أن النبي وَ لّ مكلف من عند الله أن يبين لصحابته ما يحتاجونه من البيان، وكان يبين لهم على قدر الحاجة؛ لأنهم لا يحتاجون تفسير كل آية فهم من أعرق القبائل العربية. ٣ - دقة فهم النبي ◌َّ لتفسير القرآن، فقد ثبت عن النبي ◌ّ ر أنه كان يدارس جبريل في كل رمضان، من حيث التنزيل واللفظ والتلاوة والبيان والناسخ والمنسوخ، فيكون قد دارس جبريل القرآن أربعاً وعشرين مرة. ٤ - الغزارة التي وردت من هذا النوع كثيرة ولم تحص، وما ورد عن عائشة رضي﴿ثنا قالت: (ما كان النبي ◌َ﴿ يفسر شيئاً من القرآن إلا آياً بعدد علمهن إياه جبريل ظلّا) فضعيف ولا يصح ومنكر، وردّ الطبري على من قال هذا القول، ووصفه بالغباء، وضعفه أيضاً الحافظ ابن كثير في المقدمة، واعلم أن هذه الروايات التفسيرية المرفوعة وما في حكم الرفع تبلغ المئات. ٥ - أن الحديث الشريف الواحد قد يُبيِّن عشرات الآيات، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة] هو الإسلام كما بينه رسول الله ◌َ، وورد ذكر الصراط المستقيم في القرآن عشرات الآيات، فيكون قد بيَّن تفسير جميع تلك الآيات. ٦ - أن بعض الآيات لا يمكن أن تُفهم بدون البيان النبوي، مثاله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِّ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوةِ فَيُقْسِمَانِ بِالَّهِ إِنْ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَّمَنَا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَلَا نَكْتُمُ شَهَئِدَةَ اَللَِّ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الَثِمِينَ ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقّاً إِثْمًا فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنُنَآَ أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (٦٧َ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أٌَ بَعْدَ أَيْمَنِهِمَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ (®)﴾ [المائدة]. يقول الشوكاني ◌َّتُهُ عن هذه الآيات: قال مكي: (هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنّى وحكماً. قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في ٢٧ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تفسيرها، وذلك في كتابه تَكُّْ - يعني في كتاب مكي - قال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضاً. قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعراباً ونظماً وحكماً). اهـ(١). ونقل الحافظ ابن حجر عن أبي إسحاق الزجاج: (هذا الموضع من أصعب ما في القرآن إعراباً)، قال الشهاب السمين: (ولقد صدق والله فيما قال). وقال السخاوي: لم أر أحداً من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها . وقال الواحدي: وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنى وإعراباً(٢). ولكن بالرجوع إلى الرواية النبوية الشريفة يفهم المعنى، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً من الذهب، فأحلفهما رسول الله وَ طقه ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦](٣)، واستناداً على هذا الحديث يكون اختيار وجه الإعراب، فيزول الإشكال باختيار ذلك الوجه من الإعراب. ومثال آخر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَا أَبْرَحُ حٌَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، وقوله: ﴿وَمَآ أَنَسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ﴾ [الكهف: ٦٤]. فإن بيانه من الحديث المتفق عليه الذي سيأتي ذكره عند تفسير هذه الآيات، فقد بيّن ذلك الحديث سبب قول موسى لفتاه: ﴿لَا أَبْرَعُ حَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ اٌلْبَحْرَيْنِ . .. ﴾ وهذه الأحاديث قد يسبقها تفسير قرآني ويلحقها بيان الصحابة رضـ منهجه في إيراد الأحاديث الشريفة: يعتني الحافظ ابن كثير بإيراد الأحاديث الشريفة من مسند الإمام أحمد والكتب الستة والموطأ وغيرها من الكتب المسندة، ويعتمد على الأحاديث الصحيحة، وأحياناً يسوق حديثاً واحداً أو أكثر لبيان الآية. وأحياناً يأتي بعشرات الأحاديث في تفسير آية واحدة، فعلى سبيل المثال أطال الحافظ ابن كثير النفس في سرد روايات الإسراء والمعراج، وقد يستغرب القارئ من هذه الإطالة، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب. فالحافظ ابن كثير له في ذلك مآرب سديدة وغايات رشيدة، فمن المعروف أن قصة الإسراء والمعراج دارت بها الألسن وكثرت فيها الحكايات والروايات فأراد الحافظ ابن كثير أن يفرق بين الصحيح والسقيم، وأن يكشف علل الروايات الضعيفة، فساق روايات صحيحة متواترة وروايات ضعيفة متناثرة، وذلك من كتب الصحيحين والسنن والمسانيد (١) ((فتح القدير)) (٨٦/٢). (٣) المصدر السابق. (٢) «فتح الباري)) (٤١٠/٥). ٢٨ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والتفاسير وغيرها فما كان في الصحيح لم يحكم عليه وما كان في غيره فإنه يحكم عليه عن طريق الإسناد أو عن طريق بيان نكارة المتن، فإذا لم يذكر ذلك فإنه يردفه بالشواهد. وهذه الصناعة من مآربه فهو حينما يتقصى الروايات فإنه يريد أن يجمع جزئيات قصة الإسراء والمعراج لأنها متفرقة ومنثورة في عشرات الروايات وبذلك تظهر القصة متكاملة بجزئياتها، ومغربلةً بنقد أسانيدها ومتونها . وأحياناً يذكر عدة روايات متشابهة ليبين الغريب، وأما ما عرضه من طرق كثيرة مروية عن جمع من الصحابة ليبرهن التواتر الوارد في هذه القصة، إنه منهج دقيق في النقد. وهكذا فلو تتبعنا مواطن سرد الأحاديث وكثرة إيرادها نجد لذلك منهجاً علمياً دقيقاً، وأحياناً يصنع ذلك لتشنيف الأسماع، ولفت الأنظار إلى أهمية ذلك الموضوع الذي تناولته تلك الأحاديث مثل موضوع: الكبائر، والإنفاق في سبيل الله تعالى ونحوه. وقد يقال: إنه يسوق بعض الأحاديث الضعيفة، فإن ذلك له أسبابه فإنه إما ليؤكد أنه ضعيف الإسناد وأن الرأي الذي يستشهد به هو مرجوح، أو أنه يذكر الضعيف ثم يذكر له الشواهد ليبرهن على تقويته، وأحياناً يسوق الحديث الضعيف لأن بعض العلماء قد استشهد به كما في تفسير سورة الإسراء آية [١٦]. فى : ثالثاً: تفسير الصحابة بما أن الصحابة ، هم أعرف الناس في التفسير بعد النبي ﴿ فقد اعتمد الحافظ على تفاسيرهم، وأكثر النقل عنهم حتى بلغت النقول عنهم ألوف الروايات، فعلى سبيل المثال نقل عن ابن عباس ها (١٧١٦) أثراً (١)، ومن أوجه أهمية تفسير الصحابي: ١ - أن أقوالهم في أسباب النزول لها حكم الرفع، وكذلك أقوالهم في الأمور الغيبية غير الإسرائيليات لها حكم الرفع. ٢ - أنهم من أعرق القبائل العربية وقد نزل القرآن بلغتهم، فلهم قدرةٌ على فهم القرآن واستنباط الأحكام. ٣ - حجية قول الصحابي في التفسير وخصوصاً إذا لم يعارضه صحابي آخر أعلم منه في التفسير، وهذه الحجية متفاوتة بتفاوت علمهم بالتفسير، ففي المرتبة الأولى: الخلفاء الأربعة، والمرتبة الثانية: المكثرون كابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة، وعائشة رضي الله عنهم أجمعین . ومما يدل على تفاوت الصحابة في التفسير: إدخال عمر بن الخطاب لابن عباس رؤية مع أشياخ بدر في مجلسه، وسؤاله عن مطلع سورة النصر كما سيأتي في تفسيرها. ٤ - بعض هؤلاء الصحابة بل الكثير منهم حظي بكتابة الوحي، وهذا يساعد على بيان الناسخ والمنسوخ وبيان المشكل، وتقييد المطلق، وتخصيص العام، والمكي والمدني، وكتابة القرآن الکریم وقت نزوله یعین علی فهمه. (١) حسب إحصائية فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه القيم ((تفسير التابعين)). ٢٩ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ٥ - قوة استنباط الصحابة كما سنرى رأي ابن عباس في تفسير سورة النصر. ٦ - أن النبي وَ﴿ قد دعا لبعض هؤلاء كما دعا لعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود رة ٧ - خلو تفاسيرهم من التأويل المذموم. ٨ - قوة منجهيتهم ومنها النقد المبكر والتثبت من الرواية. فنرى قوة النقد عند الصحابة، في نقدهم للآخرين من التابعين أو من صغار الصحابة، وهذا المنهج أثرى علم التفسير بالتحذير من الرواة الضعفاء، وتصحيح أخطاء التلاميذ المفسرين بتمييز الضعفاء وبعض الروايات الغريبة والمرجوحة. فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي - كان يعتني بقراءة كتب أهل الكتاب - يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله. وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة الكهف آية [٦٠]. وصحَّ عن ابن عباس ﴿مَا أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] فأجاب سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي وَل لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم قرابة(١). وقال معاوية بن أبي سفيان لكعب الأحبار: أنت الذي قلت أن ذي القرنين ربط فرسه بالثريا؟ وقال ابن عباس: كذبت اليهود بأن إسحاق هو الذبيح. وقال ابن عباس: إذا جاءنا الثبت عن أبي الحسن لم نعدل به. وإضافة إلى اهتمام الحافظ ابن كثير وعنايته بإيراد تفاسير الصحابة فقد تفنن في إيراد أقوال الصحابة، فهو تارة يسوق قول الصحابي مسنداً مختصراً بذكر الطريق كطريق الضحاك عن ابن عباس، وطريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وطريق العوفي عن ابن عباس، وذلك لبيان نقد السند، وقد حكم على هذه الطرق وغيرها الحافظ ابن حجر في مقدمته النفيسة لكتابه القيم (العجاب في بيان الأسباب) فقد حبّر تلك القطعة النقدية التي لا يستغني عنها طالب العلم وخصوصاً المتخصص في علم التفسير. وأحياناً يذكر طريقاً ضعيفاً عن الصحابي ثم يردفه بشاهد من الشعر الأصيل كما فعل في مطلع تفسير سورة الأنفال فقد ساق طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: ((الأنفال)): الغنائم، ثم ساق الشعر عن لَبِيد ◌َ﴾ إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريشي وعجل وبهذا فقد سلك مسلكاً ذكياً في اختصار السند وذكر الطريق كي يتبين درجته من الصحة، وهذا في غاية الإتقان والبيان. (١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، عند تفسير هذه الآية. ٣٠ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رابعاً: تفسير التابعين: ت فقد روى التفسير عكرمة إن طبقة التابعين من المفسرين أخذت التفسير عن الصحابة رة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح كلهم رووا عن ابن عباس ظًا، وكذلك أخذ أبو العالية عن أبي بن كعب، كما أخذ كل من مسروق ومُرّة الهمداني وعَبيدة السلماني عن ابن مسعود ته، وقوة تفاسيرهم تأتي بعد الصحابة ﴿ه ولهذا اعتمد الحافظ ابن كثير على تفاسيرهم وأكثر النقل عنهم، وذلك للقيمة العلمية لأقوالهم، ومن وجوه القيمة العلمية ما يأتي: ١ - قول النبي وَ لقول: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ... )). ٢ - أن التابعين لهم روايات في أسباب النزول لها حكم الرفع، وذلك إذا جاءت روايات بأسانيد ثابتة عن أكثر من تابعي فإنها تقوي بعضها بعضاً ويكون لها حكم الرفع. ٣ - إذا وردت الرواية الضعيفة عن الصحابي فإن الرواية الصحيحة عن التابعي تقويها وتكون كالشاهد لها، وخصوصاً إذا كان التابعي تلميذاً لذلك الصحابي. ٤ - غزارة أقوالهم في التفسير: ففي تفسير الطبري توجد (١٨٨٥٤) رواية، ذكرها فضيلة د. محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه تفسير التابعين، وهو أفضل من كتب في دراسة منهج التابعين المفسرين. ٥ - ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية تَخّْتُهُ: (طالعت مائة كتاب في التفسير لم أجد فيه تأويلاً عن الصحابة والتابعين). خامساً: التفسير اللغوي: إن الاستفادة من المصادر السابقة أغنت الحافظ ابن كثير لأن أغلب الاستفادة من التفسير اللغوي في مجال غريب القرآن، وقد تناولت المصادر السابقة كثيراً من غريب القرآن يروي بعضه عن النبي صل﴿ ويروي كثيراً منه عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأغلبهم من قبائل عربية عريقة أو من علماء لهم دراية عظيمة باللغة العربية، ومع هذا فإن الحافظ ابن كثير أثرى تفسيره بالبيان اللغوي، مستشهداً بالشعر العربي نقلاً من دواوين الشعر الأصيلة، أو أنه يفسر مضمناً أساليب الأعراب فيجعله كالملح في الطعام في تذوقه وفي قلته وعند الحاجة دون إفراط أو تفريط، كما سنرى في تفسير البسملة في بيان لفظ الجلالة الله فقد نقل أقوال أساطين اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وبرهن على أنه مشتق واستشهد بالشعر وهكذا في ﴿الزَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ [الفاتحة] وتفسير سورة الفاتحة كما سيأتي في بداية تفسيره. وقد كان منهج الحافظ ابن كثير فيما تقدم في غاية الدقة إذ راعى ضوابط التفسير اللغوي، فهو لا يتسارع إلى اللغة قبل الأثر، فقد حذر من ذلك كبار المفسرين: قال الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره في سياق كلامه عن ضوابط التفسير اللغوي وهو يحذر: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه، ٣١ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي ... والنقل والسماع لا بدّ له منه في ظاهر التفسير أولاً، لِيُتَقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع. وقد ذكر مثل هذا التنبيه المحدث ابن الأثير الجزري في كتابه ((جامع الأصول)) في بداية الجزء الثاني وفيه كتاب ((التفسير)). وقد يُلاحظ أن الحافظ ابن كثير لا يهتم بالإعراب واللغة كاهتمامه بالرواية، وهذا صحيح فإن الرواية هي أساس التفسير وتحت لوائها ينضوي علم أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والتفسير النبوي، وتفاسير الصحابة والتابعين، ثم يثني باللغة والإعراب ويجعلها كالملح في الطعام، ويحتاج القارئ إلى تذوق ذلك حتى يرى هذا الاهتمام الثاني، فهو أحياناً يسوق التفسير معتمداً على الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ﴾ [الإسراء: ٣] قال الحافظ: تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. اهـ. فهذه الصياغة مبنية على الإعراب بأنه منصوب على الإغراء، ويستنبط من ذلك أن الحافظ ابن كثير لم يترك التفسير اللغوي بل اعتمده بعد الأثر. إضافة لذلك فإن كثيراً من غريب القرآن يأخذه من المفسرين من الصحابة ه والتابعين رحمهم الله. هذا بالنسبة لمنهج الحافظ ابن كثير في جمعه بين ضروب البيان، وإضافة إلى ذلك فقد كان من منهجه تحرّي المصادر التي يرجع إليها، فكان إذا رجع إلى نسخة ضعيفة فإنه يصرح بذلك وهذا من الأمانة العلمية، فقد نقل رواية من كتاب مغازي الأموي ضعَّف إسنادها ثم قال: كذا كتبته من نسخة مغلوطة، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ ﴿ فَلَمَا يَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِ اُلْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ ... ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٧] تحت عنوان: ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وهو الصحيح المقطوع به. ٣٢ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير المبحث الثاني منهج الحافظ في الترجيح عند سياق الاختلاف بين المفسرين فإن الحافظ ابن كثير ينبري إلى دراستها وينتقي أقواها ويرجح أعلاها بالأدلة الثابتة والاعتماد على القواعد الراسخة. فقد اطلعت على ترجيحاته كلها ورأيتها منتظمة في الوجوه والقواعد التالية(١). ١ - الترجيح بالنظائر من الآيات، مثاله: في سورة البقرة آية (٦). ٢ - إذا أثبت الحديث وكان نصّاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره، مثاله: في تفسير سورة آل عمران آية (١٨٠). ٣ - إذا صحَّ سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه، كما في سورة النساء الآية رقم (٢٤). ٤ - استدلاله بالشعر، كما في سورة النساء الآية رقم (٣). ٥ - دلالة سياق الكلام، كما في سورة النساء الآية (١٥٩). ٦ - أن يكون القول هو المتبادر إلى الأذهان، كما سورة الأنفال في الآية رقم (٤٣). ٧ - أن يكون المعنى هو المستفيض عن سلف الأُمة، كما في سورة البقرة الآية رقم (٧٤). ٨ - أن يكون القول لأكثر المفسرين، كما في سورة البقرة الآية رقم (٣). ٩ - أن يكون القول قول من يقتدى به من الصحابة ه، كما في سورة البقرة الآية (٩٤). ١٠ - إذا وقع اللفظ بين التقييد والإطلاق فإنه يحمل على إطلاقه، كما في سورة آل عمران الآية (١٤٥). ١١ - تقديم العموم على الخصوص، كما في سورة النساء الآية (١٩). ١٢ - الأصل في آيات القرآن الإحكام لا النسخ، كما في سورة الأنعام الآية (١٤٥). ١٣ - تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار، كما في سورة النساء الآية رقم (٤٣). ١٤ - الأصل في النظم أن يُحمل على ترتيبه، كما في سورة التوبة الآية رقم (٥٥). ١٥ - حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التأكيد، كما في سورة الأعراف الآية رقم (٨٦). (١) وقد درس هذه الترجيحات فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز العواجي وفضيلة الدكتور آدم عثمان علي، في رسالتيهما لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: ترجيحات الحافظ ابن كثير في التفسير. وقد أخذت معظمها من رسالة فضيلة د. آدم. ٣٣ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أما أساليب الحافظ ابن كثير لاستعراض الترجيح فهي كما في الألفاظ التالية(١): أولاً: الترجيح بلفظ صريح: ١ - الصحيح. ٢ - الظاهر. ٣ - الصواب. ٤ - الحق. ٥ ۔ یتعین کذا. ٦ - الواقع كذا. ٧ - الراجح كذا. وقد يؤكد بعض هذه الألفاظ بنحو قوله: الصحيح الذي لا شكَّ فيه، أو المقطوع به، أو الحق الذي لا مرية فيه، أو الصواب الذي لا شكَّ فيه، أو لا مرية فيه، أو الحق الذي لا محيد عنه، أو المشهور الصحيح. ثانياً: الترجيح بأفعال التفضيل : ١ - الأظهر. ٢ - الأولى. ٣ - الأصح. ٤ - الأقرب. ٥ - الأشبه. ٦ - الأقوى. ٧ - الأرجح. ٨ - الأمشى على الظاهر. ٩ - الأنسب. ١٠ - الأجود. ثالثاً: ذكر القول ببعض أوصاف المدح: أكثر ما كان الإمام ابن كثير يمتدح به القول: بأنه حسن، وذلك في نحو عَشْرِ مسائل، أو القول: (إنه جيد)، وقد يقول: (حسن قوي). وقد يصفه بالحسن والقوة والظهور، أو بالحسن والجودة والقوة، أو يصفه بالحسن والجودة، وبالحسن والتوجه، أو بالجودة والقوة. (١) هذه الأساليب منقولة باختصار من كتاب ((ترجيحات الحافظ ابن كثير)) لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز العواجي (ص٣٠ - ٣٢). ٣٤ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رابعاً: تأييد اختيار يذكره: أكثر الإمام ابن كثير من ذكر اختيارات ابن جرير خاصة، وقلما ذكر اختيار غيره، وقد ينقل اختيار ابن جرير ويوافقه بقوله: (فأصاب)، أو (لا شك أن هذا اللائق)، ونحو ذلك. خامساً: تضعيف مقابله: أكثر الإمام ابن كثير من تضعيف الأقوال، وإنما يدخل في هذا الباب ما ذكر فيه قولاً وضعف مقابله، أو أقوالاً وضعفها إلا واحداً. سادساً: البدء بالمختار ثم إيراد الأقوال أو عكسه: أكثر ما كان يرجح به ابن كثير من الأساليب هو البدء بالمختار على سبيل ارتضائه وتقريره ثم يذكر غيره من الأقوال محكية بالقول. وقد يذكر الخلاف ثم يقول: (والمعنى - أو - المقصود كذا). ٣٥ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 المبحث الثالث القيمة العلمية للتفسير تتجلى القيمة العلمية لتفسير الحافظ ابن كثير في كثير من المسائل أهمها ما يلي: ١ - جودة المنهج والتزامه به، فقد التزم بمنهج علمي راقٍ كما تقدم في دراسة منهجه. ٢ - سلامة التفسير من التأويل والتحريف في مسائل العقيدة. ٣ - شهرة الكتاب: لقد انتشرت نسخه الخطية التي تقارب المائة نسخة، كما انتشرت طبعاته وتحقیقاته. ٤ - كثرة الدراسات التي قام بها الباحثون وأثره فيمن بعده: فقد تزاحمت أقلام الباحثين وعكف عليه الدارسون، ومن أهم الدراسات ما يلي: أ - الإمام ابن كثير المفسر: للدكتور مطر بن أحمد الزهراني - رسالة ماجستير - جامعة أُم القرى. ب - منهج ابن كثير في التفسير: للدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم - رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض. ج - ابن كثير ومنهجه في التفسير: تأليف الدكتور إسماعيل سالم عبد العال - مطبوع في القاهرة - مكتبة الملك فيصل الإسلامية. د - حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم: للدكتور محمد بن عبد الله صالح الفالح - طبعة الرياض - مكتبة دار البيان. هـ - ابن كثير الدمشقي: للدكتور محمد الزحيلي - دار القلم - دمشق. وقام البعض بالشرح ومن أهم الشروح ما يلي: أ - البدر المنير الملخص من تفسير ابن كثير (وهو تلخيص تفسير القرآن العظيم لابن كثير ت٧٧٤هـ) للكازروني (عفيف الدين سعيد بن محمد بن مسعود، ت٧٥٨هـ). منه نسخة في مكتبة نور عثمانية ٢٥ (٣٨٤) في تركيا (١). ب - العلم الغزير في تفسير ابن كثير (وهي حاشية على تفسير ابن كثير، ت٧٧٤هـ) للزرعي (إسماعيل ((خطيب جامع الديلع))). منه نسخة في مدينة تريم ٥٢ (٢٥٩) في حضرموت(٢). (١) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج١). (٢) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج١). ٣٦ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ٥ - غزارة مصادره وأصالتها: أما مصادره فقد أحصاها فضيلة الدكتور إسماعيل سالم عبد العال وبلغت (٢٤١) مصدراً وقد رتبها حسب العلوم والموضوعات، وهذه المصادر من الكتب الأمهات في علم التفسير والحديث والفقه والتاريخ والعقيدة وغيرها . ٦ - كثرة المختصرات لتفسير ابن كثير، وهي كما يلي: أ - عمدة التفسير: للأستاذ أحمد محمد شاكر. ب - تيسير العلي القدير لاختصار ابن كثير: للشيخ محمد نسيب الرفاعي. ج - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد علي الصابوني. د - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد كريم راجح. هـ ـ لباب التفسير من ابن كثير: للدكتور عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ. و - فتح القدير تهذيب تفسير ابن كثير: لمحمد أحمد كنعان. ز - المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير: بإشراف فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري. وكل هذه المختصرات مطبوعة. وقد لاحظ بعض الدارسين للتفسير بعض المآخذ لكنها ليست بمآخذ وقد أجبت عليها كما يلي : الإجابة عن المآخذ التي نسبت إلى الحافظ ابن كثير في التفسير ذكر فضيلة د. إسماعيل عبد العال في دراسته لتفسير ابن كثير تَخْلُهُ جملة من المسائل ظنَّ أنها من المآخذ على ابن كثير تَخُّْ، ومنها بعض الروايات المنكرة في متنها، والإسرائيليات التي أوردها الحافظ ابن كثير وسكت عنها، ومنها ما يلي: ذكر ابن كثير تَخْذَثُ رواية عن ابن أبي حاتم قال فيها: ((حدثني محمد بن قيس أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّهُ زِينَةً وَقَوْلًا فِىِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا رَيَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَمِلِكٌ رَبَّنَا الِْسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ [يونس]. فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة. فقال عمر بن عبد العزيز لغلام: ائتني بكيس. فجاء بكيس فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة)). ولم يعلق ابن كثير على هذه الرواية كما اعتاد أن يفعل مع الروايات الغريبة فكيف يطمس هذا البيض والحمص في عهد عمر بن عبد العزيز العادل وخامس الخلفاء الراشدين؟! ثم عدم معرفة عمر بن عبد العزيز للطمس شيء لا نقبله بسهولة. فلعل هذه الرواية مختلقة ومكذوبة على عمر صوا به(١). اهـ. (١) ينظر: ((ابن كثير ومنهجه في التفسير)) (ص٤١٣). ٣٧ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولو أعطى الدكتور هذه المسائل مزيداً من البحث لوجدها مسائل منهجية سلكها الحافظ ابن كثير فإن الروايات المنكرة في متنها ساقها بالإسناد وسمى الرجال فكأنه يشير بأصابع الاتهام إلى موطن الإنكار حينما يسمي رجال الإسناد، وما ذكره فضيلته فيه بتر للإسناد فقد حذف الراوي الضعيف، فالرواية رواها ابن أبي حاتم: عن إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بکر، عن أبي معشر، حدثني محمد بن قيس، به. والراوي الضعيف هو أبو معشر، واسمه: نجيح بن عبد الرحمن السندي(١). ثم ذكر فضيلته مسألة أخرى فقال: وفي نفس الآية ذكر ابن كثير أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتِ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمًا﴾ [يونس: ٨٩] فسره ابن جريج بقوله: ((يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وقال محمد بن كعب وعلي بن الحسين: أربعين يوماً)). ولم يعقب ابن كثير على الروايتين. والفرق بينهما كالفرق بين طفل يقال عنه: إنه ولد منذ أربعين يوماً. ويقال عنه أيضاً: إنه ولد منذ أربعين سنة. ولا شك أنه فرق صارخ(٢). والجواب ما ذكره الحافظ عن ابن جريج ومحمد بن كعب واضح أنه من الإسرائيليات لأن الراويين مشهوران برواية الإسرائيليات وكفى. وقال فضيلته: وذكر محمد بن إسحاق أن إساف ونائلة كانا بشرين فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما . ولم ينتقد ابن كثير هذه الرواية على ما فيها من ضعف، إذ كيف يقتنع المرء بأن إساف ونائلة كانا بشرين قد مسخا. وما الدليل على ذلك؟ وفي أي كتاب صحيح موثوق به ذكر هذا؟ فليأتوا بآثارة من علم إن كانوا صادقين(٣). اهـ. والجواب: أن هذه الرواية ضعفها جلي لا يخفى لأنه مروي عن ابن إسحاق ولم يروه عن أحد، وهو معروف أيضاً برواية الإسرائيليات، وما ذكره لا يؤخذ إلا بالوحي عن النبي بَّ، وبين ابن إسحاق والنبي ◌َّ ثلاثة رواة على الأقل. وقد ذكر فضيلته أيضاً رواية إسرائيلية عن وهب بن منبه ساقها الحافظ ابن كثير ولم ينبه عليها (٤). اهـ. أقول: إن ذكر وهب بن منبه يغني عن التنبيه؛ لأنه كان مولعاً برواية الإسرائيليات، وما ذكره من أخطاء أخرى شبيهة بما سبق. ثم ذكر أخطاء عامة - حسب ظنه -، ومنها: النسخ، وذكر مثالاً ثم قال: إنها وجهة نظر وليس خطأ مؤكداً. (١) ينظر: ((تقريب التهذيب)) (ص٥٥٩). (٣) المصدر السابق (ص ٤٣٣). (٢) المصدر السابق (ص ٤٣٢). (٤) المصدر السابق (ص ٤٣٥). ٣٨ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله رَّ: ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل، والقسط، والبر. لكن هذه الدعوة مرفوضة لأن الآية لا تنسخ حكماً إسلامياً، وإنما يقبل النسخ للحكم الذي شرعه الله في الإسلام أو شرعه رسول الله بَّة، ثم شرع بعده في موضوعه حكماً آخر يخالفه ويناقضه. لكنا نستطيع - مع هذا - أن نقول: إنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكداً (١). اهـ. والجواب: أن فضيلته صرّح بأنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكداً، وكذلك فإن الحافظ ابن كثير استدل بحديث متفق عليه عن سالم بن عبد الله بن عمر أن زيداً بن حارثة مولى رسول الله وَ له ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿آدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَفْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وتبقى قصة العتبي التي ساقها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَاءُ وَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. وقد وفّى الشيخ الفاضل سامي بن محمد السلامة هذه القصة حقها في تحقيقه لتفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وبرهن على بطلانها ناقلاً أقوال العلماء المعتبرين من المتقدمين والمعاصرين، ثم أضاف فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الفالح أن الحافظ ابن كثير لم يستحسن ذلك، ووضح معتقده الذي يأبى مثل تلك القصة(٢). وأضيف على ما ذكره أن هذه الحكاية يرويها بعضهم عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي. وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم بن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي ... فذكرها(٣). وأما ما ذكر أنه يستطرد في إيراد سرد الأحاديث الشريفة الكثيرة، وأنه يستشهد ببعض الروايات الضعيفة، وأنه لا يعتني بالإعراب فقد أجبت عن ذلك في مبحث منهج الحافظ ابن کثیر، في البيان النبوي واللغوي. (١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية [٥]. (٢) حياة ابن كثير في كتابه ((تفسير القرآن العظيم)) (ص٣١ - ٣٣). (٣) ينظر: (الصارم المنكي في الرد على السبكي)) (ص٣٣٧، ٣٣٨). ٣٩ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 المبحث الرابع وصف النسخ الخطية لقد أتحفني مدير عام دار ابن الجوزي الأستاذ الفاضل: سعد الصميل حفظه الله بعدة نسخ، ووصفها كما يلي: ١ - نسخة تشستربتي برقم (٣٤٣٠) وتبدأ من بداية التفسير إلى سورة البقرة آية [٢١٨] وعليها تعليقات بخط المؤلف، وقد كتبت في عهد المؤلف بخط الكاتب أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب بن عبد الله المقدسي (ت٧٧٦هـ) (١)، وتقع في (٢٢٤) ورقة. ٢ - نسخة ولي الدين جار الله، منها مجلدان: أحدهما برقم (٥) [٦٨] بخط الكاتب علي بن يعقوب بن عبد الله وانتهى من نسخها (١٣ رجب سنة ٧٩٩هـ)، وتبدأ من تفسير سورة القصص إلى آخر سورة الحجرات، ومجلد آخر برقم (٤) [٦٦] كتب سنة (٨٣٧هـ). ٣ - نسخة الحرم المكي العتيقة برقم (٩١) يوجد منها المجلد الثالث: يبدأ من بداية سورة الأعراف إلى نهاية تفسير سورة التوبة، كتب سنة (٧٨٠هـ) ويقع في (٢٢٨) ورقة. ٤ - نسخة الحرم المكي العتيقة الأخرى يوجد منها أربع مجلدات: المجلد الرابع: يبدأ من أول تفسير سورة الأنعام، وينتهي بسورة الأنفال آية [٦٠]، ويقع في (٢٣٠) ورقة. المجلد الثامن: يبدأ من تفسير سورة سبأ وينتهي بتفسير سورة فصلت كتب سنة (٧٦٩هـ) ويقع في (١٧٨) ورقة، وفي آخره تعليق ينصّ أن المجلد مقابل على نسخة المؤلف، وهي بخط الكاتب محمد بن بهاء الدين بن عبد الله الشجاعي. المجلد التاسع: يبدأ بتفسير سورة الشورى وينتهي بتفسير سورة الطلاق، ويقع في (٢٧٥) ورقة، وقد كتبه الكاتب محمد بن أحمد بن معمر المقري البغدادي سنة ٧٥٩هـ، وهذا المجلد من أقدم النسخ المعاصرة للمؤلف. المجلد العاشر: ويبدأ بسورة التحريم وينتهي بنهاية التفسير، ويقع في (٢٣٨) ورقة. ٥ - نسخة آياصوفيا برقم (١٢٢) وتبدأ من أول التفسير إلى نهاية تفسير سورة آل عمران كتبت سنة (٨٠٦هـ)، وتقع في (٤١٨) ورقة. ٦ - نسخة المحمودية (الأولى): وهي محفوظة في مكتبة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، وتقع في (٧) مجلدات: (١) ينظر: ((الدرر الكامنة)) (٢٤٤/١). ٤٠ • الفصل الثاني: دراسة مختصرة للتفسير 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 المجلد الأول: برقم (٢٨٠) ويبدأ من أول القرآن إلى ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ [٤١] من سورة المائدة، ويقع في (٤٧٩) ورقة. المجلد الثاني: برقم (٢٨١) ويبدأ من تفسير أول القرآن إلى آل عمران، ويقع في (٣٥٩) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ). المجلد الثالث: برقم (٢٨٢) ويبدأ من تفسير أول القرآن إلى بعض سورة آل عمران، ويقع في (١٩٩) ورقة. المجلد الرابع: برقم (٢٨٣) ويبدأ من تفسير سورة آل عمران وينتهي إلى سورة الأعراف، ويقع في (١٧٢) ورقة. المجلد الخامس: برقم (٢٨٤) ويبدأ من تفسير سورة النساء إلى بعض سورة الأنعام، ويقع في (٢٣٧) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ). المجلد السادس: برقم (٢٨٥) ويبدأ من تفسير سورة الأحزاب إلى آخر سورة الذاريات، ويقع في (٢٤٨) ورقة. ٧ - نسخة المحمودية الثانية وهي محفوظة في مكتبة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، وتقع في (٤) مجلدات: المجلد الأول: برقم (١٩٢) ويبدأ من سورة الفاتحة إلى سورة التوبة، ويقع في (٢٣٠) ورقة. المجلد الثاني: برقم (١٩٤) ويبدأ من سورة الأنفال إلى آخر سورة الشعراء، ويقع في (١٩٩) ورقة. المجلد الثالث: برقم (١٩٥) ويبدأ من أول سورة النمل إلى بعض الذاريات إلى جزء ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾، ويقع في (٢٨١) ورقة. المجلد الرابع: برقم (١٩٧) ويبدأ من آية [١٣٧] من سورة الأنعام إلى بداية الإسراء، ويقع في (٢٥٢) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ). ٨ - نسخة الحميدية برقم (٤٣) تقع في مجلدين وهي كاملة كُتبت سنة (١١٦٤ هـ - ١٢ شعبان)، وتقع في (١٠٤٤) ورقة. ٩ - نسخة آياصوفيا الكاملة برقم (١٢٤) بخط الكاتب محمد الشاذلي بن الشيخ جاد الكريم الشافعي الأشعري بدأ بنسخه يوم الأحد ١٣ جمادى الثانية سنة (١٠٨٢ هـ). وانتهى من نسخه يوم الثلاثاء (١٠ جمادي الأولى سنة ١٠٨٤هـ) كما في آخر المجلد الثاني، وقد ورد في المجلد الأول فيه تمليك: من كتب الفقير بحصر محمد عيسى بن الشيخ عفان عُفي عنهما من كتب أفقر الورى عثمان عُفي [عنهما](١)، وختم فيه نص: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم توقيع لم أعرف قراءته لأنه مدمج. (١) لعله سقط لفظ: عنه.