Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سُورَةُ الْبَقَةُ (٢٢،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني
مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينةً في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس
بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجئُ وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج
العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد](١).
(١) [فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم
العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟! فبهت القوم، ورجعوا
إلى الحق، وأسلموا على يديه](١).
(٢) [وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع، فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد، يأكله
الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة (والبعير)(٣) والأنعام
فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظباء فيخرج (منها)(٤) المسك، وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد (بن حنبل)(٥) (تَُّ)(٦) أنه سئل عن ذلك، فقال: ها هنا حصن حصين
أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز؛ فبينا هو كذلك
إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح - يعني بذلك
البيضة إذا خرج منها الدجاجة.
وسئل أبو نواس عن ذلك، فأنشد:
إلى آثار ما صنع المليك](٢)
تأمل في نبات الأرض وانظر
(٧) [عيون من لجين شاخصات
على قضب الزبرجد شاهدات
وقال ابن المعتز:
بأحداق هي الذهب السبيك
بأن الله ليس له شريك
ـه أم كيف يجحده الجاحد
فيا عجباً كيف يعصى الإلـ
•تدل على أنه واحد
وفي كل شيء له آية
وقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار
والصغار (المنيرة)(٨) من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم
وليلة دويرةً، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب،
والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها، كما قال
(تعالى)(٩): ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌأْ بِيِضٌ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهَا وَغَاِبُ سُودٌ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ
وَالذَّوَآَبٍ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُ كَذَلِكَّ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨]](٧) .
(١) ساقط من (ز) و(ك).
(٣) كذا في (ج) و(ل)؛ وفي (ن): ((البقر)).
(٥) من (ن).
(٧) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٩) في (ن).
(٢) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ي).
(٤) كذا في (ج) و(ن)؛ وفي (ل): ((منه)).
(٦) من (ل).
(٨) في (ن): ((النيرة)).

٣٠٢
• سُورَةُ الْبَرَّة (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١)[وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قُطر للمنافع؛ وما ذرأ في الأرض من الحيوانات
المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والأرابيح والأشكال، مع اتحاد طبيعة التربة والماء، استدل
على وجود الصانع، وقدرته العظيمة، وحكمته، ورحمته ولطفه بهم، وإحسانه إليهم، وبره بهم،
لا إله غيره، ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب.
والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جداً](١).
] ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَا نَزَّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونٍ
اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ أُعِدَّتْ
لِلْكَفِرِینَ
ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو؛ فقال مخاطباً للكافرين: ﴿وَإِن
كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمد بَّه ـ فأتوا بسورة من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه
من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم
لا تستطيعون ذلك.
قال ابن(٢) عباس: ﴿شُهَدَآءَكُمْ﴾ أعوانكم (٣)[أي: قوماً آخرين يساعدونكم على ذلك](٣).
(٤) [وقال السدي، عن أبي مالك: شركاءكم(٥) (٦)[أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم
وينصرونكم](٦).
وقال مجاهد: وادعوا شهداءكم، قال: ناس يشهدون به(٧)؛ (يعني: حكم الفصحاء)(٨).
وقد تحداهم الله تعالى بهذا](٤) في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قُلّ
فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ [القصص].
وقال في سورة سبحان: ﴿قُل لَّيْنِ اجْتَمَعَتِ الْإِشُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرَّنِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ.
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٣)﴾ [الإسراء].
وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَُّ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم
مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ (4)﴾ [هود].
وقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيِقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
(١) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في ((الدر المنثور)) (٣٥/١)، ومن طريقه ابن جرير (٤٩٦)؛ وابن أبي حاتم
(٢٤١) [وسنده حسن].
(٣) من (ج) و(ل)؛ وفي (ن): ((قال السدي، عن أبي مالك: شركاءكم؛ أي: قوماً آخرين يساعدونكم على
ذلك؛ أي: استعينوا ... إلخ)) فأدخل الناسخ إحدى العبارتين في الأخرى.
(٤) ساقط من (هـ).
(٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق السدي به].
(٧) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].
(٨) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).
(٥) من (ج) و(ل).

٣٠٣
• سُورَةُ الْبََّقَة (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أَ يَقُولُونَ أَفْتَرَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنٍ
وَتَفْضِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اَللَّهِ إِن كُمْ صَدِقِينَ (٨)﴾ [يونس].
وكل هذه الآيات مكية.
ثم تحداهم بذلك أيضاً في المدينة؛ فقال في هذه الآية: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، (أي:
شك (١)) ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمداً وَّهِ - ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ﴾ يعني: من مثل القرآن؛
قاله مجاهد، وقتادة(٢)، واختاره ابن جرير (٣)[الطبري، والزمخشري (وفخر الدين)(٤) الرازي،
ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، وأكثر المحققين؛ ورجح ذلك
بوجوه؛ من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أُميُّهم وكتابيهم؛ وذلك
أكمل في التحدي؛ وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئاً من
العلوم](٣)، وبدليل قوله (تعالى)(٥): ﴿فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ،﴾ [هود: ١٣] وقوله: ﴿لَا يَأْتُنَ
بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال بعضهم: من مثل محمد رَّ؛ يعني: من رجل أمي مثله.
والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في
مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه (وتعصبهم لدينهم)(٦) ومع هذا
عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ ((ولن)) لنفي التأبيد (في
المستقبل)(٧)؛ أي: ولن تفعلوا ذلك أبداً .
وهذه أيضاً معجزة أخرى، وهو أنه أخبر (٨) [خبراً جازماً قاطعاً مقدماً غير خائف ولا
مشفق](٨) أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد (٨) [الآبدين ودهر الداهرين] (٨)؛ وكذلك وقع الأمر،
لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ولا يمكن؛ وأنى يتأتى ذلك لأحد والقرآن كلام الله خالق
كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين.
(٩) [ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنوناً ظاهرةً وخفيةً، من حيث اللفظ، ومن
جهة المعنى؛ قال الله تعالى: ﴿الَّرِ كِتَبُ أُعْكِمَتْ ءَايَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾﴾ [هود]
فأحكمت ألفاظه، وفصلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف؛ فكل من لفظه ومعناه فصيح (لا
يجارى)(١٠) ولا يدانى؛ فقد أخبر عن مغيبات ماضية؛ وكانت ووقعت طبق ما أخبر سواءً بسواء،
وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَمَتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدَلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]
أي: صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الأحكام؛](٩) (١١) [فكله حق وصدق، وعدل وهدّى](١١)،
(١) ساقط من (ج).
(٢) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
معمر عن قتادة].
(٣) ساقط من (ز).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) من (ن).
(٦) ساقط من (ز) و(ن). ووقع في (ل): ((وتعصبهم على دينهم)).
(٨) ساقط من (ز).
(٧) ساقط من (ز).
(٩) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(١٠) في (ن): ((لا يحاذی)).

٣٠٤
سُورَةُ الَقَة (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب
والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها؛ كما (يقال)(٢) في الشعر: إن أعذبه أكذبه.
وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو
في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة (أو سير)(٣) أو مخافة، أو سبع،
أو شيء من المشاهدات المتعيِّنة التي لا تفيد شيئاً إلا قدرة المتكلم المعين على (التعبير عن) (٤)
الشيء الخفي أو الدقيق، وإبرازه إلى الشيء الواضح. ثم تجد له فيه بيتاً أو بيتين أو أكثر هي
بیوت القصید، وسائرها هذر لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلاً وإجمالاً ممن
فهم كلام العرب وتصاريف التعبير؛ فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت
مبسوطةً أو وجيزةً، وسواء تكررت أم لا؛ وكلما تكرر حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الرد، ولا
يمل منه العلماء؛ وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات؛
فما ظنك بالقلوب الفاهمات؛ وإن وعد أتى بما] (١). (٥) [يفتح القلوب والآذان، (ويشوق)(٦) إلى
دار السلام، ومجاورة عرش الرحمن؛ كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [السجدة] وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْبُبُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿َأَمِنْتُم مَن فِ السَّمَلِ أَنْ
يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (٨٦ أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَلِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًّاً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ
(١٧)﴾ [الملك].
وقال في الزجر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَدَيْتَ إِن ◌َّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ﴿َ ثُرَ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ يُؤْعَدُونَ (َ مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا
(قَ﴾ [الشعراء].
كَانُواْ يُمَتَُّونَ
إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة.
وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع
طيب محبوب؛ والنهي عن كل قبيح رذيل دنيءٍ؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا
سمعت الله تعالى يقول في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فأرعها سمعك، فإنها
خير يأمر به، أو شر ينهى عنه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ](٥) (٧) [عَنِ
الْمُنكَرِ](٧) (٨) [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ اَلَّتِ
كَانَتْ عَلَيَّهِزْ ... ) الآية [الأعراف: ١٥٧]](٨).
(١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(٣) ساقط من (ن).
(٤) ساقط من (ن)؛ وفي (ج): ((التعبير على الشيء)).
(٦) في (ج): ((نوف))!
(٨) ساقط من (ج) و(ل).
(٢) في (ن): ((قيل)).
(٥) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).

٣٠٥
• سُوَرَّةُ الْبَقَةُ (٢٤،٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) (وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال (وبيان الأحوال)(٢)، وفي وصف
الجنة والنار، وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم (والملاذ)(٣) والعذاب
الأليم؛ بشرت (به)(٤)، وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات،
وزهَّدت في الدنيا، ورغبَّت في الأخرى، وثبتت على (الطريق)(٥) المثلى، وهدت إلى صراط الله
المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم](١).
ولهذا ثبت في ((الصحيحين))(٦)، عن أبي هريرة عظُبه - أن رسول الله وص له قال: (((ما من الأنبياء
من نبي)(٧) إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله
إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) - لفظ مسلم.
وقوله وَلجر: ((وإنما كان الذي أوتيت (وحياً)(٨)؛ أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن
المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليست معجزةً (عند كثير من
العلماء)(٩)). والله أعلم.
وله عليه (الصلاة و)(١٠)السلام من الآيات الدالة على نبوَّته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل
تحت حصر. ولله الحمد والمنة.
(١١) [وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في
(الصرفة)(١٢)؛ فقال: إن كان هذا القرآن معجزاً في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في
قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطلوب. وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم
يفعلوا ذلك، مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلاً على أنه من عند الله لصرفه إياهم عن معارضته
مع قدرتهم على ذلك. وهذه الطريقة، وإن لم تكن مرضيةً؛ لأن القرآن في نفسه معجز، لا
يستطيع البشر معارضته كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة، والمنافحة عن
الحق؛ وبهذه الطريقة أجاب (فخر الدين)(١٣) (الرازي)(١٤) في ((تفسيره)) (١٥) عن سؤاله في السور
القصار كـ«العصر))، و((﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ [الكوثر])](١١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ أما الوقود - بفتح الواو -
فهو ما يلقى في النار لإضرامها؛ كالحطب ونحوه، كما قال (تعالى)(١٦): ﴿وَأَمَّا اُلْقَسِطُونَ فَكَانُواْ
لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾﴾ [الجن] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُرْ
(١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٣) كذا في (ك) و(ن)؛ وفي (ج) و(ل): ((المداد)).
(٥) كذا في (ج) و(ك) و(ل)؛ وفي (ن): ((الطريقة)).
(٢) ساقط من (ن).
(٤) من (ن).
(٦) سبق تخريجه في ((فضائل القرآن)) (١٤٦/١).
(٧) في (ز) و(ن): ((ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر)) وهو مخالف للفظ
مسلم.
(٨) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٩) ساقط من (ز).
(١٠) من (ز) و(ن).
(١١) ساقط من (ز).
(١٢) كذا في (ك) و(ن) و(ي)؛ وفي (ج) و(ل): ((الصوفية))! ووقع في (هـ) بياض في موضع هذه الكلمة.
(١٤) من (ل) و(ن)؛ وفي (هـ): ((الفخر الرازي)).
(١٣) من (ج) و(ك) و(ل) و(ي).
(١٥) راجع بحثه في ((تفسيره)) (١٢٦/١ - ١٢٨).
(١٦) من (ن).

٣٠٦
سُورَةُ الْبَوَّة (٢٣، ٢٤)
[الأنبياء].
﴾(١)
لَهَا وَرِدُونَ
والمراد بالحجارة ها هنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد
الأحجار حراً إذا حميت، أجارنا الله منها .
وقال عبد الملك بن ميسرة الزراد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن
عبد الله بن مسعود - في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: هي حجارة من كبريت
خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين.
رواه ابن(٢) جرير؛ وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في ((مستدركه))؛ وقال: ((على شرط
الشیخین)) .
وقال السدي في ((تفسيره))(٣)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة،
عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة؛ أما الحجارة
فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار.
وقال مجاهد(٤): حجارة من كبريت أنتن من الجيفة.
وقال أبو جعفر(٥) محمد بن علي: حجارة من كبريت.
وقال ابن جريج(٦): حجارة من كبريت أسود في النار.
قال لي عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.
(٧) [وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله، كما قال
(تعالى)(٨): ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ... ﴾ [الأنبياء: ٩٨] حكاه
القرطبي (وفخر الدين)(٩)](٧).
(١٠) [(الرازي)(١١)، ورجحه على الأول؛ قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس
بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى.
وهذا الذي قاله ليس بقويٌّ؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد](١٠)
(١) في (ن) بعد هذه الآية ((لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون)).
(٢) في ((تفسيره)) (٥٠٣، ٥٠٤، ٥٠٧)؛ وابن أبي حاتم (٢٤٥)؛ والحاكم (٢٦١/٢، ٤٩٤) من طرق عن
مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة بسنده سواء.
ومن هذا الوجه: أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) (٤٠/١)؛ وهناد بن السري في ((الزهد)) (٦٣)؛ والطبراني
في ((الكبير)) (ج٩/ رقم ٩٠٢٦)؛ وسعيد بن منصور في ((تفسيره)) (ق٢/١٨٢)؛ والبيهقي في (الشعب)). وعزاه
السيوطي في ((الدر) (٣٦/١) لعبد بن حميد وابن المنذر والفريابي. وسنده صحيح.
(٣) ومن طريقه ابن جرير (٥٠٥) وسنده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٦) من قول السدي. [وسنده
ضعيف].
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٧) وسنده ضعيف.
(٥) ذكره ابن أبي حاتم عنه بلا إسناد.
(٦) أخرجه ابن جرير (٥٠٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤٨) وسنده صحيح.
(٨) من (ن).
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).
(١١) من (ن)؛ وفي (هـ): ((فخر الدين الرازي)).
(١٠) ساقط من (ز) و(ض).

٣٠٧
سُورَةُ الْبَقَة (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [لحرها، وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة
لذلك؛ ثم إن أخذ النار بهذه الحجارة أيضاً مشاهد؛ وهذا الجص يكون أحجاراً، فيعمل فيه
بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفجرها النار وتحرقها؛ وإنما سيق هذا في حر
النار التي وعدوا بها وشدة ضرامها وقوة لهبها؛ كما قال (تعالى)(٢): ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ
سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وهكذا رجح القرطبي(٣) أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمر
ويشتد لهبها؛ قال: ليكون ذلك أشد عذاباً لأهلها .
قال(٤): وقد جاء في الحديث(٥) عن النبي ◌َّر أنه قال: ((كل مؤذ في النار))](١).
(١)[(قلت)(٦) وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف؛ ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين:
أحدهما: أن كل من أذى الناس دخل النار. والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من
السباع والهوام وغير ذلك](١).
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ الأظهر أن الضمير في ((أعدت)) عائد إلى النار التي وقودها
الناس والحجارة. ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود. ولا منافاة بين القولين في
المعنى؛ لأنهما متلازمان.
و(﴿أُعِذَتْ﴾)؛ أي: أرصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله، كما قال ابن إسحاق، عن
محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أُعِنَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثل
ما أنتم عليه من الكفر. (٧)[وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة
الآن، لقوله (تعالى) (٨): ﴿أُعِنَتْ﴾ أي: أرصدت](٧).
(٩) [وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: ((تحاجت الجنة والنار))(١٠). ومنها:
((استأذنت النار ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في] (٩)
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) من (ن).
(٣) في ((تفسيره)) (٢٣٥/١، ٢٣٦).
(٤) يعني القرطبي.
(٥) حديث باطل. أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) (٢٩٩/١١)، ومن طريقه ابن الجوزي في ((الواهيات)) (٢/
٢٦٣) من طريق عثمان بن الخطاب أبي عمرو الأشج المعروف بـ((أبي الدنيا)) أنهم اجتمعوا عليه في بغداد
في دار إسحاق وأحدقوا به وضايقوه، فقال: لا تؤذوني فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: قال
رسول الله وَطحر ... فذكره.
قال الخطيب في ترجمة أبي الدنيا هذا: ((والعلماء لا يثبتون قوله ولا يحتجون بحديثه .. ثم قال: وما
علمت أن أحداً ببغداد كتب عنه حرفاً واحداً، ولم يكن عندي بذاك الثقة)).
وقال ابن الجوزي: ((هذا حديث لا يصح، والأشج غير موثوق بقوله عند العلماء)).
وقال الذهبي في ((الميزان)) (٣٣/٣) في ترجمة ((الأشج)): ((حدث بقلة حياء بعد الثلاثمائة عن علي)). اهـ
ونقل المناوي في ((فيض القدير)) (٣٠/٥) عن الذهبي في ((ديوان الضعفاء)) أنه قال: ((خبر غريب)) ولم أجد
هذا في ((ديوان الضعفاء)) (رقم ٢٧٥٧) بل قال في ترجمة الأشج هذا: ((طرقي كذاب جريء)).
(٦) ساقط من (ن).
(٨) من (ن).
(٩) ساقط من (ز).
(١٠) أخرجه البخاري (٥٩٥/٨)؛ ومسلم (٣٦/٢٨٤٦).
(٧) ساقط من (ز).

٣٠٨
• سُوَدَّةُ الْبَرَةِ (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [الصيف))(٢). وحديث ابن مسعود: (سمعنا)(٣) وجبة، فقلنا: (ما هذا؟ فقال)(٣)](١)
(١) [(رسول الله (وَلة)(٤): ((هذا حجر أُلقى به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى
قعرها)). وهو عند مسلم(٥)، وحديث صلاة الكسوف(٦)؛ وليلة الإسراء (٧)، وغير ذلك من
الأحاديث المتواترة في هذا المعنى. وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ووافقهم القاضي
منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس](١).
(٨) [تنبيه ينبغي الوقوف عليه:
قوله (تعالى)(٩): ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾ وقوله في سورة يونس: ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]
يعم كل سورة في القرآن طويلةً كانت أو قصيرةً؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم، كما هي في
سياق النفي عند المحققين من الأصوليين، كما هو مقرر في موضعه؛ فالإعجاز حاصل في طوال
السور وقصارها؛ وهذا ما لا أعلم فيه نزاعاً بين الناس سلفاً وخلفاً.
وقد قال (العلامة فخر الدين)(١٠) (الرازي)(١١) في ((تفسيره))(١٢): فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ
بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، و﴿قُلّ يَأَيُّهَاَ اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾ [الكافرون]
ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله، أو بما يقرب منه ممكن.
فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر كان (ذلك)(١٣) مكابرةً، والإقدام
على هذه المكابرات مما يطرق (التهم)(١٤) إلى الدين](٨).
(١٥) [قلنا: فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد
الإعجاز فقد حصل المقصود؛ وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم
إلى (توهين)(١٦) أمره معجزاً؛ فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه](١٥) .
(١) أخرجه البخاري (١٨/٢)، والسياق له.
(٢) ساقط من (هـ).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) ساقط من (هـ).
(٥) أخرجه في «صحيحه)) (٣١/٢٨٤٤)، ووهم المصنف نَّثُ إذ جعله من حديث ابن مسعود وإنما رواه مسلم
وغيره من حديث أبي هريرة ظه، ولفظه: كنا مع رسول الله وَ ل9، إذ سمع وجبة فقال النبي وَيقول: ((تدرون
ما هذا؟)) قال: قلنا الله ورسوله أعلم. قال: ((هذا حجر رمى به في النار منذ سبعين خريفاً، فهو يهوى في
النار الآن، حتى انتهى إلى قعرها)).
(٦) يشير إلى حديث ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله ول* فصلى والناس معه فقام قياماً
طويلاً ... الحديث وفيه: ((قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ قال
رسول الله : ((إني رأيت الجنة فتناولت عنقوداً، لو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار فلم أر
منظراً قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء ... )) الحديث. أخرجه البخاري (٨٣/١، ٢٣٢/٢، ٥٤٠، و٦/
٢٩٧، ٢٩٨/٩)؛ ومسلم (١٧/٩٠٧).
(٧) ويأتي تخريج أحاديثها في سورة الإسراء إن شاء الله تعالى.
(٨) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).
(١٠) من (ج) و(ك) و(ل).
(١٢) راجع بحثه في ((تفسيره)) (١٢٦/١ - ١٢٨).
(١٤) في (ن): ((بالتهمة)).
(١٦) في (ك) و(ن): ((تهوين)).
(٩) من (ن).
(١١) من (ل) و(ن).
(١٣) ساقط من (ن).
(١٥) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).

٣٠٩
سُورَةُ الجَدَّة (٢٥)
10000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة، لا يستطيع البشر معارضتها طويلةً كانت أو
قصيرةً [العصر].
قال الشافعي تَُّهُ: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿وَالْعَصْرِ ٣ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُتْرٍ ()
(٣)﴾ [العصر].
إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْ بِالْحَقِّ وَنَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ
وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة:
ماذا أُنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة.
(إلى آخرها)(٢) ففكر ساعة،
فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾) ...
ثم رفع رأسه، فقال: ولقد أُنزل علي مثلها؛ فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر. يا وبر، إنما أنت
أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم
أني لأعلم أنك تكذب(٣)](١).
] ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَِّ كُلَّمَا رُزِقُواْ
مِنْهَا مِن ثَمَرَقِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَا وَلَهُمْ فِهَا أَزْوَجٌ مُطَهَرَةٌ وَهُمْ
فِيهَا خَلِدُونَ
لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال عطف
بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة؛ وهذا
معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء، كما سنبسطه في موضعه؛ وهو أن يذكر
الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء، ثم الأشقياء، أو عكسه.
وحاصله ذكر الشيء ومقابله.
وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه، كما سنوضحه إن شاء الله؛ فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِّ﴾ فوصفها بأنها تجري من تحتها
الأنهار، (٤) [كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة. ومعنى تجري من تحتها الأنهار] (٤)؛
أي: من تحت أشجارها وغرفها .
وقد جاء في الحديث(٥) :
(١) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).
(٣) [سيأتي تخريجه في سورة العصر).
(٢) ساقط من (ن).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) أخرجه ابن مردويه في ((تفسيره))، كما في ((ابن كثير)) (٢٩٧/٧، طبع الشعب)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦/
٢٠٥) وفي ((صفة الجنة)) من طريق مهدي بن حكيم، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا الجريري، عن معاوية بن
قرة، عن أنس بن مالك مرفوعاً: ((لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض؟ لا والله إنها لسائحة
على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر)). قلت: يا رسول الله! وما الأذفر؟ قال:
((الذي لا خلط فيه)).
وعزاه السيوطي في ((الدر)) (٣٨/١) للضياء المقدسي في ((صفة الجنة)).
(*) قلت: وهذا سند ضعيف، والجريري واسمه سعيد بن إياس كان اختلط، وسماع يزيد بن هارون من
متأخر، وقد اضطرب فيه، فقد رواه يعقوب بن عبيدة وبشر بن معاذ كلاهما عن يزيد بن هارون بسنده سواء
موقوفاً. أخرجه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) كما في ((ابن كثير)) (٢٩٦/٧)، وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) =

٣١٠
• سُؤَدَّةُ الْبَقَة (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
((أن أنهارها تجري في غير أخدود)) وجاء في الكوثر(١) ((أن (حافتيه)(٢) قباب اللؤلؤ المجوف)) ولا
منافاة بينهما؛ فطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله (وكرمه)(٣)
إنه هو البر الرحيم.
وقال ابن أبي(٤) حاتم: قرئ على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان،
عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله وَله: ((أنهار
الجنة تفجر من (تحت تلال أخر أو من)(٥) تحت جبال المسك)).
وقال (أيضاً)(٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن
مسروق؛ قال: قال عبد الله (٧): ((أنهار الجنة تفجر من جبل مسك)).
وقوله (تعالى)(٨): ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ﴾ قال السدي
(٣١٦)؛ ورجح المنذري في ((الترغيب)) (٥١٨/٤) الموقوف وقال: ((هو أشبه بالصواب)) كذا! وطريق
=
الموقوف والمرفوع واحد، فالظاهر أنه لا يصح مرفوعاً ولا موقوفاً، ولكن معنى كلام المنذري أنه إذا تردد
الناقد في الحكم بالرفع والوقف فإن الأخذ بالوقف هو الأشبه، لأنه المناسب للاحتياط، إذ الأخذ بالأقل
عند الاختلاف هو مذهب الجماهير من أهل الحديث والله أعلم.
وقد صح هذا من قول مسروق قال: ((أنهار الجنة تجري في غير أخدود وثمرها كالقلال، كلما أخذت ثمرة
عادت مكانها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعاً))؛ أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٧/١٣)؛ وهناد بن
السري في ((الزهد)) (٩٥، ١٠٣)؛ والمروزي في ((زوائد الزهد)) (١٤٨٩)؛ وابن صاعد أيضاً (١٤٩٠)؛ وابن
جرير في ((تفسيره)) (٥٠٩، ٥١٠، ٥١١)؛ وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣١٥)؛ والبيهقي في ((البعث)) (٢٩٢)
من طرق عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن مسروق. وسنده صحيح.
(١) أخرجه البخاري (٤٦٤/١١).
(٢) في (ج): ((حافتاه)) بالرفع، وإنما يصح ذلك بحذف ((إن)).
(٣) ساقط من (ز) و(ن).
(٤) في ((تفسیرہ) رقم (٢٥٣).
وأخرجه ابن حبان (٢٦٢٢)؛ والعقيلي في ((الضعفاء)) (٣٢٦/٢)؛ والحاكم كما في ((حادي الأرواح))
و(«إتحاف السادة)) (٥٣٤/١٠)؛ وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣١٣)؛ والبيهقي في ((البعث)) (٢٦٦) من طريق
أسد بن موسى بسنده سواء. ولفظ البيهقي مطول أخرج بعضه الطبراني في «الأوسط)) (ج ٢/ ق١/٢٦٦)
وقال: ((لم يرو هذا الحديث عن ابن ثوبان إلا أسد بن موسى)).
وحسن إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٥٢٢/٤) وقال المنذري في ((الترغيب)) (١٠٠/٣، ٢٦٢):
(رواه الطبراني في ((الأوسط)) ورواته ثقات إلا شيخه المقدام بن داود وقد وثق)).
(*) قلت: تابعه الربيع بن سليمان ويوسف بن يزيد القراطيسي كلاهما عن أسد بن موسى به.
(٥) ساقط من (ل).
(٦) ساقط من (ج) و(ك).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٥)؛ وابن أبي شيبة (٩٦/١٣)؛ والبيهقي في ((البعث)) (٢٦٧) من طريقين عن
الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود به قال البيهقي: ((هذا موقوف صحيح)).
وأخرجه عبد الرزاق (ج١١ / رقم ٢٠٨٧٣) أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق
قوله ولم يذكر ((ابن مسعود)" فلعل معمر قصر في إسناده وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٧/١)؛ لأبي
الشيخ في ((تفسيره)) .
(٨) من (ز) و(ن).

٣١١
سُورَةُ الََّفَرَة (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
في ((تفسيره))(١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛
وعن ناس من الصحابة؛ قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل؛ قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما
نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا.
وهكذا قال قتادة(٢)، وعبد الرحمن بن زيد بن(٣) أسلم، ونصره ابن(٤) جرير.
وقال عكرمة(٥): ﴿قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ﴾ قال: معناه مثل الذي كان بالأمس. وكذا
قال الربيع بن أنس.
وقال مجاهد(٥): يقولون: ما أشبهه به.
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل ذلك الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة من قبل هذا،
لشدة مشابهة بعضه بعضاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ قال سنيد(٦) بن داود: حدثنا شيخ
من أهل المصيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير؛ قال: يؤتى أحدهم بالصحفة من
الشيء، فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى، فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فتقول الملائكة: كل،
فاللون واحد، والطعم مختلف.
وقال ابن (٧) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عامر بن يساف، عن
يحيى بن أبي كثير، قال عشب الجنة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان
بالفواكه، فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها؛ فيقول لهم أهل الجنة: هذا الذي أتيتمونا آنفاً به؛ فتقول
لهم الولدان: كلوا (فإن)(٨) اللون واحد، والطعم (مختلف)(٩)؛ وهو قول الله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِء
مُتَشَبِهَا﴾ .
وقال أبو جعفر(١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَأُنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ قال:
يشبه بعضه بعضاً، ويختلف في الطعم.
قال ابن أبي حاتم (١١): وروي عن مجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، نحو ذلك.
وقال ابن جرير (١٢) بإسناده، عن السدي في ((تفسيره)) عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن
(١) أخرجه ابن جرير (٥١٢)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٨)، عن السدي قوله [وسنده ضعيف].
(٣) أخرجه ابن جرير (٥١٦) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن جرير (٥١٣) وسنده صحيح.
(٤) في ((تفسيره)) (٣٨٧/١، ٣٨٨).
(٥) أخرجه ابن جرير (٥١٤، ٥١٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٥٩، ٢٦٠) [وسنده صحيح] وعزاه في (الدر)) (٣٨/١)
لعبد بن حميد عن عكرمة.
(٦) أخرجه ابن جرير (٥١٨). [وسنده ضعيف لإبهام شيخ سنيد، ويشهد له ما يليه، وأخرجه ابن أبي حاتم
بسند صحيح عن ابن عباس نحوه].
(٧) في ((تفسيره)) (٢٦٢)؛ وأخرجه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣٥٣) عن داود بن رشيد، عن عامر بن يساف.
[وسند ابن أبي حاتم حسن].
(٨) ساقط من (ن).
(٩) ساقط من (ج).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٥٢٧) بسند ضعيف.
(١١) [أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر به وسنده جيد].
(١٢) أخرجه ابن جرير (٥٢٤). [وسنده ضعيف].

٣١٢
سُورَةُ الْبَارَة (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَأُثُواْ بِهِ،
مُتَشَبِهَا﴾ يعني: في اللون والمرأى، وليس يشتبه في الطعم وهذا اختيار ابن جرير.
وقال عكرمة(١): ﴿وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب.
وقال سفيان(٢) الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في
الجنة في الدنيا إلا في الأسماء.
وفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، ورواه ابن جرير من رواية الثوري،
وابن أبي حاتم، من حديث أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، به.
وقال عبد الرحمن(٣) بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ، مُتَشَِهَا﴾ قال: يعرفون
أسماءه كما كانوا في الدنيا: الفتاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنة: هذا الذي رزقنا
من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابهاً، يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال ابن أبي (٤) طلحة، عن ابن عباس: مطهرة من
القذر والأذى.
وقال مجاهد(٥): من الحيض والغائط، والبول والنخام والبزاق، والمني والولد.
وقال قتادة(٦): مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه: لا حيض ولا كلف.
وروى عن عطاء، والحسن، والضحاك، وأبي صالح، وعطية، والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير(٧): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن
أسلم، قال: المطهرة التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حواء ظلّلا (فلما)(٨) عصت قال الله
تعالى: إني خلقتك مطهرةً وسأُدميك كما أدميت هذه الشجرة. وهذا غريب.
(١) أخرجه ابن جرير (٥٣٣)؛ وأخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) (٤١/١) وعنه ابن جرير (٥٣٢) قال: أخبرنا
معمر عن قتادة فذكره بلفظه. وتابعه محمد بن ثور عن معمر مثله، [وسنده صحيح]، أخرجه ابن الأنباري
في ((الأضداد)» (ص٣٨٦).
(٢) أخرجه وكيع في ((نسخته عن الأعمش)) (١)؛ وابن جرير (٥٣٤) من طريق الثوري به.
وأخرجه هناد بن السري في ((الزهد)) (٣، ٨)؛ وابن جرير (٥٣٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٦١) من طرق عن
الأعمش بسنده سواء. وعزاه السيوطي في (الدر المنثور)) (٣٨/١)؛ لمسدد وابن المنذر والبيهقي في
((البعث)) وهو أثر صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (٥٣٦) بسند صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (٥٣٩)؛ وابن أبي حاتم (٢٦٥) [وسنده ثابت].
(٥) أخرجه هناد في ((الزهد)) (٢٧ - ٢٩)؛ ونعيم بن حماد في ((زوائد الزهد) (٢٤٣)؛ وعبد الرزاق في ((تفسيره))
(٤١/١)؛ وابن جرير (٥٤٢ - ٥٤٥)؛ والبيهقي في ((البعث)) (٣٦٠)؛ وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣٦٢) من
طرق عن مجاهد. وهو صحيح.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) (٤١/١)؛ وابن جرير (٥٤٦ - ٥٤٨)؛ وأبو نعيم (٣٦١) من طرق عن
قتادة. [وسنده صحيح].
(٧) في ((تفسيره)) (٥٥٠) وإسناده صحيح، واستغربه المصنف وأصاب، ولا يقبل مثل هذا الكلام إلا من
النبي ◌َ ر أو ينزل به وحي.
(٨) في (ز): ((حتى)).

٣١٣
سُوَدَّةُ الْبَقَةِ (٢٧،٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحافظ أبو بكرة(١) بن مردویه: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر بن محمد بن حرب،
وأحمد بن محمد (الجوري)(٢)؛ قالا: حدثنا محمد بن عبيد الكندي، حدثنا عبد الرزاق بن عمر
البزيعي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن
النبي ◌َّر في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال: من الحيض والغائط، والنخاعة والبزاق.
هذا حديث غريب. وقد رواه الحاكم في ((مستدركه)) عن محمد بن يعقوب، عن الحسن بن
علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، به. وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)).
وهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أبو حاتم ابن حبان
البستي: ((لا يجوز الاحتجاج به)).
قلت: والأظهر أنَّ هذا من كلام قتادة كما تقدم. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين
من الموت والانقطاع، فلا آخر له، ولا انقضاء؛ بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام. والله
المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد کریم (بر)(٣) رحيم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيٍ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن ◌َّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اَللَّهُ بِهَذَا مَثَلاَ يُضِلُّ بِهِ،
كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ،
وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِةَ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
قال السُّدِّيُّ في («تفسيره))(٤) عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن
ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني: قوله
(تعالى)(٥): ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِىِ أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ ... ﴾
[البقرة: ١٩] الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال؛
فأنزل الله هذه الآية إلى قوله (تعالى)(٥): ﴿هُمُ الْخَسِرُونَ﴾.
(١) في ((تفسيره)). وعزاه له السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٩/١) وقال: ((أخرج الحاكم وابن مردويه وصححه))
ولعل الصواب: ((الحاكم وصححه وابن مردويه)).
ولم أقف عليه في ((المستدرك)) فالله أعلم.
وأخرجه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (٢٠٤) قال: نا محمد بن عبيد، نا عبد الرزاق بن عمر بسنده سواء،
وأخرجه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣٦٣) من طريق محمد بن عبيد مثله. وذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة
((البزيعي)) (٦٠٨/٢، ٦٠٩) وقال: ((أخطأ))؛ يعني: في رفعه. وقال الحافظ في ((الفتح)) (٣٢٠/٦): ((لا يصح
إسناده)) وهو الصواب. وكأنه نسي هذا التحقيق فقال في ((التغليق)) (٤٩٩/٣): ((إسناده لا بأس به)) !!
(٢) في (ن): ((الخواري))، في (ج): ((الجوازي))! وهو أحمد بن محمد بن جوري، ترجمه الخطيب في ((تاريخه))
(٤ / ٤١٠) وقال: ((في حديثه غرائب ومناكير)).
(٣) ساقط من (ج).
(٤) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٤)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٣) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٥) من (ن).

٣١٤
سُورَةُ الََّقَرَّة (٢٧،٢٦)
وقال عبد الرزاق(١)، عن معمر، عن قتادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قال
المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله (تعالى)(٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيٍ أَن
يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً﴾ .
وقال سعيد(٣)، عن قتادة: أي إن الله لا يستحي من الحق أن يذكر شيئاً ما قل أو كثر، وإن الله
حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا! فأنزل الله ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَسْتَخِىٌ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةُ فَمَا فَوْقَهَا﴾ .
قلت: العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك؛ وعبارة رواية
سيعد عن قتادة أقرب. والله أعلم.
وروى ابن(٤) جريج، عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن، وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي، وقتادة.
وقال أبو جعفر(٥) الرازي، عن الربيع بن أنس في هذه الآية - قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا
أن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت؛ وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضُرب لهم المثل
في القرآن: إذا امتلئوا من الدنيا (رياً)(٦) أخذهم الله (تعالى)(٧) عند ذلك؛ ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا
ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ (حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُو٢)﴾(٨) [الأنعام: ٤٤].
هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية
بنحوه. فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول.
وقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي؛ لأنه أمس بالسورة؛ وهو مناسب.
ومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي ((أي: لا يستنكف. وقيل: لا يخشى، أن يضرب
مثلاً ما؛ أي: أي مثل كان بأي شيء كان صغيراً كان أو كبيراً)).
و((ما)) هاهنا للتقليل (زائدة)(٩) وتكون ((بعوضةً)) منصوبةً على البدل، كما تقول: لأضربن ضرباً
ما؛ فيصدق بأدنى شيء، (١٠) [أو تكون ((ما)) نكرةً موصوفةً ببعوضة](١٠).
واختار ابن جرير أن ((ما)» موصولة، و((بعوضة)) معربة بإعرابها؛ قال: وذلك سائغ في كلام
العرب أنهم يعربون صلةً ((ما)) و((من)) بإعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفةً تارةً ونكرةً أخرى، كما قال
حسان بن ثابت:
(١) في (تفسيره)) (٤١/١) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٨)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٤) وعزاه السيوطي في (الدر)) (١/
٤١) لعبد بن حميد وابن المنذر. [وسنده صحيح].
(٢) من (ج)، وفي (ك): (رَّ)).
(٣) أخرجه ابن جرير (٥٥٧) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (٥٦١) [وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].
(٥) أخرجه ابن جرير (٥٥٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٧١). [وسنده جيد].
(٦) ساقط من (ك).
(٨) من (ج).
(١٠) ساقط من (ز) و(ي).
(٧) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٩) ساقط من (ز) و(ن) و(هـ).

٣١٥
سُورَةُ الْبََّقَةَ (٢٧،٢٦)
•
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حب النبي محمد إيانا
(يكفي)(١) بنا فضلاً على من غيرنا
قال: ويجوز أن تكون ((بعوضة)) منصوبةً بحذف الجار وتقدير الكلام: إن الله لا يستحي أن
يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها (٢)[وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء.
وقرأ الضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة (بعوضة)) - بالرفع(٣). قال ابن جني: وتكون صلةً لـ((ما))
وحذف العائد، كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] (أي على الذي هو أحسن)(٤).
وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئاً؛ (أي)(٥) (يعني)(٦) (بالذي هو قائل لك شيئاً)(٧)](٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فيه قولان : .
أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة؛ كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع:
نعم، وهو فوق ذلك - يعني: فيما وصفت. (٢)[وهذا قول الكسائي، وأبي عبيدة؛ (قاله)(٨)
الرازي(٩)، وأكثر](٢) (١٠) [المحققين.
(١١) (وفي الحديث (١٢): (لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافراً منها شربة ماء)))(١١)] (١٠).
(١) كذا في (ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ)؛ وفي (ج) و(ي): ((فكفى))؛ وفي (ز): (وكفى)) وهو الموافق لما في
(تفسير الطبري)) (٤٠٤/١).
(٢) ساقط من (ز).
(٤) ساقط من (ج)؛ وفي (ك): ((أي على الذي أحسن هو أحسن)).
(٦) من (ج) و(ك) و(ن).
(٥) ساقط من (ك).
(٧) ساقط من (ك).
(٩) في ((تفسيره)) (١٤٨/١، ١٤٩).
(١١) ساقط من (ك).
(٣) [وهي قراءة شاذة].
(٨) كذا في (ن). وفي جميع الأصول: (قال)).
(١٠) ساقط من (ز).
(١٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)؛ والعقيلي في ((الضعفاء)) (٤٦/٣)؛ وابن عدي في ((الكامل)) (١٩٥٦/٥)؛ وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٢٥٣/٣)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (٣٢٥/٧) عن عبد الحميد بن سليمان.
وابن ماجه (٤١١٠)؛ والحاكم (٣٠٦/٤)؛ والبيهقي في ((الشعب)) عن زكريا بن منظور. والطبراني في
(الكبير)) (ج ٦ / رقم ٥٩٢١) عن زمعة بن صالح ثلاثتهم عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعاً. فذكره.
قال الترمذي: «هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه)).
(*) قلت: الرواة الثلاثة عن أبي حازم ضعفاء. وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)! فرده الذهبي بقوله:
(زكريا ضعفوه)) ولكن للحديث شاهد عن أبي هريرة أخرجه البزار (٣٦٩٣)؛ وابن عدي (٢٢٣٥/٦)؛
والقضاعي في (مسند الشهاب)) (١٤٤٠) وفي إسناده صالح مولى التوأمة وكان اختلط؛ وأخرجه ابن أبي
الفوارس في ((المنتقى من حديث المخلص)) (ق٢/١٠٥)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٧/ رقم ١٠٤٧٠) من
طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأبو معشر ضعيف. ثم وقفت له على طريق
آخر صحيح. أخرجه ابن بشران في (الأمالي (ج٢٢/ ق٢٤١/ ٢) قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن
عبد الله بن زياد القطان ثنا محمد بن بشر، ثنا أحمد بن حاتم، ثنا محمد بن عجلان، ثنا سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وهذا سند صحيح، ولم يذكره كل من تكلم على الحديث
ممن وقفت عليهم فلله الحمد. وأبو سهل القطان ثقة، مترجم في (تاريخ بغداد)) (٤٥/٥، ٤٦)، ومحمد بن
بشر هو ابن مطر أبو بكر الوراق، ترجمه الخطيب (٩٠/٢) ونقل عن إبراهيم الحربي: (صدوق لا يكذب))
وقال الدارقطني: (ثقة)). وأحمد بن حاتم هو ابن يزيد الطويل، ترجمه الخطيب أيضاً ونقل توثيقه عن
عبد الله بن أحمد والدارقطني وابن معين، وبقية رجاله ثقات معروفون. وله طرق أخرى عن أبي هريرة
وشواهد عن الصحابة ذكرتها في ((التسلية)).

٣١٦
سُورَةُ الْبََّقَة (٢٧،٢٦)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
والثاني: فما فوقها: فما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة؛ وهذا
(١) [قول قتادة بن دعامة، و](١) اختيار ابن جرير؛ (١) [(ويؤيده)(٢) ما رواه مسلم (٣) عن عائشة مؤثرًا
أن رسول الله وَ﴿ قال: «ما من مسلم يشاك شوكةً فما فوقها إلا کتب له بها درجة، ومحيت عنه بها
خطيئة))](١)؛ فأخبر أنه لا يستصغر شيئاً يضرب به مثلاً؛ ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة،
(٤) [وكما (لم)(٥) يستنكف عن خلقها، كذلك (لا)(٦) يستنكف من ضرب المثل بها](٤)، كما ضرب
المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُمْ إِنَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَّ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الظَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ
(مَ﴾ [الحج] وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْمَنْكَبُوتِ أَتَّخَذَتْ
(١) [العنكبوت] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ
بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
كَيَّفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَتِبَةُ كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرَّعُهَا فِ السَّمَاءِ ﴿٣ تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
بِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَأُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
اجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
اُلْأَخِرَةُ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ (٨)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا
غَمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية [النحل: ٧٥] ثم قال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
تَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهِهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ
يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِّ﴾ الآية [النحل: ٧٦] كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن
مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٨].
وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ ... ﴾ الآية [الزمر: ٢٩].
﴾ [العنكبوت].
وقد قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ
وفي القرآن أمثال كثيرة.
قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأن الله
وقال مجاهد (في)(٨) قوله (تعالى) (٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِىءٌ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَأَ﴾:
٤٣
(يقول)(٧): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ
الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها (٩).
وقال قتادة(١٠): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن ◌َّيِّهِمْ﴾ أي: يعلمون أنه كلام
الرحمن، وأنه من عند الله.
(١) ساقط من (ز).
(٢) في (ن): ((فإنه يؤيده)).
(٣) في ((صحيحه)) (٤٧/٢٥٧٢) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة مرفوعاً.
(٥) في (ن): (لا).
(٤) ساقط من (ز) و(ك).
(٦) في (هـ): ((لم)).
(٧) في (ن): ((قال)).
(٨) من (ن).
(٩) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].
(١٠) أخرجه ابن جرير (٥٦٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٧) من طريق يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة
وسنده صحيح.

٣١٧
سُورَةُ الْبَقَةَ (٢٧،٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروى(١) عن مجاهد، والحسن، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وقال أبو العالية (٢): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ﴾ يعني: هذا المثل ﴿وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ كما قال في سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعَْبَ أَلَّارِ
إِلَّا مَلَتِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَأْ وَلَا يَابَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونٌّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّهَضُ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللّهُ مَن ◌َيْنَاءُ وَيَهْدِى مَنْ
يَشَ، وَمَا يَعْلَمُ جُنُوَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَّ﴾ [المدثر: ٣١].
وكذلك قال هاهنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِةَ إِلَّا الْفَسِفِينَ﴾.
وقال السدي في ((تفسيره))(٣)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة،
عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾ يضل به كثيراً؛ يعني (به)(٤)
المنافقين؛ ﴿وَيَهْدِى﴾ كثيراً؛ يعني (به)(٢) المؤمنين؛ فيزيد هؤلاء ضلالةً إلى (ضلالتهم)(٥)؛
لتكذيبهم بما قد علموه حقاً يقيناً من المثل الذي ضربه الله (بما ضرب لهم)(٦)، وأنه لما
(ضربه)(٧) له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به. ويهدي به - يعني: بالمثل - كثيراً من أهل
الإيمان والتصديق؛ فيزيدهم هدى إلى هداهم، وإيماناً إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقاً
يقيناً أنه موافق لما ضربه الله له مثلاً، وإقرارهم به؛ وذلك هداية من الله لهم به.
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِةِ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ قال: هم المنافقون. وقال أبو العالية(٨): ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا
الْفَسِقِينَ﴾ قال: هم أهل النفاق، وكذا قال الربيع(٩) بن أنس.
وقال ابن جريج(١٠)، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ قال: يقول
يعرفه الكافرون فیکفرون به.
وقال قتادة(١١): ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ فسقوا، فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم (١٢): حدثت، عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة،
عن مصعب بن سعد، عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾ يعني: الخوارج.
وقال شعبة (١٣)، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي، فقلت: قوله
(١) هذه الآثار عند ابن جرير (٥٦٤ - ٥٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٩). [وأسانيدها ما بين صحيح وجيد].
(٣) ومن طريقه ابن جرير (٥٦٧) [وسنده ضعيف].
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٦) بسند حسن.
(٤) من (ن).
(٥) في (ز): ((ضلالهم)).
(٦) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(هـ): ((لما ضرب له))؛ وفي (ع) و(ي): ((بما ضرب له)).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣). [وسنده جيد].
(٧) في (ن): ((ضرب)).
(٩) أخرجه ابن جرير (٥٧٠).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٧) وفيه عنعنة ابن جريج. [وسنده ضعيف].
(١١) أخرجه ابن جرير (٥٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٢٨٦) من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وسنده
صحیح.
(١٢) في ((تفسيره)) (٢٨٢) وسنده ظاهر الضعف.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٨، ٢٩٣) من طرق، عن شعبة بسنده سواء.
وأخرجه البخاري (٤٢٥/٨)؛ والنسائي في ((التفسير)) (٣١٣)؛ وابن أبي حاتم (٢٩٦) مختصراً من طريق =

٣١٨
• سُوَرَّةُ الْبَقَةُ (٢٧،٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾ إلى آخر الآية؛ فقال: هم الحرورية.
وهذا الإسناد (إن)(١) صح عن سعد بن أبي وقاص ظه، فهو تفسير على المعنى، (لا)(٢) أن
الآية أريد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على علي بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا
حال نزول الآية؛ وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج، لخروجهم،
عن طاعة الإمام، والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضاً. وتقول العرب: فسقت الرطبة، إذا خرجت
من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة لخروجها عن جحرها للفساد.
وثبت في ((الصحيحين))(٣) عن عائشة: أن رسول الله وسلم قال: ((خمس فواسق يقتلن في الحل
والحرم: الغراب والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور))؛ فالفاسق يشمل الكافر
والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد به من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم؛
بدليل أنه وصفهم بقوله (تعالى)(٤): ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اَللَّهُ
بِهِ، أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد:
﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ اَلُّْ كَمَنْ هُوَ أَعْمَّ إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴿﴿ الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَقُضُونَ الْمِيثَقَ ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَّءَ الْحِسَابِ
الآيات، إلى أن قال: ﴿وَلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَلَمْ سُوَّهُ الدَّارِ (٣٥)﴾ [الرعد].
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه؛ فقال بعضهم:
هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من
معصيته في كتبه وعلى لسان رسله؛ ونقضهم ذلك: هو تركهم العمل به.
وقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم؛ وعهد الله الذي نقضوه هو ما
أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد وهطهر إذا بعث، والتصديق به وبما
جاء به من عند ربهم؛ ونقضهم ذلك: هو جحودُهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك،
وكتمانهم علم ذلك (عن)(٥) الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا
شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي ﴿هَلْ نُلَِّكُمْ بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا﴾ [الكهف: ١٠٣] هم
=
الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً وَله، وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا:
لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين.
(١) هكذا في كل ((الأصول)) ووقع في بعض النسخ المطبوعة ((وإن)) بزيادة الواو والفرق بينهما واضح، ولا شك
أن هذا التفسير صح عن سعد بن أبي وقاص كما مرَّ بك، وكأن اللائق بعلم ابن كثير كْتُ أن تكون العبارة
(وإن) لأن صحة هذه الأسانيد لا تخفي على مثله إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
(٢) في (ج): ((إلا)) وقد أفسد المعنى.
(٣) أخرجه البخاري (٣٤/٤ و٣٥٥/٦)؛ ومسلم (٦٨/١١٩٨، ٧٠، ٧١).
(٤) من (ن).
(٥) كذا في (ج) و(ل) و(هـ)، وسقط من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ). ووقع في (ك): ((من)) وأشار إليها في (ي).

٣١٩
سُورَةُ الْبَرَّة (٢٧،٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يكتمونه؛ فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً.
وهذا اختيار ابن جرير (١) كَُّهُ، و(هو)(٢) قول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في
توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته؛ وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله
من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي (بمثلها)(٣)، الشاهدة لهم على
(صدقهم) (٤)؛ قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم
الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق.
وروي عن مقاتل بن حيان (أيضاً)(٥) نحو هذا(٦). وهو حسن. (٧)[وإليه مال الزمخشري(٨)؛
فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد،
كأنه أمر وصَّاهم به](٧) .
(٩) [ووثقه عليهم؛ وهو معنى قوله (تعالى) (١٠): ﴿ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بٌَّ﴾
[الأعراف: ١٧٢] إذ أخذ الميثاق عليهم (في)(١١) الكتب المنزلة عليهم؛ كقوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفٍ
يَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]](٩) .
وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى: هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب
آدم الذي وصف في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ◌َادَمَ مِن ظُهُورِهِرِ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَّ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَّكُمْ قَالُواْ بَنُ شَهِدْنٌَّ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيتين. ونقضهم ذلك: تركهم الوفاء به.
وهكذا روي(١٢) عن مقاتل بن حيان أيضاً، حكى هذه الأقوال ابن جرير في ((تفسير)(١٣).
وقال أبو جعفر الرازي(١٤)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَشِرُونَ﴾ - قال: هي ست خصال من
المنافقين؛ إذا كانت فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا
وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن
يوصل، وأفسدوا في الأرض؛ وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا
كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا.
وكذا قال الربيع بن أنس(١٥) أيضاً.
(١) في «تفسيره)) (٤١٠/١، ٤١١).
(٢) من (ج) و(هـ) و(ي).
(٣) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي): ((بمثله)).
(٤) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي): ((صدقه)).
(٥) ساقط من (ز).
(٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان].
(٨) في ((الكشاف)) (٤٨/١).
(٧) ساقط من (ز) و(هـ).
(١٠) من (ن).
(٩) ساقط من (ز) و(هـ).
(١١) كذا في (ج) و(ي)؛ وفي (ك) و(ل) و(ن): ((من)). (١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥) [بسند جيد].
(١٣) (٤٤١/١، ٤١٢).
(١٥) أخرجه ابن جرير (٥٧٣).
(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٩). [وسنده جيد].

٣٢٠
• سُورَةُ البَفَة (٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال السدي في «تفسيره))(١) بإسناده. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾
قال: هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه.
وقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اَللَّهُ بِهِةٍ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره
قتادة (٢)؛ كقوله (تعالى)(٣): ﴿فَهَلْ عَسَيِّتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَزْحَامَكُمْ
[محمد] ورجحه ابن جرير (٤).
وقيل: (المراد) (٥) أعم من ذلك؛ فكل ما أمر الله بوصله وفعله (قطعوه)(٦) وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان(٧) في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ قال: في الآخرة. وهذا كما
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك(٨)، عن ابن عباس: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل
(خاسر)) فإنما يعني به الكُفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير(٩) في قوله (تعالى)(١٠): ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ (الخاسرون)(١١) جمعُ
خاسرٍ، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته،
بأن يوضع من رأس ماله في بيعه. وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي
خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته. يقال منه: خسر الرجل يخسر خسراً وخسراناً
وخساراً، كما قال جرير بن عطية(١٢):
أولاد قوم خلقوا أقنَّه
إن سليطاً فى الخسار إنه
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَقْوَتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ ثُرْجَمُونَ
يقول تعالى: محتجّاً على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ
بِاللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره؟ ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ﴾ أي: وقد
كنتم عدماً فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴿ أَمْ
خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ (٣)﴾ [الطور] وقال (تعالى)(١٣): ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ
الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾﴾ [الإنسان] والآيات في هذا كثيرة.
وقال سفيان الثوري(١٤): عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود څته:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩١) عن السدي قوله، وعادة ابن أبي حاتم أنه يختصر إسناد السدي في ((تفسيره)
فلينتبه لذلك.
(٢) أخرجه ابن جرير (٥٧٤) بسند صحيح.
(٤) في ((تفسيره)) (٤١٦/١).
(٦) في (ن): ((فقطعوه)).
(٨) أخرجه ابن جرير (٥٧٥) بسند ضعيف.
(١٠) من (ن).
(١٢) هو في ديوانه (٥٩٨). وانظر ((تفسير الطبري)) (٤١٧/١).
(١٣) من (ن).
(٣) من (ز) و(ن).
(٥) من (ن).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٨) [بسند جيد].
(٩) في ((تفسيره)) (٤١٧/١).
(١١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(١٤) أخرجه ابن جرير (٥٧٧)؛ وابن أبي حاتم (٣٠١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان الثوري به؛ =