Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١
• سُوَّةُ الْبَقَةِ (٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن
جدته (نويلة)(١) بنت أسلم؛ قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا
مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله وقال قد استقبل البيت الحرام،
فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن (مستقبلوا)(٢)
البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أن رسول الله وَل حين بلغه ذلك قال:
((أولئك قوم آمنوا بالغيب)).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
١٣
﴿وَيُعِمُونَ الصَلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ
قال ابن عباس: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ أي: يقيمون الصلاة بفروضها(٣).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (إقامة)(٤) الصلاة: (إتمام)(٥) الركوع والسجود، والتلاوة،
والخشوع، والإقبال عليها فيها .
وقال قتادة(٦): (إقامة)(٧) الصلاة: المحافظة على مواقيتها (٨)[ووضوئها، وركوعها وسجودها.
وقال مقاتل(٩) بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها] (٨)، وإسباغ الطهور (فيها)(١٠)، وتمام
: وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٤/٢): ((رجاله موثقون)).
وإبراهيم بن جعفر ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٧/٦)، وترجمه البخاري في ((الكبير)) (٢٧٨/١/١،
٢٧٩)؛ وابن أبي حاتم (٩١/١/١) ونقل عن أبيه قال: ((هو صالح)) وأبوه جعفر بن محمود ذكره ابن حبان
في ((الثقات)) (١٠٧/٤)، وترجمه البخاري (١٩٩/٢/١)؛ وابن أبي حاتم (٤٨٩/١/١) ونقل عن أبيه قال:
((محله الصدق)) ووقع عندهما: ((مسلمة)) بدل ((سلمة)) وهذا الإسناد حسن، وهو أجود من الذي أورده
المصنف، لكن عذر المصنف في عدم إيراده، والله أعلم، أنه ليس فيه محل الشاهد الذي أورده من أجله
وهو قوله: ((أولئك قوم آمنوا بالغيب)).
(١) في (ن): ((بديلة)) وهو وجه في اسمها، ووجه ثان: ((تويلة)) بالتاء.
(٢) في (ز) و(ل) و(ن): ((مستقبلون)).
(٣) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس].
(٤) في (ج) و(ل): ((إقام)).
(٥) في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ): ((تمام)).
[وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ومعناه صحيح].
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٧٥) بسند صحيح.
وعزاه السيوطي في ((الدر)) (٢٧/١) لعبد بن حميد وحده.
(٧) في (ج): ((إقام)).
(٨) ساقط من (ج).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٦) من طريق محمد بن مزاحم أنبأ بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان وهذا سند
جيد، وبكير بن معروف متماسك، قال أحمد وأبو داود والنسائي: ((لا بأس به)) وضعفه أحمد في رواية
وابن المبارك، وقال ابن عدي: ((بكير بن معروف ليس بكثير الرواية، وأرجو أنه لا بأس به، وليس حديثه
بالمنكر جداً)). وهذا الذي قاله ابن عدي يتعلق بالأحاديث المرفوعة، والرجل فكان صاحب تفسير، اهتم به
وعانى عليه، ولا شك أنه في تفسيره أضبط وأحفظ، والله أعلم.
(١٠) أشار في (ج) و(ع) أنه وقع في نسخة: ((لها)).
٢٦٢
• سُورَةُ الْبَقَةُ (٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ◌َّ؛ فهذا إقامتها .
وقال علي بن أبي(١) طلحة وغيره(٢)، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ قال: زكاة
أموالهم .
وقال السدي(٣)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن
مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله وَّهِ: ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ قال: نفقة الرجل على
أهله. وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جويبر(٤)، عن الضحاك: كانت النفقات (قربات)(٥) يتقربون بها إلى الله على قدر
ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن
الصدقات هن الناسخات المثبتات.
وقال قتادة(٦): ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع
عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها .
واختار ابن جرير (٧) أن الآية عامة في الزكاة والنفقات؛ فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها
بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين - زكاةً (كان)(٨) ذلك، أو نفقة من
لزمته نفقته، من أهل (و)(٩) عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك، وغير ذلك؛
لأن الله تعالى عم وصفهم، ومدحهم بذلك. وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
قلت: كثيراً ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته،
وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه.
والإنفاق: هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات
والأهلون والمماليك، ثم الأجانب؛ فكل من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة، داخل في
قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾.
ولهذا ثبت في (الصحيحين))(١٠)، عن ابن عمر (﴿يا)(١١): أن رسول الله وَّير قال: ((بني
الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)).
والأحاديث في هذا كثيرة.
(١) أخرجه ابن جرير (٢٨٦) [وسنده ثابت].
(٢) أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه الطبري (٢٨٥)؛ وابن أبي حاتم (٧٧) قال: حدثني محمد بن أبي محمد،
عن عكرمة أو سعید بن جبير، عن ابن عباس نحوه، [وسنده حسن].
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٨٨) وهو حسن، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٨) من قول السدي.
[وسنده ضعيف لخلط السدي بين الأسانيد].
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٨٧) وجويبر تالف.
(٥) كذا في (ز)، وفي سائر ((الأصول)): ((قرباتاً)) !!
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وسنده صحيح.
(٨) في (ن): ((كانت))، وسقط اللفظ من (ل).
(٧) في (تفسيره)) (٢٤٤/١ - شاكر).
(٩) في (ز) و(ن): ((أو)).
(١١) من (ن).
(١٠) أخرجه البخاري (٤٩/١)، ومسلم (١٦/٢٢).
٢٦٣
• سُوَرَّةُ الْبََّقَةَ (٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء؛ قال الأعشى (١):
وإن ذبحت صلى عليها وزمزما
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها
وقال أيضاً(١):
وصلى على دنِّها وارتسم (٢)
وقابلها الريح في دنها
أنشدهما ابن جرير مستشهداً على ذلك.
وقال الآخر، وهو الأعشى أيضاً (١):
يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً
نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضى
يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر.
ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات
المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.
قال ابن جرير(٣): (وأرى) (٤) أن الصلاة (المفروضة)(٥) سميت صلاة لأن المصلي يتعرض
لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه (فيها)(٦) من حاجته(٧).
(٨) [وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان
(يمتدان)(٩) من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب. ومنه سمي المصلي، وهو (التالي)(١٠) للسابق
في حلبة الخيل. وفيه نظر.
وقيل: هي مشتقة من ((الصِلي))، وهو الملازمة للشيء، من قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَهَا﴾ [الليل:
١٥] أي: لا يلزمها ويدوم فيها، ﴿إِلَّا الْأَثْقَى﴾ [الليل: ١٥].
وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوِّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ
الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَّرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. واشتقاقها من الدعاء
أصح وأشهر. والله أعلم](٨).
وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله (تعالى)(١١).
(١) هو في ((ديوانه)) (ص٢٩٣) و(ص٣٥) و(ص١٠١).
(٢) في حاشية (ج): ((ارتسم؛ أي: كبر ودعا لها. قالها الجوهري)).
(٣) في ((تفسيره)) (٢٤٣/١ - شاكر).
(٤) في (ن): ((وروى) وأشار في الحاشية أنه وقع في نسخة: ((أرى)).
(٥) ساقط من (ن).
(٦) ساقط من (ز) و(ن) وهو الموافق لما في ((تفسير ابن جرير)).
(٧) عند ((ابن جرير)) بعدها: ((تعرض الداعي بدعائه ربه استنجاح حاجته وسؤله)).
(٨) ساقط من (ز).
(٩) في (ج) و(ل): ((ممتدان)) .
(١٠) في (ج): ((الثاني)).
(١١) من (ن).
٢٦٤
• سُوَّةُ الَّقَةُ (٤)
00000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
﴿وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِآلْكَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾﴾.
قال ابن(١) عباس: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزَلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أي: (يصدقونك)(٢) بما جئت
به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به
من ربهم.
وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان، وإنما سميت
الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا .
وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ ﴾﴾ [البقرة] ومن هم؟ على ثلاثة أقوالٍ
حكاها ابن جرير(٣):
أحدها: أن الموصوفين أولاً هو الموصوفون ثانياً، وهم كل مؤمن؛ مؤمنوا العرب و(مؤمنو) (٤)
أهل الكتاب وغيرهم؛ قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.
والثاني: هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب.
وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: ﴿سَبِجِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى
اُلَّذِىِ خَلَقَ فَسَوَى ﴿ وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ وَالَّذِىّ أَخْرَجَ اٌلْعَىِ ؟ فَجَعَلَمُ غُثَةَ أَحْوَى جَ﴾ [الأعلى] وكما
قال الشاعر(٥):
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.
والثالث: أن الموصوفين أولاً مؤمنو العرب، والموصوفون ثانياً بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ
إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾﴾ (مؤمنوا)(٦) أهل الكتاب. نقله السدي(٧) في ((تفسيره))
عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة.
واختاره ابن جرير (تَّتُهُ)(٨)، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩].
﴿﴿ وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالْوَاْ ءَامَنَا بِهِ إِنَّهُ
وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ
الْحَقُّ مِن ◌َّيِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّبِئَةَ
وَمَا رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ (@)﴾ [القصص] وبما ثبت في ((الصحيحين))(٩) من حديث الشعبي، عن أبي
(١) أخرجه ابن جرير (٢٨٩)؛ وابن أبي حاتم (٨٠) من طريقين عن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فيما
حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. [وسنده حسن].
(٢) في (ز) و(ن) و(هـ): ((يصدقون)).
(٣) في ((تفسيره)) (٢٤٥/١).
(٤) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٥) والبيت في ((خزانة الأدب)) (٤٠٧/١) غير منسوب. وانظر ((شواهد الكشاف)) (١٨/١).
(٦) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٨) من (ن).
(٧) أخرجه ابن جرير (٢٩٢) [وسنده ضعيف].
(٩) [أخرجه الشيخان من طريق الشعبي به (صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله (ح٩٧)؛ =
٢٦٥
• سُورَةُ الْبَقَةُ (٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بُردة، عن أبي موسى - أن رسول الله وَالر قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل
الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي. ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه. ورجل أدب جاريته فأحسن
تأديبها ثم أعتقها وتزوجها)).
وأما ابن جرير(١) فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله (تعالى)(٢) وصف
في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: (منافق،
وكافر)(٣)، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي.
قلت: والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري (٤)، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير(٥) واحد
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - أنه قال: أربع آيات من (أول) (٦) سورة البقرة في نعت
المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، (وثلاث عشرة)(٧) في المنافقين؛ فهذه الآيات الأربع عامات
في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه
الصفات بدون الأخرى؛ بل كل واحدة مستلزمة للأخرى، وشرط معها؛ فلا يصح الإيمان
بالغيب، وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول ({َ﴿)(٨)، وما جاء به من قبله
من الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)(٩) والإيقان بالآخرة؛ كما أن هذا لا يصح إلا
(بهذاك) (١٠) .
وقد أمر الله المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَلْكِنَبِ الَّذِى
نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
الْكِتَبِ إِلَّ ◌ِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُوَاْ ءَامَنَا بِلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا
وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ ... ) الآية [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّنَ
مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَةَ
وَاُلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨].
وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ زَيِّهِ،
وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَئِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال
(تعالى)(١١): ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] إلى غير ذلك من
= وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد (وَلوح ١٥٤)].
(٢) من (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(١) في ((تفسيره)) (٢٤٨/١، ٢٤٩).
(٣) في (ن): ((كافر ومنافق)).
(٤) أخرجه ابن جرير (٣١٦) من طريق سفيان بن وكيع قال: ثنا أبي، عن الثوري.
(٥) مثل عيسى بن ميمون، وشبل بن عباد المكي. أخرج ذلك ابن جرير (٣١٤، ٣١٥) وهو صحيح الإسناد،
وعزاه السيوطي في ((الدر)) (٢٣/١) للفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر.
(٧) في (ن): ((ثلاثة عشر))!
(٦) زيادة من (ن).
(٨) من (ز) و(ن) و(هـ).
(٩) من (ن).
(١٠) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ز) و(ن): ((بذاك))، وفي (ل): ((بذلك)).
(١١) يعني: ((صحيح البخاري)) ولكن المصنف تَُّ وهم في عزوه هذا اللفظ إلى البخاري، فليس عنده ((إذا
حدثكم أهل الكتاب)) وكأن المصنف كتب الحديث من حفظه فلفقه من حديثين كما يأتي وإنما الذي عند =
٢٦٦
• سُوَّةُ الْبَقَة (٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسوله وكتبه، لكن لمؤمني أهل الكتاب
خصوصية؛ وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم مفصلاً؛ فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلاً كان
لهم على ذلك الأجر مرتين. وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملاً، كما جاء في
((الصحيح)(١): ((إذا حدثكم أهل الكتاب (فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ولكن قولوا: ﴿ءَامَنَّا بِالَّذِىّ
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾)).
ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد ﴿﴿ أتم وأكمل، وأعمَّ
وأشمل، من إيمان من دخل منهم في الإسلام؛ فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية،
فغيرهم (قد)(٢) يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم. والله أعلم.
ـ@)﴾ .
﴿أُوْلَكَ عَ هُدَى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يقول الله تعالى: ﴿أُوْلَبِّكَ﴾ أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة،
والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان
بالدار الآخرة؛ وهو (يستلزم)(٣) الاستعداد لها من (العمل بالصالحات) (٤) وترك المحرمات. ﴿عَ
هُدَّى﴾ أي: على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى ﴿ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
وقال محمد بن إسحاق(٥)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن
ابن عباس: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّنْ زَّيِّهِمْ﴾ أي: على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم (به)(٦)؛
﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.
وقال ابن جرير(٧): وأما معنى قوله (تعالى) (٨): ﴿أُوْلَئِكَ عَ هُدَى مِنْ زَّيِّهِمْ﴾ .
فإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة، وسداد (بتسديد الله)(٩) إياهم،
وتوفيقه لهم.
وتأويل قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِعُونَ﴾ أي: المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله
بأعمالهم، وإيمانهم بالله وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما
أعد الله لأعدائه من العقاب.
وقد حكى ابن جرير(١٠) قولاً عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَ
البخاري: عن أبي هريرة به قال: ((كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل
=
الإسلام))، فقال رسول الله : ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل
إلينا ... الآية)).
(١) في (ن): ((فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم)).
(٢) ساقط من (ز) و(ل) و(ن).
(٤) في (ن): ((الأعمال الصالحة)).
(٣) في (ن): ((مستلزم)).
(٥) أخرجه ابن جرير (٢٩٣، ٢٩٤)؛ وابن أبي حاتم (٨٤ - ٨٨) من طريق سلمة بن الفضل، قال: حدثنا
محمد بن إسحاق به [وسنده حسن].
(٦) من (ن).
(٨) من (ن).
(١٠) في ((تفسيره)) (٢٤٨/١).
(٧) في ((تفسيره)) (٢٤٩/١).
(٩) في (ن): ((بتسديده)).
٢٦٧
• سُورَةُ الَّقَةَ (٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
هُدَىٍ مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله (تعالى)(١):
﴾ [البقرة: ٤] (الآية)(٢)، (٣)[على ما تقدم من الخلاف. وعلى
﴿وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾](٣). منقطعاً مما قبله، وأن يكون
مرفوعاً على الابتداء وخبره ﴿[أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِنْ زَّيِّهِمْ](٤) وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ واختار أنه عائد
إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب، لما رواه السدي عن أبي مالك، وعن
أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب
رسول الله ﴾. أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك
وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين: فقال: ﴿أُوْلَِّكَ عَلَى هُدَّى مِّنْ
رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة (المؤمنين)(٥) عامةً والإشارة
عائدة عليهم. والله أعلم.
وقد نقل (هذا)(٦) عن مجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة؛ رحمهم الله.
وقال ابن أبي(٧) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي،
حدثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن (أبي الهيثم) (٨) - واسمه سليمان بن (عبد)(٩)،
عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ◌َّير؛ وقيل له: يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجوا، ونقرأ
(من القرآن)(١٠) فنكاد أن نيأس، أو كما قال. قال: ((أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟
.﴾)) إلى
قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: ﴿الَّ ﴾ ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبٌ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ (
قوله تعالى: ﴿الْمُفْلِعُونَ﴾ هؤلاء أهل الجنة. قالوا: إنا نرجوا أن نكون هؤلاء، ثم قال: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ... ﴾ [البقرة: ٦] إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] هؤلاء أهل النار.
قالوا: لسنا هم يا رسول الله؟ قال: أجل))(١١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: غطوا (الحق)(١٢) وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم
(١) من (ز) و(ن).
(٣) ساقط من (ج).
(٢) من (ز).
(٤) ساقط من (ز) و(ن).
(٥) في (ز) و(ن): ((للمؤمنين)).
(٦) ساقط من (ن).
(٧) في ((تفسيره)) (٨٦) ورجاله ثقات غير ابن لهيعة، ففيه مقال مشهور.
(٨) في (ج) و(ل): ((أبي القاسم))! وهو تصحيف.
(٩) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي) وهو الموافق لما في تفسير ابن أبي حاتم ووقع في (ن) و(هـ):
((عبيد الله)) وكتب ابن المحب في حاشية (ج) وأشار إلى ((عبد)) صوابه ((عمرو)) وهو سليمان بن عمرو بن
عبيد أو عبد العتواري.
قلت: فكأنهم نسبوه إلى جده. والله أعلم.
(١٠) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في ((تفسير ابن أبي حاتم)) وسقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ)
و(ي).
(١١) [سنده ضعيف].
(١٢) في (ز): ((الكفر)) وهو خطأ واضح.
٢٦٨
سُورَّةُ الََّقَةُ (٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه؛ فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَوَ جَّتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوْ اْلْعَذَابَ الْأَلِيَمَ ﴾﴾ [يونس]
وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿وَلَبِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ
قِبْلَتَكَّ ... ) الآية [البقرة: ١٤٥] أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا
هادي له؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ
الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم، (ولا يهمدنك)(١) ذلك؛ ﴿فَإنََّا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾
[الرعد: ٤٠] ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢].
وقال علي بن أبي(٢) طلحة، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءُ عَلَيْهِمْ
®﴾ قال: كان رسول الله ﴿ يحرص أن يؤمن جميع الناس،
ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر
الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول.
وقال محمد بن(٣) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة - أو سعيد بن جبير -،
عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك،
﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ أُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا
ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف
يسمعون منك إنذاراً وتحذيراً، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟
وقال أبو جعفر(٤) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: نزلت هاتان الآيتان في
قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ
دَارَ الْبَوَارِ ﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: ٨
والمعنى الذي ذكرناه أولاً، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أظهر،
(ويفسره(٥) بقية) الآيات التي في معناها. والله أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم (٦) هاهنا حديثاً؛ فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح
(١) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ي)، ووقع في (هـ): ((يهدنك))، وفي (ن): ((يهمنك))، وسقط هذا اللفظ من
(ل).
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٩٧)؛ والطبراني في ((الكبير)) (ج١٢ /رقم ١٣٠٢٥)؛ والبيهقي في ((الأسماء والصفات))
(١٤٦) من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح [وسقط ذكره عند الطبري] عن علي بن أبي
طلحة، عن ابن عباس فذكره. [وسنده ثابت]. وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٨/١، ٢٩) لابن أبي
حاتم وابن مردويه .
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٩٥)؛ وابن أبي حاتم (٩٢) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق به وعزاه
السيوطي (٢٩/١) لابن إسحاق. [وسنده حسن].
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣) من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر الرازي به. [وسنده جيد].
وأخرجه ابن جرير (٢٩٨) من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس من قوله
ولم يذكر ((أبا العالية)).
(٥) في (ز) و(ن): ((يفسر ببقية)).
(٦) في ((تفسيره)) (٨٦) ومر الكلام عليه آنفاً .
٢٦٩
• سُؤَةُ الْبَقَةِ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المصري، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن
عبد الله بن عمرو؛ قال: قيل: يا رسول الله؛ إنا نقرأ من القرآن فنرجوا؛ ونقرأ فنكاد أن نيأس؛
فقال: ((ألا أخبركم))؟ ثم قال: ((﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
(4) هؤلاء أهل النار)). قالوا: لسنا (هم)(١) يا رسول الله. قال: ((أجل))(٢).
(٣) [وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أي: هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾
ويحتمل أن يكون ((لا يؤمنون)) خبراً؛ لأن تقديره إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى:
﴿َسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَّهُمْ أَمْ لَمْ نُذِرْهُمْ﴾ جملةً معترضةً. والله أعلم](٣) .
﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
قال السدي(٤): ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أي: طبع الله. وقال قتادة في هذا الآية: استحوذ عليهم
الشيطان؛ إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة؛ فهم لا
يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون(٥).
وقال ابن جريج(٦): قال مجاهد: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال (الطبع) (٧) ثبتت الذنوب على
القلب، فحفت به من كل نواحيه حتى تلتقى عليه، فالتقاؤها عليه: الطبع. والطبع: الختم.
قال ابن جريج(٨): الختم على القلب والسمع.
قال ابن جريج(٩): وحدثني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهداً يقول: الران أيسر من الطبع،
والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد (من)(١٠) ذلك كله.
وقال الأعمش (١١): أرانا مجاهد بيده؛ فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه - يعني:
الكف، فإذا أذنب العبد ذنباً ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع
أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه
بطابع .
وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين. ورواه ابن جرير (١٢)، عن أبي كريب، عن وكيع،
عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.
(١) في (ن): ((منهم)) .
(٢) [سنده ضعيف].
(٣) ساقط من (ز).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٧) عن السدي، عن أبي مالك قوله. وسنده حسن.
(٥) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة].
(٦) أخرجه ابن جرير (٣٠٢)؛ وابن أبي حاتم (٩٩) من طريق حجاج بن محمد، ثنا ابن جريج، عن مجاهد.
وابن جريج مدلسٌ، ولم يسمع من مجاهد إلا حرفاً واحداً.
(٧) ساقط من (ز).
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٠٢ - ٣٠٦).
(٩) أخرجه ابن جرير (٣٠٣) وسندهُ قويٍّ.
(١٠) من (ن).
(١١) أخرجه ابن جرير (٣٠٠) من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمش. وسنده حسن.
(١٢) في ((تفسيره)) (٣٠١).
٢٧٠
سُورَةُ الْبَوَّة (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن جرير(١): وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ إخبار من الله
عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق؛ كما يقال: إن فلاناً (لأصم)(٢)
عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبراً؛ قال: وهذا يصح؛ لأن الله
(تعالى)(٣) قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
(٤) [قلت: وقد أطنب الزمخشري(٥) في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا، وتأول الآية من خمسة
أوجه؛ وكلها ضعيفة جداً، وما (حداه)(٦) على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها
عن وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده؛ ولو فهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُواْ
أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله: ﴿وَنُقَلِبُ أَقِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ
فِي ◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ (19)﴾ [الأنعام] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على
قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقاً على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق؛ وهذا عدل
منه تعالى حسن، وليس بقبيح، فلو أحاط علماً بهذا لما قال ما قال والله أعلم.
قال القرطبي (٧): وأجمعت الأمة على أن الله (تعالى)(٨) قد وصف نفسه بالختم والطبع على
قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم، كما](٤) (٩) [قال: ﴿بَلْ طَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]
وذكر حديث تقليب القلوب(١٠)، و((يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك))(١١)](٩).
(١) في «تفسيره)) (١/ ٢٦٠).
(٢) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في ((تفسير الطبري))؛ وفي (ن): ((أصم))؛ وفي
(ك): ((لأهتم» !!
(٣) من (ن).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) في (الكشاف)) (٢١/١).
(٦) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ن): («جرأه)).
(٧) في ((تفسيره)) (١٨٧/١).
(٨) كذا في (ك) وهو الموافق لما في ((القرطبي))، ووقع في (ن): ((رَّ)) ولم يذكر لا هذا ولا ذاك في (ج)
و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٩) ساقط من (ز).
(١٠) يعني حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً: ((مثل القلب مثل ريشة، تقلبها الرياح بفلاة)). أخرجه ابن ماجه
(٨٨)؛ وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٢٨) من طريق يزيد الرقاشي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى.
ويزيد الرقاشي واه، وخالفه سعيد الجريري، فرواه عن غنيم بن قيس قال: قال أبو موسى فذكره موقوفاً .
أخرجه أحمد في ((الزهد)» (ص١٩٩) قال: حدثنا إسماعيل، عن الجريري. وهذا سند جيد، وإسماعيل بن
علية سمع من الجريري قبل الاختلاط، وخالفه يزيد بن هارون فرواه عن الجريري به مرفوعاً. أخرجه أحمد
(٤١٩/٤)؛ وابن أبي عاصم (٢٢٧) ورواية إسماعيل أصح ويزيد سمع من الجريري في الاختلاط، ومما
يؤيد رواية الوقف أن علي بن مسهر رواه عن عاصم الأحول، عن أبي كبشة السدوسي، عن أبي موسى
قال: ((إنما سمى القلب لتقلبه ... إلخ)). أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٣/١) وتوبع علي بن مسهر.
تابعه عبد الله بن المبارك في ((الزهد)) (٣٥٨)، وعزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) للطبراني في ((الكبير))
وصححه قال الشارح المناوي في ((فيض القدير)) (٢/٣): ((قال العراقي: إسناده حسن)).
(١١) أخرجه النسائي في ((النعوت)) (٤١٤/٤ - الكبرى)؛ وابن ماجه (١٩٩)، وأحمد (١٨٢/٤)؛ وابن أبي
عاصم في ((السنة)) (٢١٩ - ٢٣٠)؛ وابن حبان (٢٤١٩ - موارد)؛ والحاكم (٢٨٩/٢ و٣٢١/٤)؛ والطبراني =
٢٧١
• سُورَةُ الْبَقَةُ (٧)
(١)[وذكر حديث حذيفة الذي في ((الصحيح))(٢) عن رسول الله وَ ير؛ قال: ((تعرض الفتن على
القلوب كالحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه
نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات
والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً ... ))
الحديث](١).
قال (ابن جرير)(٣): والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله وَّ ر؛ وهو ما
حدّثنا به محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة ؛ قال: قال رسول الله وَله: ((إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتةٌ
سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزع (واستغفر)(٤) صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك
الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلِّ رَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ [المطففين].
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي، والنسائي، عن قتيبة (عن)(٥) الليث بن سعد؛
وابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن
عجلان، به. وقال الترمذي: (((حدیث)(٦) حسن صحيح)).
ثم قال ابن جرير (٧): فأخبر (رسول الله)(٨) وَ ﴿ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها،
وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا
= في ((الدعاء)) (١٢٦٢)؛ والآجري في ((الشريعة)) (ص٣١٧) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، سمعت
بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان مرفوعاً: ((ما من قلب
إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه)) وكان رسول الله صل* يقول: ((يا مثبت
القلوب ثبت قلوبنا على دينك)) قال: ((والميزان بيد الرحمن يرفع أقواماً ويخفض آخرين إلى يوم القيامة)).
قال البوصيري في ((الزوائد)) (١/٨٧): ((هذا إسناد صحيح)) ونقل المناوي في ((فيض القدير)) (٤٩٣/٥) عن
العراقي أنه قال: ((إسناده جيد)) وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة يأتي تخريجها إن شاء الله تعالى
في تفسير سورة الأنفال الآية [٢٤].
(١) ساقط من (ز).
(٢) يعني: ((صحيح مسلم)) وهو في ((كتاب الإيمان)) (٢٣١/١٤٤).
(٣) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٣٠٤)؛ وأخرجه الترمذي (٣٣٣٤)؛ والنسائي في ((التفسير)) (٦٧٨)، وفي
((اليوم والليلة)) (٤١٨)؛ وابن ماجه (٤٢٤٤)؛ وأحمد (٢٩٧/٢)؛ وابن حبان (١٧٧١ - موارد)؛ وابن جرير
(٦٢/٣٠)؛ والآجري في ((الشريعة)) (١١١)؛ والحاكم (٥١٧/٢)؛ والبيهقي في ((الكبرى)) (١٨٨/١٠) وفي
(الشعب)) (٦٨٠٨)، وفي ((الآداب)) (١١٧٩)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٨٨/٥، ٨٩) من طرق عن
محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً. وسنده جيد.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)) وصححه الحاكم على شرط مسلم وفيه نظر، فإن مسلماً لم يحتج
بابن عجلان.
(٤) كذا في ((تفسير الطبري)) وسائر الكتب التي خرجت هذا الحديث، ووقع في سائر ((الأصول)): ((واستعتب)).
(٦) من (ج).
(٥) في (ن): ((و)) وهو خطأ فاحش.
(٧) في ((تفسيره)) (٢٦١/١).
(٨) من (ز) و(ن)، ووقع في (ك): ((النبي)) وضرب عليها الناسخ.
٢٧٢
• سُورَةُ الْبََّقَةُ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
للكفر (منها)(١) مخلص؛ فذلك هو الختم والطبع (٢)[الذي (ذكره الله في قوله)(٣): ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ (وَعَلَى سَمْعِهِةٌ) (٤)﴾ نظير الختم والطبع] (٢) على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي
لا يوصل إلى ما فيها إلا (بفض)(٥) ذلك عنها ثم حلها؛ فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من
وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد (فضه)(٦) خاتمه وحله رباطه (عنها)(٧).
واعلم أن الوقف التام على قوله (تعالى)(٨): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَعَ
أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾ جملة تامة؛ فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء -
تكون على البصر، كما قال السدي في («تفسيره)) (٩)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن
عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله وَّير في قوله:
﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ﴾ يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون. ويقول: ((وجعل على
أبصارهم غشاوة)) يقول: على أعينهم فلا يبصرون.
وقال ابن جرير(١٠): حدثني محمد بن سعد، حدثنا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن،
عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، والغشاوة على
أبصارهم.
قال(١١): وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين: يعني: ابن داود، وهو سُنيد، حدثني حجاج، وهو
ابن محمد الأعور، حدثني (ابن)(١٢) جريج؛ قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على
البصر؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِن يَشَمِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكْ﴾ [الشورى: ٢٤] وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ،
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةٌ﴾ [الجاثية: ٢٣].
قال ابن جرير: (ومن)(١٢) نصب ((غشاوةً)) من قوله تعالى: ﴿وَعَلَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾ يحتمل أنه
نصبها بإضمار فعل؛ تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوةً. ويحتمل أن يكون نصبها على الاتباع
على محل ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَحُرُ عِينٌ (19)﴾ [الواقعة].
وقول الشاعر :
تبناً وماء بارداً
(علفتها)(١٣)
حتى شتت همالةً عيناها
١٤) .
وقال الآخر"
(١) في (ز) و(ن): و((عنها)).
(٢) ساقط من (ك).
(٣) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وفي (ز) و(ن): ((ذكر في قوله تعالى)؛ وفي (هـ): ((قال الله)).
(٤) من (ن).
(٥) في (ل): ((بنقض)).
(٦) كذا في (ج) و(ي)؛ وفي (ز) و(هـ): ((فض))؛ وفي (ك) ((فض به))؛ وفي (ن): ((فظ))؛ وفي (ل): ((نقض)).
(٨) من (ز) و(ن).
(٧) ساقط من (ز).
(٩) أخرجه ابن جرير (٣٠٨)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٥) عن السدي قوله.
(١١) يعني: ابن جرير. وهو في ((تفسيره)) (٣٠٦).
(١٠) في «تفسيره)) (٣٠٥) وسنده ضعيف ...
(١٢) ساقط من (ج). [وسنده ضعيف لضعف سُنيد].
(١٣) في (ج) و(ك) و(ل) و(ي): ((فعلفتها)).
(١٤) نسبه القرطبي إلى عبد الله بن الزبعري، وهو في ((الكامل)) (١/ ٣٤٤) أيضاً.
٢٧٣
• سُوَرَّةُ الْبََّّة (٩،٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
متقلداً سيفاً ورمحا
ورأيت زوجك في الوغى
تقديره: وسقيتها ماءً بارداً. ومعتقلاً رمحاً.
لما تقدم وصفُ المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين
- شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. ولما كان أمرهم
يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة؛ كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة
فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفاً لأحوالهم لتجتنب
ويجتنب من تلبس بها أيضاً؛ فقال تعالى:
يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ
- ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي؛ وهو الذي يخلد صاحبه في
النار. وعملي؛ وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى)(١).
وهذا كما قال (ابن جريج)(٢): المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه،
ومشهده مغيبه(٣).
وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق؛ بل كان خلافه؛ من
الناس من كان يظهر الكفر مستكرهاً وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله وق لقه إلى المدينة،
وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنامَ على طريقة مشركي
العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء
الخزرج؛ وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس. فلما قدم رسول الله وعليه المدينة، وأسلم من أسلم
من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلَّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام عظاته، ولم
يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف؛ بل قد كان عليه (الصلاة) (٤)
والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرةً من أحياء العرب حوالي المدينة؛ فلما كانت وقعة بدر العظمى،
وأظهر الله كلمته، (وأعلا)(٥) الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي بن سلول - وكان رأساً في
المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا أن يملكوه عليهم،
فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه؛ فبقي في نفسه من الإسلام وأهله. فلما كانت وقعة بدر قال:
هذا أمر قد توجه؛ فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته،
وآخرون من أهل الكتاب؛ فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب.
فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد (نافق)(٦) (لأنه لم يكن أحد)(٧) يهاجر مكرهاً، بل يهاجر
(١) من (ز) و(ك) و(ن).
(٣) أخرجه ابن جرير (٣١٩) وسنده قوي.
(٥) في (ن): ((وأعز)).
(٧) ساقط من (ي).
(٢) في (ج): ((ابن جرير))!
(٤) من (ز) و(ن)؛ وفي (ك):(ََّ)).
(٦) من (ن).
٢٧٤
• سُوَّرَةُ الْبَقَة (٨، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(فيترك)(١) ماله وولده وأرضه رغبةً فيما عند الله فى الدار الآخرة.
قال محمد بن إسحاق(٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن
ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَثَا بِاللَّهِ وَبِلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ يعني: المنافقين من
الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم.
وكذا فسرها بالمنافقين (من الأوس والخزرج)(٣) أبو العالية والحسن، وقتادة، والسدي؛ ولهذا
نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض
من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر؛ وهذا من المحذورات
الكبار أن يظن بأهل الفجور خير؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَمَا
هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: يقولون ذلك قولاً ليس وراءه شيء آخر كما قال (تعالى)(٤): ﴿إِذَا جَاءَكَ
اُلْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (٥)﴾ [المنافقون: ١] أي: إنما يقولون ذلك
إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بـ((إن)) ولام التأكيد في خبرها، كما
أكدوا (قولهم) (٦): قالوا: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ وليس الأمر كذلك، كما (أكذبهم)(٧) الله
في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وبقوله: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: بظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم
الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه، كما
قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ كَمَا يَحْلِفُونَ
﴾ [المجادلة].
وَحْسَبُونَ أَهُمْ عَى شَّْ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ
ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا (يَخْدَعُونَ)(٨) إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾.
(٩) [يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون](٩) بذلك من
أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومن(١٠) القراء
من قرأ ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ﴾ وكلتا القراءتين ترجع إلى معنَّى واحد.
قال ابن جرير (١١): فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعاً، وهو لا يظهر
(١) في (ز): ((ويترك)).
(٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في (الدر المنثور)) (٢٩/١)، ومن طريقه ابن جرير (٣١٢)؛ وابن أبي حاتم
(١٠٤). [وسنده حسن].
(٣) ساقط من (ي).
(٤) من (ز) و(ن).
(٦) في (ن): ((أمرهم)).
(٥) من (ن).
(٧) في (ن): ((كذبهم)).
(٨) كذا في (ز) و(ل) و(ن) و(هـ) ووقع في (ج) و(ع) و(ك) و(ي): (يخادعون)) وهي قراءة نافع، وابن كثير،
وأبي عمرو بن العلاء.
(٩) ساقط من سياق (ج)، واستدركته من الحاشية. (١٠) وهم بقية السبعة دون من سميتهم آنفاً.
(١١) في (تفسيره)) (٢٧٣/١ - شاكر).
٢٧٥
• سُؤَدَّةُ الْبَقَةِ (١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقيةً؟ قيل: لا تمنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي
في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعاً، فكذلك المنافق سمي مخادعاً لله وللمؤمنين
بإظهار ما ظهره بلسانه تقية بما يخلص به من القتل (والسباء) (١) والعذاب العاجل، وهو لغير ما
أظهره مستبطن؛ وذلك من فعله وإن كان خداعاً للمؤمنين في عاجل الدنيا، فهو لنفسه بذلك من
فعله خادع؛ لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو
(مُوردها)(٢) حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، (ومُزيرها)(٣) من غضب الله وأليم عقابه
ما لا قبل لها به؛ فذلك خديعته نفسه ظنّاً منه، مع إساءته إليها في أمر معادها، أنه إليها محسن؛
كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إعلاماً منه عباده المؤمنين أن المنافقين
بإساءتهم إلى أنفسهم، في إسخاطهم عليها ربهم، بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا
دارين، ولكنهم على (عمياء) (٤) من أمرهم مقيمون.
ومقال ابن أبي(6) حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إلي، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا
محمد بن ثور، عن ابن جريج - في قوله تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ﴾ - قال: يظهرون لا إله إلا الله،
يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.
وقال سعيد(٦)، عن قتادة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ ﴾﴾ نعت المنافق عند كثير: خنع
الأخلاق، يصدق بلسانه، وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال، ويمسي على غيره،
ويمسي على حال، ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح (هب)(٧) معها.
﴿فِي قُلُوبِهِم ◌َرَشُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
.
قال السدي(٨)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن
ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب (النبي)(٩) وَ ﴿ في هذه الآية: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضِّ﴾ قال:
شك، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ﴾ قال: شكّاً.
وقال ابن إسحاق(١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَضٌ﴾ - قال: شك.
(١) في (ك) و(ن): ((السبي)).
(٢) في ((تفسير ابن جرير)): ((موردها به)).
(٣) في (ك): ((يزيدها)) وفي ((ابن جرير)): ((مذيقها)) وأثبت الشيخ محمود شاكر حفظه الله ما أثبته هنا عن هذا
الموضع وأزاره: يعني حمله على الزيارة، وهذا من باب السخرية بهم.
(٤) في (ن): ((عمي)).
(٥) في ((تفسيره)) (١٠٧) وسنده جيد.
(٦) هو سعيد بن أبي عروبة، والخبر أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٨) من طريق يزيد بن زريع، ثنا ابن أبي عروبة.
وسنده صحيح.
(٧) في (ن): ((هبت))، ووقع كذلك عند ((ابن أبي حاتم))، وهو خطأ فإن هذا الفعل عائد على ((المنافق)) والله
أعلم.
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٢٤) [وسنده ضعيف].
(٩) في (ن) و(هـ): ((رسول الله)).
(١٠) أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه ابن جرير (٣٢٢)؛ وابن أبي حاتم (١١٢، ١١٤) [وسنده حسن].
٢٧٦
• سُورَةُ الْبَقَة (١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.
وعن عكرمة، وطاوس: ﴿فِ قُلُوبِهِم قَرَضُ﴾ يعني: الرياء.
وقال الضحاك(١)، عن ابن عباس: ﴿فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ﴾ - قال: نفاق. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً﴾ -
قال: نفاقاً. وهذا كالأول.
وقال عبد الرحمن(٢) بن زيد بن أسلم: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضِّ﴾ قال: هذا مرض في الدين، وليس
مرضاً في الأجساد؛ وهم المنافقون. والمرض: الشكُّ الذي دخلهم في الإسلام.
﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ﴾ قال: زادهم رجساً؛ وقرأ: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] قال: شرّاً إلى
(٢٣٤)
شرهم، وضلالةً إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن تَخْتُهُ حسن، وهو الجزاء من جنس
العمل. وكذلك قاله الأولون؛ وهو نظير قوله تعالى أيضاً: ﴿وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَّى وَءَائَنْهُمْ تَقْوَنَّهُمْ
(٧)﴾ [محمد]ً .
(٣) [وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ وقرئ(٤) ((يُكذِّبون)). وقد كانوا متصفين بهذا وهذا؛ فإنهم
كانوا كذبة ويكذبون (بالحق)(٥)، يجمعون بين هذا وهذا.
وقد سئل القرطبي(٦) وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عليه (الصلاة)(٧) والسلام (٨)[عن قتل
المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبةً عن ذلك؛ منها ما ثبت في (الصحيحين))](٨)
أنه](٣) (٩) [(َّةٍ) (١٠) قال لعمر ظه: ((أكره(١١) أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه)).
ومعنى هذا خشية (أن يقع)(١٢) بسبب ذلك (تنفير) (١٣) لكثير من](٩). (١٤)[الأعراب عن
الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر؛ فإنهم إنما
يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمداً يقتل أصحابه](١٤).
(١) أخرجه ابن جرير (٣٢٣)؛ وابن أبي حاتم (١١١) وسنده ضعيف كما تقدم.
(٣) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٢) أخرجه ابن جرير (٣٢٥) وسنده صحيح.
(٤) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي جعفر، ويعقوب.
(٥) في (ن): ((بالغيب)).
(٦) كما في ((تفسيره)) (١٩٨/١، ١٩٩).
(٧) من (ن).
(٨) ساقط من (ك).
(١٠) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٩) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(١١) أخرجه البخاري (٥٤٦/٦؛ و٦٤٨/٨، ٦٥٢)، ومسلم (٦٣/٢٥٨٤)، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن
عبد الله قال: كنا مع النبي ◌َّ في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري:
ياللأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال رسول الله وَثقه: ((ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا: يا
رسول الله! كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: ((دعوها فإنها منتنة)) فسمعها عبد الله بن أبي
فقال: قد فعلوها، والله! لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال عمر: دعني أضرب عنق
هذا المنافق، فقال: ((دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)) واللفظ لمسلم. وأخرجه البخاري
في ((فرض الخمس)) (٢٣٨/٦) مختصراً.
(١٢) في (ج) و(ل): ((أن لا يقع)).
(١٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(١٣) كذا في (ج) و(ك) وفي (ل) و(ن): ((تغير)).
٢٧٧
سُورَةُ الْبَرَّة (١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [قال القرطبي(٢): وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة (قلوبهم)(٣) مع علمه
(بسوء)(٤) اعتقادهم.
قال ابن عطية(٥): وهي طريقة أصحاب مالك، نص عليه محمد بن الجهم، والقاضي
إسماعيل، (و)(٦) الأبهري (و)(٧) ابن الماجشون](١).
(٨) [ومنها: ما قال مالك (كَّتُهُ) (٩): إنما كف رسول الله وَّر عن المنافقين (ليسُن)(١٠) لأمته أن
الحاکم لا یحکم بعلمه.
قال القرطبي (١١): وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا
في سائر الأحكام] (٨).
(١٢) [قال (١٣): ومنها ما قال الشافعي: إنما منع رسول الله ◌َّ﴾ من قتل المنافقين ما كانوا
يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله.
ويؤيد هذا قوله عليه (الصلاة)(١٤) والسلام في الحديث المجمع على صحته في
((الصحيحين)) (١٥) وغيرهما: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله رَات)).
ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً؛ فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك
في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه (في الآخرة) (١٦) جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه
كان خليط أهل الإيمان: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَمْ نَكُن ◌َعَكُمْ قَالُواْ بَى وَلَكِتَّكُمْ فَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّنَّكُمُ
اُلْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللهِ﴾ الآية [الحديد: ١٤](١٢).
(١٧)[فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقّت المحقوقية تميزوا منهم، وتخلفوا بعدهم،
وحيل بينهم وبينهم، ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث (١٨)](١٧).
ومنها ما قاله بعضهم: إنه إنما لم يقتلهم؛ لأنه كان (لا يخاف)(١٩) من شرهم مع وجوده وَّل
بين أظهرهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيُقتلون إذا أظهروا النفاق، وعلمه
(١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٣) من (ج).
(٥) في ((تفسيره)) (١٧١/١).
(٦) ساقط من (ج). والأبهري هو الفقيه المحدث محمد بن عبد الله بن محمد أبو بكر، مترجم في (سير
النبلاء)) (٣٣٢/١٦).
(٧) في (ن): ((وعن)).
(٨) ساقط من (ز).
(١١) في ((تفسيره)) (١٩٨/١).
(١٠) في (ن): ((ليبين)).
(١٣) يعني ((القرطبي)) (٢٠٠/١).
(١٢) ساقط من (ز).
(١٤) من (ن).
(١٥) أخرجه البخاري (٢٦٢/٣؛ و٢٧٥/١٢؛ و٢٥٠/١٣)؛ ومسلم (٣٢/٢٠).
(١٧) ساقط من (ز).
(١٦) ساقط من (ن).
(١٨) وقد ذكر المصنف تَّتُهُ بعضها في سورة القلم عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢].
(١٩) في (ج): ((يخاف)).
(٢) في ((تفسيره)) (١٩٩/١).
(٤) في (ج): ((بشر)) .
(٩) من (ج) و(ل).
٢٧٨
• سُوَرَّةُ الْبَقَة (١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [المسلمون؛ قال مالك: المنافق في عهد رسول الله وَّل هو الزنديق اليوم.
قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر؛ هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق
بين أن يكون داعيةً أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء
نفسه، أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها ((كتاب
الأحکام)).
تنبيه: قول من قال: كان عليه (الصلاة)(٢) والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده
حديث(٣) حذيفة بن اليمان في تسمية](١). (١) [أولئك الأربعة عشر منافقاً في غزوة تبوك الذين
هموا أن يفتكوا برسول الله وَ﴿ في ظلماء الليل عند عقبة (هنالك) (٤) عزموا على أن ينفروا به
الناقة ليسقط عنها؛ فأوحى (الله)(٥) إليه أمرهم (وأطلع)(٦) على ذلك حذيفة. ولعلَّ الكف عن
قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها. والله أعلم.
فأما غير هؤلاء فقد قال الله (تعالى)(٥): ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌّ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ
مَرَدُواْ عَلَى النِفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].
وقال تعالى: ﴿ لَكِن لَّمْ يَدِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْحِفُونَ فِىِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ
(١)﴾ [الأحزاب]
بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٥) مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا
ففيها دليل على أنه لم يغر بهم، ولم (يدل)(٧) على أعيانهم؛ وإنما كان يذكر له صفاتهم
فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ
اَلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠].
وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك
الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا](١). (٨)[لما مات صلى عليه رسول الله وَل
وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين وقد عاتبه عمر بن الخطاب (﴿به)(٩) فيه، فقال: ((إني أكره
أن تتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه)) (١٠).
وفي رواية في ((الصحيح)) (١١): ((إني خيرت فاخترت)). وفي رواية (١١): ((لو أعلم أني لو زدت
على السبعين يغفر له لزدت))](٨) .
(١) ساقط من (ز).
(٣) أخرجه مسلم (٩/٢٧٧٩ - ١١).
(٥) من (ن).
(٦) في (ن): ((فاطلع)).
(٧) في (ن): ((يدرك))!
(٨) ساقط من (ز).
(٩) من (ن).
(٢) من (ن).
(٤) في (ن): ((هناك)).
(١٠) لم يقل النبي ﴿ هذا الكلام في هذا الموضع، فلعل قلم المصنف تَُّ سبقه، وقد مرت مناسبة هذا
الحديث منذ قليل. والله أعلم.
(١١) يعني: ((صحيح البخاري)) وقد رواه في ((الجنائز)) (٢٢٨/٣)؛ وفي ((التفسير)) (٣٣٣/٨).
٢٧٩
• سُورَةُ الْبَََةُ (١٢،١١)
أَلََّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
لَا يَشْعُونَ
وَلَكِ
قال السدي في ((تفسيره) (١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة
الطيب (الهمداني)(٢)، عن ابن مسعود، وعن أنس من أصحاب النبي وَله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا
نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾﴾ (قال: هم المنافقون)(٣).
أما ﴿لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.
وقال أبو جعفر(٤)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا
نُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من
عصى الله في الأرض، (أو)(٥) (بمعصية الله) (٦)، فقد أفسد في الأرض لأنَّ صلاح الأرض
والسماء بالطاعة.
وهكذا(٧) قال الربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن(٨) جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ قال: إذا ركبوا
معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن (على الهدى)(٩) مصلحون.
و(قد)(١٠) قال وكيع، وعيسى بن يونس، وعثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن
عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن سلمان الفارسي(١١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُوا فِى
اُلْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه (الآية)(١٢) بعد.
وقال ابن جرير (١٣): حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي،
عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان (الفارسي)(١٤) في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء.
(١) ومن طريقه: أخرجه ابن جرير في تفسيره)) (٣٣٩).
(٢) من (ز) و(ن).
(٣) من (ن) وحدها، وهو الموافق لما في ((تفسير الطبري)). [وسنده ضعيف].
(٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٠)؛ وابن أبي حاتم (١٢١) من طريقين عن أبي جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي
العالية. [وسنده جيد].
(٥) في (ج) و(ل): ((و)).
(٦) في (ن): (بمعصیته)).
(٧) ذكره ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٢٢).
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٤٢).
(٩) ساقط من (ج)، ووقع في (هـ): ((مصلحون على الهدى)) وأشار الناسخ إلى أنه وقع تقديم وتأخير في الكلام.
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) أخرجه ابن جرير (٣٣٧)؛ وابن أبي حاتم (١٢٣) من طريق ثلاثتهم عن الأعمش به وسنده ضعيف لضعف
عباد بن عبد الله ولكن تابعه زيد بن وهب وغيره عن سلمان الفارسي مثله.
أخرجه ابن جرير (٣٣٨) من طريق عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني الأعمش، عن
زيد بن وهب. وسنده ضعيف أيضاً وعبد الرحمن بن شريك وثقه ابن حبان ولكن وهاه أبو حاتم الرازي،
وأبوه شريك النخعي سيء الحفظ وانضمام أحد السندين إلى آخر يشعر أن للكلام أصلاً. والله أعلم.
(١٢) في (ك): ((الأمة)) !!
(١٤) ساقط من (ن).
(١٣) في ((تفسيره)) (٣٣٨).
٢٨٠
• سُوَرَّةُ الْبَقَةِ (١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان (﴿به)(١) أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً
من الذين كانوا في زمن النبي ◌َّر، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.
قال ابن جرير(٢): فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها
ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد (عملاً)(٣)
إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون
من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى
ذلك سبيلاً؛ فذلك إفساد المنافقين في (الأرض)(٤)، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون
فيها .
وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء؛ كما
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ
VP
· [الأنفال] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا نَتَّخِذُوا الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اٌلْمُؤْمِنِينُّ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَّحْمَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا قُِّينًا
(١٤٤)
[النساء].
ثم قال: ﴿إِنَّ اٌلْتُفِقِينَ فِى الذَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنَ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (٣)﴾ [النساء] فالمنافق لما
كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكان الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو
الذي غرَّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له؛ ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على
(حاله الأول)(٥) لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛
ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ قَالُوَاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾﴾ أي: نريد أن
نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين؛ ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء؛ كما قال محمد(٦) بن
إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا قِيلَ
لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾﴾ أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من
المؤمنين وأهل الكتاب.
يقول الله: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ ﴾﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه،
ويزعمون أنه إصلاح، هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فساداً.
] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ
.(@
وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: ﴿ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾ أي: كإيمان الناس بالله وملائكته،
(١) من (ن).
(٢) في ((تفسیرہ)) (٢٨٩/١، ٢٩٠).
(٣) كذا في كل ((الأصول)) وهو الموافق لما في ((تفسير الطبري))، ووقع في (ز): ((عمل)) بالرفع، على اعتبار أن
الفعل مبني لما لم يسم فاعله.
(٤) في ((الطبري)): ((أرض الله)).
(٥) في (ز) و(هـ): ((حالته الأولى)).
(٦) أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه: ابن جرير (٣٤١)؛ وابن أبي حاتم (١٢٤). [وسنده حسن].