Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال رسول الله وَّيقول: ((ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه منها إلَّا عدله، وما
من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم)) .
وكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد.
ففيه اختلاف لكن هذا في باب الترهيب مقبول(١)، والله أعلم.
لا سیما إن کان له شاهد من وجه آخر، کما :
قال أبو عبيد(٢): حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حدثت عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله وَل: ((عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد،
وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها)).
قال ابن(٣) جريج: وحدثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله وَلجر: ((من أكبر (ذنب) (٤)
توافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها)).
وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن
جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله إليه:
((عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم
أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)).
قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه.
(١) في هذا القول نظر، فلا يثبت وعيد إلا بنص صحيح، وقد قدمنا أن إسناد الحديث ضعيف جداً للضعف
والجهالة والاضطراب، نعم قد يستفاد الوعيد من ظاهر نصوص أخرى كما يأتي.
(٢) في ((فضائل القرآن)) (ص١٠٣) وسنده ضعيف معضل أو منقطع؛ ولكن أخرجه أبو داود (٤٦١)؛ والترمذي
(٢٩١٦)؛ وابن خزيمة (ج ٢ / رقم ١٢٩٧)؛ وأبو يعلى (ج٧/ رقم ٤٢٦٥)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (١٨١٤)؛
وفي «الكبرى» (٤٤٠/٢)؛ والخطيب في ((الجامع)) (١٠٩/١)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٦٤/٢)؛ وابن
الجوزي في ((الواهيات)) (١٠٩/١) من طريق عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن
عبد الله عن أنس. وقال الترمذي: ((غريب)) واستغربه البخاري أيضاً وأعله بالانقطاع بين المطلب وأنس،
وأعله الدارقطني بالانقطاع بين ابن جريج والمطلب. وقد اختلف فيه على عبد المجيد بن أبي رواد، وعلى
ابن جريج كما ذكرته في ((التسلية))، وأقوى الوجوه عندي ما رواه عبد الرزاق (ج٣/ رقم ٥٩٧٧) وعنه
الطبراني والخطيب في ((الجامع)) (١٠٨/١) عن ابن جريج، عن رجل عن أنس. والحديث على أي وجه
كان لا يصح والله أعلم.
(٣) في ((فضائل القرآن)) (ص١٠٣) وسنده ضعيف معضل أو منقطع؛ ولكن أخرجه أبو داود (٤٦١)؛ والترمذي
(٢٩١٦)؛ وابن خزيمة (ج ٢ /رقم ١٢٩٧)؛ وأبو يعلى (ج٧/رقم ٤٢٦٥)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (١٨١٤)،
وفي ((الكبرى)) (٤٤٠/٢)؛ والخطيب في ((الجامع)) (١٠٩/١)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٦٤/٢)؛ وابن
الجوزي في ((الواهيات)) (١٠٩/١) من طريق عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن
عبد الله عن أنس. وقال الترمذي: ((غريب)) واستغربه البخاري أيضاً وأعله بالانقطاع بين المطلب وأنس،
وأعله الدارقطني بالانقطاع بين ابن جريج والمطلب. وقد اختلف فيه على عبد المجيد بن أبي رواد، وعلى
ابن جريج كما ذكرته في ((التسلية))، وأقوى الوجوه عندي ما رواه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٧) وعنه
الطبراني والخطيب في ((الجامع)) (١٠٨/١) عن ابن جريج، عن رجل عن أنس. والحديث على أي وجه
كان لا يصح والله أعلم.
(٤) في (أ): ((ذنوب)).

١٠٢
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وحكى البخاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك.
(قلت): وقد رواه محمد بن يزيد الأدمي، عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن الزهري،
عن أنس، عن النبي ◌َّر به، فالله أعلم.
وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةٌ
ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٩) قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (٣٥) قَالَ كَذَلِكَ أَنْكَ
ءَّتُنَا فَنَسِنَها وَكَذَلِكَ الْيَّوْمَ نُسَى (٣٦)﴾ [طه].
وهذا الذي قاله هذا وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن
وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه.
ولهذا قال عليّ *: ((تعاهدوا القرآن)) وفي لفظ: ((استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصياً من صدور
الرجال من النعم)).
التفصي: التخلص، يقال: تفصى فلان من البلية إذا تخلص منها، ومنه: تفصى النوى من
الثمرة إذا تخلص منها؛ أي: إن القرآن أشد تفلتاً من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير
عقال.
وقال أبو عبيد(١): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله - يعني:
ابن مسعود - إني لأمقت القارئ أن أراه سميناً نسيّاً للقرآن.
وحدثنا(٢) عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم
يقول: ما من أحد تعلم القرآن (ثم)(٣) نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأنه الله تعالى يقول: ﴿وَمَاً
أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب.
ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوماً لا يقرأ فيها
القرآن، كما أنه يكره له أن يقرأه في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا حيث يذكره البخاري بعد
هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله:
القراءة على الدابة
حدثنا (٤) حجاج، حدّثنا شعبة، أخبرني أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل حظاته قال:
رأيت رسول الله وَله يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح.
(١) في ((فضائل القرآن)) (ص١٠٤)؛ وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٧/٤) من طريق جرير، عن الأعمش
بسنده سواء ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين إبراهيم النخعي وابن مسعود، فلم يدركه والله أعلم.
(٢) أخرجه أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص١٠٤) وفي («غريب الحديث)) (١٤٥/١)؛ وأخرجه ابن المبارك (٨٥)؛
ووكيع (٩٥) كلاهما في ((الزهد))؛ وابن أبي شيبة (٤٧٨/١٠، ٤٧٩)؛ وابن أبي حاتم في ((تفسيره))؛ كما
في ((ابن كثير)) (١٩٦/٧)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج ٤/ رقم ١٨١٣) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد،
سمعت الضحاك بن مزاحم ... فذكره وسنده جيد.
(٣) في (أ): ((فنسيه)).
(٤) البخاري في ((الفضائل)) (٨٣/٩، ٩٢)، ومسلم (٢٣٧/٧٩٤، ٢٣٨، ٢٣٩).

١٠٣
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن شعبة، عن أبي إياس وهو
معاوية بن قرة به.
وهذا أيضاً له تعلق بما تقدم من تعاهد القرآن وتلاوته سفراً وحضراً، ولا يكره ذلك عند
أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ في الطريق، وقد نقله ابن أبي داود، عن أبي الدرداء أنه كان
يقرأ في الطريق، وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك، وعن الإمام مالك أنه
کره ذلك.
كما قال ابن أبي داود: وحدثني أبو الربيع، أخبرنا ابن وهب قال: سألت مالكاً عن الرجل
يصلي من آخر الليل، فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ منها شيء فقال: ما
أعلم القراءة تكون في الطريق.
وقال الشعبي: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت
الرحی وهي تدور.
وخالفه في القراءة في الحمام كثير من السلف أنها لا تكره، وهو مذهب مالك والشافعي
وإبراهيم النخعي وغيرهم.
وروى ابن أبي داود، عن علي بن أبي طالب أنه كره ذلك، ونقله ابن المنذر، عن أبي وائل
شقيق بن سلمة والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب وهو رواية عن إبراهيم
النخعي، ويحكى عن أبي حنيفة، رحمهم الله: أن القراءة في الحمام تكره.
وأما القراءة في الحش فكراهتها ظاهرة ولو قيل بتحريم ذلك صيانةً لشرف القرآن لكان مذهباً.
وأما القراءة في بيت الرحى وهي تدور فلئلا يعلو غير القرآن عليه، والحق يعلو ولا يعلى، والله
أعلم.
(تعلم الصبيان القرآن)
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذي
تدعونه المفصل هو المحكم.
قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله وَلا وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا هشيم أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
جمعت المحكم في عهد النبي وَّ فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل.
انفرد بإخراجه البخاري (١)، وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر
عن سنه حين موت رسول الله وٍَّ﴿ وقد كان جمع المفصل وهو من الحجرات، كما تقدم ذلك،
وعمره إذ ذاك عشر سنين.
وقد روى(٢) البخاري أنه قال: توفي رسول الله ير وأنا مختون، وكانوا لا يختنون حتى
(١) في ((الفضائل)) (٩/ ٨٣).
(٢) في ((كتاب الاستئذان)) (٨٨/١١) عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض =

١٠٤
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يحتلم، فيحتمل أنه احتلم لعشر سنين جمعاً بين هذه الرواية وتلك ويحتمل أنه تجوز في هذه
الرواية بذكر العشر وترك ما زاد عليها من الكسر، والله أعلم.
وعلى كل تقدير ففيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصبا، وهو ظاهر بل قد يكون مستحباً
أو واجباً؛ لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به، وحفظه في الصغر أولى من
حفظه كبيراً وأشد علوقاً بخاطره، وأرسخ وأثبت كما هو المعهود من حال الناس.
وقد استحب بعض(١) السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلاً للعب، ثم توفر همته على
القراءة لئلا يلزم أولاً بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب.
وكره(٢) بعضهم تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يقال له، ولكن يترك حتى إذا عقل وميز علم
قليلاً قليلاً بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه.
واستحب(٣) عمر بن الخطاب ﴿له أن يلقن خمس آيات خمس آيات.
رویناه عنه بسند جید.
نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟
إِلَّا مَا شَآءَ
وقول الله: ﴿سَنُقْرِثُكَ فَلاَ تَنسَىَ
حدثنا (٤) الربيع بن يحيى، حدّثنا زائدة، حدّثنا هشام (عن)(٥) عروة، عن عائشة قالت: لقد سمع
النبي ◌َّه رجلاً يقرأ في المسجد فقال: (((يرحمه)(٦) الله لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا)).
انفرد به.
وحدثنا(٧) محمد بن عبيد بن ميمون، حدّثنا عيسى بن يونس، عن هشام وقال: ((أسقطتهن من
سورة كذا وكذا)).
انفرد به أيضاً.
النبيُّ وََّ؟ قال: ((أنا يومئذٍ مختون ... )) إلخ.
=
ثم روى عن ابن عباس قال: قبض النبي وسط* وأنا ختين.
(١) منهم سعيد بن جبير. وانظر: ((فتح الباري)) (٨٣/٩).
(٢) منهم إبراهيم النخعي، أخرجه ابن أبي داود كما في ((الفتح)).
(٣) أخرجه الإسماعيلي، كما في ((مسند الفاروق)) (١/ ١٧٠) للمصنف؛ والبيهقي في ((الشعب)) (١٨٠٧)؛ وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٣١٩/٩)؛ والخطيب في ((تاريخه)) (٢٨٧/١٣) من طريق عليّ بن بكار، عن أبي خلدة
خالد بن دينار، عن أبي العالية، عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا القرآن خمساً خمساً، فإن جبريل ظلتله
نزل بالقرآن على النبي ◌َ* خمساً خمساً.
وقد جود المصنف سنده، وفيه نظر، فقد خولف علي بن بكار. خالفه وكيع ومسلم بن إبراهيم والفضل بن
دكين فرووه عن أبي خلدة عن أبي العالية قوله: أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦١)؛ وابن أبي حاتم في
((العلل)) (ج ٢/ رقم ١٧٤٩)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (١٨٠٦) وقال: (رواية وكيع أصح)) وكذا رجحَ أبو زرعة
أنه من قول أبي العالية ليس عن عمر. والله أعلم.
وعزاه السيوطي في (الدر المنثور)) (٢٠٥/٤) نحوه لأبي سعيد الخدري.
(٤) البخاري في ((الفضائل)) (٨٤/٩، ٨٥).
(٥) في (أ): ((ابن)) !!
(٧) البخاري في (كتاب الشهادة)) (٢٦٤/٥).
(٦) في (أ): (رحمه)).

١٠٥
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تابعه علي(١) بن مسهر(٢) وعبدة، عن هشام وقد أسندهما البخاري في موضع آخر ومسلم معه
في عبدة.
حدثنا أحمد(١) بن أبي رجاء، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
قالت: سمع رسول الله ◌َ﴿ رجلاً يقرأ في سورة بالليل، فقال: ((يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا
(آيةً)(٣) کنت أنسيتها من سورة كذا وكذا)).
ورواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة.
الحديث الثاني(٤): حدثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله
قال: قال رسول الله ويتطاير: (بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت كيت وكيت بل هو نسي)).
ورواه مسلم والنسائي من حديث منصور به، وقد تقدم.
وفي ((مسند أبي يعلى)): ((فإنما هو نسي)) بالتخفيف. هذا لفظه.
وفي هذا الحديث والذي قبله دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقص له (إذا
کان)(٥) بعد الاجتهاد والحرص.
وفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت كذا، فإن النسيان
ليس من فعل العبد، وقد تصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك، فأما
النسيان نفسه فليس بفعله، ولهذا قال: بل هو نسي، مبني لما لم يسم فاعله، وأدب أيضاً في
ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا
نَسِيتٌ﴾ [الكهف: ٢٤] وهو - والله أعلم - من باب المجاز الشائع بذكر المسبب وإرادة السبب؛
لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنباً، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله
تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة،
فإذا زال السبب للنسيان انزاح فحصل الذكر للشيء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم.
من لم ير بأساً أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا.
حدثنا(٦) عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن علقمة
وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله وَالَ: ((الآيتان من آخر
سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه)).
وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد.
(١) في (فضائل القرآن)) (٩/ ٨٧).
(٢) في ((كتاب الدعوات)) (١٣٦/١١)؛ وأخرجه مسلم (٢٢٤/٧٨٨، ٢٢٥).
(٣) كذا في ((الأصول)) وليست هذه اللفظة في ((البخاري)) من حديث أبي أسامة عن هشام، ووقعت في رواية
علي بن مسهر.
(٤) مرّ تخريجه في باب: ((استذكار القرآن وتعاهده)).
(٥) ساقط من (ج).
(٦) البخاري في ((فضائل القرآن)) (٨٧/٩)؛ وأخرجه أيضاً في ((الفضائل)) (٥٥/٩) باب: فضل سورة البقرة من
طريق شعبة، عن الأعمش به؛ وأخرجه أيضاً ومسلم (٢٥٥/٧٠٨).

١٠٦
· كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وصاحبا الصحيح(١) والنسائي وابن ماجه من حديث علقمة، كلاهما عن أبي مسعود
(عقبة)(٢) بن عمرو الأنصاري البدري.
الحديث الثاني: (٣) ما رواه من حديث الزهري عن عروة، عن المسور وعبد الرحمن بن
عبد القارئ، كلاهما عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان وذكر
الحديث بطوله كما تقدم وكما سيأتي.
الحديث الثالث: ما رواه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، سمع رسول الله وَليه
قارئاً يقرأ من الليل في المسجد فقال: (يرحمه) (٤) الله (لقد)(٥) أذكرني كذا وكذا آيةً، كنت
أسقطتهن من سورة كذا وكذا .
وهكذا في ((الصحيحين))(٦) عن ابن مسعود أنه كان يرمى الجمرة من الوادي ويقول: هذا مقام
الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
وكره بعض السلف ذلك، ولم يروا أن يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، كما جاء
وتقدم من رواية يزيد (٧) الفارسي، عن ابن عباس، عن عثمان أنه قال: إذا نزل من القرآن شيء
يقول رسول الله يقول: ((اجعلوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)).
ولا شك أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحت الأحاديث بالرخصة في الآخرة، وعليه عمل
الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم وبالله التوفيق.
الترتيل في القراءة
وقوله رَك: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ نَّرِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
وقوله: ﴿وَقُرْءَانًا فَقْتَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] وما يكره أن يهذ كهذ الشعر.
(يفرق)(٨): يفصل، قال ابن عباس: ﴿فَقْنَهُ﴾ فصلناه.
حدثنا(٩) أبو النعمان، حدّثنا مهدي بن ميمون، حدّثنا واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله
قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذا كهذ الشعر؟ إنا قد
سمعنا القراءة وإني لأحفظ القراءات اللاتي كان يقرأ بهن النبي وَ﴿ ثماني عشرة سورةً من
المفصل، وسورتین من آل حم.
ورواه مسلم، عن شيبان بن فروخ، عن مهدي بن ميمون، عن واصل وهو ابن حيان
الأحدب، عن أبي وائل، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود به.
(١) معطوف على قوله: ((وأخرجه)).
(٣) تقدم تخريجه.
(٢) في (أ): ((عتبة)) بالتاء وهو تصحيف.
(٤) في (أ): ((رحمه)).
(٥) ساقط من (أ).
(٦) أخرجه البخاري (٥٨٠/٣، ٥٨١)؛ ومسلم (٣٠٧/١٢٩٦، ٣٠٨، ٣٠٩).
(٧) سبق تخريجه وذكرنا هناك أنه حديث منكر، والله أعلم.
(٨) في ((الصحيح)): ((فیھا یفرق)).
(٩) البخاري في ((الفضائل)) (٨٨/٩)؛ وأخرجه مسلم (٢٧٨/٨٢٢).

١٠٧
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام(١) أحمد: حدثنا قتيبة، حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن زياد بن
نعيم، عن مسلم بن مخراق، عن عائشة أنه ذكر لها أن ناساً يقرؤون القرآن في الليل مرةً أو
مرتين، فقالت: أولئك قرأوا ولم يقرأوا، كنت أقوم مع النبي ومسليه ليلة التمام، فكان يقرأ سورة
البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآيةٍ فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها
استبشار إلا دعا الله ورغب إليه.
الحديث الثاني: حدثنا (٢) قتيبة، حدّثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: (1)﴾ [القيامة] كان رسول الله وَله إذا
نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه.
وذكر تمام الحديث كما سيأتي وهو متفق عليه.
وفيه وفي الذي قبله دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هذرمة ولا
(سرعة)(٣) مفرطة بل بتأمل وتفكر.
قال الله تعالى: ﴿كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَنَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾﴾ [ص].
وقال الإمام أحمد(٤): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن
عمرو، عن النبي وَّ قال: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن
منزلك عند آخر آية تقرؤها)».
وقال أبو عبيد(٥): حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه
عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل فإنه زين القرآن.
(١) في ((مسنده)) (٩٢/٦، ١١٩)؛ وأخرجه ابن المبارك في ((مسنده)) (٥٧)؛ وأحمد بن منيع، كما في ((المطالب
العالية)) (١٤٢/١)؛ وأبو عبيد في ((الفضائل)) (ص٦٧)؛ وأبو يعلى (ج٨/ رقم ٤٨٤٢)؛ وعنه أبو الشيخ في
((الأخلاق)) (٥٣٨)؛ والفريابي في ((فضائل القرآن)) (١١٦)؛ والبيهقي (٣١٠/٢) من طريق ابن لهيعة بسنده
سواء.
وقد رواه عن ابن لهيعة ابن المبارك من قدماء أصحابه وقد تابعه يحيى بن أيوب، عن الحارث بن يزيد
بسنده سواء.
أخرجه ابن الضريس في ((فضائل القرآن)) (٧)؛ والفريابي (١١٧)؛ والبيهقي (٣١٠/٢) ولكن مسلم بن
مخراق ترجمه البخاري في ((الكبير)) (٢٧١/١/٤)؛ وابن أبي حاتم (١٩٤/١/٤) ولم يذكر فيه جرحاً ولا
تعديلاً؛ أما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) (٣٩٧/٥) على قاعدته في توثيق المجاهيل!
(٢) البخاري في ((الفضائل)) (٨٨/٩)؛ وأخرجه أيضاً في (٢٩/١، ٨٦٠/٨، ٨٦١، ٨٦٢، ٤٩٩/١٣)؛
وأخرجه مسلم (٤٤٨ /١٤٧، ١٤٨)
(٣) في (أ): ((بسرعة)).
(٤) في ((مسنده)) (١٩٢/٢) وسنده حسن لأجل عاصم بن أبي النجود؛ وأخرجه النسائي في ((الفضائل)) (٨)؛
والترمذي (١٧٨/٥)؛ وابن حبان (١٧٩٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به؛ وأخرجه أبو
داود (١٤٦٤)؛ والترمذي (٢٩١٤)؛ وابن أبي شيبة (٤٩٨/١٠)؛ والبيهقي في ((سننه)) (٥٣/٢)؛ والحاكم
((٥٥٢/١، ٥٥٣))؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٣٥/٤) من طريق عن الثوري؛ وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي! وله شواهد عن أبي سعيد وأبي هريرة.
(٥) في ((فضائل القرآن)) (ص٧٤).

١٠٨
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن.
وحدثنا (١) إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن (أبي جمرة)(٢) قال: قلت لابن عباس: إني
سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب
إلي من أن أقرأ كما تقول.
وحدثنا(٣) حجاج، عن شعبة وحماد بن سلمة، عن أبي (جمرة) (٤)، عن ابن عباس نحو ذلك،
إلا أن في حديث حماد: ((أحب إلي من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمةً)).
ثم قال البخاري كَّتُهُ :
مد القراءة
حدثنا(٥) مسلم بن إبراهيم، حدّثنا جرير بن حازم الأزدي، حدثنا قتادة قال: سألت أنس بن
مالك، عن قراءة النبي وَي فقال: كان يمد مداً.
وهكذا رواه أهل السنن من حديث جرير بن حازم به.
حدثنا عمرو بن عاصم، حدّثنا همام، عن قتادة قال: سئل أنس بن مالك: كيف كان قراءة
النبي ◌َّ﴾؟ فقال: كانت مداً ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد
بالرحیم.
انفرد به البخاري(٦) من هذا الوجه.
(١) أخرجه أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص٧٤)؛ وأخرجه الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)) (٨٩)؛ والبيهقي في
(الكبرى)) (٣٩٦/٢)؛ وفي ((الشعب)) (١٨٨٢) من طريق الحسن بن محمد الزعفراني، قال: نا ابن علية
بسنده سواء. وإسناده صحيح.
(٢) في (ج): ((أبي حمزة)) بالحاء المهملة والزاي، وهو يروى أيضاً عن ابن عباس ولكن الذي يروي هذا الأثر
هو أبو جمرة بالجيم والراء المهملة.
(٣) أبو عبيد (ص٧٤)؛ وأخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٣٩٦/٢ و١٣/٣)؛ وفي ((الشعب)) (ج٥/ رقم ١٩٧١،
١٩٧٢) من طريق حماد وشعبة كلاهما عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة،
فربما قرأت القرآن في ليلة مرةً أو مرتين! فقال ابن عباس: لأن أقرأ بسورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل
مثل الذي تفعل، فإن كنت فاعلاً لا بد، فاقرأه قراءةً تسمع أذنيك ويعيه قلبك.
لفظ حديث شعبة، وإسناده صحيح؛ وأخرج ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٩٣)؛ وعبد الرزاق في ((المصنف))
(ج ٢ / رقم ٤١٨٧) من طريق معمر، عن أبي جمرة نحوه.
ووقع عند البيهقي في ((الكبرى)): ((أبو حمزة)) !!
(٤) في (ح): ((أبي حمزة)) بالحاء المهملة والزاي، وهو يروى أيضاً عن ابن عباس ولكن الذي يروي هذا الأثر
هو أبو جمرة بالجيم والراء المهملة.
(٥) البخاري في ((فضائل القرآن)) (٩١/٩).
(٦) في ((فضائل القرآن)) (٩١/٩)؛ وأخرجه ابن المظفر في ((غرائب شعبة)) (١١٣)؛ والبغوي في ((شرح السنة))
(٤/ ٤٨١)؛ وأخرجه ابن سعد في (الطبقات)) (٣٧٦/١)؛ وابن أبي داود، كما في ((الفتح)) (٩١/٩)؛
والدارقطني (٣٠٨/١)؛ وابن حبان (٦٣١٧) من طريق عمرو بن عاصم عن همام بن يحيى وجرير بن حازم
عن قتادة، عن أنسٍ به.

١٠٩
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي معناه الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد(١).
حدثنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة،
عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله وَ ل﴿ مفسرةً حرفاً حرفاً.
وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن إسحاق، وأبو داود، عن يزيد بن خالد
الرملي والترمذي والنسائي، كلاهما عن قتيبة كلهم عن الليث بن سعد به.
وقال الترمذي: ((حسن صحیح)).
ثم قال أبو عبيد(٢): وحدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن
أم سلمة قالت: كان رسول الله وَ﴿ يقطع قراءته ﴿إِسْمِ الَّهِ الَبِ الْتَطِ ﴾ آلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ مالِكِ يَوْمِ الدّينِ ﴾﴾ [الفاتحة].
وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن جريج.
وقال الترمذي: ((غریب وليس إسناده بمتصل)).
يعني أن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة لم يسمعه من أم سلمة إنما رواه عن يعلى بن
مملك كما تقدم، والله تعالى أعلم.
الترجيع
حدثنا(٣) آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال:
رأيت النبي ◌َّه وهو على ناقته - أو جمله - يسير به وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح -
قراءةً لينةً وهو يرجع.
وقد تقدم هذا الحديث في القراءة على الدابة، وأنه من المتفق عليه، وفيه أن ذلك كان يوم
الفتح.
وأما الترجيع فهو الترديد في الصوت، كما جاء أيضاً في البخاري أنه جعل يقول: آآآ وكأن
ذلك صدر من حركة الدابة تحته، فدل على جواز التلاوة عليه وإن أفضى إلى ذلك.
ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف بل ذلك مغتفر للحاجة كما يصلي على الدابة
حيث توجهت به مع إمكان تأخير ذلك، والصلاة إلى القبلة، والله أعلم.
(١) في ((فضائل القرآن)) (ص٧٤)؛ وأخرجه أبو داود (١٤٦٦)، والنسائي (١٨١/٢)، وفي ((فضائل القرآن))
(٨٢)؛ والترمذي (٢٩٢٣)؛ وفي الشمائل (٣٠٧)؛ والبخاري في ((خلق الأفعال)) (١٧١، ١٧٢)؛ وأحمد
(٢٩٤/٦، ٣٠٠)؛ وابن خزيمة (ج٢ / رقم ١١٥٨)؛ وصححه الحاكم (٣٠٩/١، ٣١٠) على شرط مسلم
ووافقه الذهبي وليس كما قالا؛ لأن يعلى بن مملك لم يخرج له مسلم ثم فيه جهالة ولم يرو عنه إلا ابن
أبي مليكة وقد اختلف في إسناده كما يأتي.
(٢) في ((فضائل القرآن)) (ص٧٥)؛ وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (ج٢٣ / رقم ٦٠٣)؛ وأبو عمرو الداني في
((الوقف والابتداء)) (ص١١٠، ١١١) عن أبي عبيد به وأخرجه أبو داود (٤٠٠١)، والترمذي (٢٩٢٧)؛ وفي
(الشمائل)) (٣٠٩)؛ وأحمد (٣٠٢/٦، ٣٢٣) وغيرهم من طريق يحيى بن سعيد الأموي بسنده سواء وضعفه
الترمذي بالانقطاع وأصاب في ذلك لما ذكرته في ((تسلية الكظيم)) والله أعلم.
(٣) البخاري في ((الفضائل)) (٩/ ٩٢) وقد مر تخريجه.

١١٠
· كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حسن الصوت بالقراءة
حدثنا (١) محمد بن خلف أبو بكر، حدثنا (أبو)(٢) يحيى الحماني، حدّثنا (بريد)(٣) بن
عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى أن رسول الله وَلإر قال: ((يا أبا موسى
لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)».
وهكذا رواه الترمذي، عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن أبي يحيى الحماني واسمه
عبد الحميد بن عبد الرحمن، وقال: ((حسن صحيح)).
وقد رواه مسلم من حديث طلحة (بن يحيى بن طلحة) (٤)، عن أبي بردة، عن أبي موسى وفيه
قصة .
وقد تقدم الكلام على تحسين الصوت عند قول البخاري: من لم يتغن بالقرآن، وذكرت هناك
أحكاماً أغنى عن إعادتها ههنا، والله تعالى أعلم.
من أحب أن يسمع القراءة من غيره
حدثنا(٥) عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن
عبد الله قال: قال لي النبي ◌َّجر: ((اقرأ علي القرآن)) قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: ((إني
أحب أن أسمعه من غيري)).
وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش، وله طرق يطول بسطها، وقد تقدم فيما
رواه مسلم من حديث طلحة (بن يحيى بن طلحة) (٦) عن أبي بردة، عن أبي موسى أن
رسول الله ◌َفي قال له: ((يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة)) فقال: أما والله لو
أعلم أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيراً(٧).
وقال الزهري، عن أبي سلمة: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكّرنا ربنا يا أبا موسى(٧)،
فيقرأ عنده.
وقال أبو عثمان النهدي: كان أبو موسى يصلي بنا فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج قط
ولا بربط قط ولا شيئاً قذ أحسن من صوته(٧).
قول المقرئ للقارئ: حسبك
حدثنا (٨) محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله
قال: قال لي رسول الله وَ﴿: ((اقرأ علي)) فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:
(١) البخاري في ((الفضائل)) (٩/ ٩٢) وقد مر تخريجه.
(٢) ساقط من (أ).
(٤) ساقط من (ج).
(٥) البخاري في ((الفضائل)) (٩٣/٩، ٩٤، ٩٨)؛ وأخرجه مسلم (٢٤٧/٨٠٠).
(٦) سقط من سياق (ج) واستدركته من الحاشية.
(٨) البخاري في ((الفضائل)) (٩٤/٩).
(٣) في (أ): ((يزيد)).
(٧) تقدم تخريج هذه الأخبار.

١١١
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(نعم)) فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ
وَجِئْنَا بِكَ عَ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾﴾ [النساء] قال: ((حسبك الآن)) فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه من رواية الأعمش به.
ووجه الدلالة ظاهر.
وكذا الحديث الآخر: ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا))(١).
في كم يقرأ القرآن؟
وقول الله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَبَسَّرَ مِنْهُ﴾
حدثنا(٢) علي، حدثنا سفيان قال: قال لي ابن شبرمة: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن؟ فلم
أجد سورةً أقل من ثلاث آيات. فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات.
قال سفيان(٣): أخبرنا منصورٌ عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد أخبره علقمة، عن أبي
مسعود فلقيته وهو يطوف بالبيت، فذكر النبي ◌َ ﴿ أن: ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في
ليلة كفتاه)).
وقد تقدم أن هذا الحديث متفق عليه.
وقد جمع البخاري فيما بين عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة، عن أبي مسعود، وهو صحيح؛ لأن
عبد الرحمن سمعه أولاً من علقمة، ثم لقي أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه.
وعلي هذا هو ابن المديني وشيخه: سفيان بن عيينة، وما قاله عبد الله بن (شبرمة) (٤) فقيه
الكوفة في زمانه استنباط حسن.
وقد جاء في حديث في ((السنن))(٥): ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات)) ولكن هذا
الحديث أعني حديث أبي مسعود أصح وأشهر وأخص، ولكن وجه مناسبته للترجمة التي ذكرها
البخاري(٢) فيه نظر، والله أعلم.
(١) يأتي تخريجه.
(٢) البخاري في ((الفضائل)) (٩٤/٩).
(٣) قائل ذلك هو علي ابن المديني، ووقع هذا صريحاً في سائر روايات ((الصحيح))، إلا رواية أبي ذر، فلم
يذكر علي ابن المديني، والله أعلم.
(٤) في (أ): ((الكوفة)) !!
(٥) كذا قال ابن كثير تخلّثُ: ((السنن)) وهذا يعني الأربعة، ولم أجد الحديث فيها ولا في أحدها، إنما أخرجه
ابن عدي في ((الكامل)) (١٦٨٧/٥) من طريق عمر بن يزيد المدائني، عن عطاء، عن ابن عمر مرفوعاً: ((لا
تجزئ في المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعداً)).
وأخرجه ابن الجوزي في ((الواهيات)) (٤١٩/١) من طريق ابن عدي وقال: ((هذا حديث لا يصح،
ومحمد بن معاوية قال محمد بن عبد الله الحضرمي، لا نريده كان واقفياً. وعمر بن يزيد انفرد بما لا يرويه
غيره)). اهـ والصواب إعلاله بعمر بن يزيد، فقد قال ابن عدي: ((منكر الحديث)).
وما أورده ابن عدي في ترجمته يدل على وهائه. والله أعلم.
(٦) كذا قال المصنف تَخْلُ، وتعقبه الحافظ في ((الفتح)) (٩٥/٩) فقال: ((وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود
بالترجمة على ابن كثير، والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به ابن عيينة من =

١١٢
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والحديث الثاني أظهر في المناسبة وهو قوله:
حدثنا(١) موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو
قال: أنكحني أبي امرأةً ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل
من رجل، لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي وَل
فقال: ((القني به)) فلقيته بعد فقال: ((كيف تصوم؟)) قال: كل يوم. قال: ((كيف تختم؟)). قال: كل
ليلة، قال: ((صم كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر)) قال: قلت: إني أطيق أكثر من ذلك،
قال: ((صم ثلاثة أيام في الجمعة)) قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: ((أفطر يومين وصم يوماً))
قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: ((صم، أفضل الصوم صوم داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ
في كل سبع ليال مرةً) فليتني قبلت رخصة رسول الله وَلير وذلك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ
على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل،
وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئاً فارق عليه النبي وَلا تؤ.
وقال(٢) بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع.
وقد رواه في ((الصوم)) (٣)، والنسائي أيضاً عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن مغيرة،
والنسائي من حديث حصین، كلاهما عن مجاهد به.
ثم روى البخاري(٤) ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن
عبد الرحمن مولى (بني زهرة)(٥)، عن أبي سلمة قال: وأحسبني سمعت أنا من أبي سلمة، عن
عبد الله بن عمرو قال: قال النبي وَّه: ((اقرأ القرآن في شهر)) قلت: إني أجد قوةً، قال: ((فاقرأ
في سبع، ولا تزد على ذلك)).
فهذا السياق ظاهره يقتضي المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع.
وهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد(٦).
حدثنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير كلهم عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن
= حديث أبي مسعود، والجامع بينهما أن كلاً من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال ابن
شبرمة)) . اهـ.
(١) البخاري في ((فضائل القرآن)) (٩٤/٩، ٩٥).
(٣) (٢٢٤/٤)؛ وأخرجه النسائي (٢٠٩/٤، ٢١٠)؛ وفي ((فضائل القرآن)) (٩١) وآخرون تقدم ذكرهم.
(٤) أخرجه البخاري في ((الفضائل)) (٩٥/٩)؛ ومسلم (١٨٤/١١٥٩)؛ والبيهقي في ((الكبرى)) (٣٩٦/٢ و٤/
٢٩٩)؛ وفي ((الشعب)) (ج٥/ رقم ٩٧٥).
(٥) في (أ): ((أبي هريرة))!
(٢) القائل هو البخاري.
(٦) في ((فضائل القرآن)) (ص٨٧)؛ وأخرجه يعقوب الفسوي في ((التاريخ)) (٢٩٨/١)؛ وابن أبي عاصم في
((الآحاد والمثاني)) (٢٠٠٨)؛ والطبراني في ((الكبير)) (ج١٨ / رقم ٨٧٧) من طرق عن ابن لهيعة، حدثني
حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي صعصعة فذكره.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٩/٢): ((فيه ابن لهيعة، وفيه كلام)) .
قلت: وقد اضطرب في إسناده كما يأتي إن شاء الله تعالى، وقد ذكر ابن السكن، كما في ((الإصابة)) (٥/
٤٧٩)، أن ابن لهيعة تفرد به.

١١٣
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبيه، عن قيس بن صعصعة أنه قال للنبي ◌ّله: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: ((في كل
خمس عشرة)) قال: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: ((ففي كل جمعة)).
وحدثنا (١) حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان - رجل من أهل الكوفة - قال: سمعت
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في غير رمضان من
الجمعة إلى الجمعة.
وعن(٢) حجاج، عن شعبة، عن أيوب، سمعت أبا قلابة، عن (أبي المهلب)(٣) قال: كان
أبي بن كعب يختم القرآن في كل ثمان، وكان(٤) تميم الداري يختمه في كل سبع.
وحدثنا (٥) هشيم، عن الأعمش، عن إبراهيم (٦)[(أنه كان يقرأ القرآن في كل سبع.
حدثنا (٧) جرير، عن منصور، عن إبراهيم)](٦) قال: كان الأسود يختم القرآن في كل ست.
وكان علقمة يختمه في كل خمس، فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جلياً، ولكن
دلت أحاديث أخر على جواز قراءته فیما دون ذلك، كما :
(١) أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص٨٧) ويأتي الكلام عليه قريباً إن شاء الله تعالى.
(٢) أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص٨٨)؛ وأخرجه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٤٩)؛ وأبو القاسم البغوي في
((الجعديات)) (١٢٠٩)؛ وابن سعد (٥٠٠/٣)؛ والفريابي في ((فضائل القرآن)) (١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦)؛
وابن نصر في «قيام الليل)) (ص١٥٦)؛ وأبو عمرو الداني في ((البيان في عد آي القرآن)) (ص٣٢٣) من طرق
عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن أبي بن كعب فذكره. وهذا سند ظاهره
الصحة، وقد صرح أبو المهلب بالسماع من أبي بن كعب في رواية معمر بن راشد والثوري عن أيوب
وكلاهما من الثقات الأثبات، ولكن قال شعبة: ((أبو المهلب لم يسمع من أبي بن كعب)). كذا في
(المراسيل)) (ص١٤٣)؛ لابن أبي حاتم، وزاد في ((مقدمة الجرح والتعديل)) (ص١٢٩)، ((أبو المهلب لم
يسمع من أبي حديثه أنه كان يقرأ القرآن في ثمان)) ومثل هذا النفي الخاص يقدَّم على مطلق القول بالسماع
عند بعض العلماء، فلعل الثوري ومعمراً حفظاً ما لم يحفظه شعبة، والعبرة في إثبات السماع بالأسانيد
الصحيحة، إذ لعل النافي لم يطلع على مثل هذا الإسناد، أو وقع له الإسناد بواسطة بينهما، فإذا رآه مرةً
بغير واسطة جزم بالانقطاع، والذي عندي أن الإسناد صحيح ما لم يقع التصحيف في الكتاب. والله أعلم.
وقد خولف أيوب. خالفه خالد الحذاء فرواه عن أبي قلابة، قال: كان أبي بن كعب يختم في كل ثمانٍ ..
أخرجه أبو عبيد (ص٨٨) وعنه أبو عمرو الداني في ((البيان)) (ص٣٢٥) من طريق علي بن عاصم، عن
خالد. وقد توبع علي بن عاصم. تابعه هشيم، عن خالد الحذاء أخرجه أبو عمرو الداني أيضاً وخالفهما
وهيب فرواه عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن أبي بن كعب أخرجه الفريابي في ((الفضائل))
(١٣٦).
(٣) أخرجه البخاري في ((الفضائل)) (٩٥/٩)، ومسلم (١٨٤/١١٥٩).
(٤) أخرجه أبو عبيد (ص٨٨)؛ وأبو عمرو الداني في ((البيان)) (ص٣٢٥)؛ والفريابي (١٣٦).
(٥) أخرجه أبو عبيد (ص٨٨)، وعنه الداني (ص٣٢٨٨) وسنده صحيح.
(٦) ساقط من (أ).
(٧) أخرجه أبو عبيد (ص٨٨)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١)؛ والفريابي (١٣٩)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٩/٢،
١٠٣)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (٢٠٠٠)؛ وأبو عمرو الداني (ص٣٢٦، ٣٢٧)؛ وابن حبان في ((الثقات))
(٣١/٤) من طرق عن منصور، عن إبراهيم. وسنده صحيح. وتابعه الأعمش عن إبراهيم به. أخرجه الداني
(ص٣٢٧).

١١٤
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١)، حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدثنا حبان بن واسع، عن
أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: ((نعم))
قال: فكان يقرؤه حتى توفي.
وهذا إسناد جيد قوي (حسن(٢)، فإن) حسن (ابن(٣) موسى) الأشيب ثقة متفق على جلالته،
روى له الجماعة وابن لهيعة، إنما يخشى من تدليسه أو سوء حفظه، وقد صرح ههنا بالسماع،
وهو من أئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه، وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه كلاهما
من رجال مسلم، والصحابي لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة، وهذا على شرط كثير
منهم، والله أعلم.
وقد رواه أبو عبيد تَخْلُ، عن ابن بكير، عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن
سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: ((نعم إن استطعت))
قال: فكان يقرؤه كذلك حتى توفي.
حديث آخر: قال أبو عبيد(٤): حدثنا يزيد، عن همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن
الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)).
وهكذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث قتادة به.
وقال الترمذي: ((حسن صحیح)).
حديث آخر: قال أبو (٥) عبيد، حدثنا يوسف بن الغرق(٦)، عن الطيب بن سلمان قال: حدثتنا عمرة
بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول: كان رسول الله وَلو لا يختم القرآن في أقل من ثلاث.
(١) سقط هذا الحديث من ((المسند) المطبوع، وقد ذكره الحافظ في ((أطراف المسند)) (٤٦٥/٢) وكذا عزاه
الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٨/٢) إلى أحمد؛ وأخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٧٤)؛ وأبو عبيد
(ص٨٨)؛ والفريابي (١٢٨) كلاهما في ((فضائل القرآن))؛ والطبراني في (الكبير)) (ج٦/ رقم ٥٤٨١)؛
والداني في ((البيان)) (ص٣٢٦) من طريق عن ابن لهيعة بسنده سواء. وقد أجاب المؤلف تَخْتُ عن ابن لهيعة
فقال: وابن لهيعة إنما يخشى من تدليسه أو سوء حفظه وقد صرح هاهنا بالسماع، وهو من أئمة العلماء
بالديار المصرية. اهـ فلم يجب ابن كثير على اتهامه بسوء الحفظ إلا بقوله: هو من أئمة العلماء، وهذا لا
يعني أنه حافظ ثبت، فكم من عالم فقيه وصالح ديِّن لم يقبل العلماء روايته لخفة ضبطه، وهذا الحديث قد
اضطرب فيه ابن لهيعة في تسمية صحابي الحديث، وإن كان الأشبه أنه ((سعد بن المنذر)) لرواية ابن المبارك
وهو من قدماء أصحاب ابن لهيعة. فالله أعلم.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في (ج): ((ابن أبي موسى)) !!
(٤) أخرجه أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص٨٩)؛ وأخرجه أبو داود (١٣٩٠، ١٣٩٤)؛ والترمذي (٢٩٤٩)؛
والنسائي في ((الفضائل)) (٩٢)؛ وابن ماجه (١٣٤٧)؛ والدارمي (٢٨٩/١)؛ وأحمد (٦٥٣٥، ٦٥٤٦،
٦٧٧٥)؛ والطيالسي (٢٢٧٥)؛ وابن أبي شيبة (٥٠٠/٢، ٥٠١)؛ وابن حبان (٧٥٨)؛ والفريابي (١٤٢ -
١٤٥)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٥/ رقم ١٩٨١)؛ وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢٦٥/١) من طرق عن
قتادة بسنده سواء وقد اختلف في إسناده وهذا أرجح الوجوه والله أعلم ومن ثم صححه الترمذي.
(٥) في ((الفضائل)) (ص٨٨، ٨٩). وشيخ أبي عبيد: ((يوسف بن الغرق)) كذبه أبو الفتح الأزدي، وقال أبو علي
الحافظ ((منكر الحديث)) ووثقه ابن حبان، ومشاه ابن عدي (٢٦٢٥/٧) ولينه أبو حاتم الرازي.
(٦) الغرق: بالغين المعجمة والقاف بينهما راء مكسورة. وانظر: ((تبصير المنتبه)) (١٠٤١/٣).

١١٥
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هذا حديث غريب جداً وفيه ضعف، فإن الطيب بن سلمان هذا بصري ضعفه الدارقطني وليس
هو بذاك المشهور، والله أعلم.
وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث، كما هو مذهب (أبي عبيد)(١)
وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيضاً .
قال أبو عبيد(٢)، حدثنا يزيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبي العالية، عن معاذ بن
جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. صحيح.
وحدثنا(٣) يزيد، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة قال عبد الله: من قرأ القرآن
في أقل من ثلاث فهو راجز.
وحدثنا(٤) حجاج، عن شعبة، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله مثله
(سواء)(٥).
وحدثنا حجاج (٦)، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان، عن (عبد الرحمن بن)(٧) عبد الله بن
مسعود، عن أبيه أنه كان يقرأ القرآن في رمضان في ثلاث.
إسناد صحيح.
(٨) [وفي (المسند))(٩) عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعاً: ((اقرأوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا
تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به))](٨).
(١) في (ج): (أبو عبيد) على حكاية الحال.
(٢) في ((فضائل القرآن)) (ص٨٩). وأخرجه أبو عمرو الداني في ((البيان)) (ص٣٢٥، ٣٢٦) من طريق سفيان،
عن هشام، عن أم الهذيل عن أبي العالية، عن معاذ أنه كان يقرأه في ثلاث.
ووقع في ((الكتاب)): ((أم البديل)) وهو تصحيف. وأم الهذيل هي حفصة بنت سيرين، وقد صحَّحه
المؤلف تخذثهُ، ولكن نقل ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص٥٨) عن شعبة أنه قال: ((قد أدرك أبو العالية
رفيع بن مهران علي بن أبي طالب ولم يسمع منه شيئاً)) وقد قتل أمير المؤمنين علي ته في رمضان سنة
◌ُبه سنة ثماني عشرة في خلافة عمر، وقد أدرك أبو العالية الجاهلية، فإدراكه
أربعين، ومات معاذ بن جبل .
لمعاذ صحيح، والله أعلم.
(٣) أخرجه أبو عبيد (ص٨٩).
(٤) يأتي تخريجه في آخر كتاب ((فضائل القرآن)).
(٥) ساقط من (أ).
(٦) أخرجه أبو عبيد (ص٨٧)؛ وابن نصر في ((قيام الليل)) (ص ١٥٥)؛ والفريابي (١٣٢)؛ والطبراني في ((الكبير))
(ج٩/ رقم ٨٧٠٦)؛ وابن أبي داود، وأبو عمرو الداني في ((البيان)) (ص٣٢٥) من طرق عن شعبة، عن
محمد بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وأخرجه البخاري في ((التاريخ)) (١/
٧٨/١) من هذا الوجه بلفظ: ((كان عبد الله يختم في جمعة)).
وقد صحح إسناده المؤلف تَخَّلهُ، وقد قال الذهبي: ((محمد بن ذكوان ما روى عنه غير شعبة)) فهذا يعني أنه
مجهول، وقد تبع الذهبي ابن أبي حاتم في هذا، وقد وقع لابن أبي حاتم خلط فنقل ما قيل في محمد بن
ذكوان بياع الأكيسة، نقله في محمد بن ذكوان خال والد حماد بن زيد وهذا ضعيف، وذاك وثقه ابن معين
وابن حبان وقال شعبة: ((كان كخير الرجال))، فالصواب أن إسناد الحديث حسن والله أعلم.
(٧) ساقط من (أ).
(٨) ساقط من (أ) و(ط).
(٩) أخرجه أحمد (٤٤٤/٣)؛ وأبو يعلى (ج٣/ رقم ١٥١٨)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٥/ رقم ٢٣٨٣) من طرق =

١١٦
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
• كتاب فضَائِلِ القرآن
(١) [فقوله: ((لا تغلوا فيه))؛ أي: لا تبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة، فإن ذلك ينافي
التدبر غالباً، ولهذا قابله بقوله: ((ولا تجفوا عنه))؛ أي: لا تتركوا تلاوته](١).
فَضلٌ
وقد ترخص جماعات من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك، منهم أمير المؤمنين
عثمان بن عفان
قال أبو عبيد (٢) كَّتُهُ: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خصيفة، عن السائب بن
يزيد أن رجلاً سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن صلاة طلحة بن عبيد الله فقال: إن شئت
أخبرتك عن صلاة عثمان اته، فقال: نعم، قال: قلت: لأغلبن الليلة على الحجر فقمت، فلما
قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمني، فنظرت فإذا عثمان بن عفان رُه، فتأخرت عنه فصلى، فإذا
هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت: هذه هوادي الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها .
وهذا إسناد صحيح.
ثم قال(٣): حدثنا هشيم، أنا منصور، عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث
دخلوا على عثمان ليقتلوه: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن.
وهذا حسن.
وقال (٤) أيضاً: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين أن تميماً الداري قرأ
القرآن في ركعة.
حدثنا(٥) حجاج، عن شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير أنه قال: قرأت القرآن في ركعة
في البيت؛ يعني: الكعبة.
= عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن
شبل ... فذكره. وسنده صحيح وقد اختلف في إسناده وهذا أثبت الوجوه.
(١) ساقط من (أ) و(ط).
(٢) أخرجه أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص٩٠)؛ وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (ج٣/ رقم ٤٦٥٣) من طريق
ابن جريج بسنده سواء. وصحح المؤلف سنده وهو كما قال، ولكن ليس في هذه الرواية دلالة على أن
عثمان ظُه ختم القرآن في ركعة، بل فيها عكسه، فهي تدل بجلاء على أنه صلى أكثر من ركعة لكنه أوتر
بواحد لم يصل غيرها، ولو أنه أثبت بدلها رواية ابن المنكدر عن عبد الرحمن بن عثمان لكان أولى من
هذه في مقام الاحتجاج، وقد سقت لفظها مع طرق أخرى في ((تسلية الكظيم)) فلله الحمد.
(٣) أخرجه أبو عبيد (ص ٩٠، ٩١)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٧) قال: حدثنا هشيم بإسناده سواء؛ وأخرجه
ابن أبي شيبة (٥٠٣/٢) أيضاً؛ وابن سعد (٧٥/٣، ٧٦)؛ وعمر بن شبة في «تاريخ المدينة)) (١٢٧٢/٤)؛
والطبراني في (الكبير)) (ج١/ رقم ١٣٠)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ٥٧) من طرق عن ابن سيرين فذكره.
(٤) أخرجه أبو عبيد (ص٩١)؛ وأخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٧٧)؛ وابن أبي شيبة (٥٠٢/٢)، وعنه ابن
حبان في ((الثقات)) (٤٠/٣)؛ والبيهقي في ((الكبرى) (٢٥/٣)؛ وفي ((الشعب)) (ج٥/ رقم ١٩٩٤) من طريق
عاصم الأحول بسنده سواء.
(٥) أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص٩١)؛ وأخرجه ابن حبان في ((الثقات)) (٢٧٦/٤) عن وكيع؛ والطحاوي في
((شرح المعاني)) (٣٤٨/١) من طريق أبي نعيم؛ وابن سعد (٢٥٩/٦)، حدثنا يزيد بن هارون جميعاً عن =

١١٧
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وحدثنا (١) جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة، طاف بالبيت
أسبوعاً، ثم أتى المقام فصلى عنده (٢)(فقرأ بالطول، ثم طاف بالبيت أسبوعاً، ثم أتى المقام
فصلى عنده](٢)، فقرأ بالمئين، ثم طاف بالبيت أسبوعاً، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ
بالمثاني، ثم طاف باليت أسبوعاً، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت
أسبوعاً ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن.
وهذه كلها أسانيد صحيحة.
ومن أغرب ما ههنا ما رواه أبو (٣) عبيد تَّلُهُ، حدثنا سعيد بن غفير، عن بكر بن مضر أن
سليم بن عتر التجيبي كان يقرأ القرآن في ليلة ثلاث مرات، ويجامع ثلاث مرات، قال: فلما
مات قالت امرأته: رحمك الله إن كنت لترضى ربك وترضي أهلك، قالوا: وكيف ذلك؟ قالت:
كان يقوم من الليل فيختم بالقرآن، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم
بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويخرج إلى صلاة الصبح.
قلت: كان سليم بن عتر تابعياً جليلاً ثقةً نبيلاً وكان قاضياً بمصر أيام معاوية وقاصها.
قال أبو حاتم(٤): روى عن أبي الدرداء وعنه ابن زحر.
ثم قال: حدثني محمد بن عوف، عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني حرملة بن عمران، عن
كعب بن علقمة قال: كان سليم بن عتر من خير التابعين.
وذكره ابن يونس في ((تاريخ مصر)).
وقال: روى ابن أبي داود، عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء.
وعن منصور(٥) قال: كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان.
وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن.
قلت: وروي عن منصور (٦) بن زاذان أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر، ويختم أخرى
فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرونها قليلاً .
الثوري، عن حماد مثله؛ وأخرجه عبد الله بن أحمد في ((زواهد الزهد)) (ص٣٠٧)؛ وعنه أبو نعيم في
=
((الحلية)) (٢٧٣/٤) من طريق إسحاق مولى عبد الله بن عمر، عن هلال بن يساف قال: دخل سعيد بن جبير
الكعبة فقرأ القرآن في ركعة؛ وعلق الذهبي في ((السير)) (٣٢٥/٤) بقوله: ((هذا خلاف السنة)).
(١) أخرجه أبو عبيد (ص٩١)؛ وعنه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (ج١١/ق٨٢٢)؛ وأخرجه الفريابي في
((فضائل القرآن)) (١٤٠) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن حبان في ((الثقات)) (٢٠٨/٥) عن أبي بكر بن
أبي شيبة قالا: حدثنا جرير بسنده سواء.
(٢) ساقط من (أ)، وليس هو في ((كتاب أبي عبيد)) أيضاً، فالله أعلم.
(٣) في ((الفضائل)) (ص٩١) وهو غريب جداً، لا أصدقه فإنه لا يكاد المرء يفعل ذلك ولو قرأ القرآن هذَّا هذًّا.
نعم! ذكر الذهبي في ((السير)) (١٣٢/٤) عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن
کله كل ليلة ثلاث مرات وسنده ضعيف.
(٤) في ((الجراح والتعديل)) (٢١١/١/٢، ٢١٢).
(٥) أخرجه ابن حبان في ((الثقات)) (١٦٤/٥، ١٦٥) من طريق ابن أبي شيبة، ثنا عبيدة بن حميد، عن منصور
به وسنده صحيح.
(٦) أخرجه بحشل في ((تاريخ واسط)) (ص٨١)؛ وابن حبان في ((الثقات)) (٤٧٤/٧)؛ والبيهقي في ((الشعب)) =

١١٨
• كتاب فضَائِلِ القرآن
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعن الإمام الشافعي ◌َُّ أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين وفي غيره
ختمة .
وعن أبي عبد الله البخاري صاحب ((الصحيح)) أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان
ختمةً.
ومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي قال: سمعت الشيخ
أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات.
وهذا نادر جداً، فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك
حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرؤونه (مع)(١) هذه السرعة، والله تلك
أعلم.
قال الشيخ أبو زكريا النووي في كتابه ((التبيان)»(٢) بعد ذكر طرف مما تقدم: والاختيار أن ذلك
يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له
كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين
العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء
فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة.
ثم قال البخاري (٣) رَّتُهُ:
البكاء عند قراءة القرآن
وأورد فيه من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال:
قال رسول الله وَج: ((اقرأ علي)) قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: ((إني أشتهي أن أسمعه من
غيري)) قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَ
هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾﴾ قال لي: ((كف أو أمسك)) (فرأيت) (٤) عينيه تذرفان.
وهذا من المتفق عليه كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله.
من(٥) راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فخر به
حدثنا(٦) محمد بن كثير، أنا سفيان، حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة،
عن علي ظُه قال: سمعت النبي وَل﴿ يقول: ((يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان
= (ج٥/ رقم ١٩٩٩)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٧/٣، ٥٨) من طريق هشام بن حسان ويزيد بن هارون عن
منصور.
(١) في (ج): ((في)).
(٢) (ص٧٦).
(٤) في (أ): ((فإذا)).
(٣) في ((فضائل القرآن)) (٨٩/٩) وتقدم تخريجه.
(٥) الذي في ((البخاري)): ((باب إثم من راءى ... إلخ)).
(٦) البخاري في ((الفضائل)) (٩٩/٩)؛ وأخرجه البخاري أيضاً في ((المناقب)) (٦١٨/٦)، وفي ((استتابة المرتدين))
(٢٨٣/٢)؛ ومسلم (١٠٦٦).

١١٩
• كتاب فضَائِلِ القرآن
سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية،
لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم
القيامة)) .
وقد روى في موضعين آخرين، ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الأعمش به.
حدثنا(١) عبد الله بن يوسف، حدّثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن
الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت
رسول الله ﴾ يقول: (يخرج فیکم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم،
وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئاً، وينظر في القدح فلا يرى شيئاً، وينظر في الريش فلا يرى
شيئاً، ويتمارى في الفوق)).
ورواه في موضع آخر ومسلم أيضاً والنسائي من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة به.
وابن ماجه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة به.
حدثنا(٢) مسدد بن مسرهد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك،
عن أبي موسى ◌ًا، عن النبي ◌َّه قال: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها
طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به، كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها،
ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ
القرآن كالحنظلة طعمها مر - أو خبيث - وريحها مر)).
ورواه في ((مواضع أخر)) مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به.
ومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما
جاء في الحديث(٣):
((واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه)) يعني القرآن. والمذكورون في حديث
علي وأبي سعيد هم الخوارج وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم.
وقد قال في الرواية الأخرى: ((يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صلاتهم، وصيامه
مع صيامهم)) .
ومع هذا أمر بقتلهم؛ لأنهم مراءون في أعمالهم في نفس الأمر وإن كان بعضهم قد لا يقصد
ذلك إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله:
(١) البخاري في ((الفضائل)) (٩٩/٩).
(٢) البخاري في ((الفضائل)) (١٠٠/٩)؛ وأخرجه مسلم (٢٤٣/٧٩٧).
(٣) أخرجه البخاري في ((الفضائل)) (١٠٠/٩)، وأخرجه مسلم (٢٤٣/٧٩٧)، وأبو داود (٤٨٣٠)، والنسائيُّ في
((فضائل القرآن)» (١٠٦) وابن ماجه (٢١٤)، وأحمد (٤٠٨/٤)، والفريابي في ((صفة المنافق)) (٤٠)،
والشجري في ((الأمالي)) (٨٣/١) من طرقٍ عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى به، ورواه
همام بن يحيى، وأبو عوانة، وأبان بن يزيد العطار، وسعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد وأبو هلال
الراسبي جميعاً عن قتادة. وقد ذكرت أحاديثهم في ((التسلية)).

١٢٠
· كتاب فضَائِلِ القرآن
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرُ أَم مَّنْ أَسَسَ بُنْيَنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ
فَأَنَّهَارَ بِهِ، فِي نَارٍ جَهَنَّمُ وَالَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِينَ (®﴾ [التوبة].
وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه
إن شاء الله (تعالى)(١) (٢)
والمنافق المشبه بالريحانة (التي)(٣) لها ريح ظاهر وطعمها مر: هو المرائي بتلاوته، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا
يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلََّّ قَلِيلًا (19)﴾ [النساء].
ثم قال البخاري:
اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم
حدثنا (٤) أبو النعمان (محمد بن الفضل عارم)(٥)، حدّثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران
الجوني، عن جندب بن عبد الله عنه، عن النبي وَ لّ قال: ((اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا
اختلفتم فقوموا عنه».
حدثنا عمرو بن علي (بن بحر الفلاس) (٦)، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سلام بن أبي
مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جندب قال: قال رسول الله وَّه: ((اقرءوا القرآن ما ائتلفت
عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا))(٧) [عنه].
تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان.
وقال غندر، عن شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت جندباً قوله.
وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله، وجندب أكثر
وأصح.
وقد رواه في مواضع أخر ومسلم، كلاهما عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن
همام، عن أبي عمران به.
(١) من (أ) و(ط).
(٢) هذا حديث ضعيفُ الإسناد أخرجه أحمد (٢٦٨/٥)، والترمذيُّ (٢٩١١)، وابن نصر في ((قيام الليل))
(ص٤١، ٤٢، ١٢٢)، وفي ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٧٨)، وابن بطة في ((الإبانة)) (٨ - الرد على الجهمية)،
والخطيبُ (٨٨/٧، ١٢/ ٢٢٠) من حديث أبي أمامة واستغربه الترمذي وقد اختلف في سنده فمرة عن أبي
أمامة، ومرة عن جبير بن نوفل، ومرة عن أبي ذر ومرة عن عقبة بن عامرة، ومرة عن جبير بن نفير مرسلاً،
فهو حديث مضطربٌ لا يصح كما قال الإمام البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (٥٠٩)، والله أعلم.
(٣) في (جـ): ((إلى)).
(٤) البخاري في ((الفضائل)) (٩/ ١٠١)؛ ومن طريقه أبو بكر الكلاباذي في ((معاني الأخبار)) (١/٢٢٣)؛ وأخرجه
أيضاً في ((الاعتصام)) (٣٣٥/١٣، ٣٣٦)، ومسلم (٤/٢٦٦٧).
وقد اختلف في هذا الحديث وقفاً ورفعاً، واختلف أيضاً في صاحبي الحديث والصواب ما رجحه الإمام
البخاري تَّفُ أنه عن جندب بن عبد الله مرفوعاً، وقد أشبعت المقام تحريراً في ((تسلية الكظيم)) فلله الحمد.
(٥) كذا وقع في ((الأصول)): الاسم واللقب، والذي في ((الصحيح)) الكنية حسب، فهي زيادة من المصنف،
وكذا الترضي على الصحابي ليس في ((الصحيح)).
(٦) ليس في ((الصحيح)).
(٧) في ((الصحيح)): ((فقوموا عنه).