Indexed OCR Text
Pages 641-660
سُورَةُ الأَنْفَالَ (٧) فَوْسُورَة التَّفْسِسَةُ المَاتُور ٥ ٦٤١ % وليكن المسلوبَ غيرَ السَّالبْ والرَّاجعَ المغْلوبَ غيرَ الغالبْ فسارُوا حتى نزَلُوا الجُحْفَة، نزلُوها عِشاءً يتزوَّدُون من الماء، وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مَنَاف، يقال له: جُهَيْمُ بن الصَّلت بن مَخْرَمة. فَوَضَعَ جُهَيْمٌ رأسَه فأَغْفَى، ثم فزع، فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وَقَفَ عَلَيَّ آنِفًا؟ فقالوا : لا ، إنك مجنون. فقال: قد وَقَفَ عَلَيَّ فارسٌ آنِفًا، فقال: قُتِل أبو جهل، وعُتبة، وشيبة، وزَمْعَة، وأبو البَخْتَرِيّ، وأُميَّةُ بن خلف. فعدَّ أشرافًا مِن كفار قريش، فقال له أصحابه: إنما لعِب بك الشيطان. ورُفِع حديثُ جُهَيم إلى أبي جهل، فقال: قد جِئْتُم بكذِب بني المطلب مع كذب بني هاشم، سَتَرَوْنَ غدًّا مَن يُقتَلُ. ثم ذُكرَ لرسول الله وَّ عِيرُ قريش، جاءتْ من الشام وفيها أبو سفيان بن حرب، ومَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرو بن العاصي، وجماعةٌ مِن قريش، فخرج إليهم رسول الله وَ﴿ه، فسلَك حينَ خرج إلى بدر على نَقْبٍ (١) بني دينار، ورجَعَ حين رجَعَ مِن ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، فَنَفَر رسول اللهِ وَّ حين نَفَرَ ومعه ثلاثُمائةٍ وستةَ عشرَ رجلًا - وفي رواية ابن فُلَيْح: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا -، وأَبْطَأَ عنه كثير من أصحابه، وتَرَبَّصُوا، وكانت أولَ وقْعةٍ أعزَّ الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان على رأس ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مَقْدَمِه المدينة، ومعه المسلمون لا يُريدون إلا العِير، فسَلَك على نَقْبٍ بني دينار، والمسلمون غيرُ مُقْوِين(٢) من الظَّهْر، إنما خرَجُوا على النَّوَاضِحَ (٣)، يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحد، وكان زَميلُ رسول الله وَّهَ عَلِيَّ بن أبي طالب، ومَرْثَدَ بن أبي مَرْتَدِ الغَنَوي حليفَ حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعيرٌ واحد، فسارُوا، حتى إذا كانوا بعِرْقِ الّبْيَة(٤) لَقِيَهم راكبٌ من قِبَلِ تِهامة، والمسلمون يسيرُون، فوافَقَه نفرٌ من أصحاب رسول الله وَّل، فسألُوه عن أبي سفيان، فقال: لا عِلمَ لي به. فلما يَئِسُوا مِن خبره قالوا له: سلِّم على النبيِ وَّر. فقال: وفيكم رسول الله؟! قالوا: نعم. قال: أيُّكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنتَ رسول الله كما تقول؟ قال: ((نعم)). قال: إن كنتَ رسول الله كما تزعُمُ فحدِّثني (١) النَّقْبُ: هو الطريق بين الجبلين. النهاية (نقب). (٢) مقوون: كاملو أداة الحرب. اللسان (قوي). (٣) النواضح من الإبل: التي يستقى عليها. اللسان (نضح). (٤) عرق الظبية: موضع بين مكة والمدينة. معجم البلدان ٥٧٤/٣، ٦٥٢. سُورَةُ الأَنْفَالَ (٧) & ٦٤٢ . مُوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور بما في بطن ناقتي هذه؟ فغضب رجل من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له: سلمةُ بن سلامةَ بن وَقْشٍ. فقال للأعرابي: وقَعْتَ على ناقتِك فحمَلتْ منك. فكَرِهِ رسول الله وَ لّ ما قال سلمةُ حينَ سمِعَه أَفْحَشَ، فَأَعْرَضَ عنه، ثم سار رسول الله وَّـ لا يلقاه خبرٌ، ولا يعلمُ بنَفْرة قريش، فقال رسول الله وٍَّ: «أَشِيرُوا علينا في أمرنا ومسيرنا)). فقال أبو بكر: يا رسول الله، أنا أعلمُ الناس بمسافة الأرض، أخْبَرنا عدي بن أبي الزَّغْبَاءِ أن العِيرَ كانت بوادِي كذا وكذا، فكأَنَّا وإِيَّاهم فرسا رهانٍ إلى بدر. ثم قال: ((أشيروا عَلَيَّ)). فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إنها قريشٌ وعِزُّها، واللهِ ما ذَلَّت منذُ عزَّت، ولا آمنتْ منذ كفرت، والله لتُقاتِلَنَّك، فتأهَّبْ لذلك أُهْبَتَه، وأعِددْ له عُدَّتَه. فقال رسول الله وَّه: ((أشِيروا عَلَيَّ)). فقال المِقْدَاد بن عمرو: إنا لا نقولُ لك كما قال أصحاب موسى: اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنَّا معكم مُتَّبِعون. فقال رسول الله وَلّ: (أَشِيروا عَلَيَّ)). فلما رأى سعد بن معاذ كثرةَ استشارة النبي أصحابَه، فيُشيرون، فَيَرجِعُ إلى المشورة، ظنَّ سعدٌ أنه يستنطِقُ الأنصار شَفَقًّا أَلَّا يَسْتَحْوِذُوا معه على ما يريدُ من أمره، فقال سعد بن معاذ: لعلك يا رسول الله تخشى ألا تكون الأنصار يريدون مواساتَك، ولا يرَوْنها حقًّا عليهم إلا بأن يرَوْا عدوًّا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم يا رسول الله، فاظْعَنْ حيث شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، ثم أَعْطِنا ما شئتَ، وما أخَذتَه منَّا أحبُّ إلينا مما ترَكتَ، وما ائتمَرْتَ من أمر فَأَمْرُنا بأمرِك فيه تَبَعٌ، فوالله لو سِرْتَ حتى تبلغَ البَرْكَ من غِمْدِ ذِي يَمَنِ لَسِرْنا معك. فلما قال ذلك سعد قال رسول الله وَّه : ((سيروا على اسم الله، فإني قد رأيتُ مَصارِعَ القوم)). فَعَمَد لبدرٍ . وخفَض أبو سفيان فلَصِقَ بساحل البحر، وكتب إلى قريش حين خالف مسيرَ رسول الله وَّ، ورأى أنه قد أحرَز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا؛ فإنما خرَجتُم لتُحرِزوا رَكْبَكم فقد أُحرِزَ لكم. فَلَقِيَهم هذا الخبر بالجُحْفَة، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نَقدَمَ بدرًا، فَنُقيم بها، ونُطعِم مَنْ حَضَرَنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ فيُقاتلَنا. فكَرِه ذلك الأَخْنَسُ بن شَرِيقٍ، فأحبَّ أن يرجِعوا، وأشار عليهم بالرجعة، فأبَوْا وعَصَوْا، وأخَذَتهم حَمِيَّةُ الجاهلية، فلما يئِسَ الأخنسُ من رجوع قريش أكَبَّ على بني زُهْرةَ، فأطاعوه فرجَعوا، فلم يشهَد أحد منهم بدرًا، واغْتَبَطُوا برأي الأخنس، وتَبَرَّكوا به، فلم يزَلْ فيهم مُطاعًا حتى مات، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوعَ سُورَةُ الأَنْفَالَ (٧) فَوَسُكَبِ التَّفْسَِّة المَاتُون ٥ ٦٤٣ %= فيمن رجَع، فاشتَدَّ عليهم أبو جهل، وقال: والله لا تُفارِقُنا هذه العصابة حتى نرجع. وسار رسول الله ◌َ﴿ل حتى نزل أدنى شيء من بدر، ثم بعث عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوَّام، وبَسْبَسًا الأنصاري، في عصابةٍ من أصحابه، فقال لهم: ((اندفِعوا إلى هذه الظِّرَابَ(١)). وهي في ناحية بدر، «فإني أرجو أن تجدُوا الخبرَ عندَ القَلِيبِ الذي يلى الظَّرَابَ)). فانطَلَقوا متوشِّحِي السيوف، فوجدوا وارِدَ قريشِ عند القَلِيبِ الذي ذكر رسول الله وَّه، فأخذوا غلامين؛ أحدُهما لبني الحجاج بن أسود، والآخرُ لأبي العاصي يقال له: أسلَم، وأفلَت أصحابُهما قِبَلَ قريش، فأقبَلوا بهما حتى أتَوا بهما رسول الله وَّرَ وهو في مُعَرَّسِهِ (٢) دونَ الماء، فجعَلوا يسألون العَبدَينِ عن أبي سفيان وأصحابه، لا يرَوْن إلا أنهما لهم، فطَفِقا يُحدِّثانِهم عن قريش ومَن خرج منهم وعن رءُوسهم فيكذّبونهما، وهم أكرَهُ شيء للذي يُخبرانِهم، وكانوا يطمعون بأبي سفيان وأصحابِه ويكرَهون قريشًا، وكان رسول الله وَّ قائمًا يصلِّي، يسمعُ ويَرَى الذي يصنعون بالعبدَيْن، فجعل العبدان إذا أذلَقُوهما(٣) بالضرب يقولان: نعم، هذا أبو سفيان. والرَّكبُ كما قال الله تعالى: ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. قال الله: ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمَّ وَلَوْ تَوَاعَدُّمْ لَأَخْتَلَفْتُمْ فِى اُلْمِيعَدِّ وَلَكِن لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. قال: فطفِقوا إذا قال العبدَان: هذه قريشٌ قد جاءَتْكم. كذَّبوهما، وإذا قالا: هذا أبو سفيان. ترَكوهما، فلما رأى رسول الله وَلّه صَنِيعَهم بهما سلَّم من صلاته، وقال: ((ماذا أخبَراكم؟)). قالوا: أخبرَانا أن قريشًا قد جاءت. قال: ((فإنهما قد صدَقا، والله إنكم لتضرِبونهما إذا صدَقا، وتترُكونهما إذا كذَبا، خرَجت قريش لتُحرِزَ رَكْبَها، وخافوكم عليهم)). ثم دعا رسول الله ﴿ ﴿ه العبدَين، فسألهما، فأخبَراه بقريش، وقالا: لا عِلْمَ لنا بأبي سفيان. فسألهما رسول الله وَلّ: ((كم القوم؟)). قالا: لا ندري، والله هم كثير. فزعموا أن رسول الله وَلّ قال: ((مَنْ أطعَمَهم أمس؟)). فَسَمَّيَا رجلًا من القوم، قال: ((كم نَحَر لهم؟)). قالا: عشْرَ جزائرَ. قال: ((فمن أطعمهم أولَ أمس؟)). فسمَّيَا رجلًا آخرَ من القوم، قال: ((كم نَحَر لهم؟)). قالا: تسعًا. فزعَموا أن رسول الله وَّه قال: (١) الظراب: الجبال الصغار، واحدها: ظَرِب. النهاية (ظرب). (٢) الْمُعَرَّسُ: موضع التعريس. والتعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة. النهاية (عرس). (٣) أَذْلَقَهُ: أقلقه وأضعفه. القاموس (ذلق). سُورَةُ الأَنْفَّالِ (٧) = ٦٤٤ . فَوَسُوعَة التَّفْسَِّةُ الْحَانُور ((القومُ ما بينَ التسعِمائة والألف)). يعتبرُ ذلك بتسع جزائرَ ينحَرونها يومًا، وعشرٍ ينحَرونها يومًا، فقام رسول الله وَّه فقال: ((أشيروا عليَّ في المنزل)). فقام الحُبابُ بن المنذر، أحد بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها، إن رأيتَ أن تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرَفْتُها كثيرةَ الماء عذبة، فتنزِلَ إليها، وتَسْبِقَ القومَ إليها، وتُغَوِّرَ ما سِواها. فقال رسول الله بَّه: ((سِيروا، فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم)). فوقع في قلوب ناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله وَلّ والمسلمون مُسَابِقين إلى الماء، وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا؛ فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً(١) خفيفة، لَبَّد (٢) لهم المسيرَ والْمَنزلَ، وكانت بَطْحَاءُ(٣)، فسبَق المسلمون إلى الماء، فنزَلوا عليه شَطَرَ الليل، فاقْتَحَم القوم في القليبِ فماحُوها (٤) حتى كثُر ماؤُها، وصنَعوا حوضًا عظيمًا، ثم غَوَّروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله وَّ: ((هذه مَصارِعُهم - إن شاء الله - بالغداة)). وأنزل الله: ﴿إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾(٥). ثم صفَّ رسول الله وَّ على الحِيَاضِ، فلما طلَع المشركون قال رسول الله وَّ: ((اللَّهُمَّ هذه قريش قد جاءت بِخُيَلَائِها وفخرِها، تُحادُّك وتكذِّبُ رسولك، اللَّهُمَّ إني أسألك ما وعَدتَني)). ورسول اللهِ وَّ ممسكٌ بعَضُدٍ أبي بكر، يقول: ((اللَّهُمَّ إني أسألك ما وعَدتَني)). فقال أبو بكر: أبشِرْ، فوالذي نفسي بيده، ليُنجِزَنَّ اللهُ لك ما وعَدَك. فاستنصَرَ المسلمون الله واستغاثوه، فاستجاب الله لنبيِّه وللمسلمين . (١) الدِّيمة: المطر الدائم في سكون. النهاية (ديم). (٢) أي: جعل الأرض التي يسيرون عليها قوية لا تَسُوخُ فيها الأرجل وكذا المنزلُ الذي ينزلونه. النهاية (لبد). (٣) بطحاء الوادي وأَبْطَحُهُ: حصاه اللَّيِّنُ في بطن الْمَسِيل. النهاية (بطح). (٤) الميح: أن يدخل البئر فيملأ الدلو، وذلك إذا قل ماؤها. اللسان (ميح). (٥) و﴿إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ﴾ بفتح الياء والشين وألف بعدها، ورفع ﴿النُّعَاسُ﴾ قراءة متواترة، قرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، وقرأ نافع، وأبو جعفر: ﴿إِذْ يُغْشِيكُمُ النُّعَاسَ﴾ بضم الياء، وكسر الشين، وياء بعدها، ونصب ﴿النُّعَاسَ﴾، وكذلك بقية العشرة إلا أنهم فتحوا العين، وشدّدوا الشين ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾. انظر: النشر ٢٧٦/١، والإتحاف ص ٢٩٧. سُورَةُ الأَنْفَالَ (٧) فَوْسُكَبْ التَّفْسَةُ الْجَاتُور ٦٤٥ % وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سُرَاقَةَ بن جُعْشُم المُدْلِجِيِّ يحدِّثُهم أن بني كِنَانَةَ وراءهم قد أقبلوا لنصرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، لما أخبرهم من مَسِير بني كِنَانَةَ، وأنزل الله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِنْ دِيَرِهِم بَطَرًا وَرِثَآءَ النَّاسِ﴾. هذه الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وقال رجال من المشركين لَمَّا رأوا قِلَّةَ مَن مع محمد وَّ: غَرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال، والشيطان معهم لا يُفارقُهم، فسعى حكيمُ بن حِزام إلى عُتْبَةَ بن رَبِيعَة، فقال له: هل لك أن تكون سيدَ قريش ما عِشْتَ؟ قال عتبة: فأفعلُ ماذا؟ قال: تُجِيرُ بينَ الناسِ(١)، وتَحْمِلُ(٢) دمَ ابن الحضرمي وبما أصاب محمدٌ من تلك العير، فإنهم لا يطلبون من محمدٍ غيرَ هذه العير ودم هذا الرجل. قال عتبة: نعم، قد فعَلتُ، ونِعِمَّا قلتَ ونِعمَّا دَعَوتَ إليه، فاسعَ في عشيرتِك فأنا أتحمَّلُ بها. فسعَى حكيمٌ في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركِبَ عُتْبَة جملاً له، فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قوم، أطيعوني، فإنكم لا تطلُّبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عِيرِكَم تلك، وأنا أتحمَّلُ بوفاءِ ذلك، ودَعُوا هذا الرجل؛ فإن كان كاذبًا وَلِيَ قتلَه غيرُكم من العرب، فإنَّ فيهم رجالًا لكم فيهم قرابةٌ قَرِيبَةٌ، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه، أو ابنه، أو ابن أخيه، أو ابن عمِّه، فيُوَرِّثُ ذلك فيهم إِحَنَا وضَغَائِن، وإن كان هذا الرجلُ مَلِكًا كنتم في مُلْكِ أخيكم، وإن كان نَبِيًّا لِمَ تَقتُلوا النبي فتُسَبُّوا به؟! ولن تَخْلُصُوا إليهم حتى يُصِيبوا أعدادَهم، ولا آمَنُ أن تكونَ لهم الدَّبْرَةُ(٣) عليكم. فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله إلا أن يُنفِذَ أمره، وعَمَد أبو جهل إلى ابن الحَضْرَمِيّ، وهو أخوِ المقتول، فقال: هذا عتبةٌ يُخَذِّلُ بين الناس، وقد تحمَّلَ بدِيَةِ أخيك يزعمُ أنك قابلُها، أفلا تَسْتَحُيُون من ذلك أن تَقْبَلوا الدِّيَة؟! فزعَموا أن النبي ◌َّ قال وهو ينظر إلى عتبة: ((إن يكن عند أحد من القوم خيرٌ فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يَرشُدوا)). فلما حَرَّض أبو جهل (١) تجير بين الناس: أي: تفصل بينهم. التاج (جور). (٢) الحَمَالَةُ - بالفتح» : ما يَتَحَمَّلُهُ الإنسان عن غيره من دِيَة أو غَرامة، مثل أن يقع حرب بين فريقين تُسْفَك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل دِيَاتِ القتلى ليُصْلح ذات البين. والتَّحَمُّل: أن يَحْمِلَهَا عنهم على نفسه. النهاية (حمل). (٣) الدَّبْرَة: نقيض الدولة والعاقبة والهزيمة في القتال. القاموس (دبر). سُورَةُ الأَنْفَّالِ (٧) ٦٤٦ %= مَوْسُوعَة التَّفْسَِّةُ الْمَانُور قريشًا على القتال أمَر النساء يُعْوِلْنَ عَمْرًا، فقُمْن يَصِحْنَ: واعَمْرَاه، واعَمْرَاه. تحريضًا على القتال، فاجتمعت قريشٌ على القتال، فقال عتبة لأبي جهل: ستَعلمُ اليوم أيّ الأمرين أرشد. وأخَذَت قريش مَصافَّ هذا القتال، وقالوا لعُمَير بن وهب: اركَبْ فاحْزُرْ لنا محمدًا وأصحابَه. فقعَد عُميرٌ على فرسِه، فأطاف برسول الله وَل وأصحابه، ثم رجع إلى المشركين، فقال: حَزَرْتُهم بثلاثمائة مقاتل، زادوا شيئًا أو نقَصوا شيئًا، وحزَرتُ سبعين بعيرًا أو نحو ذلك، لكن أنظِروني حتى أنظرَ هل لهم مَدَد أو كَمِين؟ فأطاف حولَهم، وبعثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم، ثم رجعوا فقالوا : لا مَدَدَ لهم ولا كَمِينَ، وإنما هم أكَلَةُ جَزُورٍ (١). وقالوا لعمير: حَرِّشْ بينَ القوم. فحمَل عُمَيرٌ على الصفِّ بمائةٍ فارس، واضطجَع رسول الله وَله، وقال لأصحابه: ((لا تُقَاتِلوا حتى أُوذِنَكم)). وغَشِيَه نومٌ فغلبه، فلما نظر بعضُ القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله، قد دنا القومُ ونالوا مِنَّا. فاستيقظ رسول الله وَله، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلًا، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين، حتى طَمِع بعضُ القوم في بعض، ولو أراه عددًا كثيرًا لفشِلوا وتنازَعوا في الأمر كما قال الله. وقام رسول الله وَّر في الناس فوعَظهم، وأخبرهم أن الله قد أوجَب الجنة لمن استُشهِد اليوم، فقام عُمَيْرُ بن الحُمَام عن عجينٍ كان يعجنُه لأصحابه حين سمع قول النبيِ وَّ، فقال: يا رسول الله، إنَ لي الجنةَ إن قُتِلتُ؟ قال: ((نعم)). فشَدَّ على أعداء الله مكانَه فاستُشهِد، وكان أولَ قتيلٍ قُتِل. ثم أقبَل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلفُ بآلهته لَيَشْرَبَنَّ من الحوض الذي صنَع محمدٌ، وَلَيَهْدِمَنَّه، فلما دنا من الحوض لَقِيَه حمزة بن عبد المطلب، فضَرَب رِجْلَه، فقطَعها، فأقبَل يحبو حتى وقَع في جَوْف الحوض، وأَتْبَعه حمزة حتى قتله، ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله، ونادى: هل من مُبَارِز؟ ولَحِقَه أخوه شيبة والوليد ابنُه، فنادَيَا يسألان المُبارزة، فقام إليهم ثلاثةٌ من الأنصار، فاسْتَحْيَا النبي ◌َّ من ذلك، فناداهم: أن ارجعوا إلى مَصافِّكم، ولْيَقُمْ إليهم بنو عمِّهم. فقام حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعُبيدةُ بن الحارث بن المطلب؛ فقتل حمزةُ عتبة، وقتَل عبيدةُ شيبة، وقتَل عليٍّ الوليد، وضرَب شيبةُ رِجْلَ عبيدة فقطعها، فاستَنْقَذه حمزة وعلي، فحُمِل حتى تُوفِّيَ بالصَّفْرَاءِ(٢)، وعندَ ذلك نذَرت هند بنتُ عتبة لَتَأْكُلَنَّ من كَبِدِ حمزة إن قَدرت عليها، فكان قَتْلُ (١) يقال: إنما هم أكلة رأس. يُضرب مثلًا للقوم يقِلُّ عددهم. مجمع الأمثال للميداني ٨١/١. (٢) الصفراء: وادٍ من ناحية المدينة. معجم البلدان ٣٩٩/٣. سُورَةُ الأَنْفَّالِ (٧) فَوَسُوعَة التَّفَسَّسَةُ المَاتُور ٥ ٦٤٧ . هؤلاء النفر قبل التقاءِ الجَمْعَين، وعَجَّ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأَوُا القتال قد نَشِبَ، ورفع رسول الله وَّ يَدَيْه إلى الله يسأله ما وَعَدَه، ويسأله النصر، ويقول: ((اللَّهُمَّ إن ظُهِر على هذه العصابة ظَهَر الشِّرْكُ، ولم يقُمْ لك دينٌ)). وأبو بكر يقول: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لَيَنصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزل الله من الملائكة جُندًا في أَكْنَافِ العدو، فقال رسول الله وَّل: ((قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة، أبشِرْ يا أبا بكر، فإني قد رأيتُ جبريل مُعْتَجِرًا (١) يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبط إلى الأرض جلس عليها، فتَغيَّب عني ساعة، ثم رأيتُ على شَفَتِهِ غُبارًا)). وقال أبو جهل: اللَّهُمَّ انصُرْ خيرَ الدِّينَيْن، اللَّهُمَّ ديننا القديم ودين محمد الحديث. ونكَص الشيطان على عَقِبَيه حين رأى الملائكة، وتَبَرَّأ من نُصرة أصحابه، وأخذ رسول الله ◌َ﴿ مِلءَ كفِّه من الحَصْباءِ (٢)، فرمَى بها وجوهَ المشركين، فجعل الله تلك الحَصْباءَ عظيمًا شأنُها، لم تترُكْ من المشركين رجلًا إلا ملأَّت عينيه، والملائكة يقتُلونهم ويأسِرونهم، ويجِدون النفرَ كلَّ رجلٍ منهم مُنكَبًّا على وجهه لا يدري أين يتوجَّهُ، يُعَالِجُ التراب ينزِعُه من عينيه. ورجَعَت قريش إلى مكة مُنهَزِمين مَغلوبين، وأذلَّ الله بوقعة بدر رقابَ المشركين والمنافقين، فلم يبقَ بالمدينة منافقٌ ولا يهوديّ إلا وهو خاضعٌ عنقُه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرَّق الله بين الشرك والإيمان، وقالت اليهود تيقُّنًا: إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفعُ رايةً بعد اليوم إلا ظهرت. ورجع رسول الله وَّه إلى المدينة، فدخل من ثَنِيَّةِ الوداع، ونزَل القرآن يُعَرِّفُهم الله نعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله وَّه إلى بدر، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْنِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ هذه الآية وثلاثَ آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية وأخرى معها، وأنزَل فيما غشِيَهم من النُّعاس: ﴿إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ﴾ الآية، ثم أخبَرهم بما أوحَى إلى الملائكة من نصرِهم، فقال: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ﴾ الآية والتي بعدها، وأنزل في قتلِ المشركين والقبضةِ التي رمَى بها رسول الله،وَّه: ﴿فَمَ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ (١) الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه، ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذَقَنِهِ. النهاية (عجر). (٢) الحَصْبَاءُ: الحصى الصغار. النهاية (حصب). سُورَةُ الأَنْفَال (٧) ٥ ٦٤٨ %= فَوْسُكَبْ التَّفْسِيَةُ المَاتُورُ اللَّهَ قَلَهُمْ﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ١٧، ١٨]، وأنزل في استفتاحِهم: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ اُلْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، ثم أنزل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سبع آيات منها [الأنفال: ٢٠ - ٢٦]، وأنزل في منازلهم: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمَ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٢، ٤٣]، وأنزل فيما يَعِظُهم به: ﴿يَأَيُّهَا اُلَِّينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ﴾ الآية وثلاث آيات معها [الأنفال: ٤٥ - ٤٨]، وأنزل فيما تكلّم به مَن رأى قِلَّة المسلمين: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمُ ﴾ الآية [الأنفال: ٤٩]، وأنزل في قتلى المشركين ومَن اتَّبَعَهم: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَنَوَفَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ﴾ الآية وثمانَ آياتٍ معها [الأنفال: ٥٠ - ٥٨](١). (٧/ ٢٩ - ٤٦) ٣٠٢٠٨ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط -: أنَّ أبا سفيان أقبل في عِير من الشام فيها تجارة قريش، وهي اللَّطِيمة(٢)، فبلغ رسولَ الله وَلّ أنها قد أقبلت، فاستنفر الناس، فخرجوا معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، فبعث عينًا له من جُهَيْنَة حَلِيفًا للأنصار يدعى: ابن الأُرَيْقِطِ، فأتاه بخبر القوم. وبلغ أبا سفيان خروجُ محمد ◌ّ، فبعث إلى أهل مكة يستعينهم، فبعث رجلاً من بني غِفَار يدعى ضَمْضَم بن عمرو، فخرج النبي ◌َّه ولا يشعر بخروج قريش، فأخبره الله بخروجهم، فتخوف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: إنا عاهدنا أن نمنعك إن أرادك أحد ببلدنا . فأقبل على أصحابه، فاستشارهم في طلب العير، فقال له أبو بكر ظه: إني قد سلكت هذا الطريق، فأنا أعلم به، وقد فارقهم الرجل بمكان كذا وكذا، فسكت النبي ◌َّ، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يشيرون عليه بالعِير. فلما أكثر المشورة تكلم سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أراك تشاور أصحابك فيشيرون عليك، وتعود فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوف أن تتخلف عنك الأنصار، أنت رسول الله، وعليك أُنزِل الكتاب، وقد أمرك الله بالقتال، ووعدك النصر، والله لا يخلف الميعاد، امضٍ لما أُمِرْت به، فوالذي بعثك بالحق لا يتخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قام المِقْدَاد بن الأسود الكِندِيّ، فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا (١) أخرجه البيهقي في الدلائل ١٠١/٣ - ١١٩، وموسى بن عقبة في مغازيه - كما في تاريخ الإسلام للذهبي ١٠٣/٢ - ١١٢ - مرسلًا . قال الذهبي: ((حذفتُ من هذه القصة كثيرًا مما سلف من الأحاديث الصحيحة استغناءً بما تقدم)). (٢) اللَّطيمة: الجِمال التي تحمل العِطْر والبَزَّ غيرَ الْمِيَرة. النهاية (لطم). فَوْسُكَبِ التَّقْسِيَة المَاتُون ٦٤٩ . سُورَةُ الأَنْفَّالَ (٧) قاعدون. ولكِنَّا نقول: أَقْدِم فقاتل، إنا معك مقاتلون. ففرح رسول الله وَّله بذلك، وقال: ((إنَّ ربي وعدني القوم، وقد خرجوا، فسيروا إليهم)). فساروا (١). (ز) تفسير الآية: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ ٣٠٢٠٩ - قال أبو أيوب الأنصاري - من طريق أبي عِمْرَان -: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى اُلْطَّبِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، قالوا: الشَّوْكة: القوم. وغير الشوكة: العِير. فلَمَّا وَعَدَنا الله إحدى الطائفتين: إما العير، وإما القوم، طابَتْ أنفسنا(٢). (ز) ٣٠٢١٠ - عن عروة بن الزبير - من طريق محمد بن جعفر بن الزبير - ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، أي: الغنيمة، دون الحرب(٣). (ز) ٣٠٢١١ - عن عروة بن الزبير - من طريق هشام بن عروة -: أنَّ أبا سفيان أقبل ومن معه من رُكْبَان قريش مُقْبِلِين من الشَّام، فسلكوا طريق الساحل، فلما سمع بهم النبي ◌َّ* ندب أصحابه، وحَدَّثَهم بما معهم من الأموال، وبِقِلَّة عددهم. فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه، لا يرونها إلا غنيمةً لهم، لا يظنون أن يكون كبيرُ قتال إذا رأوهم. وهي ما أنزل الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (٤). (ز) ٣٠٢١٢ - عن الضحاك بن مزاحم - من طريق عبيد بن سليمان - في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، قال: هي عِيرُ أبي سفيان، ودَّ أصحابُ محمد ◌َِّ أنَّ العِيرَ كانت لهم، وأن القتالَ صُرِف عنهم(٥). (٤٩/٧) ٣٠٢١٣ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى اُلْطَّبِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾، قال: الطائفتان: إحداهما أبو سفيان أقبَل بالعِيرِ من الشام، والطائفة الأخرى أبو جهل بن هشام معه نفرٌ من قريش، فكَرِه المسلمون الشَّوْكَة (١) أخرجه ابن جرير ٤٣/١١ - ٤٤ مرسلًا. (٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٧، وابن أبي حاتم ١٦٦١/٥. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٦٦١/٥. (٤) أخرجه ابن جرير ٤١/١١ مرسلًا . (٥) أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٨، وابن أبي حاتم ١٦٦١/٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ. سُورَةُ الْأَنفَّالِ (٧) ٠ ٦٥٠ %= مُؤْسُكَبِ التَّقْسِيَةُ الْخَاتُورُ والقتال، وأَحَبُّوا أن يَلْتَقُوا العِير، وأراد الله ما أراد(١). (٤٩/٧) ٣٠٢١٤ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أرادوا العير، والله يريد أن يحق الحق بكلماته(٢). (ز) ٣٠٢١٥ - عن عبد الملك ابن جُرَيْج - من طريق حجاج - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى اُلْطَّبِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، قال: كان جبريل عَّلُ قد نزل، فأخبره بمسير قريش وهي تريد عِيرها، ووعده إما العير، وإما قريشًا، وذلك كان ببدر، وأخذوا السُّقَاة وسألوهم، فأخبروهم، فذلك قوله: ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتٍ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. هم أهل مكة(٣). (ز) ٣٠٢١٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى اُلْطَآئِفَنَيْنِ﴾ العير، أو هزيمة المشركين وعسكرهم ﴿أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ يعني: العير ﴿تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ﴾ يقول: يحقق الإسلام بما أنزل إليك (٤) [٢٧٤٦]. (ز) ٣٠٢١٧ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، أي: الغنيمة دون الحرب(٥). (ز) ٣٠٢١٨ - عن سفيان الثوري، في قول الله: ﴿إِحْدَى اُلْطَّابِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾، قال: عِير أبي سفيان(٦). (ز) ٣٠٢١٩ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، خرج النبي وَّل إلى ٢٧٤٦ ذكر ابنُ عطية (١٤١/٤) أنَّ المعنى في قوله: ﴿بِكَلِمَتِهِ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد: بأوامره وأمره للملائكة والنصر لجميع ما يظهر الإسلام. الثاني: أن يريد: بكلماته التي سبقت في الأزل، ثم علَّق بقوله: ((والمعنى قريب)). (١) أخرجه ابن جرير ٤٤/١١، ٤٥، وابن أبي حاتم ١٦٦١/٥ بلفظ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّابِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ فالطائفتان: إحداهما أبو سفيان أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى: أبو جهل بن هشام معه نفير قريش. وذكره يحيى بن سلام - تفسير ابن أبي زمنين ٢/ ١٦٧ -. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٦٦٢/٥. (٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٠١، ١٠٢. (٦) تفسير سفيان الثوري ص ١١٦. (٣) أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٦. (٥) أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٨. فَوْسُكَبِ التَّفْسِيَةُ المَاتُون سُورَةُ الأَنْفَّالِ (٧) ٥ ٦٥١ هـ بدر، وهم يريدون يعترضون عِيرًا لقريش. قال: وخرج الشيطان في صورة سُرَاقَةَ بنِ جُعْشُم، حتى أتى أهل مكة، فاستغواهم، وقال: إن محمدًا وأصحابه قد عرضوا العِيركَّم. وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، مَن مثلكم؟! وإني جار لكم أن تكونوا على ما يكره الله. فخرجوا، ونَادَوا أن لا يتخلف مِنَّا أحد إلا هدمنا داره واستبحناه، وأخذ رسول الله وَ له وأصحابه بالرَّوْحَاءِ(١) عَيْنًا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسول الله وَلّ: إن الله قد وعدكم العِير أو القوم. فكانت العِير أحبَّ إلى القوم من القوم، كان القتال في الشَّوْكة، والعِير ليس فيها قتال، وذلك قول الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، قال: الشوكة: القتال. وغير الشوكة: العير(٢). (ز) ٣٠٢٢٠ - عن يعقوب بن محمد، قال: حدثني غير واحد في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: إن الشوكة قريش(٣). (ز) آثار متعلقة بالآية: ٣٠٢٢١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عكرمة - قال: قيل لرسول الله وَله حين فَرَغْ منِ بدر: عليك العيرَ ليس دونَها شيء. فناداه العباس وهو أسيرٌ في وَثَاقِه: إنه لا يصلُحُ لك. قال: ((ولِمَ؟)). قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال: ((صدقتَ))(٤). (٧/ ٥٠) ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ ٣٠٢٢٢ - عن أبي مالك غَزْوان الغفاري - من طريق السدي - قوله: ﴿دَابِرَ﴾، يعني: (٥) أصل(٥). (ز) ٣٠٢٢٣ - عن قتادة بن دعامة: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾، أي: شَأْفَتَهم(٦). (٥٠/٧) (١) الرَّوْحاء: موضع بين مكة والمدينة. ينظر: النهاية (سد)، ومعجم البلدان ٧٦/٣. (٣) أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٨. (٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٦ - ٤٧. (٤) أخرجه أحمد ٤٦٦/٣ (٢٠٢٢)، ٦٠/٥ (٢٨٧٣)، ١٤١/٥ - ١٤٢ (٣٠٠١)، والترمذي ٣١٦/٥ (٣٣٣٥)، والحاكم ٣٥٧/٢ (٣٢٦١)، وعبد الرزاق في تفسيره ١١٦/٢ (٩٩٦)، وابن أبي حاتم ١٦٦٠/٥ (٨٨١٣). قال الترمذي: ((هذا حديث حسن)). وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). وقال ابن كثير في تفسيره ١٦/٤: ((إسناد جيد)). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم ١٦٦٢/٥. (٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. سُورَةُ الأَنْفَّال (٨ -٩) ٥ ٦٥٢ % مُوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْمَانُور ٣٠٢٢٤ - قال صفوان بن سليم - من طريق محمد بن عمرو -: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ اُلْكَفِرِينَ﴾ فأوحى الله إليه القتال (١). (ز) ٣٠٢٢٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ﴾، يقول: يحقق الإسلام بما أنزل إليك، ﴿وَيَقْطَّعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾ يعني: أصل الكافرين ببدر(٢). (ز) ٣٠٢٢٦ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾، أي: الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر(٣). (ز) ٣٠٢٢٧ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قول الله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ بِكَلِمَتِهِ﴾: أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطع دابرهم، هذا خير لكم من العير (٤). (ز) ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُبْطِلَ اُلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ ٣٠٢٢٨ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ﴾: هم المشركون(٥). (ز) ٣٠٢٢٩ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُطِلَ اُلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ﴾: وهم المشركون(٦). (ز) ٣٠٢٣٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يعني: الإسلام، ﴿وَبُطِلَ اُلْبَطِلَ﴾ يعني: الشرك، يعني: عبادة الشيطان، ﴿وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ﴾ يعني: كفار مكة(٧). (ز) ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ ٩ نزول الآية : ٣٠٢٣١ - عن عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يومُ بدر نظَر النبي ◌َّ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ونظر إلى المشركين (١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٦٦٢/٥. (٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١٠١/٢، ١٠٢. (٣) أخرجه ابن جرير ٤٩/١١، ٥٠، وابن أبي حاتم ١٦٦٢/٥. (٤) أخرجه ابن جرير ٤٩/١١. (٥) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٠. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٦٢. (٧) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٠٢. سُورَةُ الأَنْفَّالِ (٩) فَوَسُبَة التَّفْسِيرُ الْمَاتُور : ٦٥٣ % فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبلِ نبيُّ اللهَ وَّهِ القبلة، ثم مدَّ يديه، وجعل يهتِفُ برَبِّه: (اللَّهُمَّ أَنجِزْ لي ما وعدتَنِي، اللَّهُمَّ إن تهلِك هذه العِصابة من أهل الإسلام لا تُعبَدْ في الأرض)). فما زال يهتِفُ بربِّه مادًّا يدَيه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءَه فألقاه على مَنكِبَيْه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبيَّ الله، كَذَاكَ(١) مناشدَتك ربَّك، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعَدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فلما كان يومئذٍ والتقَوا هزَم الله المشركين، فقُتِل منهم سبعون رجلًا، وأُسِر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله وَ﴿ أبا بكر وعمر وعليًّا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخُذَ منهم الفدية، فيكونُ ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديَهم فيكونوا لنا عضُدًا. فقال رسول الله وَّه: ((ما ترى يا ابن الخطاب؟)). قلتُ: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنَني من فلانٍ - قريبٍ لعمر - فأضربَ عنقَه حتى يعلمَ الله أنه ليس في قلوبنا مودةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدُهم وأئمتُهم وقادتُهم. فَهَوِي رسول الله ربَّ ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وأخَذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: فغدوتُ إلى النبيِ وَّه فإذا هو قاعدٌ وأبو بكر وهما يبكيان، فقلتُ: يا رسول الله، أخبرني ماذا يُبكيك أنت وصاحبَك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجدْ بكاءً تباكيتُ لبكائِكما. قال النبي ◌َّ: ((الذي عرَض عليَّ أصحابُك من أخذِ الفداء، قد عُرض عَلَيَّ عذابُكم أدنَى من هذه الشجرة)) لِشَجرة قريبة. وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَتَّى يُتْحِنَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِنَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨] من الفِدَاءِ. ثم أحلَّ لهم الغنائم، فلما كان يومُ أُحدٍ من العام المقبل عُوقبوا بما صنَعوا يومَ بدر من أخذِهم الفِدَاءَ، فقُتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب النبيِ وَّ عن النبيِ وَّ، وكُسِرت رَبَاعِيَتُه، وهُشِّمت البَيْضَةُ(٢) على رأسِه، وسال الدَّم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] بأَخْذِكم الفداء. قال ابن عباس: بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أثرِ رجلٍ من المشركين أمامَه إذ سمِع ضربةً بالسوط فوقَه، وصوتُ الفارس (١) قال النووي: هكذا وقع لجماهير رواة مسلم ((كذاك)) بالذال، ولبعضهم ((كفاك)) بالفاء، وفي رواية البخاري: حسبك مناشدتك ربك. وكلٌّ بمعنى. صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٥. (٢) البيضة: الخوذة. النهاية (بيض). سُورَةُ الْأَنفَّالِ (٩) ٥ ٦٥٤ % مَوْسُوعَة التَّفْسَةُ المَاتُور يقول: أَقدِمْ حَيْزُومُ (١). إذ نظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمَ (٢) وشُقَّ وجهُه كضربةِ السوط، فاخضرَّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ فحدَّث ذلك رسول الله وَلَه، فقال: ((صدَقْتَ، ذاك من مَدَدِ السماء الثالثة)). فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسَرُوا سبعين(٣). (٧/ ٥٠ - ٥٣) ٣٠٢٣٢ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي - قال: قام النبي وَّر، فقال: ((اللَّهُمَّ ربنا أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، ولا تخلف الميعاد)). فأتاه جبريل نَالَّله، فأنزل الله: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنزَلِينَ ﴿ بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥](٤). (ز) ٣٠٢٣٣ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ وذلك أن النبي ◌َّ- لما رأى المشركين يوم بدر، وعلم أنه لا قوة له بهم إلا بالله؛ دعا ربه فقال: ((اللَّهُمَّ إنك أمرتنى بالقتال، ووعدتني النصر، وإنك لا تخلف الميعاد)). فاستجاب له ربه، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾(٥). (ز) تفسير الآية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٣٠٢٣٤ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي - قال: لَمَّا اصْطَفَّ القوم قال أبو جهل: اللَّهُمَّ أَوْلَانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله وَلَه يده، فقال: (يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا))(٦). (ز) (١) حيزوم: اسم فرس الملك. صحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ٨٥. (٢) أي: أصيب خَطْمه، وهو أنفه. النهاية (خطم). (٣) أخرجه مسلم ١٣٨٣/٣ - ١٣٨٥ (١٧٦٣) بنحوه، وابن جرير ٥١/١١، ٢٧٥، وابن أبي حاتم ٥٪ ١٦٦٢ (٨٨٢٥)، ١٧٣٠ - ١٧٣١ (٩١٥٠). (٤) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٢. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة. (٥) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٠٢ - ١٠٣. (٦) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة ص٤٦٩ - ٤٧٠ (٤٠٠)، والبيهقي في الدلائل ٧٨/٣ - ٧٩ مطولًا، = مَوْسُوعَة التَّقْسِيَةُ المَاتُور سُورَةُ الْأَنفَّالِ (٩) : ٦٥٥ % ٣٠٢٣٥ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عكرمة - قال: لما حضر القتال ورسول الله وَلّ رافعٌ يديه يسألُ الله النصر، ويقول: ((اللَّهُمَّ إن ظهَروا على هذه العصابة ظهَر الشرك، ولا يقومُ لك دينٌ)). وأبو بكر يقول: والله لَينصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزل الله رَى ألفًا من الملائكة مُردفين عندَ أكنافِ العدو، وقال رسول الله وَلّه: ((أبشِرْ يا أبا بكر، هذا جبريل مُعْتَجِرٌ بعِمامة صفراء، آخذٌ بعِنان فرسِه بين السماء والأرض، فلما نزَل إلى الأرض تغيَّب عني ساعةً، ثم طلَع على ثَنَايَاهُ النَّقْعُ (١)، يقول: أتاك نصرُ الله إذ دعوتَه))(٢). (٧/ ٦٢) ٣٠٢٣٦ - عن زيد بن يُشَيْع، قال: كان أبو بكر الصديق نَظُله مع رسول اللهِالَّله في العريش، فجعل النبي ◌َّه يدعو، يقول: ((اللَّهُمَّ انصر هذه العصابة، فإنك إن لم تفعل لن تعبد في الأرض)). قال: فقال أبو بكر: بعض مناشدتك، منجزك ما وعدك(٣). (ز) ٣٠٢٣٧ - عن أبي صالح - من طريق أبي حصين - قال: لما كان يوم بدر جعل النبي ◌َّ يناشد ربه أَشَدَّ النِّشْدَةِ، يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب رَُّه، فقال: يا رسول الله، بعضَ نشدتك، فوالله لَيَفِيَنَّ الله لك بما وعدك (٤). (ز) ٣٠٢٣٨ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - قال: أقبل النبي وَّر يدعو الله، ويستغيثه، ويستنصره، فأنزل الله عليه الملائكة(٥). (ز) ٣٠٢٣٩ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ وذلك أن النبي ◌ِّل لما رأى المشركين يوم بدر، وعلم أنه لا قوة له بهم إلا بالله؛ دعا ربه، فقال: = وابن جرير ٥١/١١ - ٥٢ واللفظ له. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة. (١) النقع: الغبار. مختار الصحاح (نقع). (٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٥٣/٣ - ٥٤، من طريق محمد بن عمر الواقدي، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به. إسناده ضعيفٌ جدًّا، فيه الواقدي، قال عنه ابن حجر في التقريب (٦١٧٥): ((متروك)). وقال عن ابن أبي حبيبة (١٤٦): ((ضعيف)). وقال عن داود بن الحصين (١٧٧٩): ((ثقة إلا في عكرمة)). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٥٨/٧ - ٣٥٩ (٣٦٦٨٨)، وابن جرير ٥٢/١١ واللفظ له، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن يثيع، قال: كان أبو بكر ... ، فذكره. رجال إسناده ثقات، لكن يخشى من تدليس أبي إسحاق السبيعي. (٤) أخرجه ابن جرير ٥٣/١١ مرسلًا. (٥) أخرجه ابن جرير ٥٢/١١ مرسلا . سُورَةُ الأَنْفَالَ (٩) ٦٥٦ % فُؤَسُوعَة التَّقْسِيرُ الْجَاتُور ((اللَّهُمَّ إنك أمرتنى بالقتال، ووعدتني النصر، وإنك لا تخلف الميعاد)). فاستجاب له ربه، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ في النصر(١). (ز) ٣٠٢٤٠ - عن عبد الملك ابن جريج - من طريق حجاج - قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، قال: دعاء النبي ◌َّو(٢). (ز) ٣٠٢٤١ - عن محمد بن إسحاق - من طريق سلمة - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أي: بدعائكم، حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ بدعاء رسول الله وَلّ، ودعائكم معه(٣). (ز) ﴿أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ اُلْمَلَتِكَةِ﴾ ٣٠٢٤٢ - عن علي بن أبي طالب - من طريق محمد بن جبير - قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن مَيْمَنَة النبي ◌َّ، وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن مَيْسَرَة النبي ◌َّهَ، وأنا في الميسرة (٤) ٢٧٤٧). (٥٣/٧) ٣٠٢٤٣ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة -:... أمدَّ الله نبيَّه وَّ والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبَةً، وميكائيلُ في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبَةً ... (٥). (٧/ ٤٧) ٣٠٢٤٤ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن كثير - قال: ما أُمِدَّ النبي ◌َّ بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله في الأنفال، وما ذَكَر الثلاثةَ آلاف أو الخمسة آلاف إلا بُشْرَى، ثم أُمِدُوا بالألف، ما أُمِدُّوا بأكثرَ منه (٦). (٧/ ٥٣) علَّقَ ابنُ كثير (٢٧/٧) على هذا الأثر بقوله: «هذا يقتضي - لو صح إسناده - أن ٢٧٤٧ الألف مردفة بمثلها؛ ولهذا قرأ بعضهم: ﴿مُرْدَفِينَ﴾ بفتح الدال، فالله أعلم. والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه وَّ والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة)). (١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٠٢ - ١٠٣. (٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٣. (٣) أخرجه ابن جرير ٥٣/١١، وابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥ من طريق ابن إدريس بلفظ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أي: دعاء رسول الله وَّر، والمسلمين معه. (٤) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٨. (٥) تقدم بتمامه مطولًا في سياق قصة بدر. (٦) أخرجه ابن جرير ٥٩/١١. وعزاه السيوطي إلى سُنَيد، وأبي الشيخ. وقد تقدمت الآثار في تفصيل ذلك = فَوْسُكَبِ التَّفْسِيَةُ الْخَاتُور سُورَةُ الأَنْفَالَ (٩) : ٦٥٧ % ٣٠٢٤٥ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ اٌلْمَلَئِكَةِ﴾ يوم بدر ... ، فنزل جبريل ظلّل في ألف من الملائكة، فقام جبريل علَّلد فى خمسمائة ملك عن ميمنة الناس معهم أبو بكر، ونزل ميكائيل غلّل فى خمسمائة على ميسرة الناس معهم عمر، في صور الرجال، عليهم البياض وعمائم البيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب، .. (ز) (١) ٢٧٤٨] ولا يوم خيبر ﴿مُرْدِفِينَ ٩ قراءات : ٣٠٢٤٦ - عن عبد الله بن يزيد - من طريق إسحاق -: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، و﴿مُرْدَفِينَ﴾، وَ(مُرَدِّفِينَ) مُثقّل على معنى: مُرْتَدِفِينَ (٢). (ز) تفسير الآية: ٣٠٢٤٧ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عطية العوفي - ﴿أَنِي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، يقول: المزيد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا(٣). (٧/ ٥٤) ٣٠٢٤٨ - عن عبد الله بن عباس - من طريق أبي ظَبْيَانَ - في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، ٢٧٤٨ ذكر ابنُ عطية (١٤٣/٤) أنه رُوِي في الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر، ونقل أنه قيل: لم تقاتل يوم بدر وإنما وقفت وحضرت، وانتقده، بقوله: ((وهذا ضعيف)). = عند قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَن يَكْفِيَّكُمْ أَن يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ (3) بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥]، وأحال ابن جرير ٥٩/١١ إلى ذلك. ينظر: تفسير ابن جرير ٢٠/٦ وما بعدها. (١) تفسير مقاتل بن سليمان ١٠٢/٢ - ١٠٣. (٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٧، ٥٨. و﴿مُرْدَفِينَ﴾ بفتح الدال، قراءة متواترة، قرأ بها نافع وأبو جعفر، ويعقوب، وقرأ بقية العشرة ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، أما قراءة (مُرَدِّفِينَ) بتشديد الدال فهي شاذّة. انظر: مختصر ابن خالويه ص٥٤، والمحتسب ٢٧٣/١. (٣) أخرجه ابن جرير ٥٣/١١. وعزاه السيوطي إليه بلفظ: المدد. وكذا هو في تفسير ابن كثير (ت: سلامة) ٢٠/٤. سُورَةُ الأَنْفَّالِ (٩) & ٦٥٨ % فَوْسُبَةُ التَّقْسِيرُ الْحَاتُور قال: وراء كلِّ ملَكِ ملَكٌ (١) (٢٧٤٩]. . (٥٤/٧) ٣٠٢٤٩ - عن عبد الله بن عباس - من طريق هارون بن عنترة، عن أبيه - في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: متتابعين(٢). (٧/ ٥٤) ٣٠٢٥٠ - عن أبي مالك غَزْوَان الغفاري = ٣٠٢٥١ - ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك(٣). (ز) ٣٠٢٥٢ - عن أبي ظَبْيَانَ حُصَيْنِ بن جُنْدَبٍ - من طريق ابنه قابوس - ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: الملائكة بعضهم على إثر بعض (٤). (ز) ٣٠٢٥٣ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: مُمدِّين(٥). (٥٥/٧) ٣٠٢٥٤ - عن الضحاك بن مزاحم - من طريق جويبر - قال: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: بعضهم على إثر بعض(٦). (ز) [٢٧٤٩ ذكر ابنُ عطية (١٤٢/٤ - ١٤٣ بتصرف) أن ابن عباس فسر الإرداف بأنه: خلف كل ملَك ملك، ثم علَّق بقوله: ((وهذا معنى التتابع، يقال: ردف وأردف إذا أتبع وجاء بعد الشيء)). وذكر قولًا بأن معنى ((مردفين)): أن كل ملك أردف مَلَكًا وراءه، وانتقده بأنه: ((قول ضعيف، لم يأت بمقتضاه رواية)). وبيَّن أن قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ معناه: متبعين، ثم قال: ((ويحتمل أن يراد بالمردَفين: المؤمنين، أي: أُرْدِفوا بالملائكة ف﴿مُرْدِفِينَ﴾ على هذا حال من الضمير في قوله: ﴿مُعِدُكُمْ﴾، ويحتمل أن يراد به: الملائكة، أي: أردف بعضهم ببعض، وهذه القراءة بفتح الدال وهي قراءة نافع وجماعة من أهل المدينة وغيرهم، وقرأ سائر السبعة غير نافع ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، وهي قراءة الحسن ومجاهد، والمعنى فيها: تَابَع بعضهم بعضًا، ويحتمل أن يراد: مردِفين المؤمنين. ويحتمل أن يراد: مردفين بعضهم بعضًا)). (١) أخرجه ابن جرير ٥٤/١١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ. (٢) أخرجه ابن جرير ٥٤/١١، وابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ. (٣) علَّقه ابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥. (٤) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٤. (٥) تفسير مجاهد ص٣٥٢، وأخرجه ابن جرير ١١/ ٥٥ من طريق ابن جريج. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ. (٦) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٤. فَوْسُكَبِ التَّفْسِيَة المَاتُور سُورَةُ الأَفَّالِ (٩) ٦٥٩ % ٣٠٢٥٥ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح -، مثله(١). (ز) ٣٠٢٥٦ - عن الضحاك بن مزاحم - من طريق عبيد بن سليمان - في قوله: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، قال: متتابعين يوم بدر (٢). (ز) ٣٠٢٥٧ - عن عامر الشعبي - من طريق داود بن أبي هند - قال: كان ألفٌ مُردفين، وثلاثةُ آلافٍ مُنزلين، فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ثُغُورِهم(٣). (٧/ ٥٥) ٣٠٢٥٨ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: متتابعين، أمدَّهم الله بألفٍ، ثم بثلاثة، ثم أكْمَلَهم خمسةَ آلاف، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، قال: يعني: نزولَ الملائكة. قال: وذُكِر لنا: أن عمر قال: أما يوم بدر فلا نشكُّ أن الملائكة كانوا معنا، وأما بعد (٤)٢٧٥٠ ذلك فالله أعلم ٢٧٥٠] قال ابنُ القيم (٤٣٧/١): ((إن قيل: ها هنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُنزَلِينَ بَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ (١٢٤ مُسَوِّمِينَ﴾، فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلِف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا مُعَلقًّا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد. وهذا قول الضحاك، ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: هذا الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوا أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا، وأقوى لنفوسهم وأسَرّ لها من أن يأتي به مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي، ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة == (١) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٤. (٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٦. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥. (٤) أخرجه ابن جرير ٦/ ٢٥، ٥٥/١١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وذكر أوله يحيى بن سلام - تفسير ابن أبي زمنين ١٦٧/٢. وعلّقه ابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥. سُورَةُ الأَنْفَّال (٩) ٦٦٠ %= ضَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور ٣٠٢٥٩ - عن عبد الله بن كثير المكي - من طريق ابن جُرَيْج - قال: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، الإرداف: الإمداد بهم(١). (ز) ٣٠٢٦٠ - عن إسماعيل السدي - من طريق أسباط - ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ : يتبع بعضهم بعضًا(٢). (ز) ٣٠٢٦١ - قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، يعني: متتابعين، كقوله في المؤمنين: ﴿رُسُلَنَا تَتْرًا﴾ [المؤمنون: ٤٤]، وقوله: ﴿طَيِّ أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، وقوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]، يعني: متتابع قطرها (٣). (ز) ٣٠٢٦٢ - عن سفيان الثوري، في قوله: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، قال: مُتَتَابِعِين (٤). (ز) ٣٠٢٦٣ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: بعضُهم على إِثْرِ بعض (٥). (٥٥/٧) == في سياق أُحُد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ إِذْ هَمَّت ◌َِّفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢١، ١٢٢] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَخِلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فَذَكَّرَهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أُحُد، وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَن يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى. وهذا بخمسة آلاف، وإمداد بدر بألف. وهذا مُعلَّق على شرط، وذلك مطلق. والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحُد مستوفاة مطولة، وبدر ذكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوُّكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أُحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قوله: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أُحد)). (١) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٥. (٢) أخرجه ابن جرير ١١/ ٥٥. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥. (٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ١٠٢ - ١٠٣. (٤) تفسير سفيان الثوري ص١١٦. (٥) أخرجه ابن جرير ٥٥/١١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.