Indexed OCR Text

Pages 161-180

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (١٠١)
فَوْسُكَةُ التَّقْسِيةُ الْجَاتُور
٥ ١٦١ هـ
٢٤٠٣٨ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ يعني: إن
تبين لكم فلعلكم إن تسألوا عما لم يُنزِل به قرآنًا فيُنزِل به قرآنًا مُغَلَّظًا لا تطيقوه، قوله
سبحانه: ﴿وَإِن تَسْتَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ﴾ يعني: عن الأشياء حين يُنزِل بها قرآنًا
﴿يُبْدَ لَكُمْ﴾ تُبَيَّن لكم، ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنْهًا﴾ يقول: عفا الله عن تلك الأشياء حين لم
يوجبها عليكم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ يعني: ذو تجاوز حين لا يُعَجِّل بالعقوبة(١). (ز)
آثار متعلقة بالآية:
٢٤٠٣٩ - عن سعد بن أبي وقاصٍ، قال: قال رسول الله وَ له: «أعظمُ المسلمين في
المسلمين جُرمًا مَن سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم، فحُرِّمَ مِن أجلِ مسألتِه))(٢). (٥٥٢/٥)
٢٤٠٤٠ - عن أبي ثعلبةَ الخُشَني، قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ الله حدَّ حدودًا فلا
تعتدُوها، وفرَض لكم فرائضَ فلا تُضَيِّعُوها، وحرَّم أشياءَ فلا تَنتهِكوها، وترَك أشياءَ في
غير نسيان ولكن رحمةً منه لكم فاقبلوها، ولا تَبحثوا عنها))(٣). (٥٥٢/٥)
٢٤٠٤١ - عن معاذ بن جبل، قال: كُنَّا مع النبي ◌ََّ، فتقدَّمت به راحلتُه، ثم إنَّ
راحلتي لَحِقَت براحَلَتِه حتى نَطَحَت ركبتي ركبتَه، فقلتُ: يا رسول الله، إني أُريدُ أن
أسألَك عن أمرٍ، يمنعُني مكانُ هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن
تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: ((ما هو، يا معاذ؟)). قلتُ: ما العملُ الذي يُدخِلُني الجنة،
ويُنَجِّيني مِن النار؟ قال: ((قد سألتَ عن عظيم، وإنه يسيرٌ؛ شهادةُ أن لا إله إلا الله،
وأني رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وحجُّ البيت، وصومُ رمضان)). ثم قال:
((ألا أُخبرُك برأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروتِه؟ أمَّا رأسُ الأمرِ فالإِسلامُ، وعمودُه الصلاة،
وأما ذِروتُه فالجهاد)). ثم قال: ((الصيامُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُكفِّرُ الخطايا، وقيامُ الليل)).
وقرأ: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] إلى آخر الآية. ثم قال: ((ألا
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩.
(٢) أخرجه البخاري ٩٥/٩ (٧٢٨٩)، ومسلم ١٨٣١/٤ (٢٣٥٨).
(٣) أخرجه الحاكم ١٢٩/٤ (٧١١٤)، وابن جرير ٢٤/٩.
قال ابن عساكر في معجمه ٩٦٥/٢ (١٢٣٢): ((هذا حديث غريب، ومكحول لم يسمع من أبي ثعلبة)).
وقال النووي في رياض الصالحين ص٥٠٨ (١٨٣٢): ((حديث حسن)). وقال في الأذكار ص ٦٤٤
(٢٠٨٠): ((رويناه في سنن الدارقطني بإسناد حسن)). وقال ابن كثير في تفسيره ٦٢١/١: ((ثبت في
الحديث الصحيح)). وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ١٥٠/٢ (٣٠): ((حديث حسن)). وقال
الهيثمي في المجمع ١٧١/١ (٧٩٦): ((رواه الطبراني في الكبير ... ورجاله رجال الصحيح)). وقال ابن
حجر في المطالب العالية ٤١٦/١٢ (٢٩٣٤): ((رجاله ثقات، إلا أنه منقطع)).

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٢)
=
٥ ١٦٢ %
فَوْسُوعَة التَّفْسِيَّةُ المَاتُور
أُنَبِّئُك بما هو أملك بالناسِ مِن ذلك؟)). ثم أخرَج لسانَه فأمسَكه بينَ إصبعيه، فقلتُ:
يا رسولَ الله، أكلُّ ما نتكلَّمُ به يُكتَبُ علينا؟ قال: «ثَكِلتك أمُّك، وهل يَكُبُّ الناسَ
على مناخرِهم في النار إلا حصائدُ ألسنتِهم؟! إنك لن تزالَ سالِمًا ما أمسَكتَ لسانَك،
فإذا تكلَّمتَ كُتِب عليك أو لك)) (١). (٥٥٥/٥)
٢٤٠٤٢ - عن عبد الملك بن أبي جمعة الأزدي، قال: سألتُ الحسنَ عن كسب
الكنَّاس. فقال لي: ويحك، ما تسألُ عن شيءٍ لو تُرِك في منازِلِكم لضاقَت عليكم! ثم
تلا هذه الآية: ﴿يََأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢). (٥٥٣/٥)
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾
٤ قراءات:
٢٤٠٤٣ - قال قتادة: وفي قراءة أُبَيِّ بن كعب: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ بُيِّنَتْ لَهُمْ فَأَصْبَحُواْ
بِهَا كَافَرِينَ) (٣). (٥٤٦/٥)
تفسير الآية:
٢٤٠٤٤ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾
قد سأل الآيات قومٌ من قبلكم، وذلك حين قيل له: غيِّر لنا الصفا ذهبًا (٤)٢٨٤]. (ز)
٢٤٠٤٥ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ يقول: قد سأل عن تلك الأشياء
٢١٨٤
وجَّه ابنُ عطية (٢٧٤/٣) قول السدي، فقال: ((وإنما يتجه في قريش مثالًا سؤالهم
آية، فلما شُقَّ لهم القمر كفروا)).
(١) أخرجه أحمد ٣٤٤/٣٦ - ٣٤٥ (٢٢٠١٦)، والترمذي ٤ / ٥٦٧ - ٥٦٨ (٢٨٤٠)، وابن ماجه ١١٦/٥ -
١١٧ (٣٩٧٣)، والطبراني في الكبير ٧٣/٢٠ (١٣٧) واللفظ له، وعبد الرزاق في تفسيره ٢٦/٣ - ٢٧
(٢٣٠٢)، وابن أبي حاتم ٩/ ٣١٠٧ (١٧٨٤١).
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)). وقال الهيثمي في المجمع ٣٠٠/١٠ (١٨١٥٦): ((رواه الطبراني
بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات)). وقال الألباني في الصحيحة ١١٥/٣: ((الحديث صحيح بمجموع طرقه)).
(٢) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.
وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصاحف. انظر: روح المعاني ٧/ ٤٢.
(٤) أخرجه ابن جرير ٢٦/٩، وابن أبي حاتم ١٢١٩/٤.

مُؤْسُورَةُ التَّفْسِيرُ الْخَاتُون
١٦٣ هـ
سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٢ - ١٠٣)
﴿مِّن قَبْلِكُمْ﴾ يعني: من بني إسرائيل، فبُيِّت لهم(١). (ز)
(١٠٢)
﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ
٢٤٠٤٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ﴾، وذلك أنَّ بني إِسْرَائِيل
سألوا المائدة قبل أن تنزل، فَلَمَّا نزلت كفروا بها، فقالوا: ليست المائدة من الله.
وكانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم، وَلَم يُصَدِّقوهم،
فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين (٢). (ز)
جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَلَّمٍ﴾
نزول الآية:
٢٤٠٤٧ - قال مقاتل بن سليمان: نزلت في مشركي العرب؛ منهم قريش، وكنانة،
وعامر بن صعصعة، وبنو مُدْلِج، والحارث وعامر ابني عبد مناة، وخزاعة، وثقيف،
أمرهم بذلك في الجاهلية عمرو بن ربيعة بن لُحَيّ بن قَمْعَة بن خِندف الخزاعي،
فقال النبي ◌َّر: ((رأيتُ عمرو بن ربيعة الخزاعي رجلًا قصيرًا أشقر له وفرة، يَجُرُّ
قُصْبَهُ في النار - يعني: أمعاءه -، وهو أول من سَيَّب السائبة، واتخذ الوصيلة، وحمى
الحامي، ونصب الأوثان حول الكعبة، وغيّر دين الحنيفية، فأشبهُ الناسِ به أَكْثَمُ بن
الجَوْن الخزاعي)). فقال أَكْثَمُ: أَيَضُرُّني شبهُه، يا رسول الله؟ قال: ((لا، أنت مؤمن،
وهو كافر))(٣). (ز)
تفسير الآية:
٢٤٠٤٨ - عن أبي الأحوص [عوف بن مالك بن نضلة الجشمي]، عن أبيه، قال:
أتيتُ رسولَ الله ◌َّهَ في خُلقانٍ مِن الثياب، فقال لي: ((هل لك مِن مالٍ؟)). قلتُ:
نعم. قال: ((مِن أيِّ المال؟)). قلتُ: مِن كلِّ المال؛ مِن الإبلِ، والغنم، والخيلِ،
والرقيقِ. قال: ((فإذا آتاك اللهُ مالًا فليُرَ عليك)). ثم قال: ((تُنتَجُ إبلك وافَيَّةً آذانُها؟)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥٠٩.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥٠٩ - ٥١٠.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥٠٩.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
٥ ١٦٤ =
مُؤْسُورَة التَّفْسِيرُ الْمَانُون
قلتُ: نعم، وهل تُنتَجُ الإبلُ إلا كذلك. قال: ((فلعلك تأخُذُ موسى، فتقطَعَ آذانَ
طائفةٍ منها، وتقول: هذه بُحُرٌ. وتشُقَّ آذانَ طائفةِ منها، وتقول: هذه صُرُمٌ (١)). قلتُ:
نعم. قال: ((فلا تفعل، إنَّ كلَّ ما آتاك اللهُ لك حِلٍّ)). ثم قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَةٍ
وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ . =
٢٤٠٤٩ - قال أبو الأحوص: أمَّا البحيرةُ: فهي التي يَجدَعون آذانَها، فلا تنتفِعُ
امرأتُه ولا بناتُه ولا أحدٌ من أهل بيتِه بصوفِها، ولا أوبارِها، ولا أشعارِها، ولا
ألبانِها، فإذا ماتت اشتركوا فيها. وَأَمَّا السائبةُ: فهي التي يُسيِّبون لآلهتهم. وَأَما
الوصيلةُ: فالشاةُ تَلِدُ ستةَ أبطُن، وتَلِد السابعَ جَدْيًا، وعَناقًا، فيقولون: قد وصَلَت.
فلا يَذبحونها، ولا تُضرَبُ، ولا تُمنَعُ مهما وَرَدَت على حوض، وإذا ماتت كانوا
فيها سواءً. والحام مِن الإبلِ: إذا أدرَك له عشرةٌ مِن صُلبه، كلُّها تضرب(٢)، حُمِيَ
ظَهرُه، فسُمِّي : الحَام، فلا يُنتفَعُ له بوَبَرٍ، ولا يُنحَرُ، ولا يُركَبُ له ظهر، فإذا مات
كانوا فيه سواءً (٣). (٥٥٧/٥)
٢٤٠٥٠ - عن عبد الله بن عباس - من طريق علي بن أبي طلحة - قال: البحيرةُ:
هي الناقةُ إذا أنتجَت خمسةَ أبطُن، نظروا إلى الخامس؛ فإن كان ذكَرًا ذَبَحوه فأكَله
الرجالُ دونَ النساء، وإن كانت أنثى جدَعوا آذانَها، فقالوا: هذه بحيرةٌ. وَأَمَّا
السائبةُ: فكانوا يُسيِّبون مِن أنعامِهم لآلهتِهم، لا يركبون لها ظهرًا، ولا يَحلِبون لها
لبنًا، ولا يَجُزُّون لها وَبَرًا، ولا يَحمِلون عليها شيئًا. وأما الوصيلةُ: فالشاةُ إذا
أنتجَت سبعةَ أبطُنِ، نظروا السابع؛ فإن كان ذكرا أو أنثى وهو ميتٌ اشترَك فيه
الرجالُ دونَ النساء، وإن كانت أنثى استحيّوا، وإن كان ذكَرًا وأنثى في بطنٍ
استحيَوهما، وقالوا: وصَلته أُختُه، فحرَّمته علينا. وَأَمَّا الحام: فالفحلُ مِن الإبل
إذا وُلِد لولدِه قالوا: حَمَى هذا ظَهْرَه. فلا يَحمِلون عليه شيئًا، ولا يجُزُّون له
وَبَرًا، ولا يمنعونه مِن حِمَّى رَعَى، ولا مِن حوضٍ يَشرَبُ منه، وإن كان الحوضُ
(١) صُرُم: جمع صَريم، وهو الذي صرمت أذنه، أي: قطعت. والصرم: القطع. النهاية (صرم).
(٢) يُقال: ضَرَبَ الجملُ الناقةَ يَضرِبها إِذَا نَزَا عليها. النهاية (ضرب).
(٣) أخرجه أحمد ٤٦٤/٢٨ - ٤٦٥ (١٧٢٢٨)، والحاكم ٢٠١/٤ (٧٣٦٤)، وابن جرير ٢٩/٩ - ٣٠،
وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٠ (٦٨٨٥).
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). وقال ابن كثير في تفسيره ٢٧٦/٤: ((حديث جيد
قوي الإسناد)».

فَوْسُكَبْ التَّفْسَةُ المَاتُون
سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
: ١٦٥ %=
لغيرِ صاحبه (١). (٥٥٨/٥)
٢٤٠٥١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق العوفي - في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ
بَحِيَرَةٍ﴾ قال: البحيرةُ: الناقةُ، كان الرجلُ إذا ولَدت خمسةَ أبطُنِ، فَيَعمِدُ إلى
الخامسة، فما لم يكن سَقْبًا (٢) فيُبَنِّكُ آذانَها، ولا يَجُزُّ لها وَبَرًا، ولا يَذوقُ لها لبنًا،
فتلك البحيرة. ﴿وَلَا سَآَيِّبَةٍ﴾: كان الرجلُ يُسيِّبُ مِن مالِه ما شاء. ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾:
فهي الشاةُ إذا ولَدت سبعًا عمَد إلى السابع؛ فإن كان ذكرًا ذُبح، وإن كانت أنثى
تُرِكت، وإن كان في بطنِها اثنان ذكرٌ وأنثى فولَدتهما قالوا: وصَلت أخاها. فيُتركان
جميعًا لا يُذبَحان، فتلك الوصيلة. ﴿وَلَا حَامٍ﴾: كان الرجلُ يكونُ له الفحلُ، فإذا
ألفَح عشرًا قيل: حام، فاتركوه(٣). (٥٥٩/٥)
٢٤٠٥٢ - عن مسلم بن صُبَيح، قال: أتيت علقمة [النخعي]، فسألته عن قول الله
تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. فقال: وما تصنع بهذا؟
إنما هذا شيء من فعل الجاهلية . =
٢٤٠٥٣ - قال: فأتيت مسروقًا [بن الأجدع]، فسألته، فقال: البحيرة: كانت الناقة
إذا ولدت بطنًا خمسًا أو سبعًا شَقُّوا أذنها، وقالوا: هذه بحيرة. قال: ﴿وَلَا سَآِبَةٍ﴾
قال: كان الرجل يأخذ بعض ماله، فيقول: هذه سائبة. قال: ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ قال:
كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى في
بطنٍ قالوا: وصلت أخاها. فلا يأكلونهما. قال: فإذا مات الذكر أكله الذكور دون
الإناث. قال: ﴿وَلَا حَامٍ﴾ قال: كان البعير إذا ولد ووَلَد ولَدُه قالوا: قد قضى هذا
الذي عليه. فلم ينتفعوا بظهره، قالوا: هذا حام(٤). (ز)
٢٤٠٥٤ - عن سعيد بن المسيب - من طريق الزهري - قال: البحيرةُ: التي يُمنَعُ دَرُّها
للطواغيت، ولا يَحلِبُها أحدٌ مِن الناس. والسائبةُ: كانوا يُسيِّبونها لآلهتِهم، لا يُحمَلُ
عليها شيءٌ. قال: وقال أبو هريرة: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((رأيتُ عمرَو بن عامرٍ(٥)
(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ٣٥ مختصرًا، وابن أبي حاتم ١٢٢٠/٤ - ١٢٢٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٢) السَّقْب: ولد الناقة، إن كان ذكرًا. التاج (سقب).
(٣) أخرجه ابن جرير ٣٤/٩، وابن أبي حاتم ١٢٢٤/٤ مقتصرًا على تفسير: ﴿وَلَا حَامٍ﴾. وعزاه السيوطي
إلى ابن مردويه.
(٤) أخرجه ابن جرير ٩/ ٣٢.
(٥) وهو عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة، أما رواية عمرو بن عامر، فقال ابن حجر في الفتح
٥٤٩/٦: ((كأنه نُسب إلى جده لأمه عمرو بن حارثة بن عمرو بن عامر، وهو مغاير لما تقدم من نسبة =

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
١٦٦ %=
مَوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْجَاتُور
الخزاعيَّ يجُرُّ قُصْبَه في النار؛ كان أولَ مَن سَيَّب السوائب)). قال ابن المسيب:
والوصيلةُ: الناقةُ البِكرُ، تَبْكُرُ في أول نِتاج الإبلِ، ثم تُثَنِّي بعدُ بأُنثى، وكانوا يُسيِّبونها
الطواغيتِهم إن وصَلت إحداهما بالأخرىَ ليس بينَهما ذَكَر. والحامي: فحلُ الإبلِ
يضرِبُ الضِّرابَ المعدود، فإذا قضَى ضِرابَه ودَعُوه للطواغيت، وأَعفَوه من الحِملِ،
فلم يُحمَل عليه شيءٌ، وسمَّوه: الحامي(١). (٥٥٦/٥)
٢٤٠٥٥ - عن مجاهد بن جبر - من طريق ابن أبي نجيح - في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ
بَحِيَرَةٍ﴾ الآية، قال: البحيرةُ: مِن الإبل، كان أهلُ الجاهلية يحرِّمون وَبَرَها،
وظَهِرَها، ولحمَها، ولبنَها، إلا على الرجال، فما ولَدت مِن ذكرٍ وأُنثى فهو على
هيئتِها، فإن ماتت اشترَك الرجالُ والنساءُ في أكلِ لحمِها. فإذا ضرَبَ الجملُ مِن ولدِ
البحيرةِ فهو الحامي. والسائبةُ مِن الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولَدت مِن ولدٍ
بينها وبينَ ستةِ أولادٍ كان على هيئتِها، فإذا ولدت في السابع ذكراً أو أنثى أو ذكّرين
ذَبَحوه، فأكَله رجالُهم دونَ نسائِهم. فإن تَوأمَتْ أنثى وذكرٌ فهي وصيلةٌ، تُرِك ذبحُ
الذكرِ بالأنثى، وإن كانتا أنثيين تُرِكتا(٢). (٥٥٩/٥)
٢٤٠٥٦ - عن الضحاك بن مزاحم - من طريق عبيد بن سلمان - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ
بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: أمَّا البحيرة: فكانت الناقة إذا نتجوها خمسة
أبطن، نحروا الخامس إن كان سَقْبًا، وإن كان رُبَعَةً(٣) شقوا أذنها واستحيوها، وهي
بحيرة، وأما السَّقْب فلا يأكل نساؤهم منه، وهو خالص لرجالهم، فإن ماتت الناقة
أو نتجوها ميتًا فرجالهم ونساؤهم فيه سواء يأكلون منه. وأما السائبة: فكان يُسَيِّب
الرجل من ماله من الأنعام، فيُهْمَل في الحِمَى، فلا ينتفع بظهره، ولا بولده، ولا
بلبنه، ولا بشعره، ولا بصوفه. وأما الوصيلة: فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن
ذبحوا السابع إذا كان جديًا، وإن كان عناقًا استحيوه، وإن كان جديًا وعناقًا
استحيوهما كليهما، وقالوا: إنَّ الجدي وصلته أخته، فحرَّمته علينا. وأما الحامي:
فالفحل إذا ركبوا أولاد ولده، قالوا: قد حمى هذا ظهرَه، وأحرز أولاد ولده. فلا
= عمرو بن لحي إلى مُضر، ويُحتمل أن يكون نُسب إليه بطريق التبني)).
(١) أخرجه البخاري ٥٤/٦ - ٥٥ (٤٦٢٣) واللفظ له، ومسلم ٢١٩١/٤ (٢٨٥٦)، وابن جرير ٢٦/٩ -
٢٨، ٣٦، ٣٨ - ٣٩، وابن أبي حاتم ٤ /١٢٢٤ (٦٩٠٦).
(٢) أخرجه ابن جرير ٣٤/٩، وابن أبي حاتم ١٢٢٢/٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) الرُبَعَة: تأنيث الرُّبَع، وهو ما وُلد من الإبل فِي الرَّبيع. وقيل: ما وُلد فِي أوَّل النَّتَاج. النهاية (ربع).

فَوْسُورَةُ التَّفْسِيَةُ الْحَاتُوز
=
١٦٧ %=
سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
يركبونه، ولا يمنعونه من حمى شجر، ولا حوض ما شرع فيه، وإن لم يكن الحوض
لصاحبه، وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء من شأنهم، لا
إن ركبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نتجوا، ولا إن باعوا؛ ففي ذلك
أنزل الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ﴾(١). (ز)
٢٤٠٥٧ - عن عامر الشعبي - من طريق جرير، عن مغيرة - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ﴾
قال: البحيرة: المخضرمة. ﴿وَلَا سَآَيِّبَةٍ﴾ والسائبة: ما سُيِّب للعِدَى. والوصيلة: إذا
ولدت بعد أربعة أبطن - فيما يرى جرير -، ثم ولدت الخامس ذكرًا وأنثى وصلت
أخاها. والحام: الذي قد ضرب أولادُ أولاده في الإبل(٢). (ز)
٢٤٠٥٨ - عن عامر الشعبي - من طريق زكريا - أنَّه سُئِل عن البحيرة. فقال: هي
التي تُجْدَع آذانها. وسُئِل عن السائبة. فقال: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم،
فيتركونها عند آلهتهم، فتذهب فتخلط بغنم الناس، فلا يشرب ألبانها إلا الرجال،
فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا(٣). (ز)
٢٤٠٥٩ - عن أبي الأحوص [عوف بن مالك بن نضلة الجشمي] - من طريق أبي
إسحاق - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ﴾، قال: البحيرة: الناقة التي قد ولدت خمسة أبطن،
فجعلها لآلهته، فلا تشرب امرأتُه ولا أخته ولا ذات قرابة من لبنها، ولا تنتفع بشيء
من وبرها، ولا تمنع الكلاء والماء، فإذا ماتت كانوا فيها سواء(٤). (ز)
٢٤٠٦٠ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا
سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: تشديد شدَّده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم،
وتغليظ عليهم، فكانت البحيرة: مثل الإبل، إذا نتج الرجل خمسًا من إبله نظر البطن
الخامس؛ فإن كانت سقبًا ذُبح فأكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه
ذكرهم وأنثاهم، وإن كانت حائلاً وهي الأنثى تُرِكت فبُتِكَت أذنها، فلم يُجَزَّ لها
وَبَر، ولم يُشَرب لها لبن، ولم يُركَب لها ظهر، ولم يُذكَر لله عليها اسم. وكانت
السائبة: يُسَيِّبون ما بدا لهم من أموالهم، فلا تمتنع من حوض أن تشرع فيه، ولا من
(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ٣٧.
(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ٣٣.
(٣) أخرجه ابن جرير ٣٣/٩.
(٤) أخرجه ابن جرير ٣٣/٩ مختصرًا، وابن أبي حاتم ١٢٢٠/٤.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
٥ ١٦٨ %
فَوْسُكَبِ التَّقْسِيَةُ الْحَاتُور
حِمَّى أن ترتع فيه. وكانت الوصيلة من الشاء: من البطن السابع، إذا كان جديًا ذُبح
فأكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم، وإن جاءت بذكر
وأنثى قيل: وصلت أخاها، فمنعته الذبح. والحام: كان الفحل إذا ركب من بني بنيه
عشرة أو ولد ولده قيل: حام، حمى ظهره، فلم يُزَمَّ، ولم يُخْطم، ولم
يُركب(١). (ز)
٢٤٠٦١ - عن قتادة بن دعامة - من طريق معمر - قال: البحيرة من الإبل: كانت
الناقة إذا نتجت خمسة أبطن؛ فإن كان الخامس ذكرًا كان للرجال دون النساء، وإن
كانت أنثى بتكوا آذانها، ثم أرسلوها، فلم ينحروا لها ولدًا، ولم يشربوا لها لبنًا،
ولم يركبوا لها ظهرًا. وأما السائبة: فإنهم كانوا يُسَيِّبون بعض إبلهم، فلا تمنع
حوضًا أن تشرع فيه، ولا مرعى أن ترتع فيه. والوصيلة: الشاة كانت إذا ولدت سبعة
أبطن؛ فإن كان السابع ذكرًا ذُبِح وأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى
تُرِكت(٢). (ز)
٢٤٠٦٢ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ
وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ فالبحيرة من الإبل: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن؛ إن كان
الخامس سقبًا ذبحوه فأهدوه إلى آلهتهم، وكانت أمه من عرض الإبل، وإن كانت
ربعة استحيوها، وشقوا أذن أمها، وجزُّوا وبرها، وخلوها في البطحاء، فلم تُجْزِ لهم
في دِيَة، ولم يحلبوا لها لبنًا، ولم يَجُزُّوا لها وبرًا، ولم يحملوا على ظهرها، وهي
من الأنعام التي حُرِّمت ظهورها. وأما السائبة: فهو الرجل يُسَيِّب من ماله ما شاء
على وجه الشكر إن كَثُر ماله، أو بَرِأ من وَجَع، أو ركب ناقة فأنجح، فإنه يسمي
السائبة، يرسلها فلا يعرض لها أحد من العرب إلا أصابته عقوبة في الدنيا. وأما
الوصيلة: فمن الغنم، هي الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة، فكان آخر ذلك
جديًا ذبحوه وأهدوه لبيت الآلهة، وإن كانت عناقًا استحيوها، وإن كانت جديًا
وعناقًا استحيوا الجدي من أجل العناق، فإنها وصيلة وصلت أخاها. وأما الحام:
فالفحل يضرب في الإبل عشر سنين، ويقال: إذا ضرب ولد ولده قيل: قد حمي
ظهره، فيتركونه لا يمس، ولا ينحر أبدًا، ولا يمنع من كلاٍ يريده، وهو من الأنعام
(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ٣٥. وأخرج ابن أبي حاتم ١٢٢٤/٤ بعض آخره من طريق معمر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ١/ ١٩٧ - ١٩٨، وابن جرير ٣٧/٩. وذكره يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي
زمنين ٢ / ٥٠ -.

فَوْسُكَبْ التَّفْسِيَة المَاتُور
& ١٦٩ %=
سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
التي حُرِّمت ظهورها (١). (ز)
٢٤٠٦٣ - عن أبي روق عطية بن الحارث الهمداني - من طريق بشر بن عمارة -
قوله: ﴿يَحِيرَةٍ﴾ قال: إذا أنتجت الناقة ستة أبطن إناثًا، كلها شُقَّت آذانها، ولا ينتفع
منها بشيء، فما كان منها فللأوثان. ﴿وَلَا سَآِبَةٍ﴾ قال: كانت الناقة تكون للرجل
الرحله، فإذا خرج في وجه فقضى حاجته في ذلك الوجه فجعلها سائبة، فما كان منها
فهو للأوثان من لبن أو وَبَر أو غير ذلك. ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ قال: الوصيلة من الغنم،
قال: كانت الشاة إذا ولدت ستة أبطن إناثًا كلها، وكان السابع جديًا وعناقًا، قالوا:
قد وصلت هذه. فلا ينتفع منها بشيء، وما كان منها فهو للأوثان. ﴿وَلَا حَامٍ﴾ قال:
كان الجمل إذا كان لصلبه عشرة كلها يضرب في الإبل، قالوا: قد حمى ذلك ظهره.
لا ينتفع منه بشيء، فهو للأوثان (٢)٢٨٥). (ز)
٢٤٠٦٤ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ﴾ حرامًا ﴿مِنْ بَحِيَةٍ﴾ لقولهم: إنَّ الله
أمرنا بها ... ، والبحيرة: الناقة إذا ولدت خمسة أبطن؛ فإذا كان الخامس سقبًا - وهو
الذكر - ذبحوه للآلهة، فكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كان الخامس ربعة -
يعني: أنثى - شقوا أذنيها، فهي البحيرة، وكذلك من البقر، لا يُجَزُّ لها وبر، ولا
يذكر اسم الله عليها إن رُكبت أو حُمل عليها، ولبنها للرجال دون النساء. وأما
السائبة: فهي الأنثى من الأنعام كلها، كان الرجل يسيِّب للآلهة ما شاء من إبله وبقره
وغنمه، ولا يسيِّب إلا الأنثى، وظهورها وأولادها وأصوافها وأوبارها وأشعارها
وألبانها للآلهة، ومنافعها للرجال دون النساء. وأما الوصيلة: فهي الشاة من الغنم،
إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع؛ فإن كان جديًا ذبحوه للآلهة، وكان لحمه
للرجال دون النساء، وإن كانت عَناقًا استحيوها، فكانت من عرض الغنم .... وإن
وضعته ميتًا أشرك في أكله الرجال والنساء، فذلك قوله رمَى: ﴿وَإِن يَكُن مَّيْنَةً فَهُمْ
فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] بأن ولدت البطن السابع جديًا وعناقًا، قالوا: إنَّ
علَّق ابنُ عطية (٢٧٥/٣) على هذه الأقوال، فقال: ((ويظهر مما يروى في هذا أنَّ
٢١٨٥
العرب كانت تختلف في المبلغ الذي تبحر عنده آذان النوق، فلِكُلِّ سُنَّة، وهي كلها
ضلال)).
(١) أخرجه ابن جرير ٣٥/٩، وابن أبي حاتم ١٢٢٠/٤، ١٢٢٢.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٢ - ١٢٢٤.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
: ١٧٠ %
فَوْسُوعَة التَّفَسَةُ الْمَانُون
الأخت قد وصلت أخاها، فحرّمته علينا. فحرما جميعًا، فكانت المنفعة للرجال دون
النساء. وأما الحام: فهو الفحل من الإبل، إذا ركب أولاد أولاده، فبلغ ذَلِكَ عشرة
أو أقل من ذلك، قالوا: قد حمى هذا ظهره، فأحرز نفسه. فيُهلّ للآلهة، ولا يُحمل
عليه، ولا يُركب، ولا يُمنع من مرعَى، ولا ماء، ولا حمى، ولا يُنحر أبدًا حتى
يموت موتًا. فأنزل الله رَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾ حرامًا ﴿مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ
وَلَا حَامٍ﴾(١). (ز)
٢٤٠٦٥ - قال محمد بن إسحاق - من طريق سلمة -: والسائبة: الناقة إذا ولدت
عشرة إناث، ليس بينهن ذكر، فسُيِّبَت، فلم تُرْكَب، ولم يُجَزَّ وَبَرُها، ولم يجلب لبنها
إلا لضيف. الوصيلة من الغنم: إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين
توأمين في كل بطن، سميت: الوصيلة، وتُرِكَت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو
أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها(٢). (ز)
٢٤٠٦٦ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قوله: ﴿مَا
جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾، قال: هذا شيء كانت تعمل به أهل
الجاهلية، وقد ذهب. قال: البحيرة: كان الرجل يجدع أذني ناقته، ثم يعتقها كما
يعتق جاريته وغلامه، لا تُحْلَب، ولا تُرْكَب. والسائبة: يسيبها بغير تجديع. والحام:
إذا نتج له سبع إناث متواليات قد حمى ظهره، ولا يركب، ولا يعمل عليه.
والوصيلة من الغنم: إذا ولدت سبع إناث متواليات حَمَتْ لحمها أن
(٣) ٢١٨٦]
يُؤكَل(٣) ٢١٨٦). (ز)
٢٤٠٦٧ - عن مالك بن أنس - من طريق ابن وهب ـ: كان أهل الجاهلية يعتقون
علّق ابنُ جرير (٣٩/٩) فذكر أنَّ العلم متعذر بكيفية ما كان أهل الجاهلية يفعلونه
٢١٨٦
بالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وقال: ((وهذه أمور كانت في الجاهلية، فأبطلها
الإسلام، فلا نعرف قومًا يعملون بها اليوم، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما كانت الجاهلية
تعمل به لا يوصل إلى علمه - إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثر، ولا في الشرك نعرفه -
إلا بخبر، وكانت الأخبار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلاف الذي ذكرنا، وغير
ضائرٍ الجهل بذلك إذا كان المراد من علمه المحتاج إليه موصلًا إلى حقيقته)).
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٥٠٩/١ - ٥١٠.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٢٢/٤ - ١٢٢٣.
(٣) أخرجه ابن جرير ٣٨/٩، وابن أبي حاتم ١٢٢٣/٤ من طريق أصبغ.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
فَوَسُوعَة التَّفْسِيرُ الْحَانُون
& ١٧١ %=
الإبل والغنم، ويسيِّبونها، فأما الحامي: فهو الإبل، وكان يضرب في الإبل، فإذا
انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس، وسيَّبوه. وأما الوصيلة: فمن الغنم، إذا
وضعت أنثى بعد أنثى سيّبوه(١). (ز)
٢٤٠٦٨ - عن مالك بن أنس: أنَّ الوصيلة في الإبل: إذا كانت الناقة تبكر في
الأنثى، ثم تثني بأنثى، سموها: الوصيلة، ويقولون: وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر.
فكانوا يجدعونها لطواغيتهم(٢). (ز)
آثار متعلقة بالآية:
أول من سيَّب السوائب:
٢٤٠٦٩ - عن عبد الله بن مسعود، عن النبي وَله، قال: ((إنَّ أولَ مَن سَيَّب السوائبَ
وعَبَد الأصنامَ أبو خزاعةَ عمرُو بن عامر، وإني رأيتُه يجُرُّ أمعاءَه في النار))(٣). (٥٦١/٥)
٢٤٠٧٠ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((رأيتُ جهنمَ يَحِمُ بعضُها بعضًا،
ورأيتُ عَمْرًا يجُرُّ قُصبَه في النار، وهو أولُ مَن سَيَّب السوائب)» (٤). (٥٦١/٥)
٢٤٠٧١ - عن أُبَيِّ بن كعب، قال: بينا نحنُ مع رسول الله وَّر في صلاة الظهر،
والناسُ في الصفوفِ خلفَه، فرأيناه تناوَل شيئًا، فجعَل يتناولُه، فتأخَّر، فتأخَّر الناس،
ثم تأخّر الثانية، فتأخَّر الناس، فقلتُ: يا رسول الله، رأيناك صنَعتَ اليومَ شيئًا ما كنتَ
تصنعُه في الصلاة. فقال: ((إنَّه عُرِضت عليَّ الجنةُ بما فيها مِن الزُّهْرَةِ والنَّضْرة،
فتناولتُ قِطفًا مِن عِنَبِها، ولو أخَذْتُه لأكَل منه مَن بين السماء والأرض لا يَنقُصونه،
فحِيل بيني وبينه، وعُرِضَت عليَّ النار، فلما وجَدتُ سُفعتَها (٥) تأخرتُ عنها، وأكثرُ مَن
رأيتُ فيها النساء؛ إن ائْتُمنَّ أفشَين، وإن سألن أَلْحَفن، وإذا سُئلن بَخِلن، وإذا أُعطِين
لم يَشكُرن، ورأيتُ فيها عمرو بن لُحَيِّ يَجُرُّ قُصبَه في النار، وأشبهُ مَن رأيتُ به مَعبَدُ بن
أكثمَ الخزاعي)». فقال معبدٌ: يا رسولَ الله، أتخشى عليَّ مِن شَبَهِه؟ قال: ((لا، أنت
(١) أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١٣٢/٢ (٢٦٠)، وابن أبي حاتم ١٢٢٤/٤ بعضه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٢٣/٤.
(٣) أخرجه أحمد ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٤ (٤٢٥٨، ٤٢٥٩).
قال الهيثمي في المجمع ١١٦/١ (٤٥٣): ((رواه أحمد، وفيه إبراهيم الهجري، وهو ضعيف)). وصحّحه
الألباني بشواهده في الصحيحة ٤/ ٢٤٢ (١٦٧٧).
(٤) أخرجه البخاري ٦٥/٢ (١٢١٢)، ٥٥/٦ (٤٦٢٤)، ومسلم ٦١٩/٢ (٩٠١).
(٥) السفعة: نوع من السواد ليس بالكثير. وقيل: سواد مع لون آخر. النهاية (سفع).

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (١٠٣)
٥ ١٧٢ .
فَوْسُوعَة التَّفْسِيرُ الْحَاتُور
مؤمنٌ، وهو كافرٌ، وهو أولُ مَن حمَل العربَ على عبادة الأصنام))(١). (٥/ ٥٦٢)
٢٤٠٧٢ - عن أبي هريرة: سمعتُ رسولِ اللهِ وَ لَه يقولُ لأكثمَ بن الجَونِ: ((يا أكثَمُ،
عُرِضت عليَّ النارُ، فرأيتُ فيها عمرو بن لُحيِّ بن قَمَعَةَ بن خِندِفٍ يَجُرُّ قُصْبَه في النار،
فما رأيتُ رجلًا أشبهَ برجلٍ منك به، ولا به منك)). فقال أكثم: أخشى أن يَضُرَّني
شَبَهُه، يا رسول الله. فقال رسول الله وَّه: ((لا، إنك مؤمنٌ، وهو كافرٌ، إنه أولُ مَن غيَّر
دينَ إبراهيم، وبحَر البحيرة، وسيَّب السائبة، وحَمَى الحامي))(٢). (٥٦١/٥)
٢٤٠٧٣ - عن أبي هريرة، عن النبيِ وَّه، قال: ((إنَّ أول مَن أَلَّه الإله، وسيَّب
السيوب، وبحر البحاير، وغيّر دين إبراهيم ظلَّ عمرو بن لحي بن قَمْعَة بن خِندف)).
قال النبي وَله: ((فرأيته يَجُرُّ قُصْبَه في النار، يتأذى به أهل النار، صنماه على ظهره،
وناقتان كان سيبهما ثم استعملهما يعضانه بأفواههما، ويطآنه بأخفافهما، أشبه ولده به
أكثم بن أبي الجون)). فقال أكثم: يا رسول الله، أيضرني ذلك شيئًا؟ قال: ((لا، أنت
رجل مؤمن، وهو كافر))(٣). (ز)
٢٤٠٧٤ - عن أبي سعيد الخدري، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَّ الظهر، فاستأخَر
عن قبلتِه، وأعرَض بوجهِهِ، وتعوَّذ بالله، ثم دنا مِن قبلتِه، حتى رأيناه يتناولُ بيدِه،
فلما سلّم رسول الله وَّل قلنا: يا نبيَّ الله، لقد صنَعتَ اليومَ في صلاتِك شيئًا ما كنتَ
تصنعُه؟ قال: ((نعم، عُرِضَت عليَّ في مقامي هذا الجنةُ والنار، فرأيتُ في النار ما لا
يعلمُه إلا الله، ورأيتُ فيها الحِميَرِيَّةَ صاحبةَ الهِرَّة التي رَبَطتها، فلم تُطعِمها، ولم
تَسِقِها، ولم تُرسِلها فتأكلَ مِن خَشاشِ الأرض، حتى ماتت في رِباطِها، ورأيتُ فيها
(١) أخرجه أحمد ١٠٩/٢٣ - ١١٠ (١٤٨٠٠)، ١٧٣/٣٥ - ١٧٤ (٢١٢٥٠) عن جابر، والحاكم ٤ / ٦٤٧
(٨٧٨٨).
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). وقال الذهبي في التلخيص: ((صحيح)). وقال
الهيثمي في المجمع ٨٩/٢ (٢٤٨٣): ((رواه أحمد، وروي عن أبي بن كعب عن النبي ◌َّ قال بمثله، وفي
الإسنادين عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه ضعف، وقد وثق)). وقال الألباني في الصحيحة ٢٤٤/٤: ((هو
حسن)).
والمشهور أن القصّة وعرض الجنة والنار عليه في قبلته وما رأى فيهما كانت في صلاة الكسوف لا صلاة
الظهر، كما أخرجه مسلم في صحيحه ٦٢٢/٢ (٩٠٤) من حديث جابر.
(٢) أخرجه ابن حبان ١٦/ ٥٣٥ (٧٤٩٠)، والحاكم ٤/ ٦٤٧ (٨٧٨٩)، وابن جرير ٢٨/٩ بألفاظ مقاربة.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). وقال الألباني في الصحيحة ٢٤٣/٤:
((وهذا إسناد حسن)).
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس - كما في تفسير مجاهد ص ٣١٧ -.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
مَوَسُوعَة التَّقَسَّةُ المَاتُور
٥ ١٧٣ %=
=
عمرَو بن لُحيِّ يَجُرُّ قُصبَه في النار، وهو الذي سيَّب السوائب، وبحَر البحيرة، ونصَب
الأوثان، وغيّر دينَ إسماعيلَ، ورأيتُ فيها عِمرانَ الغِفاري معه مِحجَنُه الذي كان يسرقُ
به الحاج)). قال: وسمَّى لي الرابعَ فَنَسِيتُه. ((ورأيتُ الجنةَ، فلم أَرَ مثلَ ما فيها،
فتناولتُ منها قِطفًا لأُريكموه، فحِيلٍ بيني وبينه)). فقال رجلٌ مِن القوم: مثلُ ما الحبةُ
منه؟ قال: ((كأعظم دَلوٍ فَرَتْهُ(١) أمُّك قطَّ)). قال محمدُ بن إسحاق: فسألتُ عن
الرابع، فقال: هو صَاحِبُ ثَنِيَّتَي رسول الله ◌َّهِ الذي نَزَعهما(٢). (٥٦٠/٥)
٢٤٠٧٥ - عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله وَله: ((إنِّي لَأَعرِفُ أوَّلَ مَن سَيَّب
السوائب، ونصَب النُّصُبَ، وأولَ مَن غير دين إبراهيم)). قالوا: مَن هو، يا
رسول الله؟ قال: ((عمرو بن لُحَيِّ أخو بني كعب، لقد رأيتُه يَجُرُّ قُصبَه في النار،
يؤذي أهلَ النارِ ريحُ قُصبِه. وإِنِّي لَأعرِفُ مَن بحَر البحائر)). قالوا: مَن هو، يا
رسولَ الله؟ قال: ((رجل مِن بني مُدلِج، كانت له ناقتان، فجدَع آذانَهما، وحرَّم ألبانَهما
وظهورَهما، وقال: هاتان لله. ثم احتاج إليهما، فشرِب ألبانَهما، ورَكِب ظهورَهما)).
قال: ((فلقد رأيتُه في النارِ وهما تَقضِمانِه بأفواهِهما، وتَطآنِه بأخفافِهما))(٣). (٥٦١/٥)
﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
٢٤٠٧٦ - عن عامر الشعبي - من طريق داود بن أبي هند - في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، قال: الذين لا يَعقِلون هم الأتباع،
وأما الذين افتَروا فعقَلوا أنهم افتَرَوا (٤). (٥٦٣/٥)
(١) أصل الفَرْي: القَطع، وفرى القربة: قدَّرها وصنعها. النهاية، الوسيط (فرى).
(٢) أخرجه بذكر القطف أبو يعلى في مسنده ٢/ ٣٨٠ (١١٤٧)، وأبو نعيم في صفة الجنة ١٩١/٢ (٣٥٠).
وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
قال المنذري في الترغيب والترهيب ٢٨٩/٤ (٥٦٧٦): ((رواه أبو يعلى بإسناد حسن)). وقال الهيثمي في
المجمع ٤١٤/١٠ (١٨٧٢٨): ((رواه أبو يعلى، وإسناده حسن)).
والمشهور أن القصّة وعرض الجنة والنار عليه في قبلته وما رأى فيهما كانت في صلاة الكسوف لا صلاة
الظهر، كما أخرجه مسلم في صحيحه ٦٢٢/٢ (٩٠٤) من حديث جابر.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٦/٧ (٣٥٨٣٠)، وعبد الرزاق في تفسيره ٣٢/٢ (٧٥١) واللفظ له، وابن جرير
٩/ ٢٧ - ٢٨.
قال ابن حجر في الفتح ٢٨٥/٨: ((مرسلًا)).
(٤) أخرجه ابن جرير ٤٠/٩، وابن أبي حاتم ١٢٢٥/٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

سُوْدَةُ المَائِدَةِ (١٠٣)
٥ ١٧٤ %
ضَوْسُكَبْ التَّفْسِيَةُ المَاتُور
٢٤٠٧٧ - عن قتادة بن دعامة - من طريق سعيد - ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ
وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، قال: لا يَعقِلون تحريمَ الشيطان الذي حرَّم عليهم(١). (٥٦٣/٥)
٢٤٠٧٨ - عن محمد بن أبي موسى - من طريق داود - في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ﴾ قال: أهلُ الكتاب، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قال: أهلُ
الأوثان(٢) (٢١٨٧). (٥٦٣/٥
٢٤٠٧٩ - عن محمد بن أبي موسى، في الآية، قال: الآباءُ جعَلوا هذا وماتوا،
ونشأ الأبناءُ وظنُّوا أن الله هو جعل هذا، فقال الله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
اُلْكَذِبِّ﴾: الآباء؛ فالآباءُ افتَرَوا على اللهِ الكذب، والأبناءُ أكثرُهم لا يَعقِلون؛
يظنُّون اللهَ هو الذي جعله(٣). (٥٦٣/٥)
٢٤٠٨٠ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من قريش وخزاعة من مشركي
العرب ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ لقولهم: إنَّ الله أمرنا بتحريمه. حين قالوا فى
الأعراف [٢٨]: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ يعني: بتحريمها. ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
أَنَّ الله ◌َن لم يُحَرِّمه(٤). (ز)
٢١٨٧ رجَّح ابنُ جرير (٤٠/٩ - ٤١) مستندًا إلى السياق قول الشعبي بأنَّ المعنيِّين بقوله:
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ﴾: هم المتبوعون، الذين سنُّوا لأهل الشرك السُّنن
الرديئة. وأن المعنيِّين بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هم أتباع من سَنَّ لهم هذه السُّنن من
جهلة المشركين.
ووافقه ابنُ عطية (٢٧٨/٣).
ثم انتَقَدا استنادًا إلى مخالفة السياق، وقولٍ قتادة قولَ محمد بن أبي موسى، فبيَّن ابنُ جرير
بأن هذا القول لا معنى له، لأنّ: ((النكير في ابتداء الآية من الله تعالى على مشركي
العرب، فالختم بهم أولى من غيرهم، إذ لم يكن عرَض في الكلام ما يُصرَف من أجله
عنهم إلى غيرهم)).
وانتقده ابنُ عطية بقوله: ((وهذا تفسير مَن انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من
المعنى، وعما تأخر أيضًا من قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾)).
(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ٤١ - ٤٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ٤٠، وابن أبي حاتم ١٢٢٤/٤. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر،
وأبي الشيخ.
(٣) عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥٠٩ - ٥١٠.

مَوَسُوعَةُ التَّفْسِيُ المَانُور
سُورَةُ الْمَائِدَة (١٠٤ - ١٠٥)
١٧٥ %
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَأَ
أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
(١٤)
٢٤٠٨١ - عن عبد الله بن عباس - من طريق عطية العوفي - يعني قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ
لَهُمْ تَعَالَوْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، قال: كانوا إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله وإلى
الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب بن الأشرف(١). (ز)
٢٤٠٨٢ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ يعنى: مشركي العرب: ﴿تَعَالَوْاْ
إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ في كتابه من تحليل ما حرم من البحيرة، والسائبة، والوصيلة،
والحام، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ محمدٍ بَّه؛ ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَأَ﴾ من أمر
الدين؛ فإنَّا أُمِرنا أن نعبد ما عبدوا. يقول الله رَى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ﴾ يعني: فإن
كان آباؤهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ من الدين، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ له، أفتتبعونهم؟! (٢). (ز)
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥)
نزول الآية :
٢٤٠٨٣ - عن عبد الله بن عباس - من طريق الكلبي، عن أبي صالح -: كتب
رسول الله وَل﴿ إلى أهل هجر، وعليهم مُنذر بن ساوى، يدعوهم إلى الإسلام، فإن
أَبَوْا فِلْيُؤَدُّوا الجزية، فلما أتاه الكتابُ عَرضه على مَن عنده مِن العرب واليهود
والنصارى والصابئين والمجوس، فأقروا بالجزية، وكرهوا الإسلام، وكتب إليه
رسول الله وَّر: ((أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب
والمجوس فاقبل منهم الجزية)). فلما قرأ عليهم كتابَ رسول الله وَ لّ أسلمت
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٢٥/٤. كذا أوردها عند هذه الآية، والظاهر أن سياقها لا يساعد على ربط
الأثر بها، ولعله ألصق بنظيرها في سورة النساء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى
الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، وقد أخرج ابن أبي حاتم نحوه ٩٩٢/٣ عند
آية النساء عن ابن عباس من طريق العوفي بلفظ: كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم،
قالوا: بل نتحاكم إلى الطاغوت.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٥١٠/١ - ٥١١.

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٥)
& ١٧٦ %
مُؤْسُعَبْ التَّفْسِي الْجَاتُور
العرب، وأما أهل الكتاب والمجوس فأعطوا الجزية، فقال منافقو العرب: عجبًا من
محمد، يزعم أنَّ الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من
أهل الكتاب، فلا نراه إلا قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب!
فأنزل الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. يعني: مَن ضَلَّ مِن
أهل الكتاب(١). (ز)
٢٤٠٨٤ - عن سعيد بن جبير - من طريق أبي بِشْر - أنَّه سُئِل عن هذه الآية. فقال:
نزَلت في أهل الكتاب، يقول: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَّن ضَلَّ﴾ من
أهل الكتاب ﴿إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢). (٥٧٣/٥)
٢٤٠٨٥ - عن عمر مولى غُفرةَ - من طريق ابن شعيب - قال: إنَّما أُنزِلت هذه الآية لأنَّ
الرجلَ كان يُسلِمُ ويَكفرُ أبوه، ويُسلِمُ الرجلُ ويَكفرُ أخوه، فلما دخَل قلوبَهم حلاوةُ
الإيمان دعَوا آباءَهم وإخوانَهم، فقالوا: حسبُنا ما وجدنا عليه آباءَنا. فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ﴾(٣). (٥٧٢/٥)
٢٤٠٨٦ - قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وذلك أنَّ
النبي ◌َّ- كان لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، فلمَّا أسلم العرب طوعًا وكرهًا
قَبِل الجزية من مجوس هجر، فطعن المنافقون في ذلك؛ فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٤). (ز)
٢٤٠٨٧ - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - من طريق ابن وهب - في قوله: ﴿يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُوْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: كان الرجل إذا أسلم
قالوا له: سفَّهْت آباءَك وضلَّلْتهم، وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا، كان
ينبغي لك أن تنصرهم وتفعل. فقال الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا
يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥)(٢١٨٨. (ز)
٢١٨٨ انتقد ابنُ عطية (٢٨٠/٣) مستندًا إلى القرآن قولَ ابن زيد قائلًا: ((ولم يقل أحد ==
(١) أورده الواحدي في أسباب النزول ص٢١٢، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ٤١٧/٢ - ٤١٨، والثعلبي
١١٧/٤ - ٠١١٨
إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.
(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ٥٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤ /١٢٢٨ (٦٩٢٥).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٥١١.
(٥) أخرجه ابن جرير ٩/ ٥٣.

مُوسُعَبْ التَّقْسِيَةُ المَاتُور
سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٥)
٥ ١٧٧
تفسير الآية:
٢٤٠٨٨ - عن أبي أميةَ الشَّعبانيّ، قال: أتيتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ، فقلتُ له: كيفَ
تصنعُ في هذه الآية؟ قال: أيَّةُ آية؟ قلتُ: قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا
يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: أما واللهِ لقد سألتَ عنها خبيرًا؛ سألتُ عنها
رسول الله وَّ، قال: ((بل ائتمِرُوا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ
شُحًّا مُطاعًا، وهوى متبَعًا، ودُنيًا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصَّةِ
نفسِك، ودَع عنك أمرَ العَوامِّ، فإن من ورائِكم أيامَ الصبر، الَّصابرُ فيهنَّ مثلُ القابض
على الجمر، للعامِل فيهنَّ مثلُ أجرٍ خمسينَ رجلًا يعملون مثلَ عملِكم)) (١). (٥٦٥/٥)
٢٤٠٨٩ - عن معاذ بن جبل: أنَّه قال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله رجل :
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ﴾. قال: ((يا معاذ، مُرُوا
بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شُحًا مُطاعًا، وهوَّى مُتبعًا، وإعجابَ كلِّ
امرئ برأيه؛ فعليكم أنفسكم لا يضرُّكم ضلالةُ غيرِكم، فهو من ورائِكم أيامُ صبرٍ،
المتمسك فيها بدينِهِ مثلُ القابضِ على الجمر، فللعاملِ منهم يومئذٍ مثلُ عملِ أحدِكَم
اليومَ كأجرٍ خمسين منكم)). قلتُ: يا رسول الله، خمسين منهم؟ قال: ((بل خمسين
منكم أنتم)(٢). (٥٦٩/٥)
٢٤٠٩٠ - عن أبي عامر الأشعري: أنَّه كان فيهم شيءٌ، فاحتبس على رسول الله، وَّل،
ثم أتاه، فقال: ((ما حَبَسك؟)). قال: يا رسول الله، قرأتُ هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
== - فيما علمتُ -: إنها آية موادعة للكفار. وكذلك لا ينبغي أن يعارض بها شيء مما أمر الله
به في غير ما آية، من القيام بالقسط، والأمر بالمعروف)).
(١) أخرجه أبو داود ٣٩٦/٦ (٤٣٤١)، والترمذي ٢٩٧/٥ - ٢٩٩ (٣٣١٠)، وابن ماجه ١٤٦/٥ (٤٠١٤)،
والحاكم ٣٥٨/٤ (٧٩١٢)، وابن حبان ١٠٨/٢ (٣٨٥)، وابن جرير ٤٨/٩ - ٤٩، وابن أبي حاتم ٤/
١٢٢٥ (٦٩١٥).
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب)). وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))،
وقال الذهبي في التلخيص: ((صحيح)). وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٦٠٣/٣ (١٤٠٦) عن أبي
أمية: ((لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عمرو بن جارية اللخمي، وعمرو بن جارية أيضًا لا تُعْرَف
حاله، ولا يعرف روى عنه غير عتبة بن أبي حكيم، وعتبة مختلف فيه، فابن معين يضعفه، وغيره يقول: لا
بأس به)). وقال في موضع آخر ٦٣٤/٤: ((وهو بثلاثة مجهولين)). وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية ١/
١٧١: ((عتبة مختلف فيه، وباقيه جيد)). وقال الألباني في الضعيفة ٩٤/٣ (١٠٢٥): ((ضعيف)).
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (١٠٥)
٥ ١٧٨ %
فَوْسُعَبْ التَّفْسِي المَاتُور
ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: فقال له النبي ◌َّ: ((أين
ذهبتُم؟! إنما هي: لا يَضُرُّكم مَن ضلَّ مِن الكفار إذا اهتديتم)» (١). (٥٦٦/٥)
٢٤٠٩١ - عن أبي سعيد الخدري، قال: ذكرتُ هذه الآيةَ عند رسول الله وَلَه؛
قول الله رَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال
نبيُّ الله وَّ: (لَم يجىُّ تأويلُها، لا يجيءُ تأويلُها حتى يهبِطَ عيسى ابن
مريم ◌ِلَّا))(٢). (٥٦٩/٥)
٢٤٠٩٢ - عن أبي بكر الصديق: سمعتُ رسول الله وَلَّ يقول: ((ما ترَك قومٌ الجهادَ
في سبيل الله إلا ضرَبهم الله بذلً، ولا أقرَّ قومٌ المنكرَ بينَ أظهُرِهم إلا عمَّهم الله
بعقاب)). وما بينكم وبين أن يعمَّكم اللهُ بعقابٍ من عنده إلا أن تأولوا هذه الآية على
غيرِ أمرٍ بمعروفٍ، ولا نهي عن منكر: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن
ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣). (٥٧٠/٥)
٢٤٠٩٣ - عن أبي بكر الصديق: أنَّ رسول الله وَّه قال: ((سَتُغَرْبَلون (٤) حتى تصيروا
في حُثالَة في قوم قد مَرِجَت(٥) عهودهم، وخربت أماناتهم)). قال: فكيف بنا؟ قال:
((تعرفون ما تعرفون، وتنكرون ما تنكرون)). قال أبو بكر: سمعت رسول الله وَّل في
ذلك المجلس يقول: ((ما ترك قوم القتال في سبيل الله إلا ضربهم الله بذُلَّ، ولا قَرَّ
قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمهم الله بعقاب)). وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب
من عنده إلا أن تتلو هذه الآية على غير ما أنزلها الله رَّت عليه على غير أمر بمعروف
ولا نهي عن منكر: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا
اُهْتَدَيْتُمْ﴾(٦). (ز)
(١) أخرجه أحمد ٣٩٧/٢٨ - ٣٩٨ (١٧١٦٥)، ٣٣٤/٢٩ (١٧٧٩٨)، وابن أبي حاتم ١٢٢٦/٤ (٦٩٢٠)
واللفظ له .
قال الهيثمي في المجمع ١٩/٧ (١٠٩٨٨): ((ورجالهما ثقات، إلا أني لم أجد لعلي بن مدرك سماعًا من
أحد من الصحابة)). وأورده الألباني في الصحيحة ١٢٨/٦ (٢٥٦٠). وقال في الضعيفة ١٣٦/٩ (٤١٣٢):
((منكر)).
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٤) أي: يذهب خياركم ويبقى أرذالكم. النهاية (غربل).
(٥) أي: اختلطت. النهاية (مرج).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٢/
٢١٧ (٩١) -. من طريق الحكم بن عبد الله الأيلي أنه سمع محمد بن عبد الله التيمي يحدث عن أبيه عن أبي
بکر به .
=

فَوْسُ عَبْ التَّفْسَِّةِ المَاتُور
سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٥)
١٧٩ %
٢٤٠٩٤ - عن كثير بن أبي كثير المُزني - وكان خادمًا لابن عباس - قال: حدثنا ابن
عباس، وهو يومئذ ضرير في بصره، وذكر عتيق بن عثمان أبا بكر، فقال: رحمه الله،
قعد على منبر رسول الله وَل﴿ يوم سُمِّي فيه خليفة رسول الله وَّر، فحمد الله، وأثنى
عليه، وصلى على النبي وَّر، ثم مدَّ يديه فوضعهما على المجلس الذي كان نبي الله وَال
يجلس عليه من منبره، ثم قال: سمعت الحبيب وهو جالس في هذا المجلس يتأول:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾، ثم فسرها، وكان
تفسيره لها أن قال: ((نعم، ليس من قوم عُمل فيهم بمنكر، ويُفْسَد فيهم بقبيح، فلم
يغيروه ولم ينكروه، إلا حقَّ على الله رَّ أن يعمهم بالعقوبة جميعًا، ثم لا يستجاب
لهم)). ثم أدخل إصبعيه في أذنيه، فقال: إلا أكون سمعته من الحبيب فصُمَّتَا (١). (ز)
٢٤٠٩٥ - عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: خطَب أبو بكر الناس،
فكان في خُطبتِه قال: قال رسول الله وَّه: ((يا أيُّها الناس، لا تتَّكِلوا على هذه الآية:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾، إن الدَّاعرَ(٢) ليكونُ
في الحيِّ فلا يمنعُوه، فيعُمُّهم اللهُ بعقاب))(٣). (٥٧٠/٥)
٢٤٠٩٦ - عن قيس، قال: قام أبو بكرٍ، فحَمِد اللهَ، وأثنَى عليه، وقال: يا أيُّها
الناسُ، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا
أُهْتَدَيْتُمْ﴾. وإنكم تضَعونها على غيرِ موضعِها، وإني سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ:
((إنَّ الناسَ إذا رأوا المنكرَ ولم يغيِّروه أَوشَك أن يَعُمَّهم اللهُ بعقاب)) (٤). (٥٦٤/٥)
= إسناده واهٍ؛ فيه الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي، قال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وقال ابن معين:
ليس بثقة، وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب، وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث، وقال
البخاري: تركوه، كما في لسان الميزان لابن حجر ٢٤٤/٣.
(١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ١٧٢، ٢٧٦/٢، والخطيب في المتفق والمفترق ١٧٨٧/٣، من
طريق محمد بن عامر بن إبراهيم حدثني أبي حدثنا عمر بن خليفة الأنصاري أبو ليث حدثنا كثير بن أبي كثير
المزني به .
إسناده ضعيف كثير بن أبي كثير، لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكذا لم يذكر فيه المزي في تهذيب الكمال
شيئًا ١٥٤/٢٤، لذا قال ابن حجر في التقريب (٥٦٢٩): ((مقبول)).
(٢) رجل داعر: خبيث مفسد. النهاية (دعر).
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٤) أخرجه أحمد ١/ ١٧٧ - ١٧٨ (١)، ١/ ١٩٧ - ١٩٨ (١٦)، ١/ ٢٠٨ (٢٩، ٣٠)، ٢٢١/١ (٥٣)، وأبو
داود ٣٩٣/٦ - ٣٩٤ (٤٣٣٨)، والترمذي ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٢٣٠٧)، ٢٩٧/٥ (٣٣٠٩) بنحوه، وابن ماجه
١٣٩/٥ - ١٤٠ (٤٠٠٥)، وابن حبان ٥٣٩/١ (٣٠٤)، ٥٤٠/١ (٣٠٥)، وابن جرير ٥١/٩ - ٥٣، وابن
أبي حاتم ١٢٢٦/٤ (٦٩١٩).
=

سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٥)
٥ ١٨٠ %
مَوْسُوعَة التَّفْسِيَةُ المَاتُور
٢٤٠٩٧ - عن قيس بن أبي حازم، قال: صَعِد أبو بكر منبرَ رسول الله وَّل،
فحَمِد الله، وأثنَى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، إنَّكم لتَتلون آيَةً مِن كتابِ الله،
وتعُدُّونها رخصةً، واللهِ، ما أنزل اللهُ في كتابِه أشدَّ منها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. واللهِ، لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتَنْهَوُنَّ عن
المنكر، أو ليَعُمَّنَّكم اللهُ منه بعقاب(١). (٥٦٤/٥)
٢٤٠٩٨ - عن إسماعيل السُّدِّيّ - من طريق أسباط - قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾، يقول: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر . =
٢٤٠٩٩ - قال أبو بكر بن أبي قحافة: يا أيها الناس، لا تغتروا بقول الله: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ﴾. فيقول أحدكم: عَلَيَّ نفسي. واللهِ، لتأمرن بالمعروف، وتنهون عن
المنكر، أو لتستعملن عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب، ثم ليدعو اللهَ خيارُكم
فلا يستجيب لهم(٢). (ز)
٢٤١٠٠ - عن رجل - من طريق قتادة - قال: كنتُ في خلافة عثمان بالمدينة في
حلقةٍ فيهم أصحابُ النبيِ وََّ، فإذا فيهم شيخٌ - حسِبتُ أنه قال: أُبِيُّ بن كعب -
فقرأ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فقال: إنما تأويلُها في آخرِ الزمان(٣). (٥٦٨/٥)
٢٤١٠١ - عن الحسن: أنَّ عبد الله بن مسعود سأله رجلٌ عن قوله: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ﴾. فقال: أيُّها الناس، إنَّه ليس بزمانِها، فإنها اليومَ مقبولةٌ، ولكنه قد أَوشَك
أن يأتيَ زمانٌ تأمرون بالمعروف فيُصنعُ بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يُقبَلُ منكم -،
فَحِينَذِ ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾(٤). (٥٦٦/٥)
= قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)). وقال البزار في مسنده ١٣٥/١ (٦٥): ((وقد أسند هذا الحديث
عن أبي بكر عن النبي (َّر جماعة، وأوقفه جماعة)). وقال الدارقطني في العلل ١١٩/١: ((هذا الحديث لا
نعلمه يروى عن النبي 18 بهذا اللفظ من وجه أعلى من هذا الوجه، ولا أحسن إسنادًا منه من أبي بكر ...
رواه عنه جماعة من الثقات)). وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية ١٧١/١: ((إسناد صحيح)). وقال الذهبي
في معجم الشيوخ ١٢١/١: ((هذا حديث صالح الإسناد ... وله علة ليست بمؤثرة فيه ضعفًا)). وقال ابن
كثير في تفسيره ٢١٢/٣: ((وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه،
وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به متصلًا مرفوعًا، ومنهم من رواه
عنه به موقوفًا على الصدِّيق، وقد رجّح رفعه الدارقطني وغيره)). وصححه الألباني في الصحيحة ٨٨/٤
(١٥٦٤).
(٢) أخرجه ابن جرير ٩ / ٥١.
(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ٥٢ - ٥٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ١/ ١٩٩، وابن جرير ٩ / ٤٥ - ٤٦.
(٤) أخرجه يحيى بن سلام - كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥١/٢ -، وعبد الرزاق ١٩٩/١، وسعيد بن =