Indexed OCR Text
Pages 441-460
المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُوز التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٤٤١٥ :- تفسيره، وعند من ترجم له(١) . وقد جاءت مصنفات ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) قليلةً في جنب سعة علمه، وما برع فيه من الفنون، والذي ذكر له من ذلك هو: ١ - ((المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز))، وهو أشهر كتبه، حتى قيل فيه: ((لو لم يكن له إلا التفسير لكفى)) (٢)، وبه ظهر فضله وعلمه، قال علي بن سعيد (ت: ٦٨٥هـ) في تذييله على رسالة ابن حزم (ت: ٤٥٦هـ) في ((مفاخر أهل الأندلس)): ((ولأبي محمد ابن عطية الغرناطي في تفسير القرآن الكتاب الكبير الذي اشتهر، وطار في الغرب والشرق))(٣)، وقد تفرغ له وأفنى فيه سني حياته كما أشار في مقدمته (٤)، فجاء محررًا مستوعبًا وجيزًا كما أراد؛ قال ابن الأبار (ت: ٦٥٨هـ): ((وتأليفه في التفسير جليل الفائدة، كتبه الناس كثيرًا، وسمعوه منه، وأخذوه عنه))(٥)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسُّنَّة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل)) (٦)، وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥هـ): ((هو أجل من صنف في علم التفسير، وأفضل من تعرض للتنقيح فيه والتحرير))(٧)، وقال لسان الدين ابن الخطيب (ت: ٧٧٦هـ): ((وألف كتابه المسمى بالوجيز، فأحسن فيه وأبدع، وطار لحسن نيته كل مطار))(٨)، وقال السيوطي (ت: ٩١١هـ): ((وألف تفسير القرآن الكريم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها))(٩). وصار هذا التفسير موضع عناية كثير من العلماء نقلًا واعتمادًا؛ كالقرطبي (ت: ٦٧١هـ)(١٠)، وأبي حيان (ت: ٧٤٥هـ) (١١)، وجمعًا ومقارنةً بغيره من التفاسير؛ كابن بزيزة التميمي التونسي (ت: ٦٦٢هـ) (١٢)، وأبي زكريا الشاوي (ت: ١٠٩٦هـ)(١٣)، وتهذيبًا (١) ينظر: الديباج المذهب ٢/ ٥٧، وشجرة النور الزكية ١٢٩/١. (٣) نفح الطيب ١٧٩/٣. (٢) فوات الوفيات ٢٥٦/٢. (٤) المحرر الوجيز ٧/١ - ٨. وينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم ص٨٣. (٦) مجموع الفتاوى ٣٦١/١٣. (٥) المعجم ص ٢٦١. (٧) البحر المحيط ٢٠/١. (٨) الإحاطة ٣/ ٤١٢. (٩) بغية الوعاة ٧٣/٢. وينظر: البحر المحيط ٢٠/١. (١٠) ينظر: مقدمة ابن خلدون ١٢١/٢، وهذا ظاهر جدًّا في تفسير القرطبي. (١١) ينظر: البحر المحيط ٢٠/١. (١٢) ينظر: مقدمة فهرس ابن عطية ص٣٦. (١٣) طبع كتابه في مجلدين، عن دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٣٠ هـ. التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٤٤٢ ٥ المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ الْحَاتُور دولار واختصارًا؛ كأبي عبد الرحمن الثعالبي (ت: ٨٧٥هـ)(١)، وقال أبو محمد ابن فرحون (ت: ٧٦٩هـ): ((لازمت تفسير ابن عطية حتى كدت أحفظه))(٢). ٢ - ((فهرس ابن عطية))، وفيه تراجم ثلاثين شيخًا التقاهم وقرأ عليهم وأجازوه. ٣ - كتاب ((في الأنساب)). وقد أشاد العلماء بعلم ابن عطية؛ ومما قيل فيه: ((كان فقيهًا عالمًا غايةً في الدهاء والذكاء والتهمم بالعلم، سري الهمة في اقتناء الكتب)) (٣)، ((أحد رجالات الأندلس الجامعين إلى الفقه الحديث والتفسير والأدب، وبيته عريق في العلم)) (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((كان ابن عطية أقعد بالعربية والمعاني من هؤلاء(٥)، وأخبر . بمذهب سيبويه والبصريين))(٦) توفي في ((لورقة)) سنة (٥٤١هـ)، وقيل: (٥٤٢هـ)، وقيل: (٥٤٦هـ)، عن ستين (٧) سنة(٧) . ٣ - ابن تيمية هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد الحراني، تقي الدين أبو العباس ابن تيمية الدمشقي، شيخ الإسلام، ولد بحران(٨) سنة (٦٦١هـ)، وكان أبيض، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، كأن عينيه لسانان ناطقان، فصيحًا، مفوهًا، لم يتزوج أو يتسرى(٩). خرج مع أسرته حين هاجرت إلى دمشق بسبب عسف التتار بحران سنة (٦٦٧هـ)، (١) الحلل السندسية ١/ ٦٢٩. (٢) الديباج المذهب ١/ ٤٥٥. (٣) الإحاطة في أخبار غرناطة ٣/ ٤١٢ بتصرف. وينظر: سير أعلام النبلاء ١٩ / ٥٨٧. (٤) المعجم، لابن الأبار ص٢٧٢. (٥) يعني: الزجاج، وابن الجوزي، والبغوي، والمهدوي، وفي تتمة كلامه قال عنهم: ((وأولئك لهم براعة وفضيلة في أمور يبرزون فيها على ابن عطية، لكن دلالة الألفاظ من جهة العربية هو بها أخبر، وإن كانوا هم أخبر بشيء آخر من المنقولات أو غيرها)). مجموع الفتاوى ٤٣١/٢٧. (٦) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٣١. (٧) للتوسع في ترجمته ينظر: مقدمة الفهرس، لابن عطية ص ١٥، والمعجم، لابن الأبار ص٢٧٢، والصلة ٣٨٧/٢، والديباج المذهب ٥٨/٢، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٨٧، وبغية الوعاة ٧٣/٢. (٨) مدينة قديمة بين الرها والرقة. ينظر: معجم البلدان ٢٣٥/٢. (٩) ذيل تاريخ الإسلام، وتتمة المختصر، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص٢٠٩، ٢٧٤. المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْحَاتُور التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٤٣ % وكان صغيرًا(١)، ونشأ في بيت علم وفقه وعبادة، فحفظ القرآن في صغره، وتلقى العلوم من أول عمره على أبيه، وترقى في كنف أسرته في مراتب العفاف والتأله، عابدًا ناسكًا ذاكرًا لله على كل حال(٢). ثم أخذ في طلب العلم عن علماء دمشق وغيرها؛ حتى زاد شيوخه عن مئتي شيخ(٣)، وأول من سمع منه: ابن عبد الدائم (ت: ٦٦٨ هـ) سنة (٦٦٧ هـ) (٤)، ((وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك؛ هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة))(٥)، ((ومات والده - وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم - فدرس بعده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنةً، واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم)) (٦). وكان على اعتقاد السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة، سالكًا طريقة أهل السُّنَّة والجماعة، شارحًا لها، ومدافعًا عنها بلسانه ويده، فألف التصانيف الكثيرة في بيان ذلك المعتقد، وجاهد بقلمه المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وناظر المبتدعة وأهل الأهواء، وأبطل كل ما خالف الهدي الأول من الأديان والمذاهب (٧)، وصارت مؤلفاته في ذلك أصولا يرجع إليها، ويعول عليها . ومع بلوغه درجة الاجتهاد المطلق، والالتزام بما يتبين له من الدليل دون تقليد (٨) = إلا أن أصول نشأته كانت على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١هـ)، وخلف أباه وغيره في التدريس في مدارس الحنابلة، وألف في المذهب كتبًا وتحريرات وفتاوى معتمدة، قال الصفدي (ت: ٧٦٤هـ): «تمذهب للإمام أحمد بن حنبل، فلم يكن (١) العقود الدرية ص٥. وينظر: مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص١٨٨. (٢) العقود الدرية ص٩. وينظر: عيون التواريخ، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٣٣٧. (٣) التبيان لبديعة البيان، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٤٢٦. (٤) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص١٨٨. (٥) العقود الدرية ص٩. وينظر: الأعلام العلية ص ٧٤٢. (٦) العقود الدرية ص٩. (٧) ينظر: أعيان العصر وأعوان المصر، والوافي بالوفيات، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص٢٨٦، ٣٠٦. (٨) ينظر: مختصر طبقات علماء الحديث، والذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٣، ٤٠٢. فَوْسُ عبر التّفْسِيَةُ الْخَاتُور المدخل إلى التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٤٤ ٥ أحد في مذهبه أنبه منه ولا أنبل)) (١)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥هـ): ((وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم عليه الدليل عنده))(٢). وصف العلماء علمه بالتفسير، فقال ابن عبد الهادي (ت: ٧٤٤هـ): ((وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقف ولا تلعثم .. ، وكان إذا ذكر التفسير أبهت الناس من كثرة محفوظه، وحسن إيراده، وإعطائه كل قول ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال .. ، وكان يجلس في صبيحة كل جمعة على الناس يفسر القرآن العظيم)) (٣)، وقال الذهبي (ت: ٧٤٨هـ): ((كان آيَةً من آيات الله في التفسير، والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين)) (٤)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥هـ): ((وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبقي يفسر في سورة نوح عدة سنين أيام الجمع)) (٥)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) لأحد أخص أصحابه ابن رشيق المغربي (ت: ٧٤٩هـ): ((ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم؛ وأقول: يا معلم إبراهيم علمني)) (٦). أما مصنفاته فقد بلغت الغاية كثرةً وشهرةً وتحريرًا وتأثيرًا، فقد بدأ التصنيف وله سبع عشرة سنة (٧)، وكان سريع التأليف؛ كتب بعض مصنفاته في قعدة، ويكتب في اليوم ما يبيض منه في مجلد، وكثيرًا ما يكتب من حفظه الكتب الكبار، ومنها ما كتبه في السجن في غاية التحرير من حفظه بلا مراجع(٨). وذكر الذهبي (ت: ٧٤٨هـ) أن مصنفاته تزيد على خمسمئة مجلد(٩)، أما فتاويه فلا (١) أعيان العصر وأعوان النصر، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٨٥. (٢) الذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٤٠٢. (٣) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٠ - ١٩٣. (٤) ذيل تاريخ الإسلام، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٠٦. (٥) الذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص٤٠٢، بتصرف. (٦) أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص٢٢١. (٧) ينظر: مختصر طبقات علماء الحديث، والذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص١٨٩، ٤٠١. (٨) ينظر: أعيان العصر وأعوان النصر، والذيل على طبقات الحنابلة، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٨٧، ٤٠٥. (٩) ينظر: لقطة العجلان، ومختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٨٦، ١٩٥. المدخل إلى مُؤْسُوكَة التَّقَسَّسَةُ الْخَاتُور التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... = : ٤٤٥ % تدخل تحت الحصر(١)، ومن أشهر مؤلفاته: درء تعارض العقل والنقل، وبيان تلبيس الجهمية، ومنهاج السُّنَّة النبوية، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والاستقامة، والتدمرية، والحموية، والواسطية، وتلخيص كتاب الاستغاثة، وغيرها(٢). ومما كتب في التفسير وعلومه: تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء، والمقدمة في أصول التفسير. وجمع تفسيره المفرق وكلامه على الآيات في أكثر من مجموع، كما جمع كلامه على علوم القرآن وأصول التفسير (٣). وقد اجتمعت كلمة من رآه وعرفه على الثناء عليه، والإقرار بإمامته ونبوغه وعلمه وفضله واجتهاده وتألهه؛ قال ابن الزملكاني (ت: ٧٢٧هـ): ((كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه))(٤)، وقال ابن سيد الناس (ت: ٧٣٤هـ): ((ألفيته ممن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه))(٥) وقال البرزالي (ت: ٧٣٩هـ): ((الإمام المجمع على فضله ونبله ودينه، كان إمامًا لا يلحق له غبار في كل شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين))(٦)، وقال المزي (ت: ٧٤٢هـ): ((ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ولا أتبع لهما منه))(٧)، وقال الذهبي (ت: ٧٤٨هـ): ((كان آيةً في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسُّنَّة والاختلاف، بحرًا في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علمًا (١) ينظر: تقريظ ابن حجر على الرد الوافر، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٤٨٦. (٢) ينظر: أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ٢٢٠، ٦٦٦. (٣) ينظر: تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية، المطبوع عن دار ابن الجوزي ١٥/١، ٢٦، وإمتاع ذوي العرفان بما اشتملت عليه كتب شيخ الإسلام من علوم القرآن. (٤) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٠. (٥) أجوبة ابن سيد الناس عن سؤالات ابن أيبك الدمياطي، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص١٣٤. (٦) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٢. (٧) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٠. التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٤٤٦ ٥ المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيرُ الْخَاشُور وزهدًا وشجاعةً وسخاءً، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف، وهو أعظم من أن تصفه كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي)) (١). توفي مسجونًا بقلعة دمشق، سنة (٧٢٨هـ)، عن سبع وستين سنة(٢). ٤ - ابن القيم هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله شمس الدين، الشهير: بابن قيم الجوزية(٣). ولد سنة (٦٩١هـ)، ونشأ بدمشق في رعاية والده ((الشيخ الصالح العابد الناسك .. ، وكانت له في الفرائض اليد الطولى)) (٤)، فأخذ علم الفرائض عن أبيه، ثم جد في طلب العلم عن جلة من علماء وقته، ورحل إلى القاهرة غير مرة، وحج مرات كثيرةً، وأَمَّ في المدرسة الجوزية وغيرها (٥). وممن أخذ عنهم من العلماء الشهاب العابر (ت: ٦٩٧هـ)، وأبو الفتح البعلبكي (ت: ٧٠٩هـ)، وبدر الدين ابن جماعة (ت: ٧٣٣هـ)، والمزي (ت: ٧٤٢هـ)، وابن مفلح (ت: ٧٦٣هـ). ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) من سنة (٧١٢هـ) بعد عودة ابن القيم (ت: ٧٥١هـ) من القاهرة، وأكثر عنه، وتأثر به غايةً، حتى صار أبرز تلاميذه؛ قال الذهبي (ت: ٧٤٨هـ): ((كان من عيون أصحاب ابن تيمية)) (٦)، وقال الصفدي (ت: ٧٦٤هـ): ((ولم يخلف الشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية مثله))(٧)، ولذا تتلمذ له جماعة من كبار علماء وقته؛ كابن عبد الهادي (ت: ٧٤٤هـ)، والذهبي (ت: ٧٤٨هـ)، وابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)، ٠ وابن رجب (ت: ٧٩٥هـ) (١) مختصر طبقات علماء الحديث، ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص ١٩٤. (٢) للتوسع في ترجمته ينظر: العقود الدرية، لابن عبد الهادي، والأعلام العلية، للبزار، وتاريخ ابن الوري ٢٧٥/٢، والبداية والنهاية ٢٩٦/١٨، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية. (٣) الجوزية مدرسة مشهورة للحنابلة بدمشق، نسبةً إلى واقفها (ابن الجوزي) يوسف ابن الواعظ المشهور (ت: ٦٥٦هـ). ينظر: منادمة الأطلال ص٢٢٧، والأعلام ٣١٢/٩. (٤) البداية والنهاية ٢٣٥/١٨. (٥) ينظر: السلوك لمعرفة دول الملوك ١٣٢/٤، والبداية والنهاية ٥٢٣/١٨، ٥٤٠، وذيل طبقات الحنابلة ٤٤٩/٢. (٦) العبر ٤ /١٥٥. (٧) الوافي بالوفيات ١٩٦/٢. (٨) ينظر: الوافي بالوفيات ١٩٥/٢، والنجوم الزاهرة ٢٤٩/١٠. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسَِّةُ الْحَانُونِ التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٤٧ = وقد كان على اعتقاد السلف أهل السُّنَّة والجماعة، شارحًا له، داعيًا إليه، وكتبه في تقرير ذلك كثيرة مشهورة. وكان من علماء الحنابلة فقهًا وتدريسًا، مع غير التزام بالتقليد إذا بان له الدليل، وهو في هذا على ما كان عليه شيخه ابن تيمية، كما حكى عنه فقال: ((وقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم. فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له))(١)، وقال: ((كثيرًا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح ونرجحه، ونقول هذا هو الصواب))(٢). وقد بورك له في التصنيف، فقاربت مصنفاته مئة مصنف، واشتهرت وانتشرت، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥هـ): ((صنف تصانيف كثيرةً جدًّا في أنواع العلم))(٣)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢هـ): ((وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف)) (٤)، ومن أشهرها: مفتاح دار السعادة، وزاد المعاد في هدي خير العباد، وروضة المحبين، وبدائع الفوائد، وتهذيب مختصر سنن أبي داود، والفروسية. وهذه الستة السابقة ألفها في حال سفره، وبعده عن مكتبته، وكتب أيضًا: إعلام الموقعين عن رب العالمين، وأحكام أهل الذمة، والروح، وحادي الأرواح، وغيرها كثير (٥). وكتب في علوم القرآن: التبيان في أيمان القرآن، وأمثال القرآن، وقصد إلى تفسير ((المعوذتين)) وسورة ((الكافرون))، وله مباحث وتحقيقات في مسائل من علوم القرآن، وتفسير لجملة من الآيات، جمعت في أكثر من مصنف؛ من أجمعها : بدائع التفسير الجامع لما فسره الإمام ابن القيم الجوزية (٦). وقد كثرت عبارات العلماء في الثناء عليه، وبيان مكانة علمه وفضله، قال المزي (ت: ٧٤٢هـ): ((هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه))(٧)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢هـ): ((كان جريء الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف))(٨)، وقال (١) إعلام الموقعين ٢/ ١٧٠. (٢) إعلام الموقعين ١٣٥/٤. (٤) الدرر الكامنة ١٣٩/٥. (٣) ذيل طبقات الحنابلة ١٧٤/٥. (٥) ينظر: ابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده ص ١٨٥، ١٩٧. (٦) المرجع السابق، وينظر: بدائع التفسير ٣٨٠/٣،٥/١، ٣٨٦. (٧) الرد الوافر ص٦٨. (٨) الدرر الكامنة ١٣٨/٥. التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٤٨ : المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيةُ المَاتُوز السيوطي (ت: ٩١١هـ): ((صنف وناظر واجتهد، وصار من الأئمة الكبار في التفسير والحديث والفروع والأصلين والعربية))(١). توفي بدمشق سنة (٧٥١هـ)، عن ستين سنة(٢). ٥ - ابن كثير هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي، عماد الدين أبو الفداء الدمشقي، ولد ببصرى الشام حدود سنة (٧٠٠هـ)، ونشأ في بيت علم؛ فقد كان أبوه فقيهًا عالمًا، لكنه توفي سنة (٧٠٣هـ) فلم يأخذ عنه، وانتقل بعد ذلك بصحبة أخيه عبد الوهاب إلى دمشق سنة (٧٠٧هـ)، واشتغل على يديه بالعلم. ثم حفظ القرآن وعمره (١١) سنة، واجتهد في طلب العلم على من أدرك وقته من العلماء؛ فأخذ عن ابن عساكر (ت: ٧٢٣هـ)، وابن قاضي شهبة (ت: ٧٢٦هـ)، والبرزالي (ت: ٧٣٩هـ)، والمزي (ت: ٧٤٢هـ)، والذهبي (ت: ٧٤٨هـ)، وابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، وغيرهم. وأخذ وأكثر عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ)، ولازمه وتأثر به، وكانت له به خصوصية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢هـ): ((وأخذ عن ابن تيمية، ففتن بحبه، وامتحن بسببه))(٣). وأخذ عنه جماعة من العلماء؛ كبدر الدين الزركشي (ت: ٧٩٤هـ)، وزين الدين العراقي (ت: ٨٠٦هـ)، وابن الجزري (ت: ٨٣٣هـ)، وغيرهم(٤). وقد كان على اعتقاد السلف أهل السُّنّة والجماعة، مقررًا لها، ومدافعًا عنها، يظهر ذلك جليًّا في مواضع كثيرة من تفسيره. وكان من أئمة الشافعية في وقته، وأفتى، ودرس في عدد من مدارس الشام، وكتب في طبقات الشافعية . أما مصنفاته فقد ((سارت في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته))(٥)، واشتهر منها تفسيره: ((تفسير القرآن العظيم))، وذاع به صيته، وصار موضع عناية من (١) بغية الوعاة ٦٣/١. (٢) للتوسع في ترجمته ينظر: العبر ١٥٥/٤، والوافي بالوفيات ١٩٥/٢، والبداية والنهاية ٥٢٣/١٨، وذيل طبقات الحنابلة ١٧٠/٥، والدرر الكامنة ١٣٧/٥، وابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده. (٣) الدرر الكامنة ٤٤٥/١. (٤) تذكرة الحفاظ ٢٠١/٤، وإنباء الغمر ٣٩/١. (٥) الدرر الكامنة ٤٤٥/١. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنَّةُ الْخَاتُوزِ التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... & ٤٤٩ ٥ بعده؛ تهذيبًا واختصارًا وحواشي وإقراءً، قال السيوطي (ت: ٩١١هـ): ((له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله))(١). وكتب في التاريخ: ((البداية والنهاية))، قال ابن تغري بردي (ت: ٨٧٤هـ): ((وهو في غاية الجودة))(٢)، وله أيضًا: جامع المسانيد والسنن، واختصار علوم الحديث، والفصول في سيرة الرسول وَّر، وغيرها كثير. وقد أثنى عليه علماء عصره ومن بعدهم، فقال الذهبي (ت: ٧٤٨هـ): ((الإمام الفقيه المحدث البارع، فقيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة))(٣)، وقال ابن ناصر الدين الدمشقي (ت: ٧٤٢هـ): ((الشيخ العلامة الحافظ، ثقة المحدثين، عمدة المؤرخين، علم المفسرين)) (٤)، وقال ابن تغري بردي (ت: ٨٧٤هـ): ((الإمام العلامة، كان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية))(٥). وقد أضر في آخر عمره، وتوفي بدمشق سنة (٧٧٤هـ)، عن أربع وسبعين سنة (٦). (١) طبقات الحفاظ ص٥٣٤. وينظر: منهج ابن كثير في التفسير ص٦٤، وقد طبع هذا التفسير ما لا يحصى من الطبعات، وقاربت مختصراته (١٥) مختصرًا؛ أولها لتلميذه أبي المحامد الكازروني. (٢) المنهل الصافي ٢/ ٤١٥. (٣) المعجم المختص بالمحدثين ص ٧٥. (٤) الرد الوافر ص ٩٢. (٥) المنهل الصافي ٤١٤/٢. (٦) للتوسع في ترجمته ينظر: الدرر الكامنة ٤٤٥/١، وإنباء الغمر ٣٩/١، والرد الوافر ص٩٢، والمنهل الصافي ٤١٤/٢، وطبقات الحفاظ، للسيوطي ص ٥٣٤. التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُور & ٤٥٠ %= ثانيًا تعامل أئمة التفسير الخمسة مع آثار السلف يمكن إجمال طريقة تعامل الأئمة الخمسة مع آثار السلف في التفسير من خلال خمسة عناصر : ١ - تعظيم آثار السلف. ٢ - جمعها واستيعابها . ٣ - توجيهها . ٤ - نقدها . ٥ - الاستدلال بها والاعتماد عليها . وفيما يأتي بيان ذلك، مع التنبه إلى أمرين: أولهما: أن هذه العناصر شائعة في كلام الأئمة الخمسة وتطبيقاتهم في التفسير، وعليها قامت تفاسيرهم، ولا تغيب عن الناظر في أي موضع من كتبهم، وإنما قصدنا فيما يأتي إلى الإشارة بنماذج للإيضاح من داخل الموسوعة، مع ما تفيده من إثبات المنهج العام للأئمة في هذا الباب. ثانيهما: أن هناك نوعًا من التفاوت غير القادح في أصل المنهج العام للأئمة الخمسة في التعامل مع آثار السلف من حيث الجملة؛ فابن جرير (ت: ٣١٠هـ) مثلًا فاق غيره في الجمع والسرد والترجيح والتعليل، وابن عطية (ت: ٥٤١هـ) فاق غيره في التوجيه، وابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) تميز في نقد الأقوال، واستيعاب الأدلة، وتنويعها، وابن القيم (ت: ٧٥١هـ) برز في جانب التوجيه، والجمع بين الأقوال، وابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) أبرز جانب الاستدلال بالسُّنَّة، وهكذا . ١٤ - تعظيم آثار السلف: انعقدت كلمة الأئمة الخمسة على تعظيم السلف، والإقرار بفضلهم، واعتقاد المدخل إلى مُؤَسُوعَة التَّقْسِيرُ الْجَاتُور التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... : ٤٥١ % تقدمهم على من بعدهم في كل دين وعلم وخير وهدى، وذلك ظاهر من تفاسير الأئمة للآيات التي أثنت على السلف، مع نصوص من صريح كلامهم، ومن أصرح ذلك نقل ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) الإجماع على فضل السلف على من بعدهم في كل فضيلة، حيث قال: ((من المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسُّنَّة وما اتفق عليه أهل السُّنّة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقادات وغيرها من كل فضيلة، أن خيرها القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي وَّر من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة؛ من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام)) (١)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١هـ): ((وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفةً وفهمًا عن الله ورسوله ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًا طريًّا لم يشبه إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس))(٢)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١هـ): ((كل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم))(٣). وفي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قال ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((دلالة ظاهر هذه الآية تدل على أنها تقريظ للنبي وقل وأصحابه ﴿ّه))(٤)، وقال في قوله تعالى: ﴿وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم ◌ِحْسَنٍ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]: ((رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه))(٥)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١هـ): «قال عامر بن شراحيل الشعبي: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ من أدرك بيعة الرضوان. ﴿وَأَلَّذِينَ آَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾ يريد سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظ (١) مجموع الفتاوى ١٥٨/٤. (٢) إعلام الموقعين ٦٤/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٣/١. (٤) جامع البيان ٧/ ١٥٧. (٥) جامع البيان ١١/ ٦٤٢. مُؤْسُعَبْ التَّفْسِيَةُ المَاتُور المدخل إلى التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٥٢ ٥ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان، وقد لزم هذا الاسم الطبقة التي رأت من رأى النبي وَّر، ولو قال قائل: إن السابقين الأولين هم جميع من هاجر إلى أن انقطعت الهجرة. لكان قولًا يقتضيه اللفظ، وتكون ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس، و﴿ الَّذِينَ﴾ في هذه الآية عطف على قوله ﴿وَالسَّبِقُونَ)))(١)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): ((يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان .. ، وأما أهل السُّنَّة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبَّه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدئون، ولهذا هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون)) (٢)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) عند قوله تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]: ((إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور)) (٣)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): ((ثنى بالثناء على أصحابه يه))(٤). ٢ - جمع آثار السلف واستيعابها في التفسير: وهذا فرع عن اعتقاد إمامتهم على من بعدهم في كل دين وعلم وفضل، مع ما فيه من حسن تحقيق للمعاني بمعرفة كل ما قيل فيها من الأقوال، ومن ثم حسن توجيهها بما يوافق مقاصدهم. قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) مبينًا أهمية ذلك المنهج: ((أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب أو جاهلًا فقد أخطأ كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالًا متعددةً لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنّى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور والله الموفق للصواب))(٥). (١) المحرر الوجيز ٣٩٢/٤. (٢) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٧٧. (٣) المحرر الوجيز ٦٨٩/٧. وينظر: جامع البيان ٣٢١/٢١. (٤) تفسير القرآن العظيم ١٣٢/١٣. (٥) مجموع الفتاوى ٣٦٨/١٣. ونقل ذلك عنه ابن كثير في مقدمة تفسيره ١/ ١١. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنَِّيةُ المَاتُور التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٥٣ % بل نص ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) على خطأ من لا ينقل عن بعض السلف ما يراه قد أخطأ فيه، وذكر أن: ((الصواب ذكر أقوال السلف وإن كان فيها ضعيف؛ فالحجة تبين ضعفه، فلا يعدل عن ذكر أقوالهم)) (١)، وهذا من مقتضى العدل والإنصاف. وقد تميز ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) بجمع واستيعاب أقوال السلف في تفسير الآيات، بل نص على ذلك في مقدمة تفسيره، فقال: ((ونحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه: منشئون - إن شاء الله ذلك - كتابًا مستوعبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعًا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيًا، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه الأمة، واختلافها فيما اختلفت فيه منه))(٢). وصار تفسير ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) بذلك مصدرًا متقدمًا معتمدًا لدى من بعده من العلماء في معرفة ما ورد عن السلف في معنى الآية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢هـ): ((الذين اعتنوا بجمع التفسير من طبقة الأئمة الستة: أبو جعفر بن جرير الطبري، ويليه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الرازي، ومن طبقة شيوخهم: عبد بن حميد بن نصر الكشي. فهذه التفاسير الأربعة قلَّ أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين. وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها؛ كاستيعاب القراءات والإعراب والكلام في أكثر الآيات على المعاني والتصدي الترجيح بعض الأقوال على بعض، وكل من صنف بعده لم يجتمع له ما اجتمع فيه؛ لأنه في هذه الأمور في مرتبة متقاربة، وغيره يغلب عليه فن من الفنون فيمتاز فيه ويقصر في غيره)(٣). وقد قام منهج الأئمة الأربعة بعد ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) على ذلك المنهج في استيعاب أقوال السلف في الآيات، وهذا ظاهر في تفسير ابن عطية (ت: ٥٤١هـ)، ومما يشير إلى ذلك قوله في مقدمة تفسيره مبينًا منهجه: ((وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبةً إليهم على ما تلقى السلف الصالح - رضوان الله عليهم - كتاب الله من مقاصده العربية، السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز، وأهل القول بعلم الباطن، وغيرهم))(٤)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ): ((إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السُّنَّة (١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٨. (٣) العجاب في بيان الأسباب ٢٠٢/١. (٢) جامع البيان ١/ ٧. (٤) المحرر الوجيز ١/ ٩. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيةُ الْخَاتُوزِ التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... : ٤٥٤ % رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين)) (١)، وهو في هذا متابع لابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) وآخذ عنه (٢). وهذا المنهج ظاهر جدًّا في تفاسير هؤلاء الأئمة بما يغني عن الاستشهاد له. ٣ - توجيه آثار السلف: ومعنى التوجيه: بيان وجه القول، ومقصده. كما هو مقتضاه في اللغة، واستعمال أهل العلم، ولا سيما المفسرون له. وقد تميز الأئمة الخمسة بين عامة المفسرين بحسن توجيه أقوال السلف إلى ما يليق بها من المعاني؛ من جهة مقاصدهم، ومراتبهم في العلم والدين. وكان المقدم فيهم إمام المفسرين ابن جرير (ت: ٣١٠هـ)، فقد أبان في تفسيره عن صحة فهم لمقاصد السلف من أقوالهم، مع دقة البيان عنهم، وقدرته على جمع المعاني المؤتلفة في معنىً عام يتقن التعبير عنه. ومن شواهد ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَّكَ اُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]: (﴿وَالْحُكْمَ﴾؛ يعني: الفهم بالكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام. وروي عن مجاهد في ذلك .. ، قال: الحكم هو اللب. وعنى مجاهد إن شاء الله ما قلت؛ لأن اللب هو العقل، فكأنه أراد أن الله آتاهم العقل بالكتاب، وهو بمعنى ما قلنا من أنه الفهم به))(٣)، وقال: ((روي عن قتادة في تأويل قوله: ﴿سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أنه : يكذبون. وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك أنهم يكذبون في وصفهم الله بما كانوا يصفونه به؛ من ادعائهم له بنين وبنات، لا أنه وجه تأويل الوصف إلى الكذب)) (٤)، وقال بعد أن أورد أقوال السلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَفَّىْ ءَادَمُ مِن زَّيِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيٍّْ﴾ [البقرة: ٣٧]: ((وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة ... )) (٥). وقرر ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) في هذا الباب أنه لا وجه لتوجيه كلام أحد من السلف (١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٧. (٣) جامع البيان ٩/ ٣٨٧. (٥) جامع البيان ١/ ٥٨٦. (٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٤. (٤) جامع البيان ٩/ ٤٥٧. المدخل إلى فُؤَسُوعَةُ التَّقَسِيرُ الْخَاتُوز التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٤٥٥ بعد بيانه هو عن مقصده منه، كما في قوله بعد أن أورد قولًا لابن عباس ، ومجاهد (ت: ١٠٤هـ): ((وقد بيَّن ابن عباس ومجاهد ما أرادا من المعنى في قراءتهما ذلك على ما قرآ، فلا وجه لقول هذا القائل ما قال مع بيانهما عن أنفسهما ما قصدا إليه من معنى ذلك))(١). وتلا ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) في ذلك المنهج باقي الأئمة، ومن شواهد ذلك توجيه ابن عطية (ت: ٥٤١هـ): أثر قتادة: (﴿وَأُتُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ [البقرة: ٢٥]؛ أي: خيارًا كله لا رذل فيه، يشبه ثمار الدنيا)، حيث قال: ((كأنه يريد متناسبًا في أن كل صنف هو أعلى جنسه، فهذا تشابه ما))(٢)، وقال فيه ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): ((المراد بالتشابه التوافق والتماثل))(٣). وكذا توجيه ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، حيث ذكر أقوال السلف فيها، وبيَّن أن ((الآية تعم الجميع، وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف)) (٤). ومثله توجيه ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) تفسير جماعة من السلف بأن (الريب: الشك)، حيث قال: ((هذا تقريب؛ وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة، فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة، ولفظ (الشك) وإن قيل: إنه يستلزم هذا المعنى. لكن لفظه لا يدل عليه))(٥). وذكر ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) قول زيد بن أسلم: (﴿الَمَ﴾ [البقرة: ١] اسم من أسماء القرآن)، وقال: ((ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد: أنه اسم من أسماء السور، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون ﴿الْمَصّ﴾ [الأعراف: ١] اسمًا للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿الّصّ﴾، إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن))(٦). ٤ - نقد آثار السلف: اعتنى الأئمة الخمسة بنقد أقوال السلف عنايةً ظاهرةً؛ فصححوا وأبطلوا، ورجحوا وضعفوا، ووازنوا بين الأقوال، وأشاروا إلى ما في بعضها من نكارة أو (١) جامع البيان ١٠/ ٣٧٠. (٣) تفسيره ١١٢/١. (٥) تفسيره ١/ ١٣٧ بتصرف. (٢) المحرر الوجيز ١/ ١٥٢. (٤) المحرر الوجيز ١/ ١٠٧. (٦) تفسير القرآن العظيم ٢٥١/١. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْمَاتُورْ التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٥٦ %= غرابة؛ وذلك أنه لا تلازم بين اعتقاد فضل السلف وإمامتهم في العلم والدين، واعتقاد عصمتهم عن الخطأ، بل يقع من آحادهم ما يقع من غيرهم من الخطأ والسهو والنسيان، ونحو ذلك. وقد جاء نقد الأئمة الخمسة لآثار السلف في صورتين : أ - نقد متون مرويات السلف، كما في قول ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) بعد أن أورد قول ابن عباس ضَّا: (﴿لَوََّحَّةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، يقول: معرضة))، ثم قال: ((وأخشى أن يكون خبر علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا، غلطًا، وأن يكون موضع (معرضةً) (مغيرةً)، لكن صحف فيه))(١)، وقوله أيضًا: ((فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح، فإن في استحالة الشك من الرسول وعمله في أن أهل الشرك من أهل الجحيم، وأن أبويه كانا منهم ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب، إن كان الخبر عنه صحيحًا))(٢). وفي قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] قال الحسن بن صالح: ((استحملوه النعال))، فقال ابن عطية (ت: ٥٤١هـ): ((وهذا بعيد شاذ)) (٣)، وذكر قول عبد الله بن الحارث: أن ابن عباس سأل كعبًا عن ﴿جَنَّتِ عَدْدٍ﴾ [التوبة: ٧٢]؟ فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية. فقال: ((وأظن هذا وهمًا اختلط بالفردوس))(٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) منتقدًا قول سفيان الثوري: ﴿تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: تظلمون أنفسكم. ((وهذا القول فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواءً فعله سرًّا أو علانيةً))(٥). وفي قول سعيد بن المسيب عند قوله تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]، قال: (يرون أن هذه الآية التي بعدها نسختها: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فهن من أيامى المسلمين)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١هـ) منتقدًا: ((هذا أفسد من الكل؛ فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين، ولا تناقض إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامي، وحرم نكاح الزانية كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟!)) (٦)، وفي خبر زيد بن ثابت وظُبه قال: (١) جامع البيان ٤٣٥/٢٣. ويصحح ذلك أن ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ) أخرجه بلفظ: ((مغيرةً». كما في الإتقان ٤١/٢، ط. محمد أبو الفضل. (٢) جامع البيان ٢/ ٤٨٢. وينظر: ٤٨٩/١، ١٥٤/٢، ٤٥٣/٢٣، ٦١٨/٢٤. (٣) المحرر الوجيز ٣٨٥/٤. (٤) المحرر الوجيز ٤/ ٣٦٢. (٥) تفسيره ١/ ٤٤٢. (٦) تفسيره ٢٣٣/٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيرُ الْخَاتُور التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٥٧ ((أملى علي رسول الله وَّل هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، إلى قوله ﴿خَلْقَاءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. فقال معاذ بن جبل: فتبارك الله أحسن الخالقين. فضحك رسول الله وَ له. فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟! قال: ((بها ختمت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤])). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) منتقدًا: ((جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدًّا، وفي خبره هذا نكارة شديدة؛ وذلك أن السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضًا)(١). ب - نقد أسانيد مرويات السلف، كما في قول ابن جرير (ت: ٣١٠هـ): ((وذلك قول يروى عن ابن عباس، تركنا ذكره؛ لأن في إسناده من لا نستجيز ذكره))(٢)، وكذا قوله في قوله تعالى: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]: ((وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود بأعيانهم، من وجه لم تثبت صحته))(٣)، وعلق ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) على أثر لابن عباس ◌ّها بقوله: ((الإسناد في مثل هذا غير وثيق))(٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) معلقًا على بعض الآثار في التفسير: ((وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه، وهذا مما أنكره عليه العلماء، فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك، بل كذاب))(٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١هـ) عن قول ينسب لابن عباس ◌ّها: ((وهذا القول ضعيف جدًّا، وهو منقطع عن ابن عباس، والصحيح عنه خلافه))(٦)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) عن أثر متكرر في التفسير: ((هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي، أو من دونه، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها؛ فإن السند ضعيف))(٧). ٥ - الاستدلال بآثار السلف والاعتماد عليها (٨): وهذه ثمرة اعتقاد إمامة السلف في الدين والعلم، وكمالهم في الفضل والعقل، (١) تفسير القرآن العظيم ١١٦/١٠. (٣) جامع البيان ٩/ ١٨٥. (٥) تفسيره ٢٧١/١. (٧) تفسير القرآن العظيم ٣٨/٢. (٢) جامع البيان ٦٠٦/١٩. (٤) المحرر الوجيز ١/ ١٨٠. (٦) تفسيره ١/ ١٧١. (٨) خصصت هذا المبحث بمزيد بيان لشدة تعلقه بمادة الموسوعة. التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٥ ٤٥٨ :- فَوْسُوكَبْ التَّقْسِيَةُ المَاتُور المدخل إلى كما أنها أجل غاية حملت العلماء على جمع واستيعاب أقوال السلف، وتفهمها وتوجيهها، وفحصها ونقدها . ومن جليل ما يتنبه إليه هنا: أن تعظيم هؤلاء الأئمة للسلف، والاستدلال بآثارهم، واعتقاد تقدمهم على من بعدهم في كل علم ودين ليس أثرًا من الإيمان بالنصوص الموجبة لذلك فحسب؛ وإنما جاء نابعًا أيضًا من مقتضيات ومزايا توفرت العلومهم ولم تتوفر لمن بعدهم، أو لم تكن فيمن بعدهم كما كانت فيهم؛ كمعاصرة النزول، ومشاهدة قرائن التنزيل، وسليقية اللغة، وشدة حرصهم على تعرف ألفاظ القرآن ومعانيه، ونحو ذلك. فدلالة العقل، ومقتضى الفطرة، والعادة المطردة أيدت مقتضى النصوص في تقرير هذا الأصل العلمي المنهجي، ومن نقول الأئمة في بيان ذلك قول ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): (التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي ◌َّ لفظ القرآن ومعانيه جميعًا، كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم؛ فإن الرجل لو صنف كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك، وحفظه تلامذته، لكان يعلم بالاضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده، وأن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب، فكيف بكتاب الله الذي أمر ببيانه لهم، وهو عصمتهم، وهداهم، وبه فرق الله بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه، والعمل بما فيه، وهم يتلقونه شيئًا بعد شيء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً﴾ الآية [الفرقان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ. عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّْنَهُ نَنزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم، ولا ما يقرؤونه، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدئ هو بيانه لهم !! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله))(١)، وقال: ((بل من المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى)) (٢)، وقال أيضًا: ((من المحال أن تكون القرون الفاضلة؛ القرن الذي بعث فيه رسول الله و 14، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، (١) بغية المرتاد ص ٣٣٠. (٢) مجموع الفتاوى ١٥٧/٥. المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَنِيُ الخَدُورِ التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... & ٤٥٩ % كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع؛ أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة، وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب، والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه .. ؛ وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي - الذي هو من أقوى المقتضيات - أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة، في مجموع عصورهم، هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكيف يقع في أولئك! وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم، ولا عاقل عرف حال القوم))(١). وسيأتي مزيد بيان لهذا في مستند أقوال السلف فيما يأتي. وقد أقام الأئمة الخمسة تفاسيرهم على اعتماد أقوال السلف أصلًا في فهم معاني القرآن؛ يحتكم إليه، ويعتمد عليه، وتوزن به الأقوال صوابًا وخطاً، وقبولًا وردًّا؛ فقد قرر ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) في مقدمة تفسيره أن ضابط إصابة الحق في التفسير: عدم الخروج عن أقوال السلف؛ فقال: ((أحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيل أوضحهم حجةً فيما تأول وفسر .. ، كائنًا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد ألا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة))(٢). بل جعل الخروج عن أقوال السلف شاهدًا كافيًا على خطأ ذلك القول، كما في قوله: ((وذلك قول لقول أهل التأويل مخالف، وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من الخالفين، على خطئه شاهدًا))(٣). وبيَّن في كثير من المواضع من تفسيره عدم جواز القول بخلاف قول السلف وإن كان محتملاً، ومن قوله في ذلك: ((وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها؛ فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنىّ منها))(٤)، ورد قولًا وقال: ((وهذا قول (١) مجموع الفتاوى ٥/ ٧. (٣) جامع البيان ١١٦/٧. (٢) جامع البيان ٨٩/١. (٤) جامع البيان ١٣٨/٢. المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيَةُ الْمَانُون التعريف بأئمة التفسير الخمسة ... ٤٦٠ ٥ مخالف تأويل من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل ﴿اٌلْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية)) (١)، وعلل ذلك بأن انحصار أقوال السلف في قولين فأكثر إجماع منهم على أن الصواب في أحدها، ومن شواهد ذلك قوله: ((وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس .. ؛ لأنه لا خلاف بين جميع أهل التأويل أن تأويل ذلك غير خارج عن أحد الوجهين اللذين وصفت .. ، فإذ كان لا قول في تأويل ذلك إلا أحد القولين اللذين وصفت، ثم كان أحدهما غير موجودة على صحته الدلالة من الوجه الذي يجب التسليم له صح الوجه الآخر))(٢)، وقوله: ((وهذا قول لا نعلم له قائلًا من متقدمي العلم قاله وإن كان له وجه؛ فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز عندنا أن يتعدى ما أجمعت عليه الحجة، فما صح من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم)) (٣)، ومن ثم كان ابن جرير (ت: ٣١٠هـ) يتقي ما لم يسبقه إليه أحد من السلف، كما في قوله عند قوله تعالى: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ يِحِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]: ((وقد كان - لو أن المفسرين كانوا فسروه كذلك -: وهزي إليك رطبًا بجذع النخلة. بمعنى: على جذع النخلة وجهًا صحيحًا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك))(٤). واعتمد ابن عطية (ت: ٥٤١هـ) أقوال السلف في استدلاله في مواضع، كما في قوله: ((ولفظ الآية إنما يعطي طلب المغفرة، وهكذا تأوله من ذكرناه من الصحابة))(٥). أما ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) فقد تصدى لتقرير هذا الأصل العظيم في كثير من كلامه؛ فبَيَّن أن الصحابة تلقوا بيان القرآن عن رسول الله وَليّة، كما في قوله: ((يجب أن يعلم أن النبيِ وَّ بَيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى (﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا))(٦)، وقال: ((بل من المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى))(٧). وبيَّن وجه اقتضاء ذلك من جهة العادة فقال: ((التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي وَّ لفظ القرآن (١) جامع البيان ٨٩/٣. (٣) جامع البيان ١٧٩/٢٣. (٥) المحرر الوجيز ٤١١/١. (٧) مجموع الفتاوى ١٥٧/٥. (٢) جامع البيان ٥٣٣/١. (٤) جامع البيان ١٥/ ٥١٢. (٦) مجموع الفتاوى ٣٣١/١٣.