Indexed OCR Text

Pages 221-240

المدخل إلى مُؤْسُوَة التَّفْسَِّةُ المَاتُوز
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٠ ٢٢١ :-
المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما(١)، إلا أن هذا المسلك تلاشى أو قلَّ عند من
جاء بعدهم من صغار التابعين أو أتباعهم كما سيأتي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن اختلاف مسلك الكوفيين عن مسلك المكيين في طريقة
التفسير أدى إلى اجتهاد بعض المعاصرين إلى عزو ذلك إلى مدارس تفسيرية عند
السلف مختلفة المنهج، ومتباينة المسلك، ينتسب كل منها إلى مصر من أمصار
المسلمين، ولكل مشايخ وتلاميذ اقتفوا أثرهم، وساروا على نهجهم، وربما حاد
البعض عن نهج أهل بلده واقتفى نهج غيرهم، ولعله يحسن البحث عن حقيقة ذلك
في المسألة التالية، لتعلقه بتاريخ التفسير تعلقًا كبيرًا .
هل وُجدت مدارس تفسيرية عند السلف؟
شاع لدى المعاصرين وفي المؤلفات الحديثة في تاريخ التفسير وجود مدارس
تفسيرية ظهرت في عهد الصحابة، أسس كل مدرسة منها أحد كبار مفسري الصحابة،
وتخرج فيها تلاميذه من التابعين، فنصروا منهجه، وأشاعوا خصائص مدرستهم (١)،
وهي ثلاث مدارس :
الأولى: المدرسة المدنية (أو مدرسةُ أُبَيّ بن كعب بالمدينة)، وأشهر تلاميذها :
أبو العالية (ت: ٩٣هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ).
الثانية: المدرسة المكية (أو مدرسة ابن عباس بِمَكَّة)، وأشهر تلاميذها : سعيد بن
جبير (ت: ٩٥هـ)، ومجاهد (ت: ١٠٢هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥هـ)، وطاووس (ت: ١٠٦هـ)، وعطاء بن
أبي رباح (ت: ١١٤هـ).
الثالثة: المدرسة الكوفية (أو مدرسةُ ابن مسعود في العراق)، وأشهر تلاميذها :
(١) فعن عبيد الله بن عمر، قال: ((لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم
سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع)). تفسير ابن جرير ٧٩/١.
(٢) ينظر: كتاب التفسير والمفسرون ١١٠/١، للدكتور محمد حسين الذهبي تَخَّتُهُ، ولعله من أوائل من
استعمل هذا المصطلح في تاريخ التفسير، وتبعهُ عليه عددٌ من الباحثين، وقد استظهر هذا التصنيف من قول
ابن تيمية: ((وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي
رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبى الشعثاء، وسعيد بن
جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزَّوا به عن غيرهم، وعلماء
أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن،
وعبد الله بن وهب)).

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقَسَّسَةُ المَاتُور
٥ ٢٢٢ %
علقمة بن قيس (ت: ٦٢هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣هـ)، والشعبي (ت: ١٠٥هـ)، والحسن
البصري (ت: ١١٠ هـ)، وقتادة (ت: ١١٧ هـ).
وقد عارض هذا المصطلح بعض المتخصصين (١)، ورأى البعض ألا مشاحة في
الاصطلاح (٢)، وأكثر المعاصرين على الأخذ به، بل إن منهم من زاد عليه وفرّع
أحكامًا ومناهج خُصَّت بها كل مدرسة، على نحو المذاهب الفقهية، ثم أورد
مفارقات بين بعض من ينتمي إلى هذه المدارس ويخالفها إلى منهج مدرسة أخرى،
وبدل أن يدرس أصل المصطلح ويناقشه أخذ يعلل لمخالفة ذلك الشخص لمنهج
مدرسته، بكونه رحل أو احتك بالمدرسة الأخرى.
وفي أصل هذا التقسيم ملاحظات أودت إلى نحو تلك المفارقات، ولعلنا نناقش
ذلك في النقاط التالية:
١ - من المعلوم أن المدارس أو المذاهب تمتد لأجيال وقرون كما هو الحال في
مدرستي النحو، أو المذاهب الفقهية، لكن بالنظر إلى ما عُرف بمدارس التفسير نجد
أن امتدادها لا يتجاوز طبقتين من طبقات التابعين، فما عُرف بالمدرسة الكوفية
وتهيبها من التفسير كان في طبقة كبار التابعين وبعض أواسطهم، ثم اضمحل ذلك
المنهج في الطبقات التي تلتهم كأبي صالح والسدي، وكذا أتباعهم كالكلبي، وهكذا
الحال فيما يعرف بالمدرسة المدنية فقد جاء في أواخر عهد التابعين منهم من توسع
في التفسير واجتهد فيه كمحمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ)،
ثم كان ذلك ظاهرًا في طبقة أتباع التابعين خصوصًا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
(ت: ١٨٢ هـ) .
٢ - لم يتضح مؤسس مدرسة المدينة ولا تلاميذها(٣).
(١) ينظر: حول مصطلح ((مدارس التفسير))، للدكتور مساعد الطيار، ضمن كتابه: مقالاتٌ في علوم القرآن
وأصول التفسير ص ٢٩٥، استدراكات السلف في التفسير، للدكتور نايف الزهراني، ص ٤٥١.
(٢) ينظر: جواب عاجل حول ((مدارس التفسير))، للدكتور عبد الرحمن الشهري على موقع أهل التفسير،
تحت الرابط: ,http://vb.tafsir.net/tafsir 1430/#.U3H7XIGqnwI
وينظر المناقشات حول مبحث ((موقف مفسري مدرسة مكة من الروايات الإسرائيلية))، للدكتور أحمد
العمراني، على الرابط: http://vb.tafsir.net/tafsir21440/#post116069
(٣) قال د.الذهبي في كتابه ((التفسير والمفسرون ٨٦/١: ((إن قيام هذه المدرسة كان على أُبَي بن كعب،
الذي يُعتبر بحق أشهر مَن تتلمذ له مفسِّرو التابعين بالمدينة، وذلك لشهرته أكثر من غيره في التفسير، وكثرة
ما نُقل لنا عنه في ذلك)). لكن عند النظر فيما وصلنا من آثاره نجد أنه لم يرد لأَبَيّ إلا القليل من آثار =

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفَسَيُ المَاتُوزِ
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٢٣ %=
٣ - أورد أغلب القائلين بمدارس التفسير المدرسة الثالثة بمسمى مدرسة العراق
وأنها نشأت على يد ابن مسعود نظُبه، دون التفريق بين مدينتي الكوفة والبصرة، بل
ربما ضموا مفسري المدينتين تحت مدرسة ابن مسعود رضيبه(١)، مع أنه عند الموازنة
بين مفسري كلا المدينتين نجد أنه لا علاقة مباشرة بينهم من حيث الأثر والتأثير - مع
قرب المدينتين من بعضهما ! -، إذ إن أشهر مفسريها أبا العالية والحسن وقتادة لم
يتتلمذوا على ابن مسعود أو يكون لتلاميذه أثر واضح فيهم، وعليه لا يصح إلحاق
البصرة بمدرسة ابن مسعود، علمًا أن مفسري البصرة أكثر مفسري الأمصار نتاجًا في
التفسير بعد أهل مكة لمشابهة طريقتهم للمكيين، مما يرجح الرأي بإفرادها كمدرسة
مستقلة(٢)، لكن يأتي السؤال: مَن شيخ هذه المدرسة من الصحابة؟ وأين طلابه بعد
ذلك؟!
٤ - نقل د. الذهبي أن ابن مسعود هو مؤسس طريقة الكوفيين في الاعتداد بالرأي
حيث لا يوجد النص، وأن أهل العراق امتازوا بأنهم أهل الرأي بناء على أن ابن
مسعود هو الذي وضع الأساس لهذه الطريقة في الاستدلال لمسائل الخلاف،
وتوارثها عنه علماء العراق، ثم ذكر أن تلك الطريقة أثّرت في مدرسة التفسير
بالكوفة، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأن استنباط مسائل الخلاف الشرعية نتيجة
من نتائج إعمال الرأي في فهم نصوص القرآن والسُّنَّة(٣)، لكن هذا يناقض ما اشتهر
عن كبارهم من التورع عن التفسير، ومن هنا صحح آخرون القضية فأثبتوا لأهل
الكوفة منهج التورع عن التفسير، وهو أيضًا يناقض ما عُرف عن الكوفيين من إعمال
الرأي في مسائل الخلاف والأحكام ووضع أصوله التي كانت اللبنة الأولى لمذهب
الأحناف، فكيف يجمع بين الأمرين؟!
= التفسير أو المتعلقة بأصوله - وهذا لا يقلل من مكانته في العلم وعلو كعبه في علوم القرآن مما هو معروف
عنه - ولا نجد من روى عنه إلا أبا العالية البصري، المدني الأصل، فأين تلاميذ هذه المدرسة؟ نعم ذكروا
- إضافة إلى أبي العالية - محمد بن كعب القرظي (ت: ١١٧هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ) لكنهما لم
يدركا أبي بن كعب ولم يأخذا عنه! فإن قيل: بينهم واسطة! نوقش: من هي تلك الواسطة؟
وربما لاحظ بعضهم هذا الإشكال فجعل زيد بن ثابت ◌ُله رأس هذه المدرسة، مع أنه أيضًا من أقل
الصحابة آثارًا في التفسير كما سيأتي في خاتمة مبحث ((مفسرو السلف ومقدار تفسيرهم)). ينظر: تفسير
التابعين ٥٠٥/١ - ٥١٠.
(١) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ٨٨.
(٢) وهو الذي قرره مصنف كتاب تفسير التابعين، ورأى أنها نتيجة مهمة، لم يوردها من قبله، ينظر: ٢٢/١.
(٣) ينظر: التفسير والمفسرون ٦٤/١، ٨٩.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيُ الْخَاتُوزِ
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
& ٢٢٤ %
٥ - بمناقشة أصول هذه المدارس ومعلميها ثم امتدادها الزمني نجد القول بأن
على رأس المدرسة الكوفية ابن مسعود، وعلى رأس المدرسة المكية ابن عباس،
وابن عباس في طبقة تلاميذ ابن مسعود، وأصل تعلم ابن مسعود في المدينة عن
الرسول وَل﴾، ثم عن عمر حيث كان لا يجاوز قوله، كذلك ابن عباس أخذ عن كبار
الصحابة وعلى رأسهم عمر وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، إذن ابن عباس
يلتقي مع ابن مسعود في عمر وقبل ذلك في الرسول وَّر، وعليه فالمنهج واحد،
والقول بأن ابن مسعود أغلق باب الاجتهاد وربى تلاميذه على الآثار وعدم الخوض
في القرآن، مروي عن عمر، وكذلك القول بأن ابن عباس ربى طلابه على الاجتهاد
هو منهج عمر الذي رباه عليه، إذن المنهج واحد ومن مشكاة واحدة.
٦ - على فرض أن هذه هي مدارس التفسير؛ فأين نضع من كان من غير هذه
الأمصار من أعلام المفسرين، كالضحاك بن مزاحم الخراساني، وعطاء الخراساني،
ثم من بعدهم كالمقاتلَين - ابن سليمان وابن حيان - البلخيَّين الخراسانيين؟
* الأظهر في المسألة:
بعد ما تقدم من الملحوظات السابقة على مدارس التفسير يأتي السؤال: ما
الداعي لهذه المصطلحات مع اتفاقنا على أن منهج السلف في التفسير واحد؟ لا سيما
مع ما يحدثه ذلك من لبس وتناقض ومفارقات.
لذا؛ لعل الأولى والأظهر القول بعدم وجود مدارس تفسيرية مختلفة المناهج،
وأن الأمر لا يعدو سوى اختيارات شخصية وقناعات ومسالك فردية، لهؤلاء
الصحابة وبعدهم التابعون، مثله كمثل أمور الفتوى والقضاء والتعليم، فبعضهم يرى
أفضلية نشر العلم والتصدي للفتوى عمومًا، والبعض الآخر يرى أهمية البعد عن
الناس ورفض الفتوى والإقبال على العبادة والاجتهاد فيها، ولكل من المسلكين
مأخذ من السُّنَّة، ودليل من الشرع، ولكل وجهة هو موليها. وفي هذا يقول ابن جرير
الطبري: ((وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن
التأويل، فإنَّ فِعْلَ من فَعَلَ ذلك منهم كفِعْلِ من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل
والحوادث، مع إقراره بأن الله جلَّ ثناؤه، لم يقبض نبيّه إليه إلا بعد إكمال الدين به
لعباده، وعلمه بأن الله في كل نازلة وحادثة حكمًا موجودًا، بنص أو دلالة، فلم يكن
إحجامه عن القول في ذلك، إحجام جاحد أن يكون الله فيه حكم موجود بين أظهر

المدخل إلى مُؤْسُوعُب التقنيةُ الخَاتُوز
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٢٢٥ %
عباده، ولكن إحجام خائف، أن لا يبلغ في اجتهاده، ما كلف الله العلماء من عباده
فيه، فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن، وتفسيره من علماء
السلف، إنما كان إحجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول
فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم)) (١).
مما تقدم يتبين أن ليس ثَمَّ مدرسة التزمت منهجًا واحدًا لا يحيد عنه طلابها في
طبقاتهم المختلفة، مما ينقض فكرة المدارس التفسيرية. ويعضد ذلك أنك لا تجد
ذلك التقسيم وتلك المناهج ونحو هذه الفكرة عند البحث في كتب طبقات المفسرين
أو كلام من تحدث عن مفسري السلف، فهذا ابن كثير أورد في مقدمة تفسيره آثارًا
عن السلف الذين تورعوا عن تفسير القرآن، وقبله ابن جرير، ولم يذكر أحد منهم أنه
ناتج عن اختلاف المدارس، وتغاير المشارب، وتباين المناهج، وهذا بخلاف ما
يذكر عن المذاهب (أو المدارس) الفقهية، أو النحوية، أو في أصول الفقه، ففيها
نجد المناهج المتباينة واضحة، ولكل منها أنصار وتلاميذ، أصّلوا أصولها، وحدّوا
حدودها، وانتصروا لآرائها، ونقضوا آراء مخالفيها، وصنفوا المصنفات في مسائلها،
والطبقات في رجالها، إلى يومنا هذا.
والخلاصة: أن دعوى وجود مدارس تفسيرية عند السلف، وأن لكل مدرسة منهج
خاص، دعوى ينقصها الدليل، وينقضها الواقع، فكل هؤلاء الصحابة والتابعون
يقتبسون من مشكاة واحدة؛ مشكاة النبوة، ويسيرون على منهج واحد، ويصدرون عن
مورد واحد، وإن اختلفوا في كيفية ورودهم وصدورهم، فكل صحابي أو تابعي اختار
ما يراه صحيحًا أو أنه أولى له وأحوط، ومن هنا نجد ابن عطية عند ما ذكر هذه
المسألة قال: ((وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما،
يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعًا واحتياطًا لأنفسهم، مع إدراكهم،
وتقدمهم))(٢)، ولم يقل أن ذلك بسبب انتسابهم لمدرسة المدينة أو الكوفة، أو أنهم
تقلدوا مشايخهم، بل حالهم هنا في باب التفسير كحالهم ومسالكهم في عموم مسائل
الفتيا والقضاء، من باب التورع والاحتياط للنفس، ولو اقتصرنا على هذا دون إيراد
نحو تلك التقسيمات والمدارس وتحميلها ما لا تحتمل لما كانت تلك الإيرادات
والمفارقات والمآخذ، ولما احتجنا لتعليلها والجواب عنها، والله أعلى وأعلم.
(١) تفسير ابن جرير ٨٣/١ - ٨٤.
(٢) تفسير ابن عطية ١/ ٤١.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٢٦ .
المدخل إلى فَوْسُوعَةُ التَّفْسِيُ الخَاتُور
المبحث الثالث
التفسير في عهد التابعين
(عصر الدولة الأموية المروانية)
تضم طبقة التابعين ثلاثة طبقات: كبار التابعين: وقد تقدم أنهم في الإدراك الزمني
ألصق بالعصر السابق عصر الدولة الأموية السفيانية. ثم الطبقة الوسطى من التابعين،
ثم صغار التابعين، وكلا الطبقتين تشغل هذا العصر؛ عصر الدولة الأموية المروانية،
فأما طبقة أواسط التابعين،: فمبدؤها عام ٧٣هـ عام مقتل ابن الزبير ضًّا إلى حدود
عام ١٠١ هـ، عام وفاة عمر بن عبد العزيز دخّتُهُ، وأما صغار التابعين فمن ذلك العهد
إلى حدود عام هـ١٣٢، عام سقوط الدولة الأموية.
يبدأ عصر الدولة الأموية المروانية بمقتل عبد الله بن الزبير ضيها، واستقلال
عبد الملك بن مروان بالخلافة، وانفراده بحكم جميع أرجاء الدولة الإسلامية، وقد
حاول أن يعيد الأمن والاستقرار على كافة أراضي الدولة، وتحقق شيء من ذلك في
معظمها، إلا العراق فقد استمرت فيه الفتن والقلاقل والثورات لعوامل عديدة؛ لعل
من أبرزها المظالم التي ارتكبها الحجاج بن يوسف الثقفي عامل الأمويين على
العراق، من سفك الدماء وتشريد الأبرياء، فقامت عليه عدة ثورات ليس من الشيعة
والخوارج فحسب؛ بل حتى من جنده وغيرهم، لعل من أخطرها وأعنفها ما عرف
بفتنة ابن الأشعث (عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي) الذي أرسله الحجاج
غازيًا في المشرق فما لبث أن عاد تجاه العراق وخلع الحجاج هو وجيشه، وأقبلوا
كالسيل المنحدر، وانضم إليه جيش عظيم، حتى عجز عنهم الحجاج(١)، وذلك عام
٨١هـ، كما انضم إليه أيضًا العشرات من علماء الكوفة والبصرة حتى قيل: إنه لم ينج
منها إلا مطرف بن عبد الله بن الشخير وابن سيرين بالبصرة، وخيثمة بن
(١) تاريخ الإسلام ٢/ ٧٧٧.

المدخل إلى فُؤَسُوعَة التَّفْسِي الْجَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٢٢٧
عبد الرحمن بن أبي سبرة وإبراهيم النخعي بالكوفة(١)، وجرت خطوب ووقائع
عظام، آخرها وقعة دير الجماجم عام ٨٣هـ؛ حيث تمكن الحجاج من دحر خصومه،
ثم تتبع من شارك فيها من قراء وعلماء التابعين، فقتل عددًا منهم، لعل من أشهرهم
ممن له مشاركة في التفسير: أبو الجوزاء، وعبد الله بن شداد بن الهاد،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكذلك عامر الشعبي الذي أخذه الحجاج وكاد أن
يقتله؛ لكن شاء الله أن ينجو بحسن اعتذاره فعفا عنه الحجاج، ثم ختم الحجاج
حياته بقتل سعيد بن جبير؛ تلميذ ابن عباس، وأشهر مفسري التابعين بالكوفة، الذي
كان مشاركًا في فتنة ابن الأشعث ضد الحجاج لكن هرب منه وعاش مطاردًا إلى أن
تمكن الحجاج منه عام ٩٥هـ فأمر بضرب عنقه، فغيَّب بذلك عَلَمًا من أعلام التابعين
ومن أكثرهم رواية ودراية بالتفسير، حتى قال عنه ميمون بن مهران حين بلغه خبر
مقتله: ((لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجل إلا يحتاج إلى سعيد)).
قال سفيان: أُرى في التفسير(٢)، فانظر كم من العلم طُوي بما سفك الحجاج من
دماء أهله؟
توفي عبد الملك بن مروان عام ٨٦هـ بعد أن استقرت الدولة الإسلامية، وخلفه
ابنه الوليد الذي انتظمت له الخلافة لعشر سنوات ثم توفي عام ٩٦هـ، وقد عاد نشاط
الفتوحات الإسلامية في عهده وعهد أبيه بقوة، ففي المشرق استتم فتح جميع بلاد ما
وراء النهر ووصل المسلمون إلى حدود الصين، كما كانت بداية الفتوحات الكبيرة
جنوبًا في شبه القارة الهندية، وفي المغرب استتم فتح جميع بلاد المغرب وفتحت
أيضًا بلاد الأندلس، بل يمكننا القول: إن الفتوحات الإسلامية الكبيرة في العصور
المتقدمة بلغت أوجها في هذا العهد، وكل هذه البلاد المفتوحة كان لها أثر كبير في
تخريج كبار علماء الإسلام في علوم القرآن والسُّنَّة .
ومن أشهر مفسري التابعين الذي توفوا في عهده: أبو العالية رُفيع بن مهران
الرياحي البصري (ت: ٩٣هـ)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٣هـ)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ)،
وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦هـ)، وممن له مشاركة في التفسير: أبو الشعثاء جابر بن زيد
(ت: ٩٣هـ)، وعروة بن الزبير (ت: ٩٤هـ)، وعلي بن الحسين بن علي (ت: ٩٤هـ).
(١) تاريخ الإسلام ٢/ ٩٣٢، ١١٧٤، أما الحسن البصري فأكره على الخروج واستطاع أن يتخلص منهم
بعد أن كاد يموت غرقًا. ينظر: تاريخ الإسلام ٢٩/٣.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٦٦/٦. المعرفة والتاريخ ٧١٣/١.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
فَوْسُعَبْ التَّفْسِيُ المُلْتُوز
المدخل إلى
: ٢٢٨ :
خلف الوليد أخوه سليمان بن عبد الملك الذي ما لبث أن توفي عام ٩٩هـ عاهدًا
بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان الذي كان عالمًا عاملًا ورعًا
عادلًا، فكانت خلافته أزهى أيام الدولة الأموية المروانية، حيث رفع المظالم ونشر
العدل وقرَّب أهل العلم واجتمع الناس عليه، إلا أن خلافته لم تدم طويلاً إذا توفي
عام ١٠١هـ، ويمكن القول: إنه به يختم تاريخ الطبقة الوسطى من التابعين، حيث
كانت فيه أغلب وفياتهم أو قريبًا منه، ومن أشهر مفسريهم: أبو مالك غزوان
الغفاري الكوفي(١)، وأبو الضحى مسلم بن صبيح الكوفي (ت: ١٠٠هـ)، ومقسم بن بجرة
(ت: ١٠١هـ)، ومجاهد بن جبر المكي (ت: ١٠٢هـ)، والضحاك بن مزاحم الخراساني
(ت: ١٠٥ هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس المكي (ت: ١٠٥م)، وعامر الشعبي الكوفي
(ت: ١٠٥ هـ)، وطاووس بن كيسان اليماني (ت: ١٠٦هـ)، وأبو مجلز لاحق بن حميد
(ت: ١٠٩هـ)، وامتد العمر بالحسن البصري (ت: ١١٠هـ)، ومحمد بن سيرين (ت: ١١٠هـ)،
وعطية العوفي الكوفي (ت: ١١٢هـ)، وعطاء بن أبي رباح المكي (ت: ١١٤ه)، ووهب بن
منبه اليماني (ت: ١١٤هـ)، ومحمد بن كعب القرظي المدني (ت: ١١٧هـ) (٢)، وأبو صالح
باذام الكوفي (ت: ما بين ١١١ - ١٢٠) (٣)، ومن أعلام أواسط التابعين ممن لهم مشاركة في
التفسير: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي (ت: ١٠٤هـ)، وسالم بن عبد الله بن عمر
المدني (ت: ١٠٦هـ)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر المدني (ت: ١٠٦هـ)، وبكر بن عبد الله
المزني (ت: ١٠٦هـ)، وشهر بن حوشب الشامي (ت: ١١٢هـ)، وأبو جعفر محمد بن علي
الباقر (ت: ١١٤هـ)، وميمون بن مهران (ت: ١١٧هـ).
أما طبقة صغار التابعين فنؤرخ لعهدهم بخلافة يزيد بن عبد الملك عام ١٠١ هـ
الذي لم يَطْل به العمر إذ توفي عام ١٠٥ هـ، خلفه أخوه هشام بن عبد الملك الذي
امتدت خلافته وطالت، إلى أن توفي عام ١٢٥ هـ، فكان عهده أطول عهود الدولة
الأموية المروانية، وقد كانت الأحوال في عهدهما مستقرة نسبيًّا، إلى أن تولى
الوليد بن يزيد عام ١٢٥ هـ، الذي كان مستهترًا، فبدأت الأمور تضطرب، والأحوال
(١) يذكر أنه من الطبقة الوسطى من التابعين، ولم أجد من حدد سنة وفاته إلا أن الذهبي ترجمه فيمن كانت
وفياتهم ما بين عامي ٩١ - ١٠٠، ينظر: تاريخ الإسلام ١١٥٥/٢.
(٢) مختلف في وفاته فقيل: عام ١٠٨ هـ، وقيل: ١١٧ هـ، وقيل: ١٢٠ هـ لذا كرر الذهبي ترجمته في وفيات
ما بين عامي ١٠١ - ١١٠، ووفيات ما بين عامي ١١١ - ١٢٠هـ، ينظر: تاريخ الإسلام ١٦٣/٣، ٣١٠.
(٣) مختلف في وفاته كثيرًا فقيل: في عهد الوليد بن عبد الملك، وقيل: ما بين عامي ١١١ - ١٢٠ هـ.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّفْسِيَةُ المَاتُوز
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٢٩ %
تنتقض، ثم قتله ابن عمه يزيد بن الوليد وخلفه عام ١٢٦ هـ، إلا أنه توفي في ذلك
العام وخلفه أخوه إبراهيم الذي أطاح به مروان بن محمد بن مروان بن الحكم عام
١٢٧ هـ، آخر الخلفاء الأمويين، ثم ظهرت دعوة العباسيين ودولتهم حتى أطاحوا
بالحكم الأموي وقتل مروان بن محمد عام ١٣٢ هـ.
وبذلك طُويت مرحلة كبرى من تاريخ المسلمين وبدأ عهد جديد، ومن هنا جعلنا
هذا العام خاتمة عصر التابعين حيث مات أغلب أعلامهم في هذا العهد أو بعده
بقليل، فمن أشهر مفسري صغار التابعين المتوفين حينئذ: قتادة بن دعامة البصري
(ت: ١١٧ هـ)، محمد بن شهاب الزهري المدني (ت: ١٢٤هـ)، إسماعيل السدي الكوفي
(ت: ١٢٧هـ)، عطاء بن أبي مسلم الخراساني (ت: ١٣٥هـ)، زيد بن أسلم المدني (ت: ١٣٦هـ)،
الربيع بن أنس البصري (ت: ١٣٩هـ)، وأبو روق عطية بن الحارث الهمداني الكوفي
(ت: ١٤٤هـ)، ومن أعلام صغار التابعين الذين شاركوا في التفسير: الحكم بن عتيبة
الكندي الكوفي (ت: ١١٣هـ)، ومكحول الشامي (ت: ١١٦هـ)، وحماد بن أبي سليمان الكوفي
(ت: ١٢٠هـ)، وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي (ت: ١٣٦هـ).
ملامح التفسير في عصر الدولة الأموية المروانية (طبقة التابعين):
أولًا: التفرغ لعلم التفسير ونشره:
تقدم في العصر السابق ظهور من تصدى للتفسير وتفرغ لتعليمه وهو ابن
عباس ◌ّها، وقد سار تلاميذه من بعده على هذا المنهاج، وعلى رأسهم مجاهد
وعكرمة اللذين كانا أكثر طلابه ملازمة له، فهذا مجاهد لا يكاد يعرف إلا بالتفسير
حتى قال عن نفسه: ((استفرغ علمي القرآن))(١)، وكذا عكرمة الذي قال عنه أبو
حاتم: ((أصحاب ابن عباس في التفسير عيال على عكرمة))(٢)، وممن اشتهر بالتفسير
من التابعين حتى لا يكاد يوصف إلا به الضحاك بن مزاحم، وأبو مالك الغفاري،
وعطية العوفي، وأبو صالح باذام، وإسماعيل السدي، وكلهم من تلاميذ ابن عباس
أو تلاميذ تلاميذه، ومن هنا يمكن القول أن طبقة التابعين هم أكثر مفسري السلف
عددًا وآثارًا في التفسير عند نقلة التفسير المأثور (٣).
(١) سير أعلام النبلاء ٤٥٢/٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣٢/٥. وينظر أيضًا: تفسير التابعين ١/ ٤١٢.
(٣) فقد بلغت آثارهم أكثر من نصف تفسير ابن جرير الطبري، ينظر: تفسير التابعين ٧٥/١، ٩٨٤/٢ . =

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوْكَةُ التَّفْسِي الْمَانُور
٢٣٠ %
ثانيًا: التصدي لتعليم التفسير واستمرار المجالس التفسيرية وتوسعها:
يظهر ذلك جليًّا في تلاميذ ابن عباس الذين ساروا على منهج شيخهم فتصدوا
للتفسير ونشروه بل واجتهدوا فيه، خصوصًا مجاهد بن جبر الذي كان له مجالس
خاصة مع تلاميذه يكتبون عنه التفسير، فعن عبيد المكتب، قال: ((رأيتهم يكتبون
التفسير عند مجاهد))(١)، وكذلك سعيد بن جبير فعن وقاء بن إياس، قال: ((رأيت
عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب ومعه الدواة يغير)) (٢)، وكان
سعيد يقول: ((سلوني يا معشر الشباب فإني قد أوشكت أن أذهب من بين
أظهركم)) (٣). وقال أيضًا: ((وددت أن الناس أخذوا ما عندي من العلم؛ فإنه مما
يهمني))(٤). وهذا عكرمة مولى ابن عباس كان يقول لطلابه إذا لم يسألوه: ((ما لكم
أفلستم؟ يعني: لا أراكم تسألوني))(٥)، وهكذا في طبقة صغار التابعين نجد إسماعيل
السدي كانت له مجالس مع تلاميذه يلقي عليهم التفسير، فقد مر عليه الشعبي مرة
وحوله شباب يفسر لهم القرآن، فأغلظ له القول(٦)، كذلك مر على مجلسه إبراهيم
النخعي، وهو يفسر، فقال: ((أما إنه يفسر تفسير القوم)) (٧).
ثالثًا: تدوين التفسير:
تقدم في الملمح السابق أن الطلاب كانوا يكتبون بين يدي مجاهد (ت: ١٠٢ هـ)
وسعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ)، وقد توسع التدوين عمومًا بشكل كبير في هذا العصر بل
صدر في آخره الأمر بالتدوين الرسمي لعلوم الشريعة في عهد عمر بن عبد العزيز
(ت: ١٠١هـ) كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني.
رابعًا: الرحلة في طلب العلم ونشره:
اعتنى التابعون عناية كبيرة بالرحلة في طلب العلم عمومًا، وفي علوم القرآن
خصوصًا، فممن كان مداومًا على ذلك سعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ) الذي كان كثيرًا ما
يترك بلده الكوفة ويرحل إلى ابن عباس (ت: ٦٨هـ) في مكة ليتعلم منه، بل ربما رحل
= أما في الموسوعة فقد بلغت نسبة تفسيرهم ٤٧٪ من تفسير السلف المباشر، وينظر: خاتمة الدراسة التالية
للوقوف على أسمائهم ومقدار تفسيرهم في الموسوعة.
(١) سنن الدارمي ٤٣٩/١.
(٢) طبقات ابن سعد ٢٦٦/٦.
(٣) المعرفة والتاريخ ٧١٣/١، وينظر أيضًا: تفسير ابن جرير الطبري ١٣/ ٦٩٤.
(٤) حلية الأولياء ٢٨٣/٤.
(٥) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٣٨٦/٢.
(٦) تهذيب الكمال ١٣٥/٣.
(٧) تهذيب الكمال ١٣٦/٣.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُوز
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٣١ .
إليه من أجل مسألة واحدة، ففي ((الصحيحين)) عنه قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة،
فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: ((نزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء))(١).
وقبله أبو العالية البصري (ت:٩٣هـ) الذي كان يتردد على مكة للقيا ابن عباس
(ت: ٦٨هـ)، حتى أنه قال: «كنت آتي ابن عباس فيرفعني على السرير وقريش أسفل من
السرير، فتغامز بي قريش، وقالوا: يرفع هذا العبد على السرير؟! ففطن بهم ابن
عباس، فقال: إن هذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على الأسرة))(٢).
وكذلك قتادة بن دعامة البصري (ت: ١١٧هـ)، كان رحالة في طلب العلم، وقصته
مشهورة في رحلته إلى المدينة للقيا سعيد بن المسيب (ت: ٩٣هـ) بضعة أيام يسأله،
فاستخرج كثيرًا من علمه ومن ذلك التفسير (٣).
وهكذا رحل كثير من التابعين لطلب العلم وعادوا إلى بلادهم معلمين الخير
للناس، وناشرين للعلم فيهم، ولم يكتف بعضهم بذلك بل ربما رحلوا إلى غير
بلادهم لنشر التفسير وعقد مجالسه، لعل من أبرزهم في ذلك عكرمة مولى ابن عباس
(ت: ١٠٥ هـ)، الذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ((لم يدع موضعًا إلا خرج إليه:
خراسان، والشام، واليمن، ومصر، وإفريقية)). بل حين جاء البصرة وجلس للتفسير
هناك ترك الحسن البصري (ت: ١١٠هـ) التفسير (٤).
كذلك نجد من التابعين من استقر في غير بلده ينشر العلم ويعلم الناس، فمن
هؤلاء أبو صالح باذام مولى أم هانئ بنت أبي طالب رضيها وتلميذ ابن عباس طًّا؛
المكي الأصل الذي استقر بالكوفة فكان من تلاميذه بعض من أشهر مفسري السلف
كإسماعيل السدي (ت: ١٢٧هـ)، ومحمد بن السائب الكلبي (ت: ١٤٦هـ).
ولم تقتصر الرحلة لديهم في طلب العلم ونشره، بل ربما رحلوا لأمور أخرى،
كما ورد عن مجاهد (ت: ١٠٢هـ) الذي كان ((كثير الأسفار والتنقل))(٥)، فعن الأعمش،
(١) صحيح البخاري ٤٧/٦ (٤٥٩٠)، صحيح مسلم ٢٣١٧/٤ (٣٠٢٣).
(٢) تهذيب الكمال ٩/ ٢١٧.
(٣) طبقات ابن سعد ٢٣٠/٧، ومن هنا كان قتادة من أكثر من روى تفسير سعيد بن المسيب. ينظر: تفسير
التابعين: ١/ ٣٥٢.
(٤) تهذيب الكمال ٢٧٣/٢٠. وينظر: تفسير التابعين ٤٢٠/١.
(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٢.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مَوْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاشُور
: ٢٣٢ :
قال: ((كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة، إلا ذهب فنظر إليها، ذهب إلى بئر برهوت
بحضرموت، وذهب إلى بابل، عليها وال، فقال له مجاهد: تعرض علي هاروت
وماروت؟ قال: فدعا رجلًا من السحرة، فقال: اذهب به. فقال اليهودي: بشرط أن
لا تدعو الله عندهما. قال: فذهب بي إلى قلعة، فقطع منها حجرًا، ثم قال: خذ
برجلي. فهوى به، حتى انتهى إلى جوبة، فإذا هما معلقان منكسان كالجبلين، فلما
رأيتهما، قلت: سبحان الله خالقكما. فاضطربا، فكأن الجبال تدكدكت، فغُشي عليَّ
وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي، فقال: أهلكت نفسك، وأهلكتني))(١).
خامسًا: التوسع في بعض مصادر التفسير:
تقدم أنه كلما بَعُدَ العهد عن عصر النبوة توسع التفسير وزاد، ولا شك أن توسعه
ناتج عن التوسع في بعض مصادره، ولعل من أهمها لدى التابعين:
أ - الاجتهاد: برز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية في عهد الصحابة من خلال
تشجيع عمر نظُه لابن عباس وأقرانه في ذلك كما تقدم، ورأينا كيف صار ابن
عباس عَلَمًا في ذلك المصدر، فكان بحق ترجمان القرآن وأكثر الصحابة تفسيرًا،
وقد ربى أتباعه على هذا المنهج وأذن لهم في الاجتهاد والاستنباط من القرآن، لذا
كان طلابه أكثر التابعين تفسيرًا واجتهادًا في القرآن؛ لا سيما مجاهد بن جبر الذي
فاق أقرانه في الاستنباط من القرآن والنظر والتأمل فيه، وإعمال الرأي في التفسير
وإيضاح غامضه، وبيان مشكله، حتى ربما أغرب في بعضه (٢).
ب - الإسرائيليات: توسع كثير من التابعين نسبيًّا في الاستشهاد بالإسرائيليات وربطها
بالتفسير، خصوصًا أبا العالية وسعيد بن جبير ومجاهدًا ووهب بن منبه ومحمد بن كعب
القرظي، لذا ورد اتقاء البعض لتفسير بعضهم، فعن أبي بكر بن عياش قال: قلت
للأعمش: ما لهم يتقون تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب (٣).
فإذا أتينا إلى طبقة صغار التابعين نجد قتادة والسدي قد توسعا كثيرًا في ذلك حتى
كانا أكثر التابعين استشهادًا بالإسرائيليات في التفسير (٤)، وبالتالي فإن المنقول عن
(١) المصدر السابق.
(٢) ينظر: تفسير التابعين ١٣٣/١ - ١٣٤، ٧٣١/٢ - ٧٣٣، ٧٣٨.
(٣) طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٧.
(٤) ينظر: بحث ((رواة الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري ومقدار مروياتهم)): د.نايف بن سعيد
الزهراني، العدد الأول من مجلة جامعة الباحة ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥م، ص ٤٥.

المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيرُ الْمَانُون
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٣٣ %
عموم التابعين من رواية الإسرائيليات في التفسير يفوق عموم المنقول عن
الصحابة(١)، وقد انفردوا برواية مواضع عديدة عمن قبلهم(٢)، ومن هنا يمكننا
القول: إن التابعين توسعوا في هذا المصدر، ولعل من أهم أسباب ذلك ما تقدم من
تباعد عصرهم عن عهد النبوة مقارنة بعصر الصحابة الذين كان أغلبهم يكتفي بما
يفهم من ظاهر الآيات بمقتضى سليقتهم اللغوية، مهتمين بالعقائد والأحكام دون
الخوض في التفاصيل، مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة فيه تعود على المكلفين
في دنياهم ولا دينهم، وذلك من نحو نوع الشجرة التي أكل منها آدم ظلَّلا، أو التي
كلِّم الله موسى منها، أو أسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ظلَّلاَ، أو أسماء
أصحاب الكهف وعدتهم، إلى غير ذلك، فلما جاء الجيل الذي بعدهم كثر السؤال
والاستفسار عن مثل ذلك مما معتمده الرواية ولا مدخل فيه للاجتهاد، ولا خبر
مرفوع فيه، فكان في الأخبار الإسرائيلية إجابات في هذا الجانب، خصوصًا أن فيها
من السرد في القصص والتطويل مما تتشوق إليه النفوس، وتستروح به الأذهان.
وهكذا كلما بَعُدَ الناس عن عصر النبوة توسع التفسير في هذا الجانب كما سنرى في
عصر أتباع التابعين، والله أعلم.
سادسًا: الاعتناء بعلوم القرآن:
اعتنى التابعون في ثنايا تفسيرهم بعدد من علوم القرآن وأوْلوها اهتمامهم، نورد
فيما يلي ما كان له تعلق مباشر بالتفسير، والتي من أهمها :
١ - نزول القرآن:
وقد كان للتابعين عناية كبيرة بعدد من أنواعه منها :
- المكي والمدني: من أشهر من اعتنى بذلك منهم: عكرمة، والحسن(٣)،
(١) ينظر: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، ص٢٢. وقد بلغت نسبة الإسرائيليات المنقولة عن
الصحابة في تفسير ابن جرير ٢٤٫٢٪ من مجموع الروايات الإسرائيلية، بينما بلغت نسبة المنقول منها عن
التابعين ٦٦٪، ينظر: بحث ((رواة الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري ومقدار مروياتهم)):
د. نايف بن سعيد الزهراني، العدد الأول من مجلة جامعة الباحة ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥م، ص٤٤، وينظر:
تفسير التابعين ٨٨٩/٢.
(٢) ينظر: تفسير التابعين ٢/ ٨٩٤.
(٣) وقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة ٧/ ١٤٢ - ١٤٣ نسخة عنهما في المكي والمدني من سور القرآن،
وهي مبثوثة في هذه الموسوعة.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِيُ المَاتُوزْ
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٣٤ .
وقتادة(١)، والزهري، بل جاء عنهم التأليف في ذلك كما سيأتي في الفصل الثاني.
- أسباب النزول: ولا يخفى ما له من أهمية كبرى في فهم معاني الآيات، وكشف
الغموض الذي يكتنف بعضها، قال الواحدي (ت: ٤٦٨هـ): ((لا يمكن معرفة تفسير الآية
دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها))(٢)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ): ((معرفة سبب
النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبَّب))(٣).
ومن هنا كان للصحابة ◌ّ عناية كبيرة بهذا العلم في تفسيرهم، بل هم أهل هذا
العلم الذي يعتمد على الرواية ولا مدخل للاجتهاد فيه، ولا سبيل لمعرفته إلا من
طريقهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل ووقفوا على أحواله، وقد أدرك التابعون منزلة هذا
العلم، فأخذوه عن الصحابة واعتنوا به، وبثوه في تفسيرهم للآيات، ويأتي على
رأسهم عكرمة، والشعبي والسدي (٤).
٢ - الناسخ والمنسوخ:
اعتنى جمع من التابعين بهذا العلم عناية كبيرة، كسعيد بن المسيب، وقتادة
(ت: ١١٧ هـ)، والزهري (ت: ١٢٤هـ)، والسدي (ت: ١٢٧هـ)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ)، بل ذكر
عن بعضهم التأليف فيه، كما سيأتي في الفصل الثاني، وقد توسع بعضهم في القول
بنسخ الآيات خصوصًا قتادة، الذي ربما كان أول من ألّف في هذا العلم(٥).
٣ - الوجوه والنظائر:
أيضًا اعتنى التابعون عناية كبيرة بالوجوه والنظائر وكليات القرآن، وتنوعت
استنباطاتهم فيه، وتعددت عباراتهم فيه، خصوصًا المكيين منهم تلاميذ ابن
عباس مَّا، الذي كان من أكثر الصحابة عناية بذلك (٦)، مما كان له أثر في نشوء
هذا العلم والتأليف فيه عند تابعيهم كما سيأتي.
(١) أخرج الحارث المحاسبي نسخة منها في فهم القرآن ص ٣٩٥ - ٣٩٦ من طريق سعيد بن أبي عروبة،
وكذلك أبو بكر ابن الأنباري - كما في الإتقان في علوم القرآن ١/ ٥٧ - من طريق همام. وهي مبثوثة في
هذه الموسوعة .
(٢) الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٩٠.
(٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٦٠.
(٤) ينظر: تفسير التابعين ١٠٥٠/٢.
(٥) ينظر: البرهان في علوم القرآن ٢٨/٢، وفي كتاب تفسير التابعين ١٠٩٠/٢ - ١١١٣ مسرد للآيات التي
وقف المؤلف على قول للتابعين أو لشيوخهم أو لتلاميذهم بأنها منسوخة مرتبة حسب ترتيب السور.
(٦) وقد أورد السيوطي في الإتقان ٩٩٣/٣ - ١٠٠٣ أمثلة عديدة في الوجوه والنظائر عن ابن عباس =

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّقْسِيُ المَاتُور
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٣٥ %=
سابعًا: زيادة الانحراف في التفسير:
تقدم أن في أواخر عهد الخلفاء الراشدين ظهرت الخوارج، وتلتهم الشيعة، ثم
ظهرت القدرية في أواخر عهد صغار الصحابة، واستطار أمر تلك الفرق وتشعبت في
هذا العصر، خصوصًا في العراق، ثم ظهرت المرجئة في أول هذا العصر، فعن
قتادة، قال: ((إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث))(١). كذلك ظهرت
الجهمية في آخره على يد الجهم بن صفوان الذي قتل عام ١٢٨ هـ. كذلك ظهرت
المعتزلة على يد واصل بن عطاء (ت: ١٣١هـ) وعمرو بن عبيد (ت: ١٤٤هـ) البصريين، وقد
استفحل أمرها في أواخر عصر أتباع التابعين، وامتحن السلف بسببها، كما سيأتي
بيانه .
أما أثر تلك الفرق في تفسير التابعين فيظهر في جانبين:
الجانب الأول: تصدي أئمة التابعين لتلك العقائد والرد عليها من خلال تفسير
الآيات وتقرير العقيدة الصحيحة أثناءه، وسيأتي مزيد بيان لذلك في العوامل
التاريخية المؤثرة في التفسير.
الجانب الثاني: تأثر بعض أواسط التابعين وصغارهم بشيء من تلك العقائد أو
رميه بها، مما كان له بعض الأثر في مدى قبوله (٢)، ولعل من أشهر هؤلاء من كبار
مفسري التابعين من يلي :
١ - عكرمة مولى ابن عباس (ت:١٠٥هـ): قال الذهبي: ((تُكلم فيه لرأيه لا لحفظه،
فاتهم برأي الخوارج)) (٣)، وشاع ذلك عنه وأورده عدد من كبار الأئمة، وربما كان
لهذه التهمة الأثر السلبي في نقل تفسيره وقلة آثاره نسبيًّا مقارنة بمجاهد، مع أنهما
أكثر أصحاب ابن عباس ◌ّها ملازمة له، وفي المقابل برأه أئمة كبار، وسيأتي مزيد
= والتابعين لا سيما تلاميذه كمجاهد وسعيد بن جبير والضحاك بعد أن قال: ((قد تعرض النبي وَّل والصحابة
والتابعون بشيء من هذا النوع)). وينظر جملة من ذلك عن التابعين في: تفسير التابعين ١٠٣٨/٢ - ١٠٤٤.
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنّة والجماعة ١٠٧٤/٥.
(٢) أما أعلام كبار التابعين فلا تكاد تجد أحدًا ممن يُرمى بشيء من تلك البدع؛ وسيأتي في طبقة أتباع
التابعين من كبار مفسريهم من اتبع شيئًا من تلك العقائد، مما استلزم رد تفاسيرهم عند أغلب نقلة التفسير
المأثور، كل ذلك يدل على مدى زيادة خط الانحراف العقدي في عصر التابعين ومن بعدهم واستفحاله
كلما تقدم الزمان.
(٣) ميزان الاعتدال ٣/ ٩٣.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤَسُوعَةُ التَّفْسِيُ الخَاتُورُ
: ٢٣٦ هـ
حديث عن عكرمة في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
٢ - قتادة: قال ابن سعد: ((كان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث، وكان يقول بشيء
من القدر)) (١)، ومن هنا اشتد موقف بعض معاصريه منه كطاووس الذي كان إذا أتاه
قتادة فرَّ منه(٢). لكن لم يكن ذلك الموقف هو السائد منه، قال الذهبي عنه: ((وكان
يرى القدر - نسأل الله العفو - ومع هذا؛ فما توقف أحد في صدقه، وعدالته،
وحفظه ... )) (٣). وسيأتي مزيد حديث عن قتادة في الدراسة التالية عن مفسري
السلف ومراتبهم في التفسير (٤).
(١) الطبقات الكبرى ٢٢٩/٧.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٤/ ٧٠٤.
(٣) سير أعلام النبلاء ٢٧١/٥.
(٤) أيضًا من مشاهير مفسري التابعين ممن رمي بالقدر ولم يصح عنه؛ الحسن البصري شيخ قتادة، وقيل:
إن كلامه لم يفهم على الوجه الصحيح، وكذلك وهب بن منبه كان يتهم بشيء من القدر، ورجع عنه، كما
قال الإمام أحمد بن حنبل. ينظر: تاريخ الإسلام ٣٣٦/٣. وفي هذا السياق ذُكر عن الشعبي أنه كان أول
أمره شيعيًّا فترك التشيع وعابه لما رأى من مفاسد لدى الشيعة، وكذا إسماعيل السدي اتهم بالتشيع، ينظر:
تفسير التابعين ٨١٩/٢، ٨٢١ - ٨٢٤، ٨٢٩ - ٨٣١.

فَوَسُوعَة التَّفْسِيَةُ الْجَاتُور
المدخل إلى
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
٥ ٢٣٧
المبحث الرابع
التفسير في عهد أتباع التابعين
(العصر الأول للدولة العباسية)
أتباع التابعين هم الذين شافهوا التابعين وتتلمذوا على أيديهم(١)، وهم على ثلاث
طبقات :
الأولى: طبقة كبار أتباع التابعين: تتضمن في الأصل طبقتين:
أ - الذين عاصروا صغار التابعين. وهم في الأصل من أقران صغار التابعين،
لكن لم يحظوا بمشافهة أحد من الصحابة (٢) .
ب - طبقة كبار أتباع التابعين .
الثانية: الطبقة الوسطى من أتباع التابعين.
الثالثة: طبقة صغار أتباع التابعين.
ويشغل عصرُ أتباع التابعين عهدَ الدولة العباسية في عصرها الأول، الذي يعتبر
العصر الذهبي لها، حيث بلغت أوج قوتها وسلطانها. وقد تولى فيه من الخلفاء(٣):
- أبو العباس السفاح، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (خلافته
١٣٢ - ١٣٦ هـ).
- أبو جعفر المنصور، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (١٣٦ -
١٥٨ هـ).
- المهدي، محمد بن أبي جعفر المنصور (١٥٨ - ١٦٩ هـ).
(١) ينظر: كتاب الثقات ١/٦ - ٢.
(٢) يلاحظ أنهم في مقابل المخضرمين من التابعين، وهم كبار التابعين الذين عاصروا عهد النبوة لكن لم
ينالوا شرف لقيا النبي ◌َّر ورؤيته .
(٣) ينظر: تاريخ الخلفاء، ص٢٢٦ - ٢٦٨.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَةُ التَّقْسِيُ المَاتُور
٥ ٢٣٨ %
وفي عهدهم كانت وفيات أغلب كبار أتباع التابعين(١)، وفيهم أعلام مفسريهم
وهم: محمد بن السائب الكلبي الكوفي (ت: ١٤٦هـ)، ومقاتل بن سليمان البلخي
(ت: ١٥٠هـ)، ومقاتل بن حيان البلخي (ت: ١٥٠م)، وعبد الملك بن جريج المكي
(ت: ١٥٠هـ)، ومحمد بن إسحاق المدني (ت: ١٥٣هـ)، وسفيان الثوري الكوفي (ت: ١٦١هـ)،
وامتد العمر بمالك بن أنس المدني فتوفي عام (١٧٩هـ)(٢).
وممن له مشاركة في التفسير منهم: أبو صخر المدني (ت: بين عامي ١٤١ - ١٥٠هـ)،
وجعفر الصادق المدني (ت: ١٤٨هـ)، وأبو سنان الكوفي (ت: بين عامي ١٥١ - ١٦٠هـ)، وأبو
عمرو الأوزاعي الشامي (ت: ١٥٧هـ)، والحسين بن واقد المروزي (ت: ١٥٩هـ)، وزهير بن
محمد (ت: ١٦٢هـ)، والليث بن سعد المصري (ت: ١٧٥هـ) (٣).
أما الطبقة الوسطى لأتباع التابعين فقد كانت أغلب وفياتهم في خلافة كل من:
الهادي؛ موسى بن المهدي بن المنصور (١٦٩ - ١٧٠ هـ)، والرشيد؛ هارون بن
المهدي بن المنصور (١٧٠ - ١٩٣ هـ)، ويلاحظ قلة المفسرين في هذه الطبقة فلم
أجد ممن تصدى للتفسير وكان له تفسير اجتهاديٌّ بارز سوى اثنين: عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم المدني (ت: ١٨٢هـ)، وسفيان بن عيينة المكي (ت: ١٩٨هـ) (٤)، وكذا الحال
أيضًا ممن له مشاركة في التفسير، لعل من أعلامهم: عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ)،
والفضيل بن عياض المكي (ت: ١٨٧هـ) (٥) .
أما طبقة صغار التابعين الذين كان أغلب وفياتهم في عهد كل من: الأمين،
محمد بن هارون الرشيد (١٩٣ - ١٩٨ هـ)، والمأمون، عبد الله بن هارون الرشيد
(١٩٨ - ٢١٨ هـ)، فقد ندر التفسير الاجتهادي لديهم، حتى أني لم أجد فيهم إمامًا
مبرزًا له آثار اجتهادية عديدة فيه سوى يحيى بن سلَام القيرواني البصري الأصل
(ت: ٢٠٠هـ) (٦)، أما أغلب أعلامهم فقد اقتصروا على نقل تفسير السلف قبلهم من
الصحابة والتابعين وتابعيهم، وروايته وتدوينه؛ كعبد الرزاق الصنعاني (ت: ٢١١هـ)،
ومحمد بن يوسف الفريابي (ت: ٢١٢هـ)، وآدم بن أبي إياس (ت: ٢٢٠هـ).
(١) يلاحظ طول مدة هذه الطبقة مقارنة بمن بعدها، وذلك لأنها في الأصل طبقتان كما تقدم.
(٢) سيأتي التعريف بهم في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
(٣) تنظر تراجم هؤلاء وأثرهم في التفسير في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص٢١٦ - ٢٥٠.
(٤) سيأتي التعريف بهما في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.
(٥) تنظر ترجمته وأثره في التفسير في كتاب: تفسير أتباع التابعين، ص ٢٥٢.
(٦) سيأتي التعريف به في الدراسة التالية عن مفسري السلف ومراتبهم في التفسير.

المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسَّسَةُ الْحَانُون
تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
: ٢٣٩ .
بدأت الدولة العباسية والأحوال مضطربة، وانتقضت عليها عدة جهات خصوصًا
المغرب والأندلس، كذلك ظهر في عمقها حركات مناوئة قوية، أشهرها حركة
محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وأخيه إبراهيم
بالبصرة عام ١٤٥ هـ، إلا أن أبا جعفر المنصور تمكن من القضاء عليها بعد أن كادت
تقضي عليه(١)، وكان لتلك الحركة أثر على أهل العلم حيث أيدها كثير منهم
كمالك بن أنس في المدينة، وأبي حنيفة بالكوفة، وغيرهما(٢)، ولا شك أنهم تأثروا
بعواقبها، كذلك كان من أشد من تأثر بجبروت أبي جعفر المنصور سفيانُ الثوري
الذي ظل آخر حياته متخفيًّا متنقلًا هربًا منه، وذلك لأنه كان ينكر على أبي جعفر
ظلمه وجوره، إلى أن انتقل إلى مكة وظل متخفيًّا حتى توفي المنصور.
ثم استقرت الأمور في أواخر عهد المنصور ثم المهدي والرشيد، ونشطت
المجالس والرحلات العلمية في شتى أرجاء البلاد الإسلامية؛ خصوصًا في مكة
والمدينة والكوفة والبصرة، ونشأ أعلام التفسير والحديث والفقه.
من جهة أخرى كان لظهور الدولة العباسية وانتقال الخلافة إلى العراق أثر في
رحلة العلماء إليها، كمقاتل بن سليمان الذي انتقل من خراسان واستقر بها متنقلًا
بين بغداد والبصرة، كذلك رحل إليها بعض أعلام المدينة كمحمد بن إسحاق،
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة الرأي، وغيرهم.
هذا وقد بلغت الحركة العلمية ذروتها في عصر الدولة العباسية، تَمثَّل ذلك في
معالم بارزة، من أهمها :
١ - اتساع العلوم بأنواعها من علوم القرآن والحديث والفقه وغيرها، وأصبح لها
مبادئ وأسس وقواعد مدونة، ومتخصصون في كل منها، بل تكاملت علوم كانت
ناشئة في أواخر القرن الأول، يظهر هذا جليًّا في علوم العربية، التي استقرت على
يدي جهابذة أهل اللغة في هذا العصر كالخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥ هـ)،
وسيبويه (ت: ١٨٠هـ)، والكسائي (ت: ١٨٣هـ)، والفراء (ت: ٢٠٧هـ)، وأبي عبيدة معمر بن المثنى
(ت: ٢٠٩هـ)، وغيرهم.
٢ - ظهور المذاهب الفقهية الكبرى التي أضحى لها أتباع مقلدون، كمذهب أبي
حنيفة (ت: ١٥٠م)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩م)، ومن المذاهب المندثرة: مذهب الأوزاعي
(١) ينظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٨٩.
(٢) ينظر: تاريخ الخلفاء ص٢٢٩.

تاريخ تفسير السلف ومراحل تدوينه
المدخل إلى مُؤْسُوعَة التَّفْسِي الْجَاتُور
: ٢٤٠ :
(ت: ١٥٧ هـ)، ومذهب سفيان الثوري (ت: ١٦١هـ)، ومذهب الليث بن سعد (ت: ١٧٥ هـ)
.
٣ - تطور تدوين العلوم، من مجرد الجمع والتدوين إلى التصنيف والترتيب
والتبويب؛ ومن ثم ظهور المؤلفات الجامعة، كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني.
معالم التفسير في عصر أتباع التابعين:
أولًا: الرحلة في طلب علم التفسير ونشره:
مع اتساع الدولة الإسلامية وترامي أطرافها فقد بلغت الرحلة في طلب العلم في
هذا العصر ذروتها، إلى مختلف البلاد، خصوصًا الحرمين؛ مكة والمدينة،
والعراقين؛ الكوفة والبصرة، لا سيما من بلدان المشرق كخراسان وبلاد ما وراء
النهر، التي أخرجت فيما بعد أعلام الأمة في كثير من العلوم خصوصًا الحديث،
وفي علوم القرآن نجد عددًا من أعلام التفسير نشأوا في تلك البلاد وكانت لهم
رحلات علمية للقيا علماء التابعين في التفسير، فمن هؤلاء:
مقاتل بن سليمان البلخي (ت: ١٥٠هـ): الذي رحل إلى مختلف البلاد فروى عن
مجاهد وعطاء بن أبي رباح المكيين، ومحمد بن شهاب الزهري، وزيد بن أسلم
المدنيين، وابن سيرين البصري، وعطية بن سعد العوفي الكوفي، وغيرهم(٢). وعاد
إلى خراسان وصنف كتبه في التفسير وعلوم القرآن، واستقر في آخر حياته في
العراق .
وكذلك سميُّه وبلديُّه مقاتل بن حيان البلخي (ت: ١٥٠هـ). الذي قال عن نفسه عند
تفسير إحدى الآيات: ((أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك))(٣).
ومحمد بن إسحاق (ت: ١٥٣هـ) الذي رحل إلى كثير من البلاد، كالكوفة، والري،
ومصر، وبغداد التي أقام بها آخر حياته حتى توفي .
وهكذا يحيى بن سلام البصري الذي رحل إلى الكوفة فأخذ عن سفيان الثوري
(ت: ١٦١هـ)، وإلى المدينة فأخذ عن مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ)، وإلى مصر فأخذ عن ابن
لهيعة (ت: ١٧٤هـ)، والليث بن سعد (ت: ١٧٥هـ)، كما أخذ القراءات والتفسير قبل ذلك عن
أصحاب الحسن البصري وقتادة.
(١) ينظر: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ١/ ٤٣٧ - ٤٣٩.
(٢) ينظر: طبقات ابن سعد ٢٦٣/٧، ميزان الاعتدال ١٧٣/٤، تهذيب التهذيب ٢٧٩/١٠.
(٣) تفسير ابن جرير الطبري ٩/ ٩٢.