Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
سورة العاديات
قال - تعالى -:
بِسُـ
2
3
٠
٦
وَالْعَدِيَتِ ضَبْعًا (ج فَالْمُورِيَتِ قَدْحًا (٣) فَالْمُغِيَرَتِ
صُبْعًا ﴿ فَأَتَرْنَ بِهِ، نَفْعًا (*) فَوَسَطْنَ بِهِ، بَمعًا ﴾ إِنَّ
الإِنسَنَ لِرَبِهِ، لَكُنُودٌ ﴾ وَ إِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ وَإِنَّهُه.
لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ [٣] أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِ اَلْقُبُورِ ي
،وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ (٣٢) إِذَّرَبِهُمْ بِهِمْ يَوْمَيِذٍ تَخَبِيرٌ ﴾
والعاديات : جمع عادية ، اسم فاعل من العدو ، وهو المشى السريع،
وأصل الياء فى العاديات وأو ، فلما وقعت متطرفة بعد كسرة قلبت باء،
-مثل الغازبات من الغزو ..
والضبْحُ: اضطراب النفس المتردد فى الحنجرة دون أن يخرج من الفم
والمراد به هنا : صوت أنفاس الخيل عند جريها بسرعة . وقيل: الضبح
نوع من السير والعدو ، يقال : ضبحت الخيل ، إذا عدت بشدة .
وهو مصدر منصوب بفعله المقدر، أى: يضبحن ضبحا، والجملة حال
من ((العاديات)).
والموريات : جمع مُورِيَة، اسم فاعل من الإجراء ، وهو إخراج
النار، تقول: أوْ رَى فلان، إذا أخرج النار بزند ونحوه.
والقدح: ضَرْب شىء بشىء لكى يخرج من بينهما شرر النار.
والمراد به هنا : النار التى تخرج من أثر احتكاك حوافر الخيل بالحجارة
( م ٤٤ - جزء عم)
٠

٦٨٢
الجزء الثلاثون
خلال عدوها بسرعة. و((قدحا)) منصوب بفعل محذوف ، أى :ـ
قدحن قدحا . .
و ((المغيرات)) جمع مغيرة، وفعله أغار، تقول: أغار فلان على ..
فلان، إذا باغته بفعل يؤذيه. و((صبحا) منصوب على الظرفيه.
وقوله: ((فأثرن به نقعا، أى: هيجن وأثرن ((النقع}، أى: الغبار من
شدة الجرى . تقول: أثرت الغبار أثيره، إذا هيجته وحركته ، والنون فى.
(((أثرن)) ضمير العاديات.
وقوله: (( فوسطن به جمعا، أى: فتوسطن فى ذلك الوقت جموع.
الأعداء، ففرقنها، ومزقنها، تقول: وسطتُ القوم أسطهم وَشْطاً، ..
إذا صرت فى وسطهم .
والمراد بالعاديات، والموريات ، والمغيرات : خيل المجاهدين فى
سبيل الله ، والكلام على حذف الموصوف .
والمعنى: وحق الخيل التى يعتلى صهواتها المجاهدون من أجل إعلاء
كلمة الله - تعالى -، والتى تجرى بهم فى ساعات القتال، فيسمع صوت.
أنفاسها ، والتى تظهر شرر النار من أثرصك حوافرها بالحجارة وما يشبهها.
والتى تغير على العدو فى وقت الصباح ، فتثير الغبار ، وتمزق جموع
الأعداء ...
وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات .. ((إن الإنسان لربه لسكنود»
وقد أقسم - سبحانه - بالخيل المستعملة للجهاد فى سبيله، التنبيه على
فضلها ، وفضل ربطها، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية ، ولما يترقب
على استعمالها فى تلك الأغراض من أجر وغنيمة ، ومن ترويع الجوع
المشركين، وتمزيق لصفوفهم . .

٦٨٣١
سورة العاديات
وأسند - سبحانه - الإغارة إليها - مع أنها فى الحقيقة لراكبيها - ،
لأن الخيول هى عدة الإغارة، وهى على رأس الوسائل لبلوغ النصر
على الأعداء ..
وقيل : المراد بالعاديات : الإبل ، إلا أن الأوصاف المذكورة فى
الآيات الكريمة من الضبح والإغارة . . تؤيد أن المراد بها الخيل.
قال صاحب الكشاف: أقسم - سبحانه - بخيل الغزاة تعدو فتضبح.
والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون ..
فإن قلت: علام عطف ((فأثرن))؟ قلت: على الفعل الذى وضع اسم
الفاعل موضعه، - وهو قوله ((فالمغيرات صبحا، وذلك لصحة عطف
الفعل على الاسم الذى يشبه الفعل كاسم الفاعل - لأن المعنى : واللاتى
عدون، فأورين ، فأغرن، فأثرن الغبار .. )، (١) .
والتعبير بالفاء فى قوله - تعالى -: ((فأثرن .. فوسطن))، وبالفعل
الماضى، للإشارة إلى أن إثارة الغبار، وتمزيق صفوف الأعداء، قد تحقق
بسرعة، وأن الظفر بالمطلوب قد تم على أحسن الوجوه .
- وقوله - سبحانه -: ((إن الإنسان لربه لكنود، جواب القسم.
والكنود الجحود ، يقال : فلان كند النعمة - من باب دخل -،
إذا جحدها ولم يشكر الله عليها. وكند الحبل: أى: قطعه، وأصل الكنود:
الأرض التى لا تنبت شيئاً، فشبه بها الإنسان الذى يمنع الحق والخير ،
ويححد ما عليه من حقوق وواجبات . .
أى: إن فى طبع الإنسان - إلا من عصمه الله - تعالى - الكنود لربه
والكفران لنعمته. والنسيان لمنته وإحسانه، والغفلة عن المواظبة على شكره
(١) تفسير الكشاف =ـ ٤ ص ٠٧٨٧

٦٨٤
الجزء الثلاثون
- تعالى -، والتضرع إليه - سبحانه - عند الشدائد والضراء .. والتشاغل
عن ذلك عند العافية والرخاء . .
فالمراد بالإنسان هنا: جنسه، إذ أن هذه الصفة غالبة على طبع الإنسان
بنسب متفاوتة، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله - تعالى -.
وقيل : المراد بالإنسان هنا: الكافر، وأن المقصود به ، الوليد بن
المغيرة . ..
والأولى أن يكون المراد به الجنس ، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا.
وقوله - تعالى -: ((وإنه على ذلك لشهيد، أى: وإن الإنسان على
كنوده وجحوده لنعم ربه، لشهيد، أى: الشاهد على نفسه بذلك ، لظهور
أثر هذه الصفة عليه ظهورا واضحا، إذ هو عند لجاجه فى الطغيان يجحد
الجلى من النعم، ويعبد من دون خالقه أصناما، مع أنه إذا سئل عن خلقه،
اعترف وأقر بأن خالقه هو الله - تعالى - ، كما قال - سبحانه -:
(( ولئن سألتهم من خلقهم الله . .)).
قال الإمام الشيخ محمد عبده: قوله: «وإنه على ذلك لشهيد، أى:
وإن الإنسان لشهيد على كنوده، وكفره لنعمة ربه ، لأنه يفخر بالقسوة
على من دونه، وبقوة الحيلة على من فوقه، وبكثرة ما فى يده من المال مع
الحذق فى تحصيله، وقلما يفتخر بالمرحمة ، وبكثرة البذل .. - اللهم إلا أن
يريد غشا للسامع -، وفى ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود، لأن ما
يفتخر به، ليس من حق شكر النعمة، بل من آيات كفرها، (١).
ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله - تعالى - هنا ((وإنه)) يعود على
الخالق - سبحانه -، أى: وإن الله - تعالى - لعليم ولشهيد على
(١) تفسير جزء عم حـ ٠١٠٩

٦٨٥
سورة العاديات
ما يسلكه هذا الإنسان من جحود، فيكون المقصود من الآية الكريمة،
التهديد والوعيد . .
قالوا : والأول أولى، لأنه هو الذى يتسق مع سياق الآيات ، ومع
اتحاد الضمائر فيها.
وقوله - تعالى -: ((وإنه لحب الخير اشديد، أى: وإن هذا الإنسان
لشديد الحب لجمع المال ، والكسبه من مختلف الوجوه بدون تفرقة - فى
كثير من الأحيان - بين الحلال والحرام، ولكنزه والتكثر منه وبالمجل به
على من يستحقه . .
وصدق الله إذ يقول: ((قل لو أنم تملكون خزائن رحمة ربى، إذا
لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الإنسان قتورا)) (١).
وقوله - تعالى -: ((أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور. وحصل ما فى
الصدور. أن ربهم بهم يومئذ لخبير، تهديد لهذا الإنسان الكنود ...
وتحريض له على التفكر والاعتبار، وتذكير له بأهوال يوم القيامة.
أى: أيفعل ما يفعل هذا الإنسان الجحود لنعم ربه .. فلا يعلم مآ له
وعافيته إذا (( بعثر)).
أى: إذا أثير وأخرج وقلب رأسا على عقب ((ما فى القبور، من أموات
حيث أعاد - سبحانه - إليهم الحياة، وبعثهم للحساب والجزاء، كما قال
- تعالى -: ((وإذا القبور بعثرت، أى: أثيرت وأخرج ما فيها. بقاله
بعثر فلان متاعه، إذا جعل أسفله أعلاه ..
((وحصل ما فى الصدور)) أى= وجمع ما فى القلوب من خير وشر،
وأظهر ما كانت تخفيه، وأبرز ما كان مستورا فيها، بحيث لا يبقى طاة
سبيل إلى الإخفاء أو الكتمان . .
(١) سورة الإسراء. الآية ٠١٠٠

٦٨٦
الجزء الثلاثون
وأصل التحصيل : إخراج اللب من القشر، والمراد به هنا: إظهار
وإبراز ما كانت تخفيه الصدور ، والمجازاة على ذلك .
ومفعول ((يعلى، محذوف، لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ويجول
الفكر فى استحضاره وتقديره .
وقوله - تعالى -: ((إن ربهم بهم يومئذ لخبير، جملة مستأنفة
لزيادة التهديد والوعيد .
أى: إن رب المبعوثين للحساب والجزاء، لعليم علما قاماً بأحوالهم
الظاهرة والباطنة ، فى ذلك اليوم الهائل الشديد الذى يبعث فيه الناس من
قبورهم، وسيجازى - سبحانه - الذين أساؤا بما عملوا، وسيجازى الذين
أحسنوا بالحسنى .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أهل طاعته ومثوبته
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر .
٨ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ ه
١٠ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م

تَفْسِيْرُسُورَة
القارعة

--
بسم الله الرحمن الرحيم
١٠١ تفسير سورة ((القارعة))
سورة « القارعة، من السور المكية الخالصة، وکان نزولها بعد سورة
((قريش»، وقبل سورة ,القيامة،، وعدد آباتها إحدى عشرة آية فى
المصحف السكوفى، وعشر آيات فى الحجازى ، وثمان آيات فى البصرىه
والشامى . .
وهى من السور التى فصلت الحديث عن أهوال يوم القيامة ، لكى.
يستعد الناس لاستقباله، بالإيمان والعمل الصالح .
قال - تعالى -:
:"الْقُّارِعَةُ الْهِمَا الْقَارِعَةُ أَجْهَ وَمَا أَدْرَنَكَ مَا الْقَارِعَةُ يَ يَوْمَ يَكُونُ.
النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْغُوثِ ﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِمْهُ
اُلْمَنَفُوشِ (﴾ فَأَمَّا مَنْ نَقُلَتْ مَوَزِّينُهُ، (٤) فَهُوَ فِى ◌ِشَةٍ
رَاضِيَةٍ يُّهَ وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ، ◌ّيْ فَأُّهُ هَاوِيَّةٌ ﴾
وَمَا أَدْرَئِكَ مَاهِيَهُ ( جْهِ نَارُ حَلِيَةٌ (٥)
ولفظ « القارعة، اسم فاعل من القرع، وهو الضرب بشدة بحيثه
يحصل منه صوت شديد .
والمراد بها هنا: القيامة، ومبدؤها النفخة الأولى ، ونها يتها : قضاء
الله - تعالى - بين خلقه، بحكمه العادل، وجزائه لكل فريق بما يستحقه
من جنة أو نار .

٦٨٩
سورة القارعة
وهميت القيامة بذلك - كما سميت بالطامة، والصاخة، والحافة ،
"والغاشية .. الخ - ) لأنها تقرع القلوب بأهوالها، وتجعل الأجرام العلوية
والسفلية بصطك بعضها ببعض، فيحصل لها ما يحصل من تزلزل واضطراب
وَتقرع أعداء - تعالى - بالخزى والعذاب والنكال، كما قال - تعالى -:
. ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ....
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ((وما أدراك ما القارعة، استفهام
عن حقيقتها ، والمقصود به التهويل من أمرها ، والتفظيع من حالها،
وقنبيه النفوس إلى ما يكون فيها من شدائد ، تفرع لها القلوب فزعا لا تح ط
العبارة بتصوير ، ولا تستطيع العقول أن تدرك كنهه .
و((القارعة)): مبتدأ، و«ماء: مبتدأ ثان، و((القارعة، خر المبتدأ
الثانى، وجملة المبتدأ الثانى وخبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول.
وقوله - سبحانه -: ((وما أدراك ما القارعة، معطوف على جملة
(((ما القارعة))، والخطاب فى قوله (وما أدراك .. ، لكل من يصلح له.
أى: وما أدراك - أيها المخاطب - كنهها فى الشدة ؟ إنها فى الشدة
والهول شىء عظيم ، لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى -.
فالمقصود من الآيات الكريمة: تعظيم شأنها ، والتعجيب من حالها ،
وأنها تختلف عن قوارع الدنيا - مهما بلغ عظمها - اختلافا كبيرا.
وبعد أن بين - سبحانه - أن معرفة حقيقتها أمر عسير .. أنبع ذلك
ببيان أحوال الناس وقت وقوعها فقال: ((يوم يكون الناس كالفراش
.
المٹوث .
وديوم)، منصوب بفعل مقدر. والفراش: هو الحيوان الذى يتهافت ..
- نحو النار ، وسمى بذلك لأنه يتفرش وينتشر من حولها .

٦٩٠
الجزء الثلاثون
والمبثوث : المنتشر المتفرق. تقول: بثنت الشىء، إذا فرقته، ومنه
قوله - تعالى -: ((وزرابى مبثوثة، أى: متناثرة متفرقة .
أى : تحصل القارعة يوم يكون الناس فى انتشارم وكثرتهم
واضطرابهم وإقبالهم نحو الداعى لهم نحو أرض المحشر ... كالحشرات
الصغيرة المتهافتة نحو النار .
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد شبه الناس فى هذا الوقت العصيب،
بالفراش المتفرق المنتشر فى كل اتجاه ، وذلك لأن الناس فى هذا اليوم
يكونون فى فزع، يجعل كل واحد منهم مشغولا بنفسه ، وفى حالة شديدة
من الخوف والاضطراب .
وقوله - سبحانه -: ((وتكون الجبال كالعهن المنفوش)) بيان الحالة
أخرى من الأحوال التى يكون عليها هذا الكون يوم القيامة.
والعون : الصوف ذو الألوان المتعددة، والمنفوش: المفرق بعضه
عن بعض .
أى: وتكون الجبال فى ذلك اليوم، كالصوف الذى ينفش ويفرق
باليد ونحوها، لخفته وتناثر أجزائه ، حتى يسهل غزله.
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد اشتملت على أقوى الأساليب
وأبلغها، فى التحذير من أهوال يوم القيامة، وفى الحض على الاستعداد له
بالإيمان والعمل الصالح .
لأنها قد ابتدأت بلفظ القارعة؛ المؤذن بأمر عظيم، ثم ثنت بالاستفهام
المستعمل فى التهويل، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة فى تعظيم
أمره، ثم جعلت الخطاب لكل من يصلح له ، ثم شبهت الناس فيه تشبيها
تقشعر منه الجلود ، ثم وصفت الجبال- وهى المعروفة بصلا بتها ورسوخها -
بأنها ستكون فى هذا اليوم كالصوف المتناثر الممزق.

٦٩١
سورة القارعة
ثم بين - سبحانه - أحوال السعداء والأشقياء فى هذا اليوم فقال:
«فأما من ثقلت موازينه . فهو فى عيشة راضيه ..
أى= فأما من ثقلت موازين حسناته، ورجحت أعماله الصالحة على
غيرها .. فهو فى عيشة مرضية، أو فى عيشة ذات رضا من صاحبها لها،
لأنها عيشة هنيئة كريمة . .
(( وأما من خفت موازينه، أى: خفت موازين حسناته، وثقلت
حوازين سيئاته، ((فأمه هاوية، أى: فمرجعه ومأواه الذى بأوى إليه،
غار سحيقة يهوى إليها بدون رحمة أو شفقة ، بسبب كفره وفسوقه .
فالمراد بالأم هنا : المرجع والمأوى ، وبالهاوية : النار التى يسقط فيها ،
وسميت النار بذلك، لشدة عمقها، وسمى المأوى أما، لأن الإنسان بأوى
إليه كما يأوى ويلجأ إلى أمه ..
ويرى بعضهم أن المراد بأمه هنا الحقيقة، لأن العرب يكنون عن حال
المر. بحال أمه فى الخير وفى الشر، أشدة مجبتها له ..
قال صاحب الكشاف: قوله: ((فأمه هاوية)، من قولهم إذا دعوا
على الرجل بالهلمكة ، هوت أمه، لأنه إذا هوى - أى سقط وهلك -،
فقد هوت أمه ثمكلا وحزنا . . فكانه قيل : وأمامه خفت موازينه فقد
ملك. وقيل: «هاوية، من أسماء النار، وكأنها النار العميقة الهوى
أهل النار فيها مهوى بعيدا، كما روى: «يهوى فيها سبعين خريفا))، أى:
خأواه النار . وقيل المأوى: أم، على التشبيه ، لأن الأم مأوى الولد
ومفزعه .. ))(١).
وقال بعض العلماء : وأعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بما ذكره الله
- تعالى - من الميزان فى هذه الآية وما يشبهها ، وليس علينا أن نبحث
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٧٩٠

٦٩٢
الجزء الثلاثون
فيما وراء ذلك ما لم يثبت عن الله - تعالى - ورسوله - {لتح - ، وفكل
ما وراء ذلك إلى علام الغيوب، على أن وزن الأعمال، أو وزن صجاتفها
أو وزن الصور الجميلة ، كل ذلك أمر ممكن ، لا يترتب على فرض وقوعه
محال ، فوقوع شىء من ذلك ، لا يعجز الله - تعالى - ولا يقف أمام قدرته
الغالبة .. »(١).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بما يزيد من هول هذه الهاوية.
فقال: ((وما أدراك ماهيه، فار حامية » .
أى: وأى شىء يخبرك بكنه تلك النار السحيقة؟ إننا نحن الذين نخبر ك
بذلك فنقول لك - أيها المخاطب - على سبيل التحذير من العمل الذى.
يؤدى إليها : إنها نار قد بلغت النهاية فى حرارتها . .
نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا جميعاً منها
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهرة - مدينة نصر
مساء الثلاثاء ٩ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ھ
١١ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م
(١) تفسير جزء عم ص ٣٠٢ ١فضيلة الشيخ محمد محى الدين عبد الحميد
- رحمه ال ـ

( تفسير سورة )
التكاثر

١- بسم الله الرحمن الرحيم
١٠٢ (( سورة التكاثر)
١ - سورة ((التكاثر) من السور المكية، وسميت فى بعض المصاحف
دورة ((ألهاكم))، وكان بعض الصحابة يسمونها (المَحَقبُرة)).
قال القرطبى: وهى مكية فى قول المفسرين. وروى البخارى أنها مدنية.
وهى ثمانى آيات .
١
وقد ذ کروا فی سبب نزولها روايات منها : ماروى عن ابن عباس أنها
نزلت فى حيين من قريش، بنى عبد مناف ، وبنى سهم ، تكاثروا بالسادة.
والأشراف فى الإسلام، فقال كل حى منهم: نحن أكثر سيدا، وأعز
نفر .. فنزلت هذه السورة ..= (١) .
٢ - ومن أغراض السورة الكريمة: النهى عن التفاخر والتكاثر ،
والحض على التزود بالعمل الصالح، وعلى ما ينجى من العذاب ، والتأكيد
على أن يوم القيامة حق ، وعلى أن الحساب حق ، وعلى أن الجرام
(١) راجع تفسير القرطبى - ٢٠ ص ١٦٨

٦٩٥
سورة التكاثر
قال - تعالى - :
بِسـ
أَنْهَكُ اْتَّكَائُ جْ حَتَّى زُرْتُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْف
تَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّكَلَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلُونَ عِلَ
أَلْيَقِيْنِ ثْ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (بَ ثُمَّلَتَرَوْنُّهَا عَيْنَ الْبَفِيِنِ
٧
ثُمَّلَتُسْعَلُنَّ يَوْمَدٍ عَنِ النَّعِمِ ®
وقوله - سبحانه -: «ألهاكم، من اللهو وهو الغفلة عن مواطن.
الخير ، والانشغال عما هو نافع .
والتكاثر: التبارى والتباهى بالكثرة فى شىء مرغوب فيه كالمال.
.
والجاء .
أى: شغلكم - أيها الناس - التباهي والتفاخر بكثرة الأموال.
والأولاد والعشيرة ، كما ألهاكم حب الدنيا عن القيام بما كلفناكم به ...
(((حتى زرتم المقار)) أى: بقيتم على هذه الحال، حتى أتاكم الموت،
ودفنتم فى قبورهم، وانصرف عنكم أحب الناس إليكم، وبقيتم وحدكم.
والخطاب عام لكل عاقل، ويدخل فيه المشركون والفاسقون ،
الذين آثروا الدنيا على الآخرة دخولا أوليا ..
فالمراد بزيارة المقابر: انتهاء الآجال ، والدفن فى القبور بعد الموت .
وعبر - سبحانه - عن ذلك بالزيارة، لأن الميت يأتى إلى القبر كالزائر
له، ثم بعد ذلك يخرج منه يوم البعث والنشور، للحساب والجزاء».

٦٩٦
الجزء الثلاثون
فوجوده فى القبر إنما هو وجود مؤقت بوقت يعلمه الله - تعالى - .
وقد روى أن أعرابيا عند ما سمع هذه الآية قال: بعتوا ورب الكعبة،.
. فقيل له كيف ذلك؟ فقال: لأن الزائر لأ بد أن يرتحل.
وقد نفى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن التبالك على حطام الدنيا،
فى أحاديث كثيرة منها، ما رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله ن الشخير
:قال: انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول:
(( ألها كم التكاثر، قال: يقول ابن آدم مالى مالى، وهل لك من مالك
يا بن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو است فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)).
وقوله - تعالى - : (( كلا سوف تعلمون . ثم كلا سوف تعلمون،
ردع وزجر عن الانشغال عن طاعة الله، وعن التكاثر بالأموال والأولاد
وكرر لفظ « كلا، ثلاث مرات فى هذه السورة، لتأكيد هذا الزجر
والردع عن كل ما يشغل الإنسان عن وجوه الخير والبر .
والتعبير بقوله: ((سوف)) لزيادة الزجر، ولتحقيق حصول العلم،
وحذف مفعول ((تعلمون)) لظهوره من المقام. أى: اتركوا التشاغل بالدنيا
والتفاخر بالأموال، فإنكم إن بقيتم على ذلك بدون قوبة صادقة ، فسوف
تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا يخامر ها شك، ولا يقاربها ريب.
وجملة ،ثم كلا سوف تعلمون، مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التى قبلها،
وهذا التأكيد المقصود منه المبالغة فى الردع والزجر والتحذير من التكاثر
والتفاخر
ثم أضاف - سبحانه - إلى كل ما سبق من تحذيرات، زواجر أخرى
فقال: ((كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم. ثم لترونها عين
اليقين .
٠٠
وجواب ((لو)) محذوف لقصد التهويل، و((اليقين، فعيل بمعنى مفعول؛

٦٩٧
سورة التكاثر
وعلم اليقين: هو العلم الجازي المطابق للواقع الذى لا شك فيه . والإضافة
فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو من إضافة العام إلى الخاص.
أى : لو تعلمون علما موثوقا به سوء عافية انشغالكم عن ذكر انه
- تعالى -، وتكاثركم وتفاخركم بالأموال والأولاد ... لشغلكم
هذا العلم اليقينى عما أنتم عليه من التشاغل والتكاثر.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : الزيادة فى ردعهم ، لأنه من عادة
الغافلين المكابرين، أنك إذا ذكرتهم بالحق وبالرشاد ... زعموا أنهم
ليسوا فى حالة إلى هذا الإرشاد، لأنهم أهل علم ومعرفة بالعواقب، فكانت
هذه الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ليسوا على شىء من العلم الصحيح،
لأنهم لوكانوا كذلك لما تفاخروا، ولما تكاثروا.
وقوله - سبحانه -: ((لترون الجحيم)) جواب قسم مقدر، قصد
- به تأكيد الوعيد الشديد فى التهديد ، وبيان أن المهدد به رؤية الجحيم فى
الآخرة . أى: والله لترون الجحيم فى الآخرة.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى تأكيدا قويا فقال: (( ثم لترونها
حين اليقين)، أى: ثم لترون الجحيم رؤية هى ذات اليقين ونفسه وعينه
.. وذلك بأن تشاهدوها مشاهدة حقيقية، بحيث لا يلتبس عليكم أمرها .
وقد قالوا إن مراتب العلم ثلاثة: علم اليقين وهو ما كان ناتجاً
عن الأدلة والبراهين ..
وعين اليقين : وهو ماكان عن مشاهدة وانكشاف .
وحق اليقين : وهو ما كان عن ملابسة ومخاطبة.
(م ٤٥ - جزء عم)

٦٩٨
الجزء الثلاثون
ومثال ذلك أن تعلم بالأدلة أن الكعبة موجودة ، فذلك علم اليقين،
فإذا رأيتها بعيفيك فذلك عين اليقين ، فإذا ما دخلت فى جوفها فذلك حق.
اليقين .
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد حذر الناس من الاشتغال عن
طاعته ، ومن التباهى والتكاثر ، بأبلغ أساليب التأكيد وأقواما .
ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله: ((ثم لتسألن يومئذ عن
النعيم))، والمراد بالنعيم هنا: ما يتنعم به الإنسان خلال حياته.
الدنيوية من مال وولد ، ومن طعام وشراب ، ومن متعة وشهوة ...
من النعومة التى هى ضد الخشونة .
أى : ثم إنكم بعد ذلك - أيها الناس - والله لتسألن يوم.
القيامة عن ألوان النعم التى منحكم الله - تعالى - إياها، فن أدى.
ما يجب عليه نحوما من شكر الله - تعالى - عليها كان من السعداء،.
ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه ، وتباهى وتفاخر بها ....
كان من الأشقياء، كما قال - تعالى -: «ومن شكر فإنما يشكر لنفسه،.
ومن كفر فإن وبى غنى كريم ».
فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين.
الشاكرين ، وسؤال الإهانة والتوبيخ الفاسقين الجاحدين.
والآية الكريمة دعوة حارة للناس، إلى شكر نعمه - تعالى - ،.
واستعمالها فيما خلقت له .
قال القرطى ما ملخصه: والسؤال يكون المؤمن والكافر ....
والجمع بين الأخيار التى وردت فى ذلك : أن الكل يسألون، ولكن

٦٩٩
سورة التكاثر
أ-ؤال الكفار توبيح، لأنه قد ترك الشكر، وسؤال المؤمن سؤال
تشريف، لأنه قد شكر، وهذا النعيم فى كل نعمة )، (١).
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين، وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
صباح الجمعة ١١ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ ه
١٣ / ١١ / ١٩٨٦ م
(١) تفسير القرطبى = ٢٠ مر ١٧٧