Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
سورة البينة
عن أهل الكتاب، وعن تفرقهم فى شأن دينهم، يرجح أنها مدنية، كما أن
الإمام السيوطى قد ذكرها ضمن السور المدنية ، وجعل نزولها بعد
سورة ((الطلاق، وقبل سورة ((الحشر)) (١).
٣ - ومن أهم المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة، توبيخ
أهل الكتاب والمشر كين ، على إصرارهم على ضلالهم من بعد أن تبين لهم
الحق، والنعجيب من تناقص أحوالهم ، وبيان أن كفرهم لم يكن بسبب
جهلهم، وإنما بسبب جحودهم وعنادهم وحدهم للنبى - لا - على
ما آتاه الله من فضله، والتسجيل عليهم بأنهم شر البينة، وأن المؤمنين هم
خير البرية . .
=
(١) الإتقان = ١ ص ٠١٧

٠ ٦٦٢
الجزء الثلاثون
قال - تعالى - :
1
٩١-١
بِسْـ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوْمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ خَّه
تَأْنِهُ الْبَيِنَةُ جَ رَسُولٌ مِنَ اللهِيَتْلُواْ مُفًّا ظَهْرَةً فِيهَا كُتُبُهُ
فَيِّمَةٌ يٌ وَمَا تَفَرِّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّمِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتُهُمْ
اَلْبَيِّنَةُ ﴾ وَمَا أُمِرُوَ إِلَّالِيَعْبُدُ واْلَهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ حُنَفَآءَ
وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْنُوْلَّكَوَةَ وَّلِكَ دِينُ الْقَيِمَةِ (﴾ إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوْمِنْ أَّهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِ كِنَ فِ نَارِجَهَتْمَئِنَ فِيهَاً
أُوْلَئِكَ هُمْ شَرِ الْبَرِيَّةِ ﴾ إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْصَّدْلِحَتِ
أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ج ◌َزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَذٍْ.
تَجْرِى مِنْ تَخْتِمَا الْأَنْهَرُ خَدِينَ فِيهَا أَبَدًاٌ رَضِىَ اللهُعَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبُهُِّ
و((من)) فى قوله - تعالى - (( من أهل الكتاب ، البيان، وقوله
- سبحانه -: ((منفسكين)): للعلماء فى معنى هذا اللفظ أقوال متعددة،
منها : أنه اسم فاعل من انفك بمعنى أنفصل، يقال: فككت الشيء فانفك
إذا افترق ما كان ملتحما منه .

٦٦٣
سورة البينة
والبينة : الحجة الظاهرة التى يتميز بها الحق من الباطل ، وأصلها من
البيان بمعنى الظهور والوضوح ، لأن يها يتضح الأمور، أو من اليينونة
بمعنى الانفصال، لأن بها ينفصل الحق عن الباطل بعد التباسهما ..
والمراد بها هنا: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقوله - تعالى -
بعد ذلك: «رسول من الله يتلو صحفا مطهرة .. ،، ولأنه - صلى الله
عليه وسلم - كان فى ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة، لتحليه.
بكال العقل، وبمكارم الأخلاق ، ولإقيانه بالمعجزات التى تؤيد أنه صادق
فما يبلغه عن ربه ..
والمعنى : لم يكن الذين كفروا من الكتاب، وهم اليهود والنصارى ، ولم
يكن - أيضاً - الذين كذبوا الحق من المشركين ، لم يكن الجميع بمفارقين
ومنفصلين عن كفرم وشركهم، «حتى تأتيهم البينة، التى هى الرسول
- صلى الله عليه وسلم -، فلما أقتهم هذه البينة، منهم من آمن ومنهم من
استمر على كفره وشركه وضلاله .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : كان الكفار من
الفريقين ، أهل الكتاب ، وعبدة الأصنام ، يقولون قبل مبعث النى
- صلى الله عليه وسلم -: لا نتفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه
حتى يبعث النبى المكتوب فى التوراة والإنجيل، وهو محمد - صلى الله
عليه وسلم -، فحكى الله - تعالى - ما كانوا يقولون ثم قال: (( وما تفرق
الذين أوتوا الكتاب))، يعنى أنهم كانوا يعدون باجتماع الكلمه، والإنفاق
على الحق ، إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ، ولا أقرم على
الكفر ، إلا مجىء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونظيره فى الكلام
أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقنى.
الله - تعالى - الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فقا، فيقول له واعظه:

٥٦٤
الجزء الثلاثون
لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك فى الفسق إلا
بعد اليسار . يذكره ما كان بقوله توبيخاً وإلزاماً .
وانفكاك الشىء من الشىء، أن يزايله بعد التحامه به ، كالعظم إذا
انفك من مفصله .
والمعنى: أنهم مقشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجىء البينة)، (١).
ومنهم من يرى: أن ((منفكين، بمعنى مقروكين لا بمعنى تاركين،
أى: لم يكونوا جميعاً متروكين على ماهم عليه من الكفر والشرك، حتى
قافيهم البينة، على معنى قوله - تعالى -: ((أيحسب الإنسان أن يترك
.
سدى .
أو المعنى: لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله - تعالى - وقدرته
ونظره لهم، حتى يبعث الله - تعالى - إليهم رسولا منذرا، تقوم عليهم
به الحجة، ويتم على من آمن النعمة، فكان - تعالى - قال : ما كانوا
ليتر كواسدى .. )) (٢) .
وهناك أقوالا أخرى فى معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا
لضعفها
٠
٠
وقد قدم الله - تعالى - ذكر أهل أهل الكتاب فى البيان ، لأن كفرم
أشنع وأقبح . إذ كانوا يقرأون الكتب، ويعرفون أو صاف النبى - صلى
الله عليه وسلم -، فكانت قدرتهم على معرفة صدقه أكبر وأقم.
وفى التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود والنصارى، تسجيل الغفلة
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٧٨٢
(٢) راجع تفسير («أضواء البيان، حـ ٨ ص ٣٩٧ للشيخ محمد الأمين
الشنقيطى .

٦٦٥
سورة البينة
حسوء النية عليهم، حيث علموا الكتاب، وعرفوا عن طريقه أن هناك
.ح-ولاكريما قد أرسله الله - تعالى - هدايتهم، ومع ذلك كفروا به،
كما قال - تعالى -: ,فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اله على
طلكافرين ، .
وقوله - سبحانه -: « رسول من اللّه يتلو صحفا مطهرة)) بدل من
البينة على سبيل المبالغة، حيث جعل - سبحانه - الرسول نفس البيئة.
أى: لم يفارقوا دينهم حتى جاءهم رسول كريم ، كان من عند الله
- تعالى -، لكى بقرأ على مسامعهم صحفا من القرآن الكريم، مطهرة
أى: منزهة عن الشرك والكفر والباطل وهذه الصحف من صفاتها
- أيضا - أنها (( فيها كتب قيمة)، أى: فيها سور آيات قرآنية مستقيمة
لا عوج فيها ، بل هى قاطعة بالحق والخير والصدق والهداية ، وبأخبار
الأنبياء السابقين وبأحوالهم مع أقوامهم ..
فقوله: ((قيمة)، بمعنى مستقيمة لا عوج فيها ولا اضطراب، من
قولهم قام فلان يقوم ، إذا استوى على قدميه فى استقامة .
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم الحق ،
.ومن إنكارهم له مع علمهم به، فقال - تعالى - ((وما تفرق الذين أوتوا
الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)).
أى : أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم.
من أهل الكتاب، ما تفرقوا فى أمره، وما اختلفوا فى شأن نبوتك ...
إلا من بعد أن جمتهم أنت بما يدل على صدقك، دلالة لا يجحدها إلا
جهول، ولا ينكرها إلا حسود، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر
بالحياة الدنيا .
فالآ ية الكريمة كلام مستأنف المقصود به تسليته - صلى الله عليه وسلم -
(م ٤٣ - جزء عم)

٦٦٢
الجزء الثلاثون
عما أصابه من هؤلاء الجاحدين فـ.كأنه - سبحانه - يقول له: لا تحزن.
- أيها الرسول الكريم - الإعراض من أعرض عن دعوتك من أهل.
الكتاب، فإن اعراضهم لم يكن عن جهل، وإنما عن عناد وجحود وحسد
لك على ما آتاك الله من فضله .
وإنما خص - سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر، مع أن الكلام.
فى أول السورة كان فيهم وفى المشركين، للدلالة على شناعة حالهم، وقبح.
فعالهم، لأن الإعراض عن الحق من له كتاب ، أشد قبحا ونكرا، من
أيى له كتاب وهم المشر كون .
والاستثناء فى الآية مفرغ، والمستثنى منه عموم الأوقات. والمعنى:
لم يتغرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب فى وقت من الأوقات ، إلا فى.
الكائن بعد مجىء البيئة لهم .
ومن الآيات القرآنية الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى ..
(( وما تفرقوا إلا من ما جاءهم العلم بغيا بينهم .. ».
ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم أن يفعلوه ، فقال:
· وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة.
ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة )) .
والواو فى قوله - تعالى - ((وما أمروا، الحال ، فهذه الجملة حالية ،
والمقصود منها بيان أن هؤلاء الضالين ، قد بلغوا النهاية فى قبح الأفعال،
وفى فساد العقول، إذ أنهم تفرقوا واختلفوا وأعرضوا عن الهدى ، فى
حال أنهم لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم ..
وقوله: «حنفاء، من الحنف، وهو الميل من الدين الباطل إلى الدين ..
الحق، كما أن الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل .
أى: أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا فى شأن.

٦٦٧
سورة البينة
الحق، والحال أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة الله - تعالى - وحده، مخلصين
له الطاعة، وما ئلين عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق ، مؤمنين بجميع
الرسل بدون تفرقة بينهم، إذ ملتهم جميعاً واحدة، ولم يؤمروا - أيضا -
إلا بإقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين، وبإيتاء
الزكاة التى تطهرهم وتز كيهم .
« وذلك، الذى أمرناهم به من إخلاص العبادة لنا، ومن أداء
فرائضنا ,دين القيمة)). أى: دين الملة المستقيمة القيمة، أو دين الكتب
القيمة ..
ولفظ ((القيمة)) - بزنة فيعلة - من القوامة، وهى غاية الاستقامة
وهذا اللفط صفة لموصوف محذوف .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الجاحدين من أهل الكتاب
ومن المشركين فقال: ((إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشر كين
فى قار جهنم خالدين فيها .. )).
أى : إن الذين أصروا على كفرهم بعد أن تبين لهم ، من اليهود
والنصارى ، ومن المشركين الذين هم عبدة الأصنام .... مكانهم المهيا
لحسم هو نار جهتم ، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا (( أولئك،
الموصوفون بتلك الصفات الذميمة ((هم شر البرية)، أى: هم شر كل صنف
من أصناف المخلوقات!، لإصرارهم على الكفر والإشراك مع عامهم
بالحق ... ..
ولفظ ((البرية)، من البرى وهو التراب، لأنهم قد خلقوا فى الأصل
منه، يقال: فلان برأه الله - تعالى - يبروه بروا: أى خلقه. وقرأ
نافع بالحمز، من قولهم رأ الله -- تعالى - الخلق يبرؤهم ، أى :
خلقهم .
٠٠٠

٦٦٨
الجزء الثلاثون
وقدم - سبحانه - أهل الكتاب فى المذمة ، لأن جناتيهم فى حق
الرسول - صلى الله عليه وسلم - أشد، إذكانوا يستفتحون به على
المشركين، ويقولون لهم : إن نبيا قد أظلنا زمانه، وإننا عند مبعثه
سنتبعه .. فلما بعث - يرى - كفروا به ..
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: الأول: أن هؤلاء الضالين
خالدون فى النار . والثانى: أنهم شر المخلوقات التى خلقها الله - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال :
((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)).
أى: ((وعملوا الأعمال الصالحات ,أولئك هم خير البرية، أى:
أولئك هم خير المخلوقات التى خلقها الله - تعالى -.
((جزاؤهم عند ربهم)) أى: جزاؤ الطيب الكائن لهم عند ربهم
وخالقهم ومالك أمرهم . .
((جنات عدن، أى: أى: جنات يقيمون فيها إقامة دائمة، من عدن
فلان بالمكان إذا أقام فيه .
( تجرى من تحتها الأنهار)) أى: تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار
( خالدين فيها أبدا، أى: خالدين فى تلك الجنات خلود: أبديا.
(((رضى الله عنهم ورضوا عنه) أى: قبل الله - تعالى - منهم
أعمالهم ورضيها عنده، وفرحواهم ورضوا بما أعطاهم من خير عميم ..

٦٦٩
سورة البينة
فالمراد برضاه - تعالى - عنهم، قبوله لأعمالهم ، وبرضاهم عنه:
فرحهم بما أعطاهم من فضله .
((ذلك، أى: العطاء الجزيل ((لمن خشى ربه)، أى: كائن وثابت لمن
خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من عباده المؤمنين؟
القاهرة - مدينة نصر
صباح الأربعاء: ٣ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ
٦ من نوفبر سنة ١٩٨٦ م

تَفْسِيْسُورَة
الزلزلة

بسم الله الرحمن الرحيم
٩٩ سورة (الزازلة ،
١ - سورة ((الزلزلة)) وتسمى - أيضاً - سورة (( إذا زلزلت)، »
وسورة ((الزلزال، من السور المكية، وقيل: هى من السور المدنية.
قال الآلومى: هى مكية فى قول ابن عباس ومجاهد وعطاء ، ومدنية.
فى قول مقاتل وقتادة .
ويبدو لنا أن القول بكونها مكيه أرجح ، لأن الحديث عن أهواله.
يوم القيامة، يكثر فى السور المكية، ولأن بعض المفسرين - كالإمام ابن.
كثير - قد اقتصر على كونها مكية، ولم يذكر فى ذلك خلافا .
وعدد آياتها ثمان آيات فى المصحف الكوفى، وتسع آيات فى غيره.
وسبب ذلك اختلافهم فى قوله - تعالى -: ((يومئذ يصدر الناس أشتاتا
ليروا أعمالهم، هل هو آيتان، أو آية واحدة .
٢ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: إثبات أن يوم القيامة حق.
وبيان ما اشتمل عليه من أهوال ، وتأكيد أن كل إنسان سيجازى على
حسب عمله فى الدنيا . .

٦٧٣
سورة الزازلة
قال - تعالى -:
بِسُـ
إِذَا زُلِْلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَ رِيٌ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَ.
٢
وَقَالَ الْإِنسَنُ مَالَهَا (چ يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنّ
رَبَّكَ أَوْحَى لَمَا يَّ يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْاْ
أَعْمَلُهُمْ (﴾ فَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَهُ (﴾
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاءَرَهُ. (@)
وقوله - تعالى -: ((زلزلت)) أى: حركت تحريكا شديدا لا يعلم.
مقداره إلا الله - تعالى - ، إذ الزلزال: الحركة الشديدة مع الاضطر ب
وهو بفتح الزاى اسم لذلك، وبكرها مصدر بمعنى التحرك والاضطراب
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((إذا رجت الأرض رجا)،، ويكون.
هذا الزلزال الشديد، عندما بأذن الله - تعالى - بقيام الساعة ، ويبعث.
الناس للحساب .
وافتتح - سبحانه - الكلام بظرف الزمان (( إذا، ، لإفادة تحقق
وقوع الشرط .
وقوله: ((زازالها، مصدر مضاف لفاعله. أى: إذا زلزلت الأرض
زلزالها، الذى لا يماثله زاوال آخر فى شدته وعظمته وهو له، كما قاله.
- تعالى -: ((يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم .. )).
وقوله - تعالى -: ((وأخرجت الأرض أثقالها، بيان لأثر آخر من.
٢٠ ثار ما يحدث فى هذا اليوم الهائل الشديد .

٦٧٤
الجزء الثلاثون
والأثقال : جمع ثقل - بكسر فسكون - وهو المتاع الثقيل ، ومنه
قوله - تعالى -: ((وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق
الأنفس . ...
والمراد بها هنا: ما يكون فى جوف الأرض من أموات وكنوز
وغير ذلك مما يكون فى باطنها .
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت فى جوف الأرض فهو
ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، وإنما هى الجن والإنس بالثقلين
لأن الأرض تثقل بهم ... (١).
والمراد بالإنسان فى قوله - سبحانه -: ((وقال الإنسان مالها)،
جنسه فيشمل المؤمن والكافر .
وقوله ((مالهاء مبتدأ وخبر، والاستفهام المقصود به التعجب ما حدث
من أهوال .
أى: وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة ، أى : شىء حدث
للأرض ، حتى جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد .
قال الجمل. وفى المراد بالإنسان هنا قولان: أحدهما: أنه اسم جنس
يعم المؤمن والكافر ، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة
والمعنى أنها حين تقع لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة ، فيسأل بعضهم
بعضاً عن ذلك. والثانى: أنه الكافر خاصة ، وهذا يدل على قول من جعلها
زلزلة القيامة، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها ، والكافر جاحد لها،
فإذا وقعت سأل عنها .. )) (٢).
وقوله - سبحانه -: ((يومئذ تحدث أخبارها، جواب الشرط.
(١) تفسير صح القرطبى = ٢٠ ص ٠١٤٧
(٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٥٧٣

٦٧٥
سورة الزلزلة
ح((أخبارها، مفعول ثمان لقوله: ((تحدث))، والمفعول الأول محذوف.
أى: إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال
الإنسان ماذا حدث لها .. عندئذ تحدث الأرض الخلائق أخبارها ، بأن
تشهد للطائع بأنه كان كذلك، ونشهد على الفاسق بأنه كان كذلك .
أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن أبى هريرة قال : قرأ رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآيه (يومئذ تحدث أخبارها، ثم قال:
((أتدرون ما أخبارها)،؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن
تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ، بأن تقول : عمل كذا وكذا
يوم كذا وكذا . فهذه أخبارها ، (١).
والظاهر أن هذا التحديث من الأرض على سبيل الحقيقة، بأن يخلق
الله - تعالى فيها حياة وإدرا كا، فتشهد بما عمل عليها من عمل صالح
أو طالح، كما تشهد على من فعل ذلك .
وقيل: هذا مثل ضربه الله - تعالى -، والمقصود منه أن كل إنسان
فى هذا اليوم سيقبين جزاء عمله، وما أعده الله - تعالى - له على ما قدم
فى حياته الأولى ، ونظير ذلك أن نقول : إنه هذه الدار لتحدثنا بأنها
كانت مسكونة .
قال بعض العلماء ما ملخصه: قوله: ((يومئذ تحدث أخبارها ، يومئذ
بدل من إذا . أى : فى ذلك الوقت تحدثك الأرض أحاديثها ، وتحديث
الأرض تمثيل - كما قال الطبرى وغيره - ، أى: أن حالها وما يقع فيها
من الانقلاب، وما لم يعهد من الخراب، يعلم السائل ويفهمه الخبر، وأن
ما يراه لم يكن بسبب من الأسباب التى وضعتها السنة الإلهية، حال استقرار
نظام الكون، بل ذلك بسبب (( أن ربك أوحى لها، أى : أن ما يحدث
(١) تفسير ابن كثير -٧ ص ٤٨١

٦٧٦
الجزء الثلاثون
للأرض يومئذ، إنما هو بأمر إلهى خاص . بأن قال لها كونى كذلك
فكانت كما قال لها ... (١) .
وعدی فعل (أُوحی» باللام - مع أن حقه أن یتعدی بإلی کما في قو له
- تعالى - ,و أو حی ربك إلى الخل - لتضمینه معنی ((قال، كما فى قوله
- سبحانه -. فقال لها والأرض أنقيا طوعاً أو كرهاً قالنا أتينا
طائعين » .
والمعنى : أن الأرض تحدث الناس عن أخبارها، وتبينها لهم،
وقشهد عليهم .... بسبب أن ربك الذي خلقك فسواك فعدلك - أيهه
الإنسان - قد أمرها بذلك .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس فى هذا اليوم فقال :
(( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم .. ».
والجملة الكريمة بدل من جملة «يومئذ تحدث أخبارها)). وقوله.
(((يصدر، فعل مضارع من الصدر - بفتح الدال - وهو الرجوع عن.
الشرب، يقال: صدر الناس عن الورد، إذا انصرفوا عنه .
و((أشتانا، جمع شتيت، أى: متفرق، ومنه قولهم: شقت الله جمع.
الأعداء ، أى : فرق أمرم .
وقوله - تعالى - «ليروا، فعل مضارع مبنى للمجهول، وماضيه
المبنى للمعلوم ((أراه، بمعنى أطلعه.
أى: فى هذا اليوم الذى تتزازل فيه الأرض زلزلة شديدة .
يخرج الناس من قبورهم معجهين أشتاتا إلى موقف الحساب، وكل وأحمد
منهم مشغول بنفسه ، لكى يبصروا جزاء أعمالهم ، التى عملوها فى
ديام . . ..
(١) تفسير جزء عم ص ١٠٦ للشيخ محمد عبده.

٦٧٧
سورة الزلزلة
وجاء فعل ((ليروا، مبنياً للمجهول، لأن المقصود رؤيتهم لأعمالهم،
وليس المقصود تعيين من يريهم إياها .
ثم فصل - سبحانه - ما يقرتب على هذه الرؤية من جراء فقال :
« فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)).
و ((المثقال)): مفعال من الثقل، ويطلق على الشيء القليل الذى يحتمل
الوزن. و((الذرة)) تطلق على أصغر النمل، وعلى الغبار الدقيق الذى يتطاير
عن الغراب عند النفخ فيه .
والمقصود المبالغة فى الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها، وحقر وزنها
والفاء : للتفريع على ما تقدم. أى : فى هذا اليوم يخرج الناس من
خبورهم متفرقين لا يلوى أحد على أحد. متجهين إلى موقف الحساب
ليطلعوا على جزاء أعمالهم الدنيوية ... فمن كان منهم قد عمل فى دنياه
عملا صالحاً رأى ثماره الطيبة، حتى ولو كان هذا العمل فى نهاية القلة،
ومن كان منهم قد عمل عملا سيئاً فى دنياه ، رأى ثماره السيئة ، حتى ولو كان
هذا العمل - أيضاً - فى أدنى درجات القلة.
فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب
والترهيب، ولذا قال كعب الأحبار: لقد أنزل الله - تعالى - على
أليه محمد - صلى الله عليه وسلم - آيتين، أحصتا ما فى التوراة والإنجيل
والزبور والصحف ، ثم قرأ هاتين الآيتين ).
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث ،
منها: ما أخرجه الإمام أحمد، أن صعصعة بن معاوية، أتى النبي - صلى الله
عليه وسلم - هاتين الآيتين، فقال: حسى لا أبالى أن لا أسمع غيرها .
وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
«اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة)).

٦٧٨
الجزء الثلاثون
وفى الصحيح - أيضا - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
(((لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى،
ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول لعائشة: يا عانشه، استترى من.
النار ولو بشق ثمرة ، فإنها تسد من الجائع سدها من الشبان . يا عائشة ،
إياك ومحقرأت الذنوب، فإن لها من الله - تعالى - طالبا)) (١).
ومن الآيات الكريمة التى وردت فى معنى هاتين الآيتين قوله-تعالى-
((إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه
أجراعظيما».
وقوله - سبحانه - : «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم.
نفس شيئا، وإن كان مثال حبة من خردل أقينا بها، وكفى بنا حاسبين)).
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من يواظبون على فعل الخيراته
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهر - مدينة نصر
مساء الجمعة ٥ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ
٧ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م
(١) راجع تفسير ابن كثير -٧ ص ٤٨٢

( تفسير سورة )
العاديات

بسم اللهالرحمن الرحيمْ
١٠٠ سورة ((العاديات))
١ - سورة (العاديات)) وتسمى - أيضاً - سورة ((والعاديات))
جإثبات الواو، يرى بعضهم أنها من السور المكية ، ولم يذكر فى ذلك خلافا
الإمام ابن كثير ، ويرى بعضهم أنها مدنية .
قال الآلوسى : مكية فى قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة
وعطاء . ومدنية فى قول أنس وقتادة وإحدى الروايتين عن ابن عباس.
فقد أخرج عند البزار ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والدرقطنى ،
وابن مردويه أنه قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيلا،
فاستمرت شهرا لا يأتيه منها خبر، فنزلت هذه السورة .. » (١).
وهذه الرواية التى ساقها الآلوسي وغيره فى سبب نزول هذه السورة،
ترجح أنها مدينة، وإن كان كثير من المفسرين يرى أنها مكية ، والعلم
عند الله - تعالى -.
٢ - وعدد آياتها إحدى عشرة آية، ومن أهم أغراضها ومقاصدها،
التنوية بشأن الجهاد والمجاهدين، وبفضل الخيل التى تربط من أجل إعلاء
كلمة الله - تعالى-، وبيان ما جبل عليه الإنسان من حرص على منافع
الدنيا، وتحريض الناس على أن يتزودوا بالعمل الصالح الذي ينفعهم
يوم الحساب . .
(١) تفسير الآلونى ــ ٣٠ ص ٢١٤