Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ سورة البلد المعظم بها، وتعداد نعم الله - تعالى - على الإنسان حتى يرجع عن عصيانه وغروره، ويخلص العبادة لخالقه، وبيان حسن عاقبة الأخيار . وسوء عاقبة الأشرار . . قال - تعالى - : - بسـ لَا أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ وَأَنْتَ حِلّ ◌ِهَذَا الْبَلَدِ (*) وَوَالِدٍ وَمَاء ١١ وَلَدَ يْ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى كَبَدٍ چ أَيَحْسَبُ أَن ◌َّنْ يَقْدِرَ ٠٠/٤ ٤١ عَلَيْهِ أَحَدٌ لْ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لْبَدًا (يٌ أَيَحْسَبُ أَنْ أَرْ يَرَهٍُ أَحَدُّ ◌َيْهِ أَمْ تَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴿ وَلِسَانًاً وَشَفَتَيْنِ () وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ (* فَلَا أَقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (ل) وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ(﴾ فَكّ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَنْ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةِ الَّ يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ ◌ّ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَقْرَبَةِ (يَ هُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَتَوَصَوْاْبِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ أُوْلَئِكَ أَعْحَبُ الْمَيْمَنَّةِ (﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُ واْبِعَايَتِنَاهُمْ أَعَْبُ اُلْمَشْكَمَةِ (٨) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ افتتحت السورة الكريمة بالقسم، تشويقا لما يرد بعده، وتأكيدا القسم عليه . و ((لا ، فى مثل هذا التركيب، يرى المحققون أنها مزيدة للتأكيد، والمعنى: أقسم بهذا البلد. أى: مكة المكرمة ، وقد جاء القسم بها فى ٥٦٢ الجزء الثلاثون قوله - تعالى -: ((والتين والزيتون . وطور سينين. وهذا البلد الأمين .. » . قال الشيخ محمد عبده - رحمه الله -: قوله ((لا أقسم .. )) عبارة من عبارات العرب فى القسم ، يراد بها تأكيد الخبر ، كأنه فى ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم. ويقال إنه يؤتى بها فى القسم إذا أريد تعظيم المقسم به. كأن القائل يقول: إنى لا أعظمه بالقسم، لأنه عظيم فى نفسه، والمعنى فى كل حال على القسم .. »(١) . وقال بعض العلماء: ((لا، هذه للنفى، وهذه عبارة تعود العرب أن يقولوها عندما يكون المقسم عليه ظاهرا أمره ، كأنه - تعالى - يقول : أنا لا أقسم هذه الأشياء، على إثبات هذا المطلوب الذى أذكره بعد، لأن إثباته أظهر وأجلى وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم. ويقال: معناه: أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب، لأنه أعظم وأجل وأكبر من أن يقسم عليه، بهذه الأمور الهيئة الشأن، والغرض على هذا الوجه، تعظيم المقسم عليه، وتفخيم شأنه ... (٢). والإشارة بلفظ هذا مع بيانه بالبلد، إشارة إلى حاضر فى أذهان السامعين، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها ، وبعضهم كان يعرفها معرفة لا خفاء معها . وشبيه بذلك قوله - تعالى -: ((إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة التی حرمها وله كل شىء » . وفائدة الإتيان باسم الإشارة هنا: تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه به . (١) تفسير ((جزء عم)) حـ ٢٤ طبعة الشعب. (٢) تفسير «جزء عم < ٦٥ لفضيلة الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد . - رحمه الله - . ٥٦٣ سورة البلد وجملة(( وأقت حل بهذا البلد)، معترضة بين القسم وجوابه. وقوله - تعالى -: ((حل، اسم مصدر أحل بمعنى أباح ، فيكون المعنى: وأنت - أيها الرسول الكريم - قد استحل كفار مكة إيذاءك ومحاربتك ... مع أنهم بحرمون ذلك بالنسبة لغيرك ، فى هذا البلد الأمين . ويصح أن يكون لفظ ((حل ، هنا بمعنى الحلال الذى هو ضد الحرام يقال: هو حل وحلال، وحرْم وحرام .. فيكون المعنى: وأنت - أيها الرسول الكريم - قد أحل الله - تعالى - لك أن تفعل بهؤلاء المشركين ما شئت من القتل أو العفو .. وتكون الجملة الكريمة، بشارة للنبى - سبق له - بأن الله - تعالى - سينصره على مشركى قريش، ويمكنه من رقابهم .. وقد أنجز له - سبحانه. ذلك يوم الفتح الأكبر . قال صاحب الكشاف: أقسم الله - تعالى - بالبلد الحرام وما بعده، على أن الإنسان خلق مغمورا فى مكابدة المشاق والشدائد . واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: ((وأنت حل بهذا البلد ، يعنى: ومن المكابدة أن مثلك - يا محمد - على عظم حرمتك، يستحل بهذا البلد الحرام، كما يستحل الصيد فى غير الحرم .. وفيه تثبيت لرسول - بيع - وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب من حالهم فى عداوته . 1 أوسلى - سَّ له ـ بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلبة والتنفيس عليه فقال : ((وأنت حل بهذا البلد)). يعنى : وأنت حل به فى المستقبل؛ قصنع فيه ما تريد من القتل والأسر.، ٥٦٤ الجزء الثلاثون فإن قلت أين نظير قوله: ((وأنت حل، فى معنى الاستقبال ؟ قلت : قوله - تعالى -: ((إنك ميت وإنهم ميتون)) .. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال، أن السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة من وقت نزولها ؟ فما بال الفتح ؟(١). ويرى بعضهم أن معنى قوله - تعالى -: ((وأنت حل بهذا البلد)): وأنت مقيم بهذا البلد، وفازل فيه ، وحال به ، وكفى فخرا لمكة أن تنزل فيها - أيها الرسول الكريم -، فإن الأمكنة الشريفة تزداد شرفة بنزول رسل الله - تعالى - فيها، فكيف وأنت خاتمهم وإمامهم؟ قال بعض العلماء: وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين : أن معنى: « وأنت حل بهذا البلد، وأنت ساكن بهذا البلد، حال فيه ... وهو يقتضى أن تكون هذه الآية فى موضع الحال من ضمير («أقسم)، فيكون. القسم بالبلد مقيدا باعتبار بلد محمد - صَّ الله -، وهو تأويل جميل، لو ساعد عليه ثبوت استعمال ((حل) بمعنى حال، أى: مقيم فى مكان، فإن هذا لم يرد فى كتب اللغة ... ولذالم يذكر هذا المعنى صاحب الكشاف ... ٠ (٢) . ويبدو لنا أن هذه الأقوال لا تعارض بينها، بل يؤيد بعضها بعضا » لأن الرسول - على - قدآذاه أهل مكة، بينما حرموا إيذاء غيره، وأن الله - تعالى - قد مكن رسوله - ملح - منهم، كما حدث فى غزوة الفتح، وأنه - * - قد أقام معهم فى مكة أكثر من خمسين سنة » وكان يلقب عندهم بالصادق الأمين . (١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٧٥٣. (٢) تفسير التحرير والتنويه = ٣٠ ص ٣٤٨ للشيخ ابن عاشور - رحمه الله - ٥٦٥ سورة البلد وقوله - سبحانه -: ((ووالد وماولد، معطوف على المقسم به الأول : وهو قوله - تعالى -: «بهذا البلد)). وداخل فى حيز القسم. والمراد بالوالد آدم - عليه السلام -، والمراد ، بماولد : ذريته من بعده . أى: أقسم بهذا البلد الذى له ماله من الشرف، والمكافة السامية بين البلاد .. وأقسم بأبيكم آدم، وبذريته من بعده .. أو أقسم بكل والد . .وبكل مولود . وجىء باسم الموصول ((ما)، فى قوله ((وماولد، دون ((من))، مع أنها . أكثر استعمالا فى العاقل الذى هو مراد هنا، لأن , ما، أشد إبها ما، وشدة الإبهام المقصود بها هنا، التفخيم والتعظيم .: وشبيه بذلك قوله - تعالى -: :.. فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت ... )) كما أن تنكير لفظ ((والد، هنا للتعظيم - أيضاً -. وقيل المراد بالوالد هنا: إبراهيم - عليه السلام - وبما ولد: الصالحون .. من ذريته . وقيل المراد بالوالد: من يولدله، وبقوله ((وماولد، الذى لم يولد له . وعليه تكون ما نافية . وقد رجح الإمام ابن جرير المعنى الأول فقال: والصواب من القول فى ذلك، ما قاله الذين قالوا: إن الله - تعالى - أقسم بكل والدوولده، لأن الله - تعالى - عم كل والد وما ولد، وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، .ولابرهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه. ٠،(١). (١) تفسير ابن جرير = ٣٠ ص ٠١٢٥ ٥٦٦ الجزء الثلاثون وقوله - تعالى -: ((لقد خلقنا الإنسان فى كبد)، جواب القسم. والمراد بالإنسان: جنسه والكبد: الشدة والتعب والمشقة، من المكابدة للشىء ، بمعنى تحمل المشاق والمتاعب فى فعله . وأصله من كبد الرجل - بزنة طرب - فهو أكبد، إذا أصيبت كبده بالمرض ، ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تعب ومشقة قنال الإنسان . . والمعنى: لقد خلقنا الإنسان لهذه الشدائد والآلام ، التى هى من طبيعة. هذه الحياة الدنيا، والتى لا يزال يكابدها وينويها ، ويتفاعل معها ... حتى تنتهى حياته ، ولافرق في ذلك بين غنى أو فقير ، وحاكم أو محكوم: وصالح أو طالح .. فالكل يجاهد ويكابد ويتعب ، من أجل بلوغ الغاية: التى يبتغيها . قال الألوسى ما ملخصه: قوله: «لقد خلقنا الإنسان فى كبد، أى: فى تعب ومشقة ، فإنه لا يزال يقاسى فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها . . وعن ابن عمر - رضى الله عنها -: يكابد الشكر على السراء؛ ويكابه الصبر على الضراء . . وقيل: لقد خلقناه منتصب القامة واقفا ؛ ولم تجعله منكبا على وجهه . وقيل: جعلناه منتصبا رأسه فى بطن أمه؛ فإذا أذن له فى الخروج؛ قلب رأسه إلى قدمى أمه .. وهذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها؛ والصحيح الأول،٠، (١). والحق أن تفسير الكبد بالمشقة والتعب ؛ هو الذى تطمئن إليه النفس. لأنه لا يوجد فى هذه الحياة إنسان إلا وهو مهموم ومشغول بمطالب (١) تفسير الآلوسى حـ ٣٠ ص ٠١٣٤ ٥٦٧ سورة البلد حياته ؛ وفى كبد وتعب للحصول على آماله ورغباته وغاياته ؛ ورحمه الله القائل : تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب فى ازدياد وقال - سبحانه ,فى كبد، للإشعار بأنه لشدة مقاساته ومكابدته. للمشاق والمتاعب؛ وعدم أنفكا كه عنها .. كالظرف بداخل المظروف فهو فى محن ومتاعب ؛ حتى يصير إلى عالم آخر تغاير أحواله أحوال هذا العالم . والاستفهام فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ((أيحسب أن لن يقدر عليه أحد. يقول أهلكت مالا لبدا. أيحسب أن لم يره أحد، للإنكار والتوبيخ . أى: أيظن هذا الإنسان الذى هو فى تعب ومشقة طول حياته ، أنه قد بلغ من القوة والمنعة ... بحيث لا يقدر عليه أحد .. إن كان يتوهم ذلك، فهو فى ضلال مبين، لأن الله - تعالى - الذى خلقه، قادر على إهلاكه فى لمح البصر ، وقادر على أن يسلط عليه من يذله ، ويقضى عليه . . ويدخل فى هذا التوبيخ دخولا أوليا ، أولئك المشركون الذين اغتروا بقوتهم ، فآذوا النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، إيذاء شديدا . ثم حكى - سبحانه - جانباً من أقوال هذا النوع الجاحد المغرور من بنى آدم فقال: ((يقول أهلكت مالا لبداء. ٥٦٨ الجزء الثلاثون أى: يقول هذا الإنسان المغرور بقوته، المفتون بماله، المتفاخر بما معه من حکام الدنیا . بقول - على سبيل التباهى والتعالى على غيره - لقد أنفقت مالا كثيرا، فى عداوة النبى - صلى الله عليه وسلم -، وفى إيذاء أتباعه؛ وفى غير ذلك من الوجوه التى كان أهل الجاهلية يظنونها خيرا، وماهى إلا شر محض. وعبر - سبحانه - عن إنفاق هذا الشقى لماله بقوله: «يقوله أهلكت .... للأشعاره بأن ما أنفقه من مال هو شىء هالك، لأنه لم ينفق فى الخير، وإنما أنفق فى الشر . والمل اللبد: هو المال الكثير الذى تلبد والتصق بعضه بعض لكثرته وهو جمع لبدة - بضم اللام وسكون الباء- كغرفة وغرف وهى ما تلبد من صوف أو شعر، أى: تجمع والتصق بعضه ببعض . وقوله - سبحانه -: ((أيحسب أن لم يره أحد)) توبيخ لهذا المغرور إثر توبيخ، وتجهيل فى أعقاب تجهيل . أى: أيظن هذا الجاهل المغرور، حين أنفق المال الكثير فى المعاصى والسيئات، أن الله - تعالى - غير مطلع عليه؟ إن كان يظن ذلك فهو فى نهابة الجهالة وانطماس البصيرة، لأن الله - تعالى - مطلع عليه، ولا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ، وسيحاسبه على ذلك حسابا عسيرا. وفى الحديث الشريف : لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن شبابه فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، جانباً من مظاهر نعمه ، على هذا ٥٦٩ سورة البلد الإنسان الجاهل المغرور، فقال - تعالى - : «ألم نجعل له عينين. ولسانا .. وشفتين. وهديناه النجدين .. ،. والاستفهام هنا للتقرير، لأن الله - تعالى - قد جعل له كل ذلك، .. ولكنه لم يشكر الله - تعالى - على هذه النعم، بل قابلها بالجحود .. والبطر . . أى : لقد جعلنا لهذا الإنسان عينين، يبصر بهما؛ وجلنا له لسانا ينطق به، وشفتين - وهما الحلدقان اللتان تستران الفم والأسنان - دقساعدانه على النطق الواضح السليم . واقتصر - سبحانه - على العينين، لأنهما أنفع المشاعر، ولأن المقصود إنكار ظنه أنه لم يره أحد؛ ولأن الإبصار حاصل بذاتهما. وذكر - سبحانه - اللسان وذكر معه الشفتين ، للدلالة على أن النطق السليم؛ لا يتأتى إلا بوجودهما معا، فالممان لا ينطق نطقاً صحيحاً بدون الشفتين، وهما لا ينطقان بدونه . وقوله - تعالى -: ((وهديناه النجدين)) بيان لنعمة أخرى هى أجل النعم وأعظمها. والنجد : الأرض المرتفعة ، وجمعه فجود ، ومنه سمیت بلاد نجد بهذا الإسم ، لأنها مرتفعة عن غيرها . والمراد بالنجدين هنا: طريق الخير ، وطريق الشر. أى: وهدينا هذا الإنسان وأرشد ناء إلى طريق الخير والشر، عن طريق رسلنا الكرام وعن -طريق ما منحناه من عقل، يميز به بين الحق والباطل ، ثم وهبناء الاختيار لأحدهما؛ كما قال - تعالى -: « إنا حديناه السبيل. إما شاكرا وإما -كفورا)) . قال بعض العلماء: وكأنهما إنما سميأ نجدين - أى: سبيل الخير والشر. ( م ٣٧ - جزء عم ) ٥٧٠ الجزء الثلاثون لأنهما لما وضحت الدلائل، وقربت الحجج، وظهرت البراهين ، جعلا" كالطريق المرتفعة العالية، فى أنها واضحة لذوى الأبصار. أو إنما سميا بذلك ، للإشارة إلى أن فى كل منهما وعورة یشق معها السلوك ، ولا يصبر عليها إلى من جاهد نفسه وراضها، وليس سلوك طريق الشر بأهون من سلوك الخير، بل الغالب أن يكون طريق الشر، أشق وأصعب، وأحوج إلى الجهد .. )) (١). وبعد بيان هذه النعم الجليلة التى أنعم الله بها - سبحانه -ـ على. الإنسان، أتبع - سبحانه - ذلك بعضه على المداومة على فعل الخير، وعلى .. إصلاح نفسه، فقال - تعالى -: «فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فك رقبة . أو إطعام فى يوم ذى مسغبة. يتما ذا مقربة. أو مسكينه. ذا متربة ... والفاء فى قوله - سبحانه -: ((فلا اقتحم العقبة، للتفريع على ما تقدم، والمقصود بهذه الآية الحض على فعل الخير بدل الشر. وقوله: (( اقتحم) من الاقتحام للشىء، بمعنى دخوله بشدة. يقال: اقتحم الجنود أرض العدد، إذا دخلوها بقوة وسرعة، وبدون مبالاقـ بارتكاب المخاطر . والعقبة فى الأصل : الطريق الوعر فى الجبل. والمراد بها هنا: مجاهدة. النفس، وقسرها على مخالفة هواها وشهوتها ، وحملها على القول والفعل .. الذى يرضى الله - تعالى -. والمعنى: لقد جعلنا للإنسان عينين. ولسانا وشفتين. وهديناه النجدين. فهلا بعد كل هذه النعم، فعل ما يرضينا. بأن جاهد نفسه وهواه ، وبأن. قدم ماله فى فك الرقاب . وإطعام اليتامى والمسا كين . (١) تفسير ((جزء عم.، ص ٢٠٤. للشيخ محمد محى الدين عبدالحميد. إسورة البلد قال الجمل: قوله:((فلا اقتحم العقبة)) أى: فهلا اقتحم العقبة ، فلا بمعنى هلا التى للتحضيض ، أى : الذى أنفق ماله فى عداوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، هلا أنفقه فى اقتحام العقبة فيأمن .. )) (١) . وقد أستعيرت العقبة لمجاهدة النفس، وحملها الإنفاق فى سبيل الخير ، لأن هذه الأعمال شاقة على النفس ، فجعلت كالذى يتكلف سلوك طريق وعر ... ويصح أن تكون ((لا)، هنا، على معناها الحقيقى وهو الثفى، فيكون المعنى : أن هذا الإنسان الذى جعلنا له عينين . . لم يشكرنا على نعمنا ، فلا هو اقتحم العقبة، ولا هو فعل شيئا ينجيه من عذابنا . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: قوله: ( فلا اقتحم العقبة ، يعنى : فلم يشكر تلك الأبادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين ... بل غمط النعم، وكفر بالمنعم .. فإن قلت : قلما تقع (« لا، الداخلة على الماضى، غير مكررة ، فالحالم تكرر فى الكلام الأفصح ؟ قلت: هى متكررة فى المعنى، لأن معنى ((فلا اقتحم العقبة)). فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا، ألا ترى أنه فر اقتحام العقبة بذلك.)) (٢) والاستفهام فى قوله - سبحانه - : «وما أدراك ما العقبة، لتفخيم شأنها، والتهويل من أمرما، والتشويق إلى معرفتها . والكلام على حذف مضاف، والتقدير: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٥٣٩ ؟. (٢) تفسير الكشاف < ٤ ص ٧٥٥ ٥٧٢. الجزء الثلاثون ثم فسر - سبحانه - ذلك بقوله: ((فك رقبة)). والمراد بفك الرقبة إعتاقها وتخليصها من الرق والعبودية. إذ الفك معناه: تخليص الشىء من الشىء ... وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآبة، جملة من الأحاديث الت وردت فى فضل عتق الرقاب، وتحريرها من الرق . ومن هذه الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها - أى عضو منها - إربا منه من النار .. )). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ومن أعتق رقبة مؤمنة فهى فكاكه . من النار ... (١). وقراءة الجمهور ((فك رقبة) برفع ((فك، وإضافته إلى ((رقبة)). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى: ((فك)) بفتح الكاف على أنه فعل ماض ، ونصب لفظ رقبة على أنه مفعول به . وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بفك الرقبة : أن يخلص الإنسان نفسه من المعاصى والسيئات ، التى تكون سبباً فى دخوله النار. وقوله - سبحانه -: (( أو إطعام فى يوم ذى مسغبة، بيان لفضيلة ثانية من الفضائل التى تؤدى إلى مجاهدة النفس، وحملها على طاعة الله - تعالى- والمسغبة: الجماعة، مصدر ميمى بمعنى السغب، يقال: سغب الرجل - كفرح ونصر - إذا أصابه الجوع. ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة كا فى قولهم= نهاره صائم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى (( أطعم) بصيغة الفعل الماضى. أى: اقتحام العقبة.؛ أى: التمكن من حمل النفس على طاعة الله - تعالى- يتمثل فى فك الرقاب. وفى إطعام المحتاجين فى يوم يشتد فيه جوعهم. (١) راجع تفسير ابن كثير <ـ٧ ص ٤٣٠ ٥٧٣ سورة البلد وقوله - سبحانه -: ((بتما ذا مقربه. أو مسكينا ذا متربة، بيان لفضيلة ثالثه من الفضائل التى تؤدى إلى رضا الله - تعالى -. وقوله: ((يتيما) منصوب على أنه مفعول به لقوله (( إطعام، أو أطعم على القراءة الثانية . واليتيم : هو الشخص الذی مات أبوه وهو صغير . والمقربة بمعنى القرابة ، مصدر ميمى، من قرب فلان من فلان ، إذا كان بينهما نسب قريب . والمتربة: الحاجه والافتقار الشديد، مصدر ميمى من ترب الرجل - كطرب - إذا افتقر، حتى لكمأنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر، وأنه ليس مأوى سوى التراب . وأما قولهم: أترب فلان، فمعناه استغنى، حتى لكأن ماله قد صار كالتراب من كثرته . أى : اقتحام العقبة من أكبر مظاهره: فك الرقاب ، وإطعام الطعام لليتامى الأقارب، وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة . وخص - سبحانه - الإطعام بكونه فى يوم ذى مجاعة، لأن إخراج المال فى وقت القحط ، أثقل على النفس ، وأوجب لجزيل الأجر ، كما قال - تعالى -: ((لن تنالوا البرحتى تنفقوا ما تحبون)). وقيد - سبحانه - اليقم بكونه ذا مقربة، لأنه فى هذه الحالة يكون له حقان: حق القرابة، وحق اليتيم، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره . وقوله - تعالى -: ((ثم كان من الذى آمنوا)، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة .. ، معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك .. فلا اقتحم العقبة . .» . ٠٧٤ الجزء الثلاثون و((ثم)، هنا التراخى الرقى، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها . والمعنى : هلا كان هذا الإنسان من فكوا الرقاب ، وأطعموا الطعام لليتامى والمساكين .. ثم كان - فضلا عن كل ذلك - من الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، ومعمن أوصى بعضهم بعضا بفضيلة الصبر، وبفضيلة التراحم والتعاطف .. لقد كان من الواجب عليه - لوكان عاقلا - أن يكون من المؤمنين الصادقين، ولكنه لتعاسته وشقائه وغروره لم يكن كذلك ، لأنه لا هو اقتحم العقبة ، ولا هو آمن ... وخص - سبحانه - من أوصاف المؤمنين قواصيهم بالصبر ، وقواصيهم بالمرحمة ، لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإيمان بالله - تعالى -. واسم الإشارة فى قوله: ((أولئك أصحاب الميمنة)) يعود على الذين آمنوا وتواصوا بالصبر، وقواصوا بالمرحمة . أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، هم أصحاب الجهة اليمنى التى فيها السعداء الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم، فالمراد بالميمنة : جهة اليمين .. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة الكافرين فقال: ((والذين كفروا بآياتنا، أى : الدالة على وحدا نيتنا وقدر تنا (( هم أصحاب المشأمة)) أى: هم فى جهة الشمال التى فيها الأشقياء ، أوهم أصحاب الشؤم على أنفسهم بسبب إصرارهم على كفرهم. ٥٧٥ سورة البلد ((عليهم نار مؤصدة)) أى: عليهم فار مغلقة بحيث لا يستطيعون «الخروح منها، تقول: آصدت الباب وأوصدقه، إذا أحكمت غلقه، والاسم فيهما ، الإصاد والوصاد .. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الميمنة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهر - مدينة نصر صباح الجمعة ١٤ من صفر سنة ١٤٠٧ * ١٧ من أكتوبر سنة ١٩٨٦م تفسيرُسُورَة الشمس بْهاعبد الرحمن الرحيم. سورة (( الشمس)) ١ - هذه السورة الكريمة مماها معظم المفسرين، سورة ((الشمس))) وعنونها الإمام ابن كثير بقوله: تفسير سورة ((والشمس وضحاها، .. وهى من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها : خمس عشرة آية فى معظم المصاحف، وفى المصحف المكى ست عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة ((القدر، وقبل سورة ((البروج)). ٢ - ومن مقاصدها : تهديد المشركين بأنهم سيصيبهم ما أصاب المكذبين من قبلهم ، إذا ما استمروا فى كفرهم، وبيان مظاهر قدرته - تعالى - فى خلقه، وبيان حسن عاقبة من يزكى نفسه، وسوء عاقبة حن يتبع هواها . ٥٧٩ سورة الشمس قال - تعالى - : وَالشَّمْسِ وَ تُحَايَ وَالْقَمَرِ إِذَاتَنِهَيَّ وَالََّرِ إِذَا جَكَّنَهَا يَّ وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا () وَاَلَّمَاءِ وَمَا بَلَّتِهَا يجْ وَالْأَرْضِ وَمَا ◌َحَتِهَا (٢) وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَيْهِ فَأَنْهَمَهَا بُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (چٌ﴾ ◌َقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زََّهَا (٣) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسََّهَا (بّه كَذَّبَتْ تَمُودُ مِطَغْوَنَهَا (٨) إِذِ أَنْبَعَثَ أَشْقَنْهَا (٨) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ قَاقَةَ اللهِ وَسُفْيَنَهَا () فَكَذَّبُوهُ فَعَفَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبهمٍ ◌ِذَغْيِهِمْ فَسَوَّنَهَا (٤﴾ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا ١٥ افتح - سبحانه - هذه السورة الكريمة، بالقسم بكائنات عظيمة النفع، جليلة القدر، لها آثارها فى حياة الناس والحيوان والنبات، ولهادلالتها الواضحة على وحدانيته - تعالى - وكمال قدرته ، وبديع صنعه . فقال - سبحانه -: ((والشمس وضحاها)، والضحى الوقت الذى مرتفع فيه الشمس بعد إشراقها، فتكون أكمل ما تكون ضياء وشعاعا .. فالمراد بضحاها: ضوؤها - كما يرى مجاهد - ، أو النهار كله - كما اختار قتادة وغيره -، أو حرها - كما قال مقاتل .. وهذه الأقوال لا تنافر بينها. لأن لفظ الضحى فى الأصل، يطلق على الوقت الذى تنبسط فيه الشمس ، ويمتد النهار ، تقول : ضحى فلان ٥٨٠ اجرة التلافونى يضحى - كرضى يرضى -، إذا برز الشمس، وتعرض لحرها ، ومنه قوله - تعالى -: إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظما فيها .. ولا تضحى )». وقوله - تعالى -: والقمر إذا تلاها، أى : تبعها، تقول : فلانم فلافلانا يتلوه، إذا قبعه، قال بعض العلماء: فأما أن القمر قابع الشمس. فيحتمل معنيين: أحدهما: أنه قال لها فى ارتباط مصالح الناس، وتعلق. منافع هذا العالم بحر كته، وقد دل علم الهيئة على أن بين الشمس والقمر من المناسبة ما ليس بين غيرهما من الكواكب . وثانيهما: أن القمر بأخذ نوره ويستمده من نور الشمس . وهذا قول الفراء قديما، وقد فاست الأدلة عند علماء الهيئة والنجوم، على أن القمر يستمد ضوءه من .. الشمس)) (١). ، وقال الشيخ ابن عاشور: وفى الآية إشارة إلى أن نور القمر، مستفاد. من نور الشمس ، أى : من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من. القمر، وليس نيرابذاته، وهذا إعجاز علمى من إعجاز القرآن .. » (٢). وقوله - سبحانه -: ((والنهار إذا جلاها) أى: جلى الشمس وأظهرمة وكشفها للناظرين . قال الآلوسي: قوله: ((والنهار إذا جلاها، أى= جلى النهار الشمس،. أى= أظهرها، فإنها تنجلى وتظهر إذا انبسط النهار ، ومعضى منه مدة » الإستاد مجازی کالإستاد فى نحو صام نهاره. وقيل: الضمير المنصوب يعود إلى الأرض، وقيل: إلى الدنيا، والمراد (١) تفسير جز ((عم)) حـ ٢١١ لفضيلة الشيخ محمد محي الدين عبدالحميد. (٢) تفسير التحرير والتنوير حـ ٣٠ ص ٠٣٦٧