Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة التكوير أى : وإذا النفوس اقترفت كل واحدة منها يبدنها ، أو بمن يشبهها ، أو بعملها .. قال الفخر الرازى: قوله: ((وإذا النفوس زوجت، فيه وجوه : أحدها : قرنت الأرواح بالأجساد . ثانيها: يصيرون فيها - أى: يوم القيامة - ثلاثة أصناف، كما قال - تعالى - ((وكنتم أزواجاً ثلاثة .. )). ثالثها : أنه يضم إلى كل صنف من كان فى طبقته ، فيضم الطائع إلى حثله٠٠٠ (١). ثم قال - تعالى -: ((وإذا الموءودة سئلت. بأي ذنب قتلت)) «ولفظ «الموءودة) من الوأد وهو دفن الطفلة حية. قال صاحب الكشاف: وأدّ يند مقلوب من آد يؤد: إذا أثقل. قال - تعالى -: ((ولا يؤوده حفظهما)، لأنه إثقال بالتراب. فإن قلت: ما حملهم على وأد البنات ؟ قلت الخوف من لحوق العار بهم -من أجلهن ، أو الخوف من الإملاق . فإن قلت : فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذى قتلت به ؟ وهلا . سئل الوائد عن موجب قتله لها ؟ قلت : -والها وجولبها تبكيت لقائلها ، نحو التبكيت - لقوم عبسى - فى قوله - تعالى - لعيسى: ((أ أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله ٤٠٠٠ (٢) . أى : وإذا الموءودة سئلت، على سبيل التبكيت والتقريع لمن قتلها ، -بأى سبب من الأسباب قتلك قاتلك . (١) راجع تفسير الفخر الرازى = ٨ ص ٣٣٩ ٠٠ (٢) راجع تفسير الكشاف - ٤ ص ٧٠٨ ٤٢٢ الجزء الثلاثون ولا شك أنها لم ترتكب ما يوجب قتلها، وإنما القصد من ذلك إلزام قائلها الحجة ، حتى يزداد اقتضاحاً على اقتضاحه . وقد حكى القرآن فى كثير من الآيات ، ما كان يفعله أهل الجاهلية من قتلهم للبنات، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وإذا بشر أحدم بالأثى. ظل وجهه مسودا وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ،. أيمسكه على هون أم يدسه فى الغراب ، ألاساء ما يحكمون). ولم يكن الواد معمولا به عند جميع قبائل العرب، فقريش - مثلا -. لم يعرف عنها ذلك، وإنما عرف فى قبائل ربيعة، وكنده، وتميم ... ولكنهم لما كانوا جميعاً راضين عن هذا الفعل، جاء الحكم عاماً فى شأن .. أهل الجاهلية . وقوله - سبحانه -: (( وإذا الصحف نشرت، أى: بسطت بعد أن كانت مطوية، وهى صحف الأعمال التى سجلتها الملائكة على أصحابها ، سواء أكانت تلك الأعمال خير أم شر، فهذه الصحائف تطوى عند الموت. وتنشر يوم القيامة ، يوم الحساب والجزاء . قال - تعالى -: «وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه أو تخرج له يوم القيامة كتاباً بلقاه منشورا . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك .. حسيبا ، . (((وإذا السماء كشطت، أى: قلعت وأزيلت، وأصل الكشط إزالة. جلدة الحيوان عنه. يقال: كشطت البعير كشطاً، إذا نزعت جلده منه. أى: وإذا السماء فزعت وأزيلت، فلم قبق على هيئتها التى كانت عليها، من إظلالها لما تحتها . (((وإذا الجحيم سعرت)، أى: أو قدت إيقادا شديدا للكفار والجحيم. هى النار ذات الطبقات المتعددة من الوقود كالحطب وغيره . وتسعيرها :- إيقادها بشدة . ٤٢٣ سورة التكوير ((وإذا الجنة أزلفت)) أى: قربت وأدنيت من المؤمنين، كما فى قوله. - تعالى -: ((وأزافت الجنة للمتقين غير بعيد،. من الزافى بمعنى القرب . يقال : تزلف فلان إلى فلان ، إذا تقرب منه . وقوله: ((علمت نفس ما قدمت وأخرت، هو جواب الشرط لكل تلك الظروف السابقة. أى. إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت .. تبینلكل نفس ما عملته من خير أو شر، ومن حسن أو قبح .. ورأت ذلك رأى العين ، كما قال - تعالى - : ((يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء قود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا .. ). والمراد بالنفس عموم الأنفس ، لأن الفكرة فى سياق النفس تشمل كل نفس وأسند - سبحانه - الإحضار إلى النفوس، لأنها هى المباشرة. لأعمالها فى الدنيا ، والتى ستجد جزاءها فى الآخرة . وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها ، حاصلة عند حصول مجموع الشروط التى ذكرت فى الجمل الثنتى عشرة، لأن بعض الأزمان والأحوال التى تضمنتها هذه الشروط مقارن لحصول على النفوس بأعمالها، كما فى الستة الأخيرة، فأنها تكون عند فصل القضاء، وبعضها يحصل: قبل ذلك بقليل ، كما فى الأحوال السنة المذكورة أولا ، إلا أنه لما كان بعض هذه الأمور من مبادى يوم القيامة ، وبعضها من روادفه ، نسب علها بذلك. إلى زمان وقوع هذه الأمور كلها ، تهويلا للخطب، وتفظيعاً للأمر . وإشعارا بأن ما يسبق يوم القيامة وما يعقبه ، كل ذلك من الأهوال التى يشيب لها الولدان . وبعد أن ساق - سبحانه - ماساق من أحوال تدل على شدائد يوم القيامة ... أتبع ذلك ببيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه، فقال : ٤٢٤ الجزء الثلاثون قال - تعالى - :«فلا أقسم بالخنس - الجوار الكنس ... والفاء فى قوله - تعالى -: ((فلا أقسم بالخنس ... التفريع على ما تقدم من تحقيق وقوع البعث، وهى تعطى - أيضاً - معنى الإفصاح. و((لا)، مزيدة لتأكيد القسم. وجواب القسم قوله - تعالى - «إنه لقول رسول كريم،. و((الخنس» - بزنة ركع - جمع خانس، والخنوس: الاستخفاء والاستثمار ، يقال: خنست الظبية والبقرة، إذا اختفت فى بيتها .. و((الجوار)) جمع جارية، وهى التى تجرى بسرعة، من الجرى بمعنى الإسراع فى السير. و((الكنس، جمع كانس، يقال: كنس الظبى، إذا دخل كناسه - بكسر الكاف -، وهو البيت الذى يتخذه للمبيت، وسمى بذلك لأنه يتخذه من أغصان الأشجار، ويكنس الرمل إليه حتى يكون مختفيا عن الأعين . وهذه الصفات . المراد بها النجوم ، لأنها بالتهار تكون مختفية عن الأنظار، ولا تظهر إلا بالليل، فشبهت بالظياء التى تختفى فى بيوتها. مولا تظهر إلا فى أوقات معينة . أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن البعث حق .. فأقسم بالنجوم التى تخنس بالنهار، أى : يغيب ضوؤها عن العيون بالنهار، ويظهر بالليل، والتى تجرى من مكان إلى آخر بقدرة الله - تعالى - ثم تكنس - أى : تستتر وقت غروبها - كما تتوارى الظباء فى كتها .. إن هذا القرآن لقول رسول كريم. قال ابن كثير ما ملخصه: قوله - تعالى - ,فلا أقسم بالخنس. ((الجوار الكنس)): هى النجوم تختس بالنهار، وتظهر بالليل. روى ذلك عن على بن أبى طالب وابن عباس ومجاهد . . ٤٢٥ سورة التسكويز وقال بعض الأئمة: وإنما قيل النجوم ((الخنس، أى: فى حال طلوعها ثم می جوار فى فلكها ، وفى حال غيبوبتها ، يقال لها: «کنس ،، من - قول العرب: أوى الظبى إلى كناسه : إذا تغيب فيه . وفى رواية عن ابن عباس: أنها الظباء، وفى أخرى أنها بقر الوحش - حين تكنس إلى الظل أو إلى بيوتها .. وتوقف ابن جرير فى قوله: ((الخنس - الجوار المكنس، هل هى النجوم أو الظباء وبقر الوحش. قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادا .. )) (١). وقوله: ((والليل إذا عسمس. والصبح إذا تنفس)) معطوف على . ما قبله ، وداخل فى حيز القسم . (((وقوله: ( عسمس، أدر ظلامه. أو أقبل، فهذا اللفظ من الألفاظ ة التى تستعمل فى الشىء وضده، إلا أن المناسب هنا أن يكون المراد به إقبال الظلام، لمقابلته بالصبح إذا تنفس، أى: أضاء وأسفر وقبلج. وقيل: المعسة : رقة الظلام وذلك فى طر فى النهار ، فهو من المشترك المعنوى، وليس من الأضداد، أى: أقبل وأدبر معاً. أى: وحق النجوم التى تغيب بالنهار ، وتجرى فى حال استثارها .. . وحق الليل إذا أقبل بظلامه، والصبح إذا أقبل بضياته .. ((إنه)) أى= القرآن الكريم (( لقول رسول كريم)) وهــو جبريل - عليه السلام - الذى أرسله ربه إلى غبية محمد - في - ، لكى يبلغه وحيه - تعالى - . وأقسم الله - تعالى - بهذه الأشياء، لأنها فى حركاتها المختلفة، من -ظهور وأفول، ومن إقبال وإدبار .. تدل دلالة ظاهرة على قدرة الله - - تعالى -، وعلى بديع صنعه فى خلقه .! (١) تفسير ابن كثير <ـ٧ ص ٠٣٦٠ (م ٢٨ - جزء عم) ٤٢٦ الجزء الثلاثون ونسب - سبحانه - القول إلى الرسول - وهو جبريل - ، لأنه هو الواسطة فى تبليغ الوحى إلى النبى - فلفل -. ثم وصف - سبحانه - أمین و حیه جیریل بخمس صفات: أولها: قوله ((كريم)) أى: ملك شريف، حسن الخاق، بهى المنظر. ثانيها:ـ , ذى قوة ، أى = صاحب قوة وبطش . كما قال - تعالى -: «حله شديد القوى ٠٠، ثالثها: «عند ذى العرش مكين)، أى : أن من صفات جبريل - عليه السلام - أنه ذو مكانة رفيعة ، ومنزلة عظيمة عند الله - تعالى -. رابعاً قوله - تعالى - (مطاع) أى = يطيعه من معه من الملائكة. المقربين .. وخامسها قوله - سبحانه -: ( ثم أمين) و ( ثم) - بفتح الثاء - ظرف .. مكان للبعيد ، والعامل فيه ما قبله أو ما بعده. والمعنى: أنه مطاع فى السموات عند ذي العرش، أو أمين فيها، أى: يؤدى ما كلفه الله - تعالى- به .. بدون أية زيادة أو نقص . . قال الشوكانى: ومن قال إن المراد بالرسول محمد - عَّم - فالمعنى= أنه ذوقوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة ؛ مطاع يطيعه من أطاع الله ؛ أمين على الوحى . وقوله: ((وما صاحبكم بمجنون)): الخطاب لأهل مكة، والمراد. بصاحبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . والمعنى: وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة. للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه من الجنون وغيره فى. شىء، وأنهم افتروا عليه ذلك ، عن علم منهم. بأنه أعقل الناس وأكملهم؟ وهذه الجملة داخلة فى جواب القسم. ٤٢٧ سورة التكوير فأقسم - سبحانه - بأن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتى بالقرآن من جهة نفسه (١). فالمقصود بالآبة نفى الجنون عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بأكمل وجه، وتوبيخ أعدائه الذين اتهموه بتهمة هم أول من يعلم - عن طريق مشاهدتهم لاستقامة تفكيره، وسموا أخلاقه - أنه أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا . وقوله - سبحانه -: ((ولقد رآه بالأفق المبين، معطوف - أيضاً - على قوله - تعالى - قبل ذلك. (( إنه لقول رسول كريم))، فهو من جملة المقسم . والمقصود بهذه الرؤية: رؤية النى - صلى الله عليه وسلم - لجمر بل - عليه السلام - لأول مرة، على الهيئة التى خلقه الله عليها، عند ما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتعبد فى غار حراء، وكان - صلى الله عليه وسلم - قد سأل جبريل أن يريه نفسه، على الهيئة التى خلقه الله - تعالى - عليها . والأفق: هو الفضاء الواسع الذى يبدو للعين ما بين السماء والأرض. والمبين : وصف للأفق، أى: بالأفق الواضح البين، الذى لا تشتبه معه المرئيات . والمعنى : ووالله لقد رأى صاحبكم محمد - صلى الله عليه وسلم - جبريل، بصورته التى خلقه الله عليها، بالأفق الواضح البين ، الذى لا تلتبس فيه المرئيات، ولا مجال فيه للأوهام والتخيلات . والمقصود من الآية الكريمة الرد على المشركين الذين كانوا إذا أخبرم (١) تفسير فتح القدير حـ ٥ ص ٣٩١. للشوكانى. فــ ق ٤٢٨ الجزء الثلاثون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه رأى جبريل، كذبوه واستهزوا به، وتأكيد أن هذه الرؤبة كانت حقيقة واقعة ، لا مجال معها للتشكيك أو اللبس . . قال الأمام ابن كثير: وقوله - تعالى -: ((ولقد رآه بالأفق المبين، يعنى: ولقد رأى محمد جبريل الذى يأتيه بالرسالة عن الله - عز وجل-، على الصورة التى خلقه الله عليها، له ستمائة جناح ((بالأفق المبين، أى: البين . وهى الرؤية الأولى التى كانت بالبطحاء - أى بالمكان المجاور لغار حراء -، وهى المذكورة فى قوله - تعالى -: «علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى)) (١) . والضمير فى قوله - تعالى -: ((وما هو على الغيب بضنين)) يعود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، المعبر عنه قبل ذلك ((بصاحبكم)). والغيب : ما غاب عن مدارك الناس وحواسهم ، لأن الله - تعالى - قد استأثر بعليه . والضنين: هو البخيل بالشىء، مأخوذ من الضن - بالكسر والفتح - بمعنى البخل . قال الآلوسى : ((ما هو، أى: رسول الله - صلى الله عليه وسلم- (على الغيب، أى: على ما يخبر به من الوحى إليه وغيره من الغيوب ((بضنين)) من الضن - بكسر الضاد وفتحها - بمعنى البخل، أى: يبخيل: أى: لا يبخل بالوحى، ولا يقصر فى التعليم والتبليغ، ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم ، على خلاف الكهنة فإنهم لا يطلعون غيرهم على ما يزعمون معرفته إلا بإعطائهم حلوان . (١) راجع تفسير ابن كثير ٧٥ ص ٠٣٦١ وراجع تفسيرنا لهذه الآيات فى سورة النجم . ٤٢٩ سورة التكوير وقرأ ابن كثير والكسائى وأبو عمر ((بظنين)) - بالظاء -، أى: وهو على الغيب بمتهم، من الظنة - بالكسر - بمعنى التهمة. ثم قال: ورجحت هذه القراءة ، لأنها أنسب بالمقام ، لاتهام الكفرة له - صلى الله عليه وسلم - بذلك. ونفى التهمة، أولى من نفى البخل.) (١) وهذا القول لا توافق الآلونى - رحمه الله - عليه، لأن القراءة حتى تثبتت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز التفاضل بينها وبين غيرها التى هى مثلها فى الثبوت . والقرءقان هنا سبعيتان، ومن ثم فلا ينبغى التفاضل بينهما، والمعنى عليهما واضح ولا تعارض فيه . أى : وما محمد - صلى الله عليه وسلم - ببخيل بتبليغ الوحى، بل هو مبلغ له على أكمل وجه وأتمه، وما هو - أيضاً - بمتهم فيما يبلغه عن ربه، لأنه - صلى الله عليه وسلم - سيد أهل الصدق والأمانة. وقوله ـ سبحانه ــ ((وما هو بقول شيطان رجيم، معطوف - أيضاً - على قوله - تعالى -: ((إنه لقول رسول كريم)). والضمير هنا يعود على القرآن الكريم. أى: وليس هذا القرآن الكريم ، المنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول شيطان مرجوم مسترق السمع .. وإنما هو كلام الله - تعالى - الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا رد آخر على المشركين الذى زعموا أن القرآن الكريم إنما هو من باب الكهانة، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما هو كاهن ، تلقنه الشياطين هذا القرآن . وقوله - سبحانه -: ((فأين تذهبون)) جملة معترضة بين ما سبقها، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك ((إن هو إلا ذكر للعالمين)). والمقصودبها توبيخهم وتعجيزهم عن أن يأتوا ولو بحجة واحدة يدافعون بها عن أنفسهم. (١) راجع تفسير الآلوسى - ٣٠ ص ٦١ ٤٣٠ الجزء الثلاثون والفاء لتفريع هذا التعجيز والتوبيخ، على الحجج السابقة ، المشبعة بأن هذا القرآن من عند الله - تعالى -، وليس من عند غيره. و((أين) اسم استفهام عن المكان، والاستفهام هنا التعجيز والتقريع، وهو منصوب بقوله : ((تذهبون)). أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم ، فأى طريق تلكون أوضح وأبين من هذا الطريق الذى أرشدناكم إليه؟ إنه لا طريق لكم سوى هذا الطريق الذى أرشدناكم إليه . قال صاحب الكشاف: قوله: ((فأين تذهبون ، استجهالى لهم، كما يقال لتارك الجادة اعتسافا أو ذهابا فى بنيان الطريق - أى: فى الطرق المتشعبة عن الطريق الأصلى -، أين تذهب ؟ مثلت حالهم فى تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل )) (١) . ((إن هو إلا ذكرى للعالمين)) أى: ما هذا القرآن الكريم، إلا تذكير وإرشاد وهدايات للبشر جميعاً. وهذا الذكر العظيم إنما هو ((لمن شاء منكم أن يستقيم)) أى: هو نافع لمن شاء منكم - أيها الناس - أن يستقيم على طريق الحق، وأن يلزم الرشاد ويقرك الضلال . والجملة الكريمة بدل ما قبلها، الإشعار بأن الذين استجابوا لهدى القرآن قد شاؤا لأنفسهم الهداية والاستقامة . فالمقصود بهذه الجملة : الثناء عليهم، والتنويه بشأنهم . ثم خم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان أن مشيئته - تعالى - هى النافذة، فقال: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)). (١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٧١٣ ٤٣١ سورة التكوير أى : وما تشاءون الاستقامة أو غيرها، إلا إذا عامها وأرادها الله - تعالى - رب العالمين، إذ مشيئة الله - تعالى - هى النافذة، أما مشيتكم لا وزن لها إلا إذا أذنت بها مشيئته - تعالى -. فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مشيئة لا قيمة لها ولاوزن .. إلا إذا أبدتها مشيئة الله - عز وجل -. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ القاهرة - مدينة نصر صباح الأربعاء ٢٠ من المحرم سنة ١٤٠٧هـ ٢٤ من سبتمبر سنة ١٩٨٦ م تَفسِرُسُورة الانفطار بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة ((الانفطار ) ١ - سورة ((الانفطار)) من السور المكية الخالصة، وقسمى - أيضاً- سورة ((إذا السماء أنفظرت))، وسورة ((المنفطرة)، أى: السماء المنفطرة . ٢ - وعدد آباتها: تسع عشرة آية. وهى السورة الثانية والثمانون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول ، فكان نزولها بعد -ورة (( النازعات))، وقبل سورة ((الانشقاق))، أى أنها السورة الثانية والثمانون - أيضاً - فى ترتيب النزول. ٣ - وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على إثبات البعث، وعلى أهوال يوم القيامة ، وعلى تنبيه الناس إلى وجوب الاستعداد لهذا اليوم الشديد، وعلى جانب من نعم الله على خلقه، وعلى بيان حسن عاقبة الأبرار ، وسوء عاقبة الفجار . . قال - تعالى: ٤٣٥ سورة الانفطار ١٠ بِسُـ إِذَا السّمَاءُ أَنفَطَرَتْ () وَ إِذَا الْكَوَاكِبُ أَنْتَثْرَتْ (٣) وَ إِذَا الْبِحَارُ فِرَتْ (﴾ وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (ج) عَلَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ (ْ يَأْيُهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ يْ فِيَ أَيِّ صُورَةٍ مَّاشَآءَ رَ كَّبَكَ يّ كُلَّ بَلْ تُكَذُِّونَ بِالَّذِينِ ﴾ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ (٨) ◌ِكِرَامً إِكَلِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (*) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيٍّ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِهِ لِ يَصْلُونَهَ يَوْمَ الّذِيْنِ (٢َ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَيِينَ (َ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (چ ◌ُمَّ مَآ أَدْرَنِكَ مَا يَوْمُ مُلِّيْنِ ه يَوْمَ لَا تَلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لَِّ وقوله - سبحانه -: ((إذا السماء انفطرت، بيان لما ستكون عليه السماء عند اقتراب قيام الساعة. ومعنى: ((انفطرت)) انشقت، من الفطر - بفتح الفاء - بمعنى الشق، كما قال - تعالى - فى أول سورة الانشقاق: ((إذا السماء انشقت)). يقال: فطرت الشىء فانفطر ، أى : شققته فانشق. أى: إذا السماء قصدعت وتشققت فى الوقت الذى يريده الله - تعالى - لها أن تكون كذلك . (((وإذا الكواكب انتثرت)) أى: وإذا النجوم تهاوت وتساقطت ٤٣٦ الجزء الثلاثون وتفرقت، يقال: نثرت الشىء على الأرض، إذا ألقيته عليها متفرقا . انتشار الكواكب معناه: تفرقها عن مواضعها التى كانت فيها . ((وإذا البحار فجرت)) أى= شققت جوانبها، فزالت الحواجز التى. بينها، واختلط بعضها ببعض فصارت جميعها بحرا واحدا. فقوله «فجرت» مأخوذ من الفجر - بفتح الفاء - وهو شق الشىء شقا واسعا. يقال: فجر الماء فتفجر، إذا شقه شقا واسعا ترقب عليه سيلان الماء بشدة .. (( وإِذا القبور بعثرت)، أى: صار باطنُها ظاهرَها، وخرج ما فيها من الموتى مسرعين ، يقال: بعثر فلان متاعه ، إذا فرقه وبدده وقلب. بعضه على بعض . . والمراد أن القراب الذى كان فيها يبعثر ويزال، ويخرج الموقى من تلائم. القبور للحساب والجزاء . وقوله: «علمت نفس ما قدمت وأخرت)) جواب ((إذا) فى الآيات الأربع . أى : إذا تم ذلك، علمت كل نفس ما قدمت من خير أوشر، وما أخرت. من سنة حسنة ، أو سنة سيئة يعمل بها بعدها . قال الجمل ما ملخصه: واعلم أن المراد من هذه الآيات أنه إذا وقعت. هذه الأشياء التى هى أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وهى .. هنا أربعة : اثنان منها يتعلقان بالعلوبات ، واثنان يتعلقان بالسفليات. والمراد بهذه الآيات : بيان تخريب العالم ، وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف .. وإنما كررت إذا لتهويل ما فى حيزما من الدواهى .. وجواب ((إذا، وما عطف عليها قوله ((علمت نفس)) أى: فلمت كل. نفس وقت هذه المذكورات الأربعة ((ما قدمت)) من الأعماله. (( وما أخرت منها فلم تعمله .. ٤٣٧ سورة الانفطار ومعنى علم النفس بما قدمت وأخرت = العلم التفصيلى. وذلك عند نشر الصحف - كما تقدم فى سورة التكوير - ، أما العلم الإجمالى فيحصل فى أول زمن الحشر، لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصى يرى آثار «الشقاوة فى أول الأمر، وأما العلم التفصيلى فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة .. )، (١). وبعد أن أشار - سبحانه - إلى أهوال علامات الساعة، التى من -شأنها أن تنبه العقول والحواس والمشاعر .. أتبع ذلك بنداء للإنسان، فقال - تعالى - : (« بأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، والغرور: الخداع. يقال: غر فلان فلانا، إدا خدعه وأطمعه بالباطل، والخطاب لجنس الإنسان . وقبل للكافر . و«ما، استفهامية، والمقصود بالاستفهام الإنكار والتعجيب من - حال هذا الإنسان المخدوع . أى = يا أيها الإنسان المخلوق بقدرة ربك وحده، أى شىء غرك وخدعك وجعل جانبا من جنسك يكفر مخالقه ، ويعبد غيره ، وجانبا آخر یمصی ر به، ويقصر فى أداء حقوقه؟ قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: ((يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ،: هذا تهديد، لاكما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال: ((الكريم))، حتى بقول فائلهم= غره كرمه ٠ بل المعنى فى الآية : ما غرك يا بن آدم بربك الكريم، - أى: العظيم - حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بمالا يليق؟ كما جاء فى الحديث: «يقول الله يوم القيامة : يابن آدم ما غرك بى؟ يا بن آدم ماذا أجبت المرسلين ؟ .. (١) حاشية الجمل على الجلالين ح ٤ ص ٤٩٨. ٤٣٨ الجزء الثلاثون وهذا الذى تخيله هذا القائل ليس تحته طائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغى أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة ، وأعمال السو٠٠ ٠)(١). والمقصود بالنداء هنا : التنبيه إلى ما سيأتى بعده من توجيهات ، وليس المقصود به طلب الإقبال على شىء معين . وإيثار تعريف الله - تعالى - بصفة الرب، لما فى معنى الرب من الغربية والرعاية والملكية . والإيجاد من العدم .. ففى هذا الوصف تذكير الإنسان بنعم خالقه الذى أنشأه من العدم ، وتعهده بالرعاية والتربية . . وكذلك الوصف بالكريم، فيه - أيضاً - تذكير لهذا الإنسان بكرم ربه عليه، إذ مقتضى هذا الكرم منه - تعالى - ، أن يقابل المخلوق ذلك بالشكر والطاعة . . وقوله - سبحانه - : «الذى خلقك فسواك فعدلك. فى أى صورة ماشاء ركبك، صفات أخرى للرب - عز وجل - الكريم المنان. والخلق: هو الإيجاد على مقدار معين مقصود . والتسوية: جعل الشىء سويا، أى: قويما سليما خاليا من الاضطراب والاختلال .. وقوله: ((فعدلك، قرأما بعضهم بفتح الدال مع التخفيف، وقرأها آخرون بفتحها مع التشديد، وهما متقاربان ، إلا أن التشديد يفيد المبالغة فى التعديل، الذى هو جعل البنية معتدلة، متناسبة الأعضاء، فالتسوية. ترجع إلى عدم النقصان فى الأعضاء، والتعديل يرجع إلى عدم التخالف فيها وهذا باعتبار الأصل فى خلق الإنسان ، فلا عبرة بوجود ما يخالف ذلك فى قلة من أفراد الإنسان . (١) تفسير ابن كثير =ـ ٧ ص ٠٣٦٤ ٤٣٩ سورة الانفطار والمعنى: أيها الإنسان ، أى شىء خدعك وجراك على معصية ربك الكريم .... الذى من مظاهر كرمه أنه « خلقك فسواك، بأن جعل أعضاءك سوية سليمة، مهيأة لاكتساب منافعها على حسب ما تقتضيه حكمة خالقك ((فعدلك، أى : فعدل أعضاءك بأن جعلها متناسقة متوازية بعضها مع بعض ، فلم يجعل - مثلا - إحدى يديك طويلة، والأخرى قصيرة، ولم يجعل - مثلا - جانباً من جسدك أبيض، والآخر أسود .. ومن مظاهر قدرته وكرمه - أيضاً - أنه - سبحانه - ركيك ووضعك فى أى صورة من الصور المتنوعة التى اقتضتها مشيئته وحكمته. فقوله: ((فى أى صورة ، متعلق بركبك. و((ما )، مزيدة، و(شاء)) ـفة الصورة . ولم يعطف («ركبك، على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله بها، لأنه بيان لقوله: ((فعدلك)). والتقدير: فمدلك بأن ركبك فى أى صورة من الصور التى شاءها لك ، وهى صورة فيها ما فيها من العجائب والأضرار ، فضلا عن أنها أحسن صورة وأكملها، كما قال - تعالى -: ((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم)). فالمقصود من الآيات الكريمة، تذكير الإنسان بفضل ربه - تعالى- عليه ، وحضه على طاعته وشكره وتوبيخه على تقصيرة وجحوده، وتهديده بسوء المصير إذا ما استمر فى غفلته وغروره. قال بعض العلماء : إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية. المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة، أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم ، والحب لربه الكريم الذى أكرمه بهذه الخلقة. وهناك مؤلفات كاملة فى وصف كمال التكوين الإنسانى العضوى. ودقته وإحكامه . ٤٤٠ الجزء الثلاثون كانتمال التكوين الجسدى ، والعضلى ، والجلدى ، والهضمى ، والدموى، والعظمى، والتنفسى، والتناسلى، والعصبى ... للإنسان. وإن جزءا من أذن الإنسان (( الأذن الوسطى، لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف جزئية دقيقة معقدة، متدرجة بنظام بالغ ، فى الحجم والشكل. ومركز حاسة الإبصار فى العين التى تحتوى على مائة وثلاثين مليوناً من مستقبلات الضوء، وهى أطراف الأعصاب، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب، الذى يقيها ليلا ونهارا .. )) (١). ثم يكشف القرآن بعد ذلك عن علة الغرور والغفلة - وهى التكذيب بيوم الحساب - ويقرر أن كل عمل يعمله الإنسان هو مسجل عليه فيقول: ((كلا بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين. يعملون ما تفعلون)). و«كلا، حرف ردع وزجر، وهى هنا الردع والزجر عن الاغترار بكرم الله - تعالى -، وعن جعله ذريعة إلى الكفر والفسوق والعصيان. وقوله ((بل تكذبون بالدين، إبطال لوجود ما يدعو إلى غرورهم لو كانوا يعقلون . أى: « كلا ليس هناك شىء يقتضى غروركم بالله - تعالى - ، ويجرأكم على عصيانه لو كنتم تتفكرون وتتدبرون .. ولكن تكذيبكم بالبعث والحساب ... هو الذى حملكم على الكفر والفسوق والعصيان. قال الألوسى ما ملخصه: قوله , كلا، ردع عن الاغقرار بكرم الله - تعالى -. وقوله: (( بل تكذبون بالدين)) إضراب عن جملة مقدرة، :ينساق إليها الكلام ، كانة قيل بعد الردع بطريق الاعتراض ، وأنتم (١) راجع تفسير فى ظلال القرآن - ٣٠ ص ٤٩٠