Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة المرسلات
ويقال لهم - على سبيل التكريم والتشريف - ((كلوا، أكلا مريئاً
(((واشربوا)، شرباً (( هنيئاً، جزاء (« بما كنتم تعملون)، فى الدنيا من أعمال
صالحة . زمن
(( إنا كذلك فجزى المحسنين، أى: إنا من شأننا أننا نعطى مثل هذا
الجزاء الطيب للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم وأفعالهم ، وصانوا أنفسهم
عن كل ما لا يرضينا هذا هو جزاء المتقين المحسنين، أما الكافرون المكذبون،
فيقال لهم مرة ومرات على سبيل التوبيخ والزجر: « كلوا وتمتعوا قليلا
إنكم مجرمون،.
أى: ((كلوا)) فى دنيا كم كما تأكل الأنعام ((وتمتعوا، بملذاتكم متاعا
( قليلا) سينتهى عما قريب، وستلقون فى آخرقتكم أشد أنواع العذاب،
بسبب أنكم كنتم فى الدنيا دأبكم الإجرام ، والإصرار على الكفر
والفسوق والعصيان .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف صح أن يقال لهم ذلك فى
الآخرة؟ قلت يقال لهم ذلك فى الآخرة إيذاناً بأنهم كانوا فى الدنيا أحقا.
بأن يقال لهم، وكانوا من أهله، تذ كيرا بحالهم السمجة، وبما جنوا على
أنفسهم من إيثار المتاع القليل، على النعيم والملك الخالد .
وعلل ذلك يكونهم مجرمين ، دلالته على أن كل مجرم ماله إلا الأكل
والتمتع أياماً قليلة، ثم البقاء فى الهلاك أبدا. ويجوز أن يكون ( كلوا
وتمتعوا) كلاماً مستأنفاً خطاباً للمكذبين فى الدنيا .. )(١)
وقوله - سبحانه -: (ويل يومئذ للمكذبين ) أى: هلاك دائم
(١) تفسیر الکشاف ح ٤ ص ٦٨٢

٣٤٢
الجزء التاسع والعشرون
وعذاب مقيم يوم القيامة للمكذبين ، الذين آثروا المتاع القليل الفانى فى
الدنيا ، على النعيم الدائم فى الآخرة .
( وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) أى: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين
اركعوا فى الدنيا مع الراكعين، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول - صلى
الله عليه وسلم - ومع المؤمنين .
إذا قيل لهم ذلك - على سبيل النصح والإرشاد - صموا آذانهم،
وأصروا واستكبروا استكبارا، وأبوا أن يصلوا مع المصلين.
وعبر عن الصلاة بالركوع ، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها ،
فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل .
(ويل يومئذ المكذبين) أى : هلاك شديد يوم القيامة لهؤلاء المكذبين.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا التعجيب من أحوالهم
التى بلغت النهاية فى القبح والجحود والعناد فقال: ( فبأى حديث بعده
يؤمنون ) .
والفاء للإفصاح ، أى: إذا كانوا لم يؤمنوا بهذا القرآن المشتمل على
أسمى أنواع الهدايات وأحكمها وأوضحها ... فبأى بعد حديث القرآن
يؤمنون ؟ إنه من المستبعد إيمانهم بعد أن أعرضوا عن كل الحجج التى تهدى
إلى الإيمان فالاستفهام فى قوله: ( فبأى حديث ... ) مستعمل فى الإنكار
التعجيى من حالهم ، والضمير فى ( بعده) يعود إلى القرآن ، وهو وإن لم

٣٤٣
منورة المرسلات
يسبق له ذكر ، فإنه ملحوظ فى أذهانهم ، إذ فى كل وقت يذكرهم الرسول
- صلى الله عليه وسلم - به .
وشبيه بهذه الآية قوله -تعالى -: (فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون)
وبعد: فهذا تفسير لسورة (المرسلات) نسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصاً لوجهه وفافعاً لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
القاهرة - مدينة نصر
صباح السبت ٢ من المحرم سنة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦/٩/٦م

٧ ش الباب الأخضر المشهد القشيلي
ج ٢٣٠٢٠٠٨
القاهرة

التفسير الوسيط
. للقرآن الكريم
ef
تفسيرسورة
النبأ
لفضيلة
الدكتور محمد سيدطنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
جامعة الأزهر
( الجزء الثلاثون )
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

بم عبد الرحمن الرحيم
تفسير سورة («النبأ))
١ - سورة ((النبأ)، هى أول سورة فى الجزء الأخير من القرآن.
الكريم، وتسمى - أيضاً - بسورة (( عم يتساءلون، وبسورة (دعم))،
وبسورة ((المعصرات))، وبسورة ((التساؤل)، فهذه خمسة أسماء لهذه.
السورة ، سميت بها لورود هذه الألفاظ فيها .
٢ - وهى من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها أربعون آية فى .
المصحف الكوفى والمكى، وإحدى وأربعون فى غيرهما . وكان نزولها ..
بعد سورة ((المعارج))، وقبل سورة النازعات))،
٣ - وهذه السورة من أهم مقاصدها: توبيخ المشركين على خوضهم.
فى القرآن الكريم بدون علم، وتهديدهم بسوء المصير إذا ما استمروا فى
طغيانهم، وإقامة الأدلة المتنوعة على وحدانية الله - تعالى - وعلى مظاهر
قدرته ، وبيان ما أعده - سبحانه - للكافرين من عقاب، وما أعده للمتقين ..
من ثواب، وإنذار الناس بوجوب تقديم العمل الصالح من قبل أن يأتى .
يوم القيامة ، الذى لا ينفع فيه الندم على ما فات . .
٤ - ويبلغ عدد سور هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم، سبعا
وثلاثين سورة، كلها مكية سوى سورتى - البينة والنصر - ، وكلها تمتاز.
بقصدها على تفاوت فى هذا القصد .
ومعظمها مشتمل على إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى- ، وعلى.
أن هذا القرآن من عند الله .
وعلى صدق الرسول - مَق - فيما يبلغه عن ربه، وعلى المقارنة بين.
حسن عاقبة الأخيار .

٣٤٧
سورة البنا
وسوء عاقبة الأشرار ، وعلى التذكير المتكرر بأهوال يوم القيامة ،
وبأنهآت لا ريب فيه .
وعلى التحذير من الغفلة عن الاستعداد له ، وعلى الإفاضة فى بيان نعم
الله - تعالى - على الناس، وعلى بيان ماحل بالمكذبين السابقين من دمار ..
كل ذلك بأسلوب بديع معجز ، تخشع له القلوب، وتتأثر به النفوس ،
وتقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ..
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى -:
.شـ
٩
12
2
ـي
عُمَّ يَتَسَآءَ لُونٌ جَ عَنِ النَّبَإِ اَلْعَظِيمِ ﴾ الَّذِىِ هُمْ فِهِ
◌ُخْتَلِفُونَ ◌َبِ كُلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلُونَ يَ أَمْ تَجْعَلِ.
الْأَرْضِّ مِهَدِّاريٌ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجًا ﴾
وُجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا (٢) وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا ﴾ وَجَعَلْنَا
النَّهَارَ مُعَاشًا ( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُرْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا
◌ُّهَّا جَارِيهِ وَأَنْزَلْا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءٌ تَجََّجَ اهِ لِنُخْرِجَ بِهِ، حَبًّا
وُثْبَاتًا ◌َّ وَجَنّتٍ أَلْفَافًا (٨) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴾
يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ قَتَأْتُونَ أَقْوَاجًا (٨﴾ وَفُيُحَتَ السَّمَاءُ فَكَانَتْ
◌َأَبْوَابًا ﴾ وَسُيْتٍ الْجَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا أَّ

٣٤٨
الجزء الثلاثون
ولفظ ((عم)) مركب من كلمتين، هما حرف الجر ((عن)) و((ما)
التى هى اسم استفهام، فأصل هذا اللفظ: عن ما، فأدغمت النون فى الميم
لأن الميم تشاركها فى الغنة، وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام.
والجار والمجرور متعلق بفعل يتساءلون».
والتساؤل : تفاعل من السؤال، بمعنى أن يسأل بعض الناس بعضا
عن أمر معين ، على سبيل معرفة وجه الحق فيه ، أو على سبيل التهكم .
والنبأ : الخبر مطلقاً، ويرى بعضهم أنه الخبر ذو الفائدة العظيمة ...
والمعنى: عن أى شىء يتساءل هؤلاء المشركون؟ وعن أى أمر يسأل
بعضهم بعضا؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم، والخبر الهام الذى جاءهم
به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والذى نطق به القرآن الكريم،
من أن البعث حق، ومن أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، ومن
أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يأمرهم به أوينهاهم عنه.
وافتتح - سبحانه - الكلام بأسلوب الاستفهام، التشويق السامع
إلى الاستفهام عنه ، ولتهويل أمره ، وتعظيم شأنه.
والضمير فى قوله ((يتساءلون) يعود إلى المشركين، الذين كانوا يكثرون
من التساؤل فيما بينهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وعما جاء
به من عند ربه، فقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الحسن قال :
لما بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - جعلوا يتساءلون فيما بينهم - عن
أمره وعما جاءهم به - ، فنزل قوله - تعالى -: «عم يتساءلون. عن
النبأ العظيم، (١) .
وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر، لأنهم معروفون
(١) أسباب النزول ص ٢٣٢ السيوطى.

٣٤٩
سورة النبأ
من السياق، إذهم - دون غيرهم - الذين كانوا يتساءلون فيما بينهم
- على سبيل التهكم - عما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله - تعالى -: ((عن النبأ العظيم)) تهويل لشأن هذا الأمر الذى
يتساءلون فيما بينهم عنه. ووصف - سبحانه - النبأ بالعظم ، زيادة فى
هذا التهويل والتفخيم من شأنه، لكى تتوجه إليه أذهانهم، وقلتفت إليه
أفهامهم .
فكانه - سبحانه - يقول: عن أى شىء يسأل هؤلاء الجاحدون
بعضهم بعضا؟ أتريدون أن تعرفوا ذلك على سبيل الحقيقة؟ إنهم يتساءلون
عن النبأ العظيم، وعن الخمر الجسيم، ((الذى هم فيه مختلفون، ما بين
منسكر له إنكاراً تاماً ، كما حكى - سبحانه - عنهم فى قوله: «إن هى
إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين)، (١)، وما بين متردد فى
شأنه، كما حكى - سبحانه - عن بعضهم فى قوله: « وإذا قيل إن وعد
الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة، إن فظن إلا ظناً
وما نحن بمستيقنين» (٢).
قال صاحب الکشاف : قوله : «عم» أصله عما ، على أنه حرف جر ،
دخل على ما الاستفهامية .
ومعنى هذا الاستفهام : تفخيم الشأن، كأنه قال : عن أى شىء
يتساءلون . ونحوه ما فى قولك : زيد ما زيد ؟ جعلته لانقطاع قرينه ،
وعدم نظيره ، كأنه شىء خفى عليك جنسه ، فأنت تأل عن جنسه ،
. وتفحص عن جوهره، كما تقول: ما الغول وما العنقاء٠ .. ؟
(١) سورة المؤمنون الآية ٣٧
(٢) سورة الجاثية الآية ٣٢

٣٥٠
الجزء الثلاثون
و((يتساءلون)) يسأل بعضهم بعضا ... والضمير لأهل مكة ، فقد
كافوا يتساءلون فيها بينهم عن البعث.
وقوله (( عن النبأ العظيم)) بيان للشأن المفخم.
فإن قلت: قد زعمت أن الضمير فى ((يتساءلون)) للكفار، فما تصنع
بقوله: ((الذى هم فيه مختلفون))؟ قلت: كان فيهم من يقطع القول بإنكار
البعث ، ومنهم من يشك .
وقيل : الضمير المسلمين والكافرين جميعاً، وكانوا جميعاً يسألون عنه .
أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا، وأما الكافر فليزداد استهزاءا.» (١)
ثم حدد - سبحانه - هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبى - صلى الله
عليه وسلم - تهديدا شديدا، فقال: ((كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون)).
و(«كلا، حرف زجر وردع، والمقصود بها هنا : ردع أولئك
المتسائلين عن النبأ العظيم، وتوعدهم على اختلافهم فى شأنه .
أى : كلا ليس الأمر كما يتوهمه أولئك المنسائلون، من استهزائهم بما
جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن إنكارهم لكون
القرآن من عند الله، أو لكون البعث حق ... بل الحق كل الحق أن
أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق كل الصدق فيما يبلغه عن
ربه ، وأن هؤلاء المتسائلين سيرون عما قريب سوء عاقبة استهزائهم
واختلافهم ..
والجملة الثانية وهى قوله : (ثم كلا سيعلمون)) جىء بها لزيادة التهديد
والوعيد، ولبيان أن الوعيد الثانى أشد وأبلغ من الوعيد الأول .
وحذف مفعول «سيعلمون)) للتعميم والتهويل. أى : -يعلمون علم
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٦٨٣

٣٥١
سورة النبأ
٠اليقين ما سي حل بهم من عذاب مقيم، وسيرون ذلك رأى العين عما قريب،
كما قال - تعالى -: ((إنهم يرونه بعيدا. ونراه قريبا)).
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك تسعة أدلة ، كلها تدل على أن البعث
- حق، لأن القادر على إيجاد هذه الأشياء، قادر - أيضاً - على إعادتهم
إلى الحياة، فقال - تعالى -: ((ألم نجعل الأرض مهادا، والاستفهام هنا
-التقرير، أى: لقد جعلنا بقدرتنا التى لا يعجزها شىء الأرض كالفراش
المعهد الموطأ، لتتمكنوا من الاستقرار عليها، ومن التقلب فيها ....
كما يتقلب الطفل فى عهده ، أى : فراشه .
والمهاد مصدر بمعنى الفراش الموطأ المعهد، وهو اسم لما يوضع الصبى
لكى ينام عليه، ووصفت الأرض به على سبيل المبالغة فى جملها مكان
استقرار الناس وانتفاعهم وراحتهم ، والكلام على سبيل التشبيه البليغ ،
أو على حذف مضاف .
وجعل بمعنى صير. أى. لقد صيرنا الأرض بقدرتنا كفراش الصبى
بالنسبة لكم، حيث تتقلبون عليها كما يتقلب الصى فى فراشه ...
.
: أو صيرناها ذات مهاد.
قال صاحب الكشاف : ما ملخصه فإن قلت : كيف افصل قوله :
. (( ألم نجعل الأرض مهادا .. ، بما قبله ؟
قلت: لما أفكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث
- هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال قدرته، فما وجه إنكار قدرته على
البعث، وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات .. ؟ ومهادا: فراشاً.
وقرىء: مهدا. ومعناه: أنها لهم كالمهد الصبى، وهو ما يمهد له فينوم عليه
تسمية للممهود بالمصدر، كضرب الأمير: أو وصفت بالمصدر، أو بمعنى
. ذات مد .. » (١)
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٨٥.

٣٥٢
الجزء الثلاثون
وقوله : ((والجبال أوتاداء معطوف على ماقبله . والأوقاد : جمع و قد،
وهو ما يشد به الشىء حتى لا يتحرك أو يضطرب، والكلام على التشبيه ..
- أيضاً - .
أى: لقد صيرنا - بقدرتنا - الأرض كالمهاد لتتمكنوا من
الاستقرار عليها .... وجعلنا الجبال كالأوقاد للأرض، لئلا تميد.
أو تضطرب بكم .... كما قال - تعالى -: «وألق فى الأرض رواسی ..
أن تميد بكم .. )) (١)
وقوله - سبحانه - : ((وخلقناكم أزواجا، دليل ثالث على قدرته ...
والأزواح : جمع زوج.
وهو اسم للعدد الذى يكرر الواحد منه مرة واحد . والمراد به هنا :
الذكور والإناث .
أى = ومن مظاهر قدرتنا أننا خلقناكم ــ يا بنى آدم ــ مزدوجين.
أى = ذكرا وأشى، ليتأن التناسل، وحفظ النوع من الانقراض وتنظيم
أمر المعاش فى الأرض ، عن طريق استمتاع كل نوع بالآخر ، كما قال.
- تعالى - : ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا).
إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة .....
قال الآلونى = ((أزواجا، أى = مزدوجين ذكرا وأنثى ليتسنى.
التناسل ...
وقيل: أزواجا، أى : أصنافا فى اللون والصورة واللسان .. وقيل)).
يجوز أن يكون المراد من الخلق أزواجا: الخلق من منبين، منى الرجل ..
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٨٥.
(٢) سورة النحل الآية ٠١٥

٣٥٣
سورة النبأ
ومتى المرأة . .)) (١) .
وقوله - تعالى - ((وجعلنا نومكم سباقا)) بيان لدليل رابع على قدرته.
- تعالى - على البعث .
و((السبات)) مصدر بمعنى السبت، أى: القطع، يقال: سبت فلان
الشىء سبتا، إذا قطعه، وسبت فلان شعره إذا حلقه وأزالة - وفعله.
كشرب ونصر -.
ويصح أن يكون قوله سباقا من السبت بمعنى الراحة والسكون ، يقال:
منلت فلان يسبت، إذا استراح بعد تعب، ومنه سمى يوم السبت ، لأن
اليهود يقطعون فيه عن أعمالهم للراحة ..
والمعنى: وجعلنا - بمقتضى حكمتنا ورحمتنا - فومكم ((سباتا))
أى: قطعا للحركة ، لتحصل لكم الراحة التى لا تستطيعون مواصلة.
العمل إلا بعدها . .
وهذه الحالة التى لابد لكم منها، وهى الراحة بعد عناء العمل عن
طريق النوم .. أشبه ما تكون بإعادة الحياة إليكم بعد موتكم ..
وقوله - تعالى -: ((وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا)).
بيان لنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى ، والتى تدل على كمال قدرته .
أى: وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا - الليل كاللباس السائر لكم،
فهو يلفكم بظلمته، كما يلف اللباس صاحبه .. كما أننا جعلنا النهار وقت.
معاشكم، لكى تحصلوا فيه ما أنتم فى حاجة إلى تحصيله من أرزاق
ومنافع .
ووصف - سبحانه - الليل بأنه كاللباس، والنهار بأنه وقت المعاش،
(١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص ٧.

٣٥٤
الجزء الثلاثون
لأن الشأن فيهما كذلك، إذ الليل هو وقت الراحة والسكون والاختلاء
... والنهار هو وقت السعى والحركة والانتشار .
ثم لفت - سبحانه - الأنظار إلى مظاهر قدرته فى خلق السموات
-فقال: ((وبنينا فوقكم سبعا شدادا)) .
أى: وبنينا وأوجدنا بقدرتنا التى لا يعجزها شىء، فوقكم - أيها الناس.
سبع سماوات قويات محكمات ، لا يتطرق إليهن فطور أو شقوق على
مر العصور ، وكر الدهور .
فقوله: ((شدادا، جمع شديدة، وهى الهيئة الموصوفة بالشدة والقوة.
وقوله - سبحانه -: ((وجعلنا سراجا وهاجا، نعمة أخرى من نعمه
الدالة على قدرته .
والمراد بالسراج الوهاج: الشمس. وصفت بكونها سراجا ، لأنها
كالمصباح فى إضاءقه لما حوله.
ووصف السراج بأنه وهاج، مبالغة فى شدة ضياته ولمعانه، من الوهج
- بفتح الواو والهاء - بمعنى شدة الضياء ..
والكلام على التشبيه البليغ، والمقصود منه تقريب صفة المشبه إلى
الأذهان، وإلا فالشمس أعظم من كل سراج .
أى: وأنشأفاوأ وجدنا - بقدرتنا ومنقنا - فى السماء, سراجا زاهرا
مضيئا .. هو الشمس المتوهجة من شدة حرارتها وضيائها ، والتى تشرق
على هذا الكون فتحول ظلامه إلى نور، بقدرته - تعالى -.
أما الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث، فتراه فى
قوله - تعالى -: ((وأنزلنا من المعصرات ماء نجاجا لنخرج به حبا ونباتا.
.وجنات ألفافا ... .
والمعصرات - بضم الميم وكسر الصاد - السحب التى تحمل المطر،

٣٥٥
سورة النبأ
-جمع معصرة - بكسر الصاد - اسم فاعل، من أعصرت السحابة إذا أو شكت
على إنزال الماء لا متلائها به . .
:
قال ابن كثير: عن ابن عباس: ((المعصرات)، الرياح .. لأنها تستدر
المطر من السحاب .. وفى رواية عنه أن المراد بها : السحاب، وكذا قال
عكرمة .. واختاره ابن جرير ..
وقال الفراء : هى السحاب التى تتحلب بالماء ولم تمطر بعد، كما يقال :
. امرأة معصر، إذا حان حيضها ولم تحض بعد .
وعن الحسن وقتادة : المعصرات : يعنى السموات . وهذا قول غريب
والأظهر أن المراد بها السحاب، كماقال - تعالى -: «الله الذى يرسل الرياح
فتثير سحابا فيبسطه فى السماء كيف يشاء. ويجعله كسفا فترى الودق يخرج
من خلاله .. » (١).
والتجاج: المندفع بقوة وكثرة. يقال: ثج الماء - كرد - إذا أنصب
جقوة وكثرة .
ومطر نجاج: أى : شديد الانصباب جدا .
وقوله: «ألفافا، اسم جمع لا واحد له من لفظه، كالأوزاع الجماعات
المتفرقة . وقيل : جمع لفيف ، كأشراف وشريف.
أى: وأنزلنا لكم ـ يا بنى آدم - بقدرتنا ورحمتنا - من السجائب
التى أوشكت على الإمطار، ماء كثيرامتدفقاً بقوة، لنخرج هذا الماءحباً
تقتاتون به - كالقمح والشعير .. ونباتاً تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلاً
ولنخرج هذا الماء - أيضاً - بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة
ثمائها ..
(١) تفسير ابن كثير - ٧ ص ٠٢٢٧
1

٣٥٦
الجزء الثلاثون
فهذه تسعة أدلة أقامها - سبحانه - على أن البعث حق، وهى أدلة
مشاهدة محسوسة، لا يستطيع عاقل إنكار واحد منها .. وما دام الأمر
كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث، مع أنه - تعالى - قد أوجد
لهم كل هذه النعم التى منها ما يتعلق بخلقهم ، ومنها ما يتعلق بالأرض.
والسموات، ومنها ما يتعلق بنومهم وبالليل وبالنهار، ومنها ما يتعلق بالشفس.
وبالسجب التى تحمل لهم الماء الذى لا حياة لهم بدونه.
وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل ، أكد - سبحانه -
ما اختلفوا فيه، وما تساءلوا عنه، وبين جانباً من أماراته وعلاماته فقال:
« إن يوم الفصل كان ميقاتا . يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا ..
وفتحت السماء فكانت أبوابا. وسيرت الجبان فكانت سرابا ....
والمراد بيوم الفصل: يوم القيامة، لأن فيه يكون الفصل بين الحق.
والمبطل ، والمحسن والمسىء، فيجازى كل إنسان على حسب عمله .
والميقات - بزنة مفعال - مشتق من الوقت، وهو الزمان المحدد
لفعل ما. والمراد به هنا: قيام الساعة ، وبعث الناس من قبورهم .
أى: إن يوم البعث والجزاء، كان ميعادا ووقتاً محدداً لبعث الأولين.
والآخرين، وما يترتب على ذلك من جزاء وثواب وعقاب.
وقوله (( يوم ينفخ فى الصور .. )) بدل مما قبله . أى: يوم القيامة.
آت لاريب فيه، يوم فأمر إسرافيل بأن ينفخ فى الصور. أى: فى القرآن
الذى أوجدناه لذلك .
((فتأتون أفواجا، أى: فتخرجون من قبور كم جماعات جماعات ،
وطوائف طوائف ، دون أن يستطيع أحد منكم التخلف عن الحضور
إلى المكان الذى أعددناء لذلك .
((وفتحت السماء .. )) فى هذا اليوم وشقت .. , فكانت أبوابا»
أى : فصارت شقوقها وفتحاتها كالأبواب فى سعتها وكثرتها .
((وسيرت الجبال .. ، أى وأزيلت الجبال وحركت من أما كنها بعد تفتتها.
((فكانت سرابا، أى: فصارت بعد تفتتها واقتلاعها من أماكنها . .

٣٥٧
سورة النبأ
كالسراب، وهو ما يلوح فى الصحارى ، فيظنه الرائى ماء وهو ليس بما ..
وبعد هذا البيان البديع لجانب من مظاهر قدرته - تعالى- على كلشىء،
ومن ألوان نعمه على خلفه، ومن تقرير أن البعث حق . . بعد كل ذلك ، بين
- سبجانه - جزاء الكافرين، وجزاء المتقين فى هذا اليوم. فقال - تعالى -:
إِنَّ جَهَّمَ حَكَانَتْ
حِّصَادًا ( لِلْطَّغِيْنَ مَثَبَا يَ لَِّينَ فِيهَا أَحْقَابًاَيٌ لََّيُذُوقُونَ
فِيهَا بَرْدًّا وَلَا شَرَابًا (٣) إِلَّ حِيمًا وَغَسَّافًا (٥ّ جَزَآءَ وِفَاقًّا ( إِنّهُمْ
كَانُواْلَا يَرْجُونَ حِسَابًا(﴾ وَكَذِّبُواْ بِعَايَتِنَا كِذَّا بَيْ وَكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَيْنَهُ كِتَابًا (﴾ قَذُوقُواْ فَلَن تَزِيِدَ كُمْ إِلَّ عَذَابًا ﴾ إِنَّ
لِلْمُتَّقِينَ مَغَاًّاً ﴾ حَدَآَبِقَ وَأَعْنَبً ﴾ وَكَوَاعِبَ أَقْرَابًا
وَكَأْسَادِ هَاقًا (جَ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًّا وَلَ كِذَّابًا (٥) جَآءَ مِنْ
رَّبِّكَ عَطَآءَ حِسَابًا (يَ رَّبِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
الَّْنِّ لَ بْلِكُونَ مِنْهُ خِصَابًا ﴾ يَوْمَ يَقُوُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ
حَقًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الَّْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (َ﴾
◌َالِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ◌َمَنْ شَكَّ لَّخَذَّ إِلَى رَبِّهِ، مَعَابًا ( ◌َ إِنَّآ
أَنْذَرْتَكُمُ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ
٤٠
وَيَقُولُ الْكَافُرُ يَلَيْتَنِ كُنْتُ مُرَابَاً.

٣٥٨
الجزء الثلاثون
وقوله - سبحانه -: ((إن جهنم كانت مرصادا .. )) كلام مستأنف.
لبيان أهوال جهنم وأحوالها. وجهنم: اسم لدار العذاب فى الآخرة .
والمرصاد : مفعال من الرصد . تقول: رصدت فلانا أرصده، إذا.
ترقيته وانتظرته، بحيث لا يهرب منك، ((فرصادا) صيغة مبالغة للراصد
الشديد الرصد ، وصفت جهنم بذلك ، لأن الكافرين لا يستطيعون التفلت ..
منها مهما حاولوا ذلك .
قال القرطبى: ((مرصادا، مفعال من الرصد، والرصد: كل شىء كان ..
أمامك . . وقال مقاتل .
((مرصادا)) أى: محبساً. وقيل: طريقاً ومعمراً .. وذكر القشيرى ::
أن المرصاد المكان الذى يرصد فيه الواحد العدد . أى: هى معدة لهم ،
فالمرصاد بمعنى المحل .. وذكر الماوردى، أنها بمعنى راصدة .. وفى.
الصحاح: الراصد الشىء: الراقب له .. تقول: رصدته أرصده، إذا
ترقبته . .. (١)
والمعنى: إن جهنم التى هى دار العذاب فى الآخرة، كانت - بأمر الله ..
- تعالى - ومشيئته - معدة ومهيئة الكافرين ، فهى ترصدهم وترقبهم ..
بحيث لا يستطيعون الهرب منها، فهى كالحارس اليقظ الذى يقف بالمرصد ..
فلا يستطيع أحد أن يتجاوز ..
والمقصود بالآية الكريمة تهديد المشركين، وبيان أنهم لا مهرب لهم.
من جهنم، وأنها فى انتظارهم، كما ينتظر العدو عدوه ليقضى عليه .
وقوله: «للطاغين مآ با)، بدل من ((مرصادا، وقوله دما باء من الأوب.
بمعنى المرجع .
يقال: آب فلان يتوب، إذا رجع ..
(١) تفسير القرطبى - ١٩ ص ١٩٩

٣٥٩
سورة النبأ
أى: إن جهنم كانت المتجاوزين الحد فى الظلم والطغيان ، هى المكان
المهيأ لهم، والذى لا يستطيعون الهرب منه ، بل هم مرجعهم الوحيد الذى
يرجعون إليه .
وقوله", لا بتين فيها أحقابا، أى: مقيمين فى جهنم أزماناً طويلة لا يعلم
: مقدارها إلا الله - تعالى - إذ الأحقاب: جمع حقب ـ بضمتين ..
أو بضم فسكون - ، وهو الزمان الطويل .
((لا يذوقون فيها)) أى: فى جهنم , بردا، أى: شيئا يخفف عنهم.
حرها، من هواء بارد، أو نسيم عليل ((ولا شرابا)) أى: شيئا من الشراب
الذى يطفىء عطشهم ، ويخفف من عذابهم.
(( إلا حميما وغساقاء والحميم: هو الماء الذى بلغ الغاية فى الحرارة.
والغساق : هو ما يسيل من جلودهم من القيح والدماء والصديد. يقال.
· غسق الجرح - كضرب وسمع - غسقانا ، إذا سالت منه مياه صفراء .
أى: أن هؤلاء الطغاة لا يذوقون فى جهنم شيئا من الهواء البارد ،
ولا من الشراب النافع ، لكنهم يذوقون فيها الماء الذى بلغ النهاية فى.
الحرارة ، والصديد الذى يسيل من جروحهم وجلودهم .
فالاستثناء فى قوله « إلا حميما وغساقا،، استثناء منقطع، لأن الحميم
ليس من جنس البرد فى شىء ، وكذلك الغساق ليس من جنس الشراب
فی شی . .
وقوله - سبحانه - ,جزاء وفاقا، بيان لعدالة الله - تعالى -
معهم، أى: أننالم نظلهم بإلقائهم فى جهنم،. وإنما جازيناهم بذلك جراء
موافقاً لأعمالهم السيئة فى الدنيا .
فقوله: ((جزاء)) منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وقوله.
((وفاقا، صفة له . والوفاق مصدر وافق، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل.
٠

٣٦٠
الجزء الثاثون
أى : جوزوا جزاء موافقاً لأعمالهم القبيحة التى كانوا يعملونها فى الدنيا.
ثم علل - سبحانه - ما أصابهم من عذاب أليم، فقال: «إنهم كانوا.
لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا .. »
أى : إن هؤلاء الطغاة كانوا فى الدنيا لا يخافون حسابنا، ولا يفكرون
فيه، بل كانوا يكذبون به ، وبكل ما جاءهم به رسولنا تكذيباً عظيماً.
وقوله: (( كذاباً، مصدر كذب ، ومجىء فعال بمعنى تفعيل فى مصدر
فعل، فصيح شائع .
وأوثر هذا المصدر دون التكذيب، للإشعار بأن تكذيبهم لآيات الله
- تعالى - قد وصل الغاية فى قيحه وإفراطه . وهو منصوب على أنه
مفعول مطلق مؤكد لعامله .
قال صاحب الكشاف: قوله « كذاباً، أى : تكذيباً. وفعال فى
باب فعل ، كله فاش فی کلام فصحاء العرب لا يقولون غيره .. و هو معدر
كذب .. )) (١)
ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: ((وكل شىء
أحصيناه كتابا)، و((كل)) منصوب على الاشتغال . والإحصاء للشىء:
ضبطه ضبطاً محكماً . وأصله من لفظ الحصا ، واستعمل فيه لأنهم كانوا
يعتمدون على الحصا فى العذ، كما يعتمد بعض الناس الآن على الأصابع .
قال الجمل: وقوله: «كتاباً، فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر من معنى
أحصيناه . أى: إحصاء، فالتجوز فى نفس المصدر. والثانى : أنه مصدر
لأحصيناه، لأنه فى معنى كتبنا، فالتجوز فى نفس الفعل .. )، (٣)
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٨٩
(٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٤٧٤