Indexed OCR Text
Pages 241-260
تَفْسِيْرُسُورَة
((المدثر»
بسم اللهالرحمن الرحيم
سورة (( المدثر »
١ - سورة ((المدثر، من أوائل السور التى نزلت على النبى - مجدي »
ويغلب على الظن أن نزولها كان بعد نزول صدر سورة اقرأ.
ويشهد لذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة - رضى الله عنها -:.
أن النبى - صَّه - جاءه الوحى وهو فى غار حراء، فجاءه الملك
فقال له: اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق ..
وروى الشيخان - أيضاً - وغيرهما ، عن يحيى بن أبي كثير قال:
سألت أباسلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ فقال : بأبها،
المدثر. قلت: يقولون : اقرأ باسم ربك ..
فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال: بأيها المدثر
لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله - صَّ اله -، قال: جاورت محراء،
فلما قضيت جوارى ، هبطت الوادى، فنوديت عن يمينى فلم أرشيئا،
ونظرت عن شمالى فلم أرشينا .. فرفعت رأسى، فإذا الملك الذى جاءنى ..
بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض ، فرجعت على أهلى فقلت:
دثرونى فدثرونى. فنزات بأيها المدثر، قم فأنذر ..
قال الآلوسى ما ملخصه: وظاهر هذا الحديث يقتضى نزول هذه السورة
قبل سورة اقرأ، مع أن المروى فى الصحيحين عن عائشة أن سورة اقرأ"
أول ما نزل على الإطلاق، وهو الذى ذهب إليه أكثر الأمة، حتى قال
بعضهم هو الصحيح . .
وللجمع بين هذين الحديثين وجوه منها : أن مراد جابر بالأولوية
أولوية مخصوصة، بما نزل بعد فترة الوحى، لا أولية مطلقة كما هو الحاله
٢٤٣
- سورة المدثر
بالنسبة لسورة اقرأ. أو أن السؤال فى حديث جابر ، كان عن نزول
سورة كاملة، فبين أن سورة المدثر فزات بكمالها. أو أن جابر قد قال
ذلك باجتهاده، ويقدم على هذا الاجتهاد ما ذكرته عائشة من أن أول
ما نزل على الإطلاق، هو صدر سورة اقرأ .. )) (١)
وعلى أية حال فسورة المدثر تعتبر من أوائل ما نزل على النبى - مؤلف -
من قرآن، كما يرى ذلك من تدبر آياتها التى تحض الرسول - طقية -
على إنذار الناس بدعوته .
وعدد آياتها : ست وخمسون آية فى المصحف الكوفى ، وخمس
وخمسون فى البصرى .
٢ - ومن أهم مقاصدها: تكريم النبى - صل﴾ - ، وأمره بتبليغ
ما أوحاه الله - تعالى - إليه إلى الناس، وتسليته عما أصابه من أذى,
وتهديد أعدائه بأشد ألوان العقاب، وبيان حن عاقبة المؤمنين ، وسوء
عاقبة المكذبين، والرد عليهم بما يبطل دعاواهم . .
(١) راجع تفسير ابن كثير ــ٧ ص ٠٢٨٩
وتفسير الآلوسي - ٢٩ ص ٠١١٥
٢٤٤
الجزء التاسع والعشرون
قال الله - تعالى - :
◌ِلَّهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ
بِسُـ
يَأْيُهَا الْمُدَّتِّرُيُ قُمْ فَأَنْذِرُ (﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِرْ ﴾ وَثِيَابَكَّ
فَطَهِّرْ يٌ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ثٌ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ وَلِرَبِّكَّ
فَأَصْبِ هِ فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاتُورِ يْ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِرُ
عَلَ اَلْكَفِرِ ينَ غَيْرُ بَسِيرٍ يَ ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًال ◌َهَ وَجَعَلْتُ
لَهُ مَلاَ تَمْدُودًا () وَبَنِينَ شُهُودًا (٢) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِدًا ﴾
ط
ثُمَ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ رَّ كَلََّ إِنَّهُ كَانَ لِآَ يَنْتِنَا عَنِيدًا (٥) سَأَرِْقُهُ،
صَعُودًاً (ي إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ هُ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (َه ◌ُمَّ قُئِلَ
كَيْفَ قَدَّرَرِيْ ثُمَ نَظَرَّ ثُمَ عَبَسَ وَبَسَرَكَيْ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾
فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلَّاِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ إِنْ هَنَذَآ إِلَّا قَوْلُ الْبَشِّرِ ﴾
سَأُمْلِهِ سَقَرَ () وَمَا أَدْرَكَ مَا سَقَرُ (چ لَا تُبْقِ وَلَا تَذَرُ ◌ّ
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشِّرِ (َ عَلَيْهَا نِسْعَةَ عَشَرَ چ
افتتح الله - تعالى - سورة المدثر، بالملاطفة والمؤافسة فى النداء
والخطاب، كما افتتح سررة المزمل، والمدثر اسم فاعل من قدثر فلان،
إذا لبس الدثار ، وهو ما كان من الشياب فوق الشعار الذى يلى البدن .
ومنه حديث: ((الأنصار شعار والناس ذئار)).
٢٤٥
سورة المدثر
قال القرطبى: قوله - تعالى - يأيها: المدثر: ملاطفة فى الخطاب
من الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بحاله، وعبر عنه بصفته، ولم يقل يا محمد
ويافلان ، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه، كما تقدم فى سورة المزمل .
ومثله قول النبى - عَد - لعلى إذ نام فى المسجد , قم أبا تراب)).
وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة - رضى الله عنها - ، فسقط رداء.
وأصابه التراب. ومثله قوله - مع - حذيفة بن اليمان ليلة الخندق
(((قم يافومان)) (١) .
والمراد بالقيام فى قوله -تعالى -: «قم فأنذر:المسارعة والمبادرة والتصميم على
تنفيذ ما أمره- سبحانه- به والإنذار هو الإخبار الذى يصاحبه التخويف.
أى: قم - أيها الرسول الكريم - وانهض من مضجعك ، وبادر بعزيمة
وتصميم ، على إنذار الناس وتخويفهم من سوء عاقبتهم ، إذا ما استمروا
فى كفرهم، وبلغ رسالة ربك إليهم دون أن تخشى أحدا منهم ، ومرهم
بأن يخلصوا له - تعالى - العبادة والطاعة .
والتعبير بالفاء فى قوله: ((فأنذر))، الإشعار بوجوب الإسراع بهذا
الإنذار بدون تردد .
وقال: فأنذر، دون فبشر، لأن الإنذار هو المناسب فى ابتداء تبليغ
الناس دعوة الحق ، حتى يرجعوا عما هم فيه من ضلال.
ومفعول أنذر محذوف. أى: قم فأنذر الناس ((ومرهم بإ خلاص العبادة له.
وقوله ((وربك فكبر، أمر آخر ه - م -، ولفظ ((وربك)»
منصوب على التعظيم لفعل «كبر))، قدم على عامله لإفادة التخصيص.
أى: يأيها المدثر بثيابه لخوفه مما رآه من ملك الوحى ، لا تخف،
وقم فأنذر الناس من عذاب الله، إذا ما استمروا فى شركهم ، وأجعل
تكبيرك وتعظيمك وتبجيلك لربك وحده ، دون أحد سواه ، وصفه
بما هو أهله من تنزيه وتقديس .
(١) تفسير القرطبى حـ ١٩ ص ٦١.
٢٤٦
الجزء التاسع والعشرون
والمراد بتطهير الثياب فى قوله - تعالى -: ((وثيابك فطهر» : تطهيرها
من النجاسات .
والمقصود بالثياب حقيقتها، وهى ما يلبسه الإنسان لستر جسده ..
ومنهم من يرى أن المقصود بها ذاته ونفسه - عَ لهـ، أى: ونفسك
فظهرها من كل ما يتنا فى مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم .
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى -: ((وثيابك فطهر)) أمر بأن
تكون ثيابه طاهرة من النجاسات، لأن طهارة الثياب شرط فى الصلاة،
ولا تصح إلا بها، وهى الأولى والأحب فى غير الصلاة . وقبيح بالمؤمن
الطيب أن يحمل خيشا ..
وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ، ويستهجن من
العادات . يقال : فلان طاهر الثياب، وطاهر الجيب والذيل والأردان ،
إذا وصفوه بالنقاء من المعايب، ومدانس الأخلاق . ويقال : فلان دنس
الثياب ، للغادر - والفاجر - ، وذلك لأن الثوب يلابس الإنسان،
ويشتمل عليه ... )» (١).
وسواء أكان المراد بالثياب هنا معناها الحقيقى ، أو معناها المجازى
المكنى به عن النفس والذات، فإن الرسول - ** - كان مواظبا على
الطهارة الحسية والمعنوية فى كل شئونه وأحواله ، فهو بالنسبة لثيابه كان
يظهرها من كل دفس وقذر، وبالنسبة لذاته ونفسه ، كان أبعد الناس عن كل
مدوه ومشكر من القول أو الفعل.
إلا أننا نميل إلى حمل اللفظ على حقيقته، لأنه لا يوجد ما يوجب
حمله على غير ذلك .
ثم أمره - سبحانه - بأمر رابع فقال: ((والرجز فاهجر، والأصل فى
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٤٥.
٢٤٧
سورة المدثر
كلمة الرجز أنها تطلق على العذاب. قال - تعالى -: (فلما كشفنا عنهم
الرجز - أى العذاب - إلى أجل هم بالغوه، إذا هم بنكثون)).
والمراد به هنا: الأصنام والأوثان ، أو المعاصى والمآ ثم الى يؤدى
اقترافها إلى العذاب . أى: وداوم - أيها الرسول الكريم - على ما أنت
عليه من ترك عبادة الأصنام والأوثان، ومن هجر المعاصى والآثام .
فالمقصود بهجر الرجز: المداومة على هجره وتركه، لأنه - صلى الله
عليه وسلم - لم يتلبس بشىء من ذلك.
ثم نهاه - سبحانه - عن فعل، لا يتناسب مع خلقه الكريم - صلى الله
عليه وسلم - فقال: ((ولا تمنن تستكثر)) والمن: أن يعطى الإنسان غيره
شيئاً، ثم يتباهى به عليه. والاستكثار: عد الشىء الذى يعطى كثيرا.
أى: عليك - أيها الرسول الكريم - أن تبذل الكثير من مالك وفضلك
-لغيرك، ولا تظن أن ما أعطيته لغيرك كثيرا - مهماعظم وجل - ، فإن
ثواب الله وعطاءه أكثر وأجزل ...
•
ويصح أن يكون المعنى: ولا نعط غيرك شيئا ، وأنت تنمن أن يرداك
- هذا الغير أكثر مما أعطيته، فيكون المقصود من الآية: النهى عن تمنى
العوض
قال ابن كثير: قوله: ((ولا تمنن تستكثر)) قال ابن عباس: لا تعط
العطية تلتمس أكثر منها ..
وقال الحسن البصرى : لا تمنن بعملك على ربك تستكثرة . وعن
مجاهد : لا تضعف أن تستكثر من الخير.
وقال ابن زيد: لا تمن النبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ
على ذلك عوضا من الدنيا .
٢٤٨
الجزء التاسع والعشرون
فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول - المروى عن ابن عباس.
وغيره - (١).
وقوله - سبحانه -: ((ولربك فاصبر ، أى : وعليك - أيها
الرسول الكريم - أن توطن نفسك على الصبر، على التكاليف التى ...
كلفك بهاربك، وأن تتحمل الآلام والمشاق فى سبيل دعوة الحق».
بعزيمة صادقة ، وصبر جميل، وثبات لا يخالطه تردد أو ضعف .
فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلى بالعقيدة السليمة، ..
والأخلاق الكريمة .
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة فقال :.
((فإذا نقر فى الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غيريسير).
والفاء فى قوله: ((فإذا نقر فى الناقور، للسببية. والنافور بزنة فاعول ..
من النقر، وهو اسم لما ينقر فيه، أى : لما ينادى فيه بصوت مرتفع.
والمراد به هنا: الصور أو القرن الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى.
النفخة الثانية التى يكون بعدها الحساب والجزاء ..
والفاء فى قوله: ((فذلك، واقعة فى جواب ((إذا)، واسم الإشارة ..
يعود إلى مدلول النقر وما يترتب عليه من حساب وجزاء. وقوله ((يومئذه ..
بدل من اسم الإشارة، والتنوين فيه عوض عن جملة وقوله: «عسير،.
وغير يسير ، صفتان لليوم .
أى: أنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وبلغهم رسالة ربك، ..
واصبر على أذى المشركين ، فإنه إذا نفخ إسرافيل بأمرنا النفخة الثانية ،
صار ذلك النفخ وما يترتب عليه من أهوال، وقتا وزمانا عسير أمره على.
الكافرين، وغير بيراوقعه عليهم .
(١) تفسير ابن كثير جـ٧ ص ٠٢٩٠
٢٤٩
سورة المدثر
ووصف اليوم بالعسير ، باعتبار ما يقع فيه من أحداث يشيب منه.
هولها الولدان .
وقوله: ((غير يسير، تأكيد لمعنى ((عسير))، كما يقال: هذا أمر عاجل
غير آجل .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة قوله: ((غير يسير، وقوله :
((عسير) مغن عنه؟ قلت: لما قال ((على الكافرين، فقصر العسر عليهم،.
قال: ((غير يسير)) ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسير
هينا، ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم ، وبين بشارة المؤمنين.
وتسلیهم . ويجوز أن يراد أنه عسیر لا يرجى أن يرجع يسيرا ، كما يرجى
تيسير العسير من أمور الدنيا ، (١) .
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة زعيم من زعماء المشركين ،
افترى . الكذب على الله - تعالى - وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -
فسكانت عاقبته العذاب المهين، فقال - تعالى -: ((ذرنى ومن خلقت
وحيدا . وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم
يطمع أن أزيد . كلا .. )).
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت فى شأن الوليد بن المغيرة
المخزومى، وذكروا فى ذلك روايات منها : أن المشركين عندما اجتمعوا
فى دار الندوة، ليتشاوروا فيم يقولونه فى شأن الرسول - صلى الله عليه
وسلم - وفى شأن القرآن الكريم - قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج.
فقال بعضهم: هو شاعر، وقال آخرون بل هو كاهن ... أو مجنون ...
وأخذ الوليد يفكر ويرد عليهم، ثم قال بعد أن فكر وقدر: ما هذا الذى
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٤٧
٢٥٠
الجزء التاسع والعشرون
يقوله محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا سحر يؤثر، أما ترونه يقرق بين
الرجل وامرأنه ، وبين الأخ وأخيه ... (١).
قال الألوسى: نزلت هذه الآيات فى الوليد بن المغيرة الخزومى ، كما
روى عن ابن عباس وغيره. بل قيل كونها فيه متفق عليه ... وقوله :
((وحيدا، حال من الياء فى (( ذرنى)) أى: ذرنى وحدى معه فأنا أغنيك
فى الانتقام منه، أو من الناء فى خلقت. أى: خلقته وحدى، لم يشركنى
فى خلقه أحد، فأنا أهلكه دون أن أحتاج إلى ناصر فى إهلاكه . أو من
الضمير المحذوف العائد على , من))، أى: ذرنى ومن خلقته وحيدا فريدا
لامال له ولا ولد .... وكان الوليد يلقب فى قومه بالوحيد - لتفرده
بمزایا لیست فی غیرہ ـ ، فتہکم الله - تعالى - به وبلقبه، أو صرف هذا
اللقب من المدح إلى الذم .... (٢).
أى: أصبر : - أيها الرسول الكريم - على ما يقوله أعداؤك فيك من
كذب وبهتان، واتركنى وهذا الذى خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد
ثم أعطيته الكثير من النعم، فلم يشكرنى على ذلك .
والتعبير بقوله: ((ذرنى) للتهديد والوعيد، وهذا الفعل يأتى من الأمر
والمضارع فحسب، ولم يسمع منه فعل ماض .
وقوله: ((وجعلت له مالا ممدودًا) أى: وجعلت له مالا كثير أو اسعا،
يمد بعضه بعضا. فقوله: «حدودا) اسم مفعول من مد الذى بمعنى أطال،
بأن شبهت كثرة المال ، بسعة مساحة الجسم .
أو من عد الذى هو بمعنى زاد فى الشىء من مثله ، ومنه قولهم.
.حد الوادى النهر ، أى: مده بالمأ زيادة على ما فيه .
(١) راجع تفسیر ابن کثیر ج ٨ ص ٢٩٢
(٢) تفسير الآلومى جـ ٢٩ ص ١٢٢
٢٥١
سورة المدثر
قالوا: وكان الوليد من أغنى أهل مكة ، فقد كانت له أموال كثيرة من
الإبل والغنم والعبيد والبساتين وغير ذلك من أنواع الأموال.
« وبنين شهودا)، أى: وجعلت له - بجانب هذا المال المحدود -
أولادا يشهدون مجالسه، لأنهم لاحاجة بهم إلى مفارقته فى سفر أو تجارة،
إذم فى غنى عن ذلك بسبب وفرة المال فی أیدی أبيهم .
فقوله: (( شهودا، جمع شاهد بمعنى حاضر ، وهو كناية عن كثرة
تنعمهم و اقتناسه بهم.
قيل كانوا عشرة، وقيل ثلاثة عشر، منهم: الوليد ، وخالد، وعمارة
ــهشام، والساصى، وعبد شمس .
وقد أسلم منهم ثلاثة، وهم: خالد، وهشام، وعمارة . (١)
(( ومهدت له تمهيدا، والتمهيد مصدر مهد، بمعنى سوى الشىء، وأزال
منه ما يجعله مضطر با متنافرا . ومنه مهد الصبى . أى : المكان المعد لراحته
والمراد بالتمهيد هنا. تيسير الأمور، ونفاذ الكلمة، وجمع وسائل
الرياسة ه .
أى: جعلت له مالا كثيرا، وأولادا شهودا، وفضلا عن ذلك ، فقد
هيأت له وسائل الراحة والرياسة تهيئة حسنة، أغنته عن الأخذ والردمع
قومه ، بل صار نافذ الكلمة فيهم بدون عناء أو تعب .
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أن الله - تعالى -
قد أعطى الوليد بن المغيرة ، جماع ما يحتاجه الإنسان فى هذه الحياة ، فقد
أعطاه المال الوفير ، والبنين الشهود، والجاء النلم الذى وصل إليه بدون
جهد أو تعب .
وقوله - سبحانه -: (ثم يطمع أن أزيد ) بيان لما جيل عليه هذا
(١) راجع حامية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٤٣٧
٢٥٢
الجزء التاسع والشرون
الإنسان من طمع وشره ... أى: مع إمدادى له بكل هذه النعم، هولا
يشبع ، بل يطلب المزيد منها لشدة حرصه وطمعه ...
1
و«ثم، هنا للاستبعاد والاستنكار والتأنيب ... فهى للتراخى الرقبى»
والجملة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: ((جعلت ومهدت ٠٠٠)»
أى : أعطيته كل هذه النعم، ثم بعد ذلك هو شره لا يشبع، وإنما يطلب.
المزيد منها ثم المزيد ...
وقوله - تعالى - : (( كلا ، زجر وردع وقطع أرجائه وطمعه مـ
وحكم عليه بالخيبة والخسران . أى: كلا، لن أعطيه شيئا مما يطمع فيه ، بل.
سامحق هذه النعم من بین یدیه، لأنه قابلها بالجحود والبطر ، ومن لم يشكر
النعم يعرضها للزوال، ومن شكرها زاده الله - تعالى - منها، كما قال ..
- سبحانه -: ((لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)).
وقوله: ((إنه كان لآياتنا عنيدا، تعليل للزجر والردع وقطع الرجاء ..
أى: كلا أن أمكنه مما يريده ويتمناه .. لأنه كان إنسانا شديد المعاندة ..
والإبطال لآياتنا الدالة على وحدانيتنا، وعلى صدق رسولنا فما يبلغه عنا.
ومن مظاهر ذلك أنه وصف رسولنا - عبَ له - بأنه ساحر ...
قال مقاتل: مازال الوليد بعد نزول هذه الآية فى نقص من ماله.
وولده حتى هلك .
ثم بين - سبحانه - ما أعده له من عذاب ألم فقال: «أرهقه.
صعودا)). والإرهاق: الإتعاب الشديد، وتحميل الإنسان مالا بطيقه ..
يقال: فلان رهقه الأمر يرهقه، إذا حل به بقهر ومشقة لا قدرة له على.
دفعها. ومنه قوله - تعالى -: ((ولا ترهقنى من أمرى عسرا)).
وقوله - سبحانه -: ((والذين كسبوا السيئات جزاءسيئة بمثلها.
وقرهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من
الليل مظلما ... )
٢٥٣
سورة المدثر
والصعود : العقبة الشديدة ، التى لا يصل الصاعد نحوها إلا بمشقة
كبيرة، وقعب قد يؤدى إلى الهلاك والتلف. وهذه الكلمة صيغة مبالغة
من الفعل صعد .
وهذه الآية الكريمة فى مقابل قوله - تعالى - قبل ذلك :
« ومهدت له تمهيدا)، أى: أن هذا الجاه الذى أناه فى الدنيا بدون تعب ..
سيلقى فى الآخرة ما هو نقيضه من تعب وإذلال ...
قال صاحب الكثاف قوله: ((سأرهقه صعودا)) أى. سأغشيه عقبة
-شاقة المصعد .
وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذى لا يطاق. وعن النبى
- قال -: يكلف أن يصعد عقبة فى النار، كلما وضع عليها يده ذابت،
فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله عليها ذابت ، فإذا رفعها عادت)).
وعنه - زلتم -: الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى
فيه كذلك أبدا)) (١).
ثم صور - سبحانه - حال هذا الشقى تصويرا بديعا يثير السخرية
منه ومن تفكيره فقال: ((إنه فكر وقدر، أى: إن هذا الشقى ردد فكره
وأداره فى ذهنه .
وقدر وهيأ فى نفسه كلاما شنيعا يقوله فى حق الرسول - عَقيلية -
.. وفى حق القرآن الكريم .
يقال .: قدر فلان الشىء فى نفسه، إذا هيأه وأعده ...
والجملة الكريمة تعليل للوعيد والزجر، وتقرير لاستحقاقه له ، أو بيان
الظاهر عناده ...
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٦٤٨
٢٥٤
الجزء التاسع والعشرون
وقوله - سبحانه -: (( فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر)) تعجيب
من تفكيره وتقديره، وذم شديد له على هذا التفكير السىء ...
أى: إنه فكر مليا، وهيأ نفسه طويلا للنطق بما يقوله فى حق الرسول.
- صلى الله عليه وسلم - وفى حق القرآن، ((فقتل، أى: فلعن: أو عذب،
وهو دعاء عليه، كيف قدر، أى: كيف فكر هذا التفكير العجيب.
البالغ النهاية فى السوء والقبح .
وقوله: (( ثم قتل كيف قدر، تكرير للمبالغة فى ذمه، والتعجيب.
من سوء تقديره، وفى الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمته - تعالى -.
والعطف ثم لإفادة التفاوت فى الرقبة ، وأن الدعاء عليه والتعجيبه
٠
من حاله فى الجملة الثانية ، أشد منه فى الجملة الأولى .
وقوله - تعالى - بعد ذلك: « ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر
واستكبر ... ، تصوير آخر لحالة هذا الشقى، يرسم حركات جسده،
وخلجات قلبه ، وتقاطيع وجهه ... رسما بديعا ، يثير فى النفوس السخرية
من هذا الشقى .
أى: إنه فكر تفكير امليا، وقدر فى نفسه ما سيقوله فى شأن النبى.
- صلى الله عليه وسلم - تقديرا طويلا، ... ولم يكتف بكل ذلك ،
بل فكر وقدر هثم نظر، أى : ثم نظر فى وجوه من حوله نظرات يكسوها
الجد المصطنع المتكلف، حتى لكأنه يقول لهم: اسمعوا وعوا لما سأقوله
لكم ...
سعدية حـ
((ثم عبس وبسر)) أى: ثم قطب ما بين عينيه حين استعصى عليه أن
حد فى القرآن مطعنا، وكاح وجهه، وتغير لونه ، وارتمشت أطرافه ،
حين ضاقت عليه مذاهب الحيل ، فى أن يجد فى القرآن مطعنا.
يقال : عبس فلان يحبس عبوسا، إذا قطب جبينه. وأصله من العبس.
٢٥٥
سورة المدثر
وهو ما تعلق بأذناب الإبل من أبوالها وأبعادها بعد أن جف عليها .
ويقال: بسر فلان يبسر بسورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشىء.
ومنه قوله - تعالى - : «ووجوه يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها
فاقرة ... .
(( ثم أدبر واستكبر، أى: ثم إنه بعد هذا التفكير والتقدير، وبعد
هذا العبوس والبسور ، بعد كل ذلك أدبر عن الحق ، واستكبر عن
قبوله .
((فقال) - على سبيل الغرور والجحود- ((إن هذا إلا سحريؤثر».
أى: ما هذا القرآن الذى يقرؤه محمد - صلى الله عليه وسلم - علينا، إلا
سجر مأثور أى : مروى عن الأقدمين ، ومنقول من أقوالهم وكلامهم .
وجملة («إن هذا إلا قول البشر، بدل مما قبلها. أى: ما هذا القرآن
إلا سحر مأثور عن السابقين ، فهو من كلام البشر، وليس من كلام الله
- تعالى - كما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى ((ثم) الداخلة فى تكرير
الدعاء؟ قلت : الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ، ونحوه
قوله : ألا يا اسلمى ثم اسلمى، ثمت أسلمى ..
فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التى بعدها ؟ قلت : الدلالة
على أنه قد تأتى فى التأمل والتمهل ، وكأن بين الأفعال المتناسقة فراخ
وتباعد . .
فإن قلت: فلم قيل: ((فقال إن هذا ... )) بالفاء ، بعد
عطف ما قبله ثم ؟ قلت . لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب ،
لم يتمالك أن نطق بها من غير قلبث .
٢٥٦
الجزء التاسع والعشرون
فإن قلت: فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت: لأن الأخرى
جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد(١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الوعيد الشديد الذى توعد به هذا
الشقى الأثم فقال: سأصليه سقر ، وسقر: اسم لطبقة من طبقات جهنم
والجملة الكريمة بدل من قوله: ((سأرهقه صعودا)). أى: سأحرقه بالنار
المتأججة الشديدة الاشتعال ..
وقوله: (( وما أدراك ما سقر)) تهويل من حال هذه النار، وتفظيع
شدة حرها .
أى: وما أدراك ما حال سقر؟ إن حالها وشدتها لا تستطيع العبارة
أن تحيط بها,
وجملة (( لا تبقى ولاقذر)، بدل اشتمال من التهويل الذى أفادته جملة
(( وما أدراك ما سفر)).
أى: هذه النار لا تبقى شيئا يلقى فيها إلا أهلكته، ولا تترك من
يلقى فيها سلما، بل تمحقه محقا ، وقبلعه بلما، وتعيده - بأمر الله - تعالى -
إلى الحياة مرة أخرى ليزداد من العذاب، كما قال - تعالى -: ((كلما
نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .. )).
وقوله: (( لواحة للبشر، صفة ثالثة من صفات سقر.
ومعنى: ((لواحة)، مغيرة للبشرات، مسودة الوجوه، صيغة مبالغة
من اللوح بمعنى تغيير الشىء. يقال: فلان لوحته الشمس: إذا سودت.
ظاهره وأطرافه . والبشر: جمع بشرة، وهى ظاهر الجلد .
أى : أن هذه النار من صفاتها - أيضاً - أنها تغير ألوان الجلود،
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٦٥٠
٠
٢٥٧
سورة المدثر
-فتجعلها مسودة بعد أن كانت على غير هذا اللون، وأنها تنزل بالأجساد
من الآلام مالا يعلمه إلا الله - تعالى - .
وقوله - تعالى -: ((عليها تسعة عشر)، صفة رابعة من صفات سقر.
أى: على هذه النار تسعة عشر ملكا، يتولون أمرها، وينفذون ما يكلفهم
الله - تعالى - فى شأنها ..
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((عليها تسعة عشر)، أى. على
. سقر تسعة عشر من الملائكة، يلقون فيها أهلها. ثم قيل: على جملة النار
تسعة عشر من الملائكة م خزنتها . مالك وثمانية عشر ملكا .
ويحتمل أن يكون التسعة عشر نقيبا . ويحتمل أن يكون تسعة عشر
محلكا بأعيانهم. وعلى هذا أكثر المفسرين .. ))(١).
(١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٠٧٩
(م ١٧ - جزء تبارك )
٢٥٨
الجزء التاسع والعشرون
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته وحكمته،
وابتلائه لعباده بشتى أنواع الابتلاء، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه ..
فقال - تعالى - .
وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَّه
النَّارِ إِلَّ مَلَتَبَّكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِنَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلّذِينَ كَفَرُوا
◌ِيَسْقَيْقِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الّذِينَ ءَامَنُواْ إِمَنًا وَلَا
مُْتَبَ الَّذِينَ أُوُوا الْكِتَدْبَ وَالْمُؤْمِنُونُّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم
خَّرَضُ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُبِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُ الله
أْمُنْ يَشَآءُ وَيَهْدِى مَّن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُودٌ رَبِّكٌ إِلَّهُوَّ وَمَامِىّ
ج
لِإِلَّ ذِ كْرَى لِلْبَشِّرِ يّ كَلَّا وَالْقَمَّرِ ي وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَ دَيٌ وَالصُّبْحِ
( إذا أَسْفَرَ اه ◌ِنَّ لَإِحْدَى الْكُبَرِيَّ نَذِيرًالِلْبَشَرِ (چ لِمَن شَاءٌ.
{مِنكُمْ أَن يَتَقَّدَّمَ أَوْ يَتَأَّخِر ◌ُ
قال الإمام ابن كثير: يقول الله - تعالى - , وما جعلنا أسعاب
النار، أى. خزانها، إلا ملائكة)) أى: غلاظا شدادا. وذلك رد على
مشر كى قريش حين ذكر عدد الخزنة ، فقال أبو جهل. يامعشر قريش،
أما يستطيع كل عشرة منكم لواحدمنهم فتغلبونهم ؟ فقال الله - تعالى -:.
(( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة)). أى: شديدى الخلق ...
لا يقاومون ولا يغالبون .
٢٥٩
سورة المدثر
وقد قيل : إن أبا الأشد - واسمه : كادة بن أسيد بن خلف - قال :
يامعشر قريش، اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر، إعجابا منه
بنفسه، وكان قد بلغ من القوة - فيما يزعمون - أنه كان يقف على جلد
البقرة، ويجاذ به عشرة لينتزعوه من تحت قدميه، فيتعرق الجلد،
ولا يتزحزح عنه ... ، (١).
وقال الجملى فى حاشيته. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية ((عليها
قصعة عشر)). قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم !! محمد - من -
يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم
أن يبطشوا بواحد منهم ؟
فقال: أبو الأشد: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهرى،
وسبعة على بطنى .
واكفونى أنتم اثنين .. فأنزل الله - تعالى - : ((وما جعلنا أصحاب
النار إلا ملائكة .. )، (٢).
والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين ، الذين سخروا
من النبى - صل - عندما عرفوا منه أن على سفر قبعة عشر ملكا
يتولون أمرها . .
أى = إنتا أوجدنا النار لعذاب الكافرين، وما جعلنا خزنتها إلا من
الملائكة الغلاظ الشداد ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون
ما يؤمرون، والذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم ، أو مخالفة
أمرهم، لأنهم أشد بأسا، وأقوى بطشا من كافة الإنس والجن ...
والاستثناء من عموم الأنواع. أى= وما جعلنا أصحاب النار إلا من
نوع الملائكة ، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٩٤.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٤٤٠
٢٦٠
الجزء التاسع والشرون
وقوله - سبحانه - :((وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا))
بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد .
والفتنة بمعنى الاختبار والامتحان . تقول فتنت الذهب بالنار،
أى : اختبرته بها، لتعلم جودته من رداءته. وقوله: ((إلا فتنة، مفعول
ثان لقوله ((جعلنا، والكلام على حذف مضاف ...
أى: وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر، إلا ليكون هذا العدد
سبب فتنة واختبار للذين كفروا، ولقد زادهم هذا الامتحان والاختبار
جحودا وضلالا، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزؤًا بالنبى - عَالى -
عندما قرأ عليهم القرآن، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا ..
قال الإمام الرازى، وإنماصار هذا العدد -يا لفتنة الكفار من وجهين
الأول أنالكفار کانوا یستهز ئون ويقولون : لم لا یکو نونعشر ین - بدلا
من تسعة عشر -، وما المقتضى لتخصيص هذا العدد ؟
والثاني: أن الكفار كانوا يقولون: هذا العدد القليل، كيف يكون
وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس .. ؟
وأجيب عن الأول= بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض،
وأفعال الله - تعالى - لا تعمل، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد ، فإن
ذكره لحكمة لا يعلها إلا هو - سبحانه - .
وأجيب عن الثانى: بأنه لا يبعد أن الله - تعالى - يعطى ذلك العدد
القليل قوة تفى بذلك، فقدا قطع جبريل وحده، «دائن قوم لوط على
أحد جناحيه، ورفعها إلى السماء . .. ثم قلبها ، فجعل عاليها سافلها.
- وأيضاً - فأحوال القيامة، لا تقاس بأحوال الدنيا ، وليس
للعقل فيها مجال)) (١) .
(١) تفسير الفخر الرازى = ص