Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة الملك خالقهم - عز وجل - مغفرة عظيمة ، وأجر بالغ الغاية فى الكبر والضخامة . وقوله ((بالغيب ، حال من الفاعل، أى: غائبا عنهم . أو من المفعول. أى : غائبين عنه . أى: يخشون عذابه دون أن يروه - سبحانه - . ويجوز أن يكون المعنى : يخشون عذابه حال كونهم غائبين عن أعين الناس ، فهم يراقبونه - سبحانه - فى السر، كما يراقبونه فى العلانية، كما قال الشاعر : يتجنب الهفوات فى خلواته عف السريرة ، غيبه كالمشهد والحق أن هذه الصفة، وهى خوف الله - تعالى - بالغيب، على رأس الصفات التى تدل على قوة الإيمان ، وعلى طهارة القلب، وصفاء النفس ... ثم بين - سبحانه - بأبلغ أسلوب، أن السر يتساوى مع العلاقية بالنسبة لعلمه - تعالى -، فقال: ((وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ...: ، وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية ، أن المشر كين كانوا ينالون من النبى - صلى الله عليه وسلم -، فذما أطلعه الله - تعالى - على أمرهم ، قال بعضهم لبعض : أسروا قو لکم کی لا یسمعه رب محمد(١). وصيغة الأمر فى قوله: ((أسروا)) و((أجهروا)) مستعملة فى النسوية بين الأمرين، كما فى قوله - تعالى -: ((اصبروا أولا تصبروا)) ... أى: إن إسراركم - أيها الكافرون - بالإساءة إلى نبينا محمد - زراع - أو جهركم بهذه الإساءة، يستويان فى علمنا، لأننا لا يخفى علينا شىء من أحوالكم ، فسواء عندنا من أسر منكم القول ومن جهر به . (١) تفسير القرطي ج ١٨ ص ٠٢١٤ ٢٢ الجزء التاسع والعشرون وجملة («إنه على بذات الصدور)) تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر . أى : سواء فى علمه - تعالى - إسراركم وجهركم، لأنه - سبحانه - عليم علما تاما بما يختلج فى صدوركم ، وما يدور فى نياتكم التى هى بداخل قلوبكم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)». ثم أكد - سبحانه - شمول عليه لكل شىء بقوله: «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )). واللطيف: من اللطف، وهو العالم بخبايا الأمور ، والمدبر لها برفق وحكمة ويسر ... والخبير: من الخبرْ، وهو العلم بجزئيات الأشياء الخفية، التى من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضا بحدوثها، لأنها كانت خافية عليهم . ولفظ (( مَنْ، فى قوله ((مَنْ خلق)) يصح أن يكون مفعولا لقوله (« يعلم،، والعائد محذوف أى: ألا يعلم الله - تعالى - شأن الذين خلفهم، والحال أنه - سبحانه - هو الذى لطف علمه ودق، إذ هو "المدير لأمور خلقه برفق وحكمة. العليم علما تاما بأسرار النفوس وخباياها وما توسوس به ... ويجوز أن يكون ((من)) فاعلا لقوله ((يعلم، على أن المقصود به ذاته ٢٣ سورة الملك - تعالى -، ويكون مفعول يعلم محذوفا للعلم به . والمعنى: ألا يعلم السرو مضمرات القلوب اللّهُ الذى خلق كل شىء وأوجده، وهو - - سبحانه - الموصوف بأنه أطيف خبير. والاستفهام على الوجهين لإنكار ماز عمه المشركون من انتفاء علمه - -- تعالى - بما يسرونه فيما بينهم، حيث قال بعضهم لبعض: أسروا - قولکم کی لا یسمعه رب محمد . ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال: («هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا، فامشوا في مناكبها، وكلوا من . . رزقه وإليه النشور)). والذلول: السهلة المذلة المسخرة لما يراد منها، من مشى عليها ، أو غرس فيها، أو بناء فوقها ... من الذل وهو سهولة الانقياد للغير ، ومنه . قوله - تعالى -: قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ... )) أى: غير مذللة - ولا مدربة على حرث الأرض ... والأمر فى قوله ((فاشوا فى منا كبها، للإباحة. والمناكب جمع منكب، . وهو ملتقى الكتف مع العضد. والمراد به هنا: جوانبها أو طرقها وفجاجها .- أو أطرافها ... -وهو مثل لفرط التذليل، وشدة التسخير ... أى: هو - سبحانه - الذى جعل لكم - بفضله ورحمته - الأرض المتسعة الأرجاء ... مذللة مسخرة لكم ، لتتمكنوا من الانتفاع بها - عن طريق المشى عليها، أو البناء فوقها، أو غرس النبات فيها ... ٢٤ الجزء التاسع العشرون وما دام الأمر كذلك فامشوا فى جوانبها وأطرافها وفجاجها ... ملتمسين رزق ربكم فيها ، وداوموا على ذلك، ففى الحديث الشريف: «التمسوا. الرزق فى خبايا الأرض ». والمراد بقوله: ((وكلوا من رزقه)): الانتفاع بما فيها من وجوه. النعم . وعبر عنه بالأكل لأنه أهم وجوه الانتفاع . فالآية الكريمة دعوة حارة للمسلمين لكى ينتفعوا بما فى الأرض من . كنوز، حتى يستغنوا عن غيرهم فى مطعمهم ومشربهم وملبسهم وسائر أمور معاشهم ... فإنه بقدر تقصيرهم فى استخراج كنوزها ، تكون. حاجتهم لغيرهم .. قال بعض العلماء: قال الإمام النووى فى مقدمة المجموع: ((إن على. الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجياتها حتى الإبرة، لتستغنى عن غيرها، وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت فى الإنتاج .. وقد أعطى الله - تعالى - العالم الإسلامى الأولوية فى هذا كله، فعليهم أن يحتلوا مكانهم ، ويحافظوا على مكافتهم، ويشيدوا كيانهم بالدين .. والدنيا معا)» (١). وقــ أفاض بعض العلماء فى بيان معنى قوله - تعالى -: ((هو الذی. جعل لكم الأرض ذلولا .. ، فقال ما ملخصه: والناس لطول إلفهم لحياتهم على هذه الأرض». (١) تفسير أضواء البيان ج ٨ ص ٤٠٦ ٢٥ سورة الملك وسهولة استقرارهم عليها .. ينسون نعمة الله فى تذليلها لهم وتسخيرها. والقرآن بذكرهم هذه النعمة الهائلة ، ويبصرهم بها، فى هذا التعبير الذى يدرك منه كل أحد، وكل جيل، ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول ... والله - تعالى - جعل الأرض ذلولا للبشر من حيث جاذبيتها ... ومن حيث سطحها ... ومن حيث تكوينها، ومن حيث إحاطة. الهواء بها .. ومن حيث حجمها ... )) (٢). وقوله: « وإليه النشور، معطوف على ما قبله، لبيان أن مصيرهم. - تعالى - إليه، بعد قضائهم فى الأرض المذللة لهم ، مدة حياتهم .. أى: وإليه وحده مرجعكم ، وبعشكم من قبور كم ، بعد أن قضيتم على هذه الأرض ، الأجل الدى قدره - سبحانه - لكم. ثم حذر - سبحانه - من بطشه وعقابه فقال: ((أ أمنتم من السماء أن يخف بكم الأرض فإذا هى تمور ... والخسف: انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض فيصير باطنا، والباطن ظاهرا . والموَرْ: شدة الاضطراب والتحرك. يقال مار الشىء مَوْراً، إذا ارتج واضطرب والمراد بمن فى السماء : الله - عز وجل - بدون تحيز (٢) راجع فى ظلال القرآن ٢ ٢٩ ص ١٩٣ نقلا عن كتاب : العلم. يدعو للإيمان ص ٧٠ ٢٦ الجزء التاسع والعشرون أو تشبيه أو حلول فى مكان قال الإمام الآلوسى: قوله: ((أ أمنتم من فى السماء، وهو الله - عز وجل - كما ذهب إليه غير واحد، فقيل على تأويل: من فى السماء أمره وقضاؤه، يعنى أنه من التجوز فى الإسناد . أو أن فيه مضافا مقدراً، وأصله: من فى السماء أمره، فلما حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر . وقيل على تقدير: خالق من فى السماء . وقيل فى بمعنى على ، ويراد العلو بالقهر والقدرة ... وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره .- تعالى - والآية عندهم من المتشابه وقد قال - والله -: آمنوا بمتشابهه ولم يقل أولوه. فهم مؤمنون بأنه - عز وجل - فى السماء، على المعنى الذى أراده - سبحانه - مع كمال التنزيه، وحديث الجارية - التى قال لها الرسول - ◌َلتر - أين الله؟ فأشارت إلى السماء - من أقوى الأدلة لهم فى هذا الباب. وتأويله بما أول به الخلف، خروج عن دائرة الإنصاف عند ذوي الألباب .. » (١) والمعنى: أ أمنتم - أيها الناس - من فى السماء وهو الله - عز وجل - أن يذهب الأرض بكم، فيجعل أعلاها أسفلها .. فإذا هى تمور يكم وقضطرب ، وقرقج ارتجاجا شديدا اتزول معه حياتكم . فالمقصود بالآية الكريمة تهديد الذين يخالفون أمره ، بهذا العذاب الشديد ، وتحذيرهم من نسيان بطشه وعقابه . والباء فى قوله (( بكم) للمصاحبه. أى: يخسفها وأنتم مصاحبون لها جذواتكم ، بعد أن كانت مذللة ومسخرة لمنفعتكم .. ثم انتقل - سبحانه - من تهديدهم بالخسف إلى تهديدهم بعذاب ٠ (١) راجع تفسير الآلوسي ج ٢٩ ٠ ١٥ ٢٧ سورة الملك آخر فقال: ((أم أمنتم من السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير » . أى: بل أ أمنتم - أيها الناس - من السماء، وهو الله - عز وجل - بسلطانه وقدرته .. أن يرسل عليكم ((حاصبا، أى: ريحا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة التى تملك ، فحينئذ ستعلمون عند معا ينتكم للعذاب، كيف كان إنذارى لكم متحققا وواقعا وحقا .. فالاستفهام فى الآيتين المقصود به التعجيب من أمنهم عذاب الله - تعالى- عند مخالفتهم لأمره ، وخروجهم عن طاعته . وقدم - سبحانه - التهديد بالخسف على التهديد بإرسال الحاصب، لأن الخسف من أحوال الأرض، التى سبق أن بين لهم أنه خلقها مذللة لهم، وفيها ما فيها من منافعهم، فهذه المنافع ليس عسيرا على الله - تعالى - أن يحولها إلى عذاب لهم ... ثم ذكرهم - سبحانه - بما جرى للكافرين السابقين فقال: ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان فكير ،. أى: ووالله لقد كذب الذين من قبل كفار مكة من الأمم السابقة ، كقوم نوح وعاد وثمود ... فكان إنكارى عليهم ، وعقابى لهم ، شديدا ومبيرا ومدمرا لهم تدميرا تاما . فالتكير بمعنى الإنكار، والاستفهام فى قوله: ((فكيف كان نكير)) للتهويل. أى: إن إنكارى عليهم كفرهم كان إنكارا عظيما، لأنه ترقب عليه، أن أخذتهم أخذ عزيز مقتدر . ٢٨ الجزء التاسع والشرون كما قال - تعالى -: «فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ((ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)) (١) ثم تنتقل السورة بعد هذا التهديد والإنذار ، إلى دعوتهم إلى التأمل. والتفكر ، فى مشهد الطير صافات فى الجو .. وفى أحوال أنفسهم عنداليأس والفقر، وعند الهزيمة والإعراض عن الحق .. فيقول - سبحانه - : 2 أَوَلّمْ • يَوْاْ إِلَى الظَّرْ فَوْقَهُمْ صَفَّنْتٍ وَيَقْبِضْنَ مَايُمْسِكُهُنَّ إِلَّ الرَّحْمَنُ مِنُّ بِكُلٍ شَىْءٍ بَصِيرٌ ﴾ أَمَّنْ هَذَا الّذِى هُوَجُنْدٌ لَّكُمْ يَنَصُرُ هُ مِنْ دُوِ الرَّحْمَنِّ إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّ فِ غُرُورٍ ﴾ أَمَّنْ هَذَا الَّذِىِ يُرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل ◌َُّواْ فِى عُنُوٌ وَنُفُورٍ ﴾ أَنْ يَمْشِى مُكَّ عَى وَجْهِهِءَ أَهْدَّ أَمَّ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرِطِ مُسْتَقٍِ ﴾ قال بعض العلماء: قوله: (( أو لم يروا إلى الطير .. ، عطف على جملة ((هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا .. )). استرسالا فى الدلائل على انفراد الله - تعالى - بالتصرف فى الموجودات، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم ، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات ، وهى أحواله (١) سورة العنكبوت الآية ٤٠ ٢٩ سورة الملاك الطير فى نظام حركاتها فى حال طيرانها، إذ لا تمشى على الأرض كما هو فى حركات غيرها على الأرض ، فخالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفرد به »(١) . والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أولم يروا ... ، للتعجيب من حال المشركين ، لعدم تفكرهم فيما يدعو إلى التفكر والاعتبار .. والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام، (والطير: جمع طائر كصحب وصاحب .. » والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون، وانطمست أعينهم عن رؤية الطير فوقهم، وهن ((صافات، أى: باسطات أجنحتهن فى الهواء عند الطيران فى الجو، ((ويقبضن) أى: ويضممن أجنحتهن قارة على سبيل الاستظهار بها على شدة التحرك فى الهواء .. (( ما يمسكون)) فى حالتى البسط والقبض (( إلا الرحمن)) الذى وسعت رحمته وقدرته كل شىء، والذى أحسن كل .شيء خلقه . . ((إِنه)) - سبحانه - ( بكل شىء بصير، أى: إنه - سبحانه - مطلع على أحوال كل شىء، ومدبر لأمره على أحسن الوجوه وأحكمها . قال صاحب الكشاف: ((صافات)) باسطات أجنحتهن فى الجو عند طيرانها ، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا ((ويقبضن)، أى: ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. فإن قلت: لم قيل ((ويقبضن)) ولم يقل: وقابضات؟ (١) تفسير التحرير والتنويه جـ ٢٩ ص ٣٧ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله - . : ٣٠ الجزء التاسع والعشرون قلت: لأن الأصل فى الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران فى. الهواء كالسباحة فى الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها . وأما القبض فطارىء على البسط ، للاستظهار به على التحرك، فجىء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن. القبض تارة كما يكون من السابح .. ،(١). والمراد بإمساكهن : عدم سقوطهن إلى الأرض بقدرته وحكمته - تعالى - ، حيث أودع فيها من الخصائص ما جعلها تطير فى الجو. كالسابح فى الماء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ((ألم يروا إلى الطير مسخرات فى. جو السماء ما يمسكهن إلا الله .. »(٢) ثم لفت أنظارهم للمرة الثانية إلى قوة بأسه، ونفاذ إرادته، وعدم. وجود من يأخذ بيدهم إذا ما أنزل بهم عقاب فقال: ((أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن . . والاستفهام للتحدى والتعجيز. و((أم)) منقطعة بمعنى بل، فهى. للإضراب الانتقالى من غرض إلى آخر ، ومن حجة إلى أخرى . و((من، اسم استفهام مبتدأ، وخبره اسم الإشارة، وما بعده صفته. والمراد بالجند: الجنود الذين يهرعون لنصرة من يحتاج إلى نصرتهم. ولفظ (( دون)) أصله ظرف للمكان الأسفل .. ويطلق على الشىء المغاير» (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٨١ (٢) سورة النحل الآية ٠٧٩ ٣١ سورة الملائ* فيكون بمعنى غير كما هنا والمقصود بالآية تحقير شأن هؤلاء الجند، والتهوين من شأنهم . . والمعنى: بل أخبرونى - أيها المشركون - بعد أن ثبتت غفلتكم وعدم تفكركم تفكيرا ينفعكم - من هذا الحقير الذى تستعينون به فى نصر كم ودفع النصر عنكم ، متجاوزين فى ذلك إرادة الرحمن ومشيئته ونصره. أو من هذا الذى ينصركم نصرا كائنا غير نصر الرحمن، أو من ينصر كم من عذاب كائن من عنده - تعالى - . والجواب الذى لا تستطيعون جوابا سواه: هو أنه لا ناصر لكم يستطيع أن ينصر كم من دون الله - تعالى - ، كما قال - سبحانه - ((وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو. وإن يردك بخير فلا راد لفضله .... وكما قال - عز وجل -: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ٠ ٢٠. وقوله - سبحانه -: ((إن الكافرون إلا فى غرور)) كلام •معرض بين ما قبله وما بعده، لبيان حالهم القبيح، وواقعهم المنكر . والغرور : صفة فى النفس تجعلها تعرض عن الحق جحودا أو عنادا وجهلا .. أى ليس الكافرون إلا فى غرور عظيم ، وفى جهل تام، عن تدبر الحق، لأنهم زين لهم الشيطان سو. أعمالهم، فر أوها حسنة . ثم انتقل - سبحانه - إلى الزامهم بنوع آخر من الحجج فقال: ((أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه .. )) أى: بل أخبرونى من هذا الذى يزعم أنه يستطيع أن يوصل إليكم. ٣٢ الجزء التاسع والعشرون الرزق والخير، إذا أمسك الله - تعالى - عنكم ذلك، أو منع عنكم الأسباب التى تؤدى إلى نفعكم وإلى قوام حياتكم؛ كمنع نزول المطر إليكم، وكإهلاك الزروع والثمار التى تنبتها الأرض .. إنه لا أحد يستطيع أن يرزقكم سوى الله - تعالى - . وقوله : (( بل لجوا فى عتو ونفور ) جملة مستأنفة جواب السؤال. تقديره: فهل انتفع المشر كون بتلك المواعظ، فكان الجواب كلا إنهم لم ينتفعوا، بل ((لجوا)) أى تمادوا فى اللجاج والجدال بالباطل وفى عتو، أى: وفى استكبار وطغيان، وفى ((نفور)) أى: شرود وتباعد عن الطريق المستقيم . أى: أنهم ساروا فى طريق أهوائهم حتى النهاية ، دون أن يستمعوا إلى صوت نذير أو واعظ أو مرشد .. ثم ضرب - سبحانه - مثلا لأهل الإيمان وأهل الكفر، وأهل الحق وأهل الباطل، فقال - سبحانه - : أفن يمشى مكبا على وجهه أهدى؛ أم من يمشى سويا على صراط مستقيم)). والمكب: هو الإنسان الساقط على وجهه. يقال: كب فلان فلانا وأكبه، إذا صرعه وقلبه بأن جعل وجهه على الأرض .. ، فهو اسم فاعل من أكب .. وقوله (( أهدى، مشتق من الهدى، وهو معرفة طريق الحق والسير فيها، والمفاضلة هنا ليست مقصودة، لأن الذى يمشى مكبا على وجهه، لا شىء عنده من الهداية أو الرشد إطلاقا حتى يفاضل مع غيره . وفيه لون من التهكم بهذا المكب على وجهه. ٣٣ سورة الملك و(«السوى)، هو الإنسان الشديد الاستواء والاستقامة، فهو فعيل بمعنی فاعل . ومنه قوله - تعالى - حكاية عما قاله إبراهيم - عليه السلام - " لأبيه: (( يا أبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك فاقبعنى أهدك صراطا .. سويا)، أى : مستويا . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : (( أفمن يمشى مكبا على - وجهه أهدى .. )): هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فالكافر مثله فيما هو فيه، كمثل من يمشى مكبا على وجهه، أى : يمشى منحنيا لا مستويا على وجهه، أى: لا يدرى أين يسلك . ولا كيف يذهب ، بل هو قائه حائر ضال، أهذا أحدى (( أمن يمشى سويا)، أى: منتصب القامة ،على - صراط مستقيم)، أى على طريق واضح بين، وهو فى نفسه مستقيم، .. وطريقه مستقيمة . هذا مثلهم فى الدنيا، وكذلك يكونون فى الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشى بسويا على صراط مستقيم .. وأما الكافر فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى النار . . وروى الإمام أحمد عن أنس قال : قيل يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: أليس الذى أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن مشیهم علی وجوههم ،(١)؟ وقال الجمل: هذا مثل للمؤمن والكافر، حيث شبه - سبحانه - المؤمن فى تمسكه بالدين الحق، ومشيه على منواجه، بمن يمشى فى الطريق المعتدل، الذى ليس فيه ما يتعثر به . . (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٧. (٣٢ - سورة الملك ) ٣٤ الجزء التاسع والعشرون وشبه الكافر فى ركوبه ومشيه على الدين الباطل، بمن يمشى فى الطريق الذى فيه حفر وارتفاع وانخفاض ، فيتعثر ويسقط على وجهه ، وكلما: تخلص من عثرة وقع فى أخرى . فالمذكور فى الآية هو المشبه به ، والمشبه محذوف ، لدلالة السياق عليه .. ))(١) . وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد لفتت أنظار الناس إلى التفكر والاعتبار، ووبخت المشركين على جهالاتهم وطغيانهم ، وساقت مثالاً واضحا للمؤمن والكافر، «ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى. عن بينة ٠٠، ثم أمر الله - تعالى - رسوله - بَير - فى بضع آيات، أن يذكر الكافرين بنعم الله - تعالى - عليهم، وأن يرد على شبهاتهم وأكاذيبهم بما بدحضها، وأن يعلم أمره وأمرهم إليه وحده - تعالى - فقال: (١) ماشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٣٨٠ ٣٥ سورة الملك قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنْشَأْكُمْ وَيَجْعَلَ لَكُرُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَّةَ قُلِيلًا مَّ تَشْكُرُونَ ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَّكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيِّ ◌ُحْتَرُونَ ﴿ وَيَقُولُونَ مَ هَذَا أَلْوَدُ إِن كُنتُمْ صَدِ قِينَ (يَ قُلّ إِنََّا الْعِلْمُ عِندَ اللِّ وَ إِنََّاَ أَنَاْ نَذِيرٌ مُبِينٌ رَّهِ فَلَّا رَأَوُهُ زُلْفَّةٌ مِكَتْ وُجُوُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُمْ بِم ◌َّعُونٌ يُ قُلْ أَةَيُمْ إِنْ أَهْلَكَِّيَ اللهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحَنَا فَنْ يُجِيرُ الْكَقِيرَةُ مِنْ عَذَابٍ أَلِمٍ ﴾ قُلْ هُوَ الَّحْمَنُء امَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّنَّا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴾ قُلْ أَرَّيْتُمْ إِنَّ ٣٠ أَصْبَحَ مَاؤُ كُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِكُم ◌ِمَاءِ مَّعِينٍ أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين- على سبيل تبصيرهم بالحجج والدلائل الدالة على قدرتنا ووحدا فيتنا ، وعلى سبيل التنويع فى الإرشاد والتوجيه .. . قل لهم: الرحمن - عز وجل - هو الذى أنشأكم وأوجدكم فى كل طور من أطوار حياتكم ، وهو - سبحانه - الذى أوجدلكم السمع الذى تسمعون به ، والأبصار التى تبصرون بها الكائنات، والأفئدة أى والقلوب التى تدركون بها . . ٣٦ الجزء التاسع والعشرون ولكنكم - مع كل هذه النعم - ((قليلا ما تشكرون)) خالقكم - عز وجل - . وجمع - سبحانه - الأفئدة والأبصار، وأفرد السمع، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه ما يلقى إليها من إنذار أو قبشير، ومن حجة أو دليل، فكان عن ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم. وكذلك شأن الناس فيما تنتظمه أبصارهم من آيات الله فى كونه، فإن أنظارهم تختلف فى عمق تدبرها وضحولته، فكان من ذلك تعدد المبصرين، بتعدد مقادير ما يستنبطون من آيات الله فى الآفاق. وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعا شىء واحد ، هى الحجة يناديهم بها المرسلون ، والدليل يوضحه لهم النبيون . لذلك كان الناس جميعا كأنهم سمع واحد، فكان إفراد السمع إيذانا من الله بأن حجته واحدة، ودايله واحد لا يتعدد . وقوله: ((قليلا ما تشكرون ، صفة لمصدر محذوف. أى : شكرا قليلا، و«ما، مزيدة لتأكيد التقليل .. وعبر - سبحانه - بقوله (( قليلا))، لحضهمّ على الإكثار من شكره - تعالى -، وذلك عن طريق إخلاص العبادة له - عز وجل - ، ونبذ عبادة غيره . ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية - أن يذكرهم بنعمة أخرى فقال: ((قل هو الذى ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون)). ٣٧ سورة الملك أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - الرحمن - تعالى - وحده («هو الذى ذرأكم فى الأرض،. أى: هو الذى خلقكم وبشكم وكثركم فى الأرض، إذ الذره معناه: الإكثار من الموجود . . وقوله : ((وإليه تحشرون)، بيان لمصيرهم بعد انتهاء آجالهم فى هذه الدنيا . أى: وإليه وحده - لا إلى غيره - يكون مرجعكم للحساب والجزاء يوم القيامة . ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التى تدل على طغيانهم وجهالاتهم فقال: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)). والوعد: مصدر بمعنى الموعود، والمقصود به ما أخبرهم به - روائع - من أن هناك بعثا وحسابا وجزاء .. ومن أن العاقبة والنصر للمؤمنين أى: ويقول هؤلاء الجاحدون للرسول - 24 - ولأصحابه، على سبيل التهكم والاستهزاء متى يقع هذا الذى تخبروننا عنه ((من البعث والحساب والجزاء، ومن النصر لكم لا لنا .. ؟ وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن كنتم صادقين فيما تقولونه لنا ، فأين هو ؟ إننا لا نراه ولا نحسه .. وهنا يأمر الله - تعالى - رسوله - رد الفعل للمرة الثالثة، أن يرد عليهم الرد الذى يكبتهم فيقول خـ«قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين)). ٣٨ الجزء التاسع والعشرون أى: قل لهم يا محمد علم قيام الساعة، وعلم اليوم الذى سننتصر فيه عليكم .. عند الله - تعالى - وحده، لأن هذا العلم ليس من وظيفتى. وإنما وظيفتى أنى نذير لكم ، أحذركم من سوء عاقبة كفركم، فإذا استجبتم لى نجوتم ، وإن يقيتم على كفركم ملكتم . واللام فى قوله: «العلم، للعهد. أى: العلم بوقت هذا الوعد ، عندالله - تعالى وحده . والمبين: اسم فاعل من أبان المتعدى . أى : مبين لما أمرت بتبليغه لكم بيانا واضحا لا ليس فيه ولا غموض . ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يرون العذاب الذى استعجلوه فقال: ((فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا، وقيل هذا الذى كنتم به قدعون). والفاء فى قوله: ((فلما رأوه زلفة .. ، هى الفصيحة. و ((لما، ظرف بمعنى حين. و((رأوه)) مستعمل فى المستقبل، وجىء به بصيغة الماضى لتحقق الوقوع، كما فى قوله - تعالى -: «أتى أمر الله فلا تستعجلوه .. » و(«زلفة، اسم مصدر لأزلف إزلانا، بمعنى القرب. ومنه قوله - تعالى -: «وأزلفت الجنة .. ، أى: قربت للمتقين، وهو حال من مفعول , رأوه)). والمعنى : لقدحل بالكافرين العذاب الذى كانوا يستعجلونه، ويقولون: متى هذا الوعد .. فحين رأوه نازلا بهم، وقريبا منهم ((سيئت وجوه الذين كفروا ، أى: ساءت رؤيته وجوههم، وحلت عليها غبرة ترهقها فترة .. ٣٩ سورة الملك ((وقيل، لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب ((هذا الذى کنتم به تدعون» أى: هذا هو العذاب الذى كنتم تتعجلون وقوعه فى الدنيا ، وتستهزئون يمن يحذركم منه . فقوله ((قد.عون)) من الدعاء بمعنى الطلب، أو من الدعوى. و (سيئت)) فعل مبنى للمجهول. وأسند - سبحانه - حصول السوء إلى الوجوه، لتضمينه معنى كلحت وقبحت وأسودت، لأن الخوف من العذاب قد ظهرت آثاره على وجوههم. وقال - سبحانه - ((سيئت وجوه الذين كفروا)) بالإظهار، ولم يقل . وجوههم، لذمهم بصفة الكفر ، التى كانت السبب فى هلاكهم . ومفعول «تدعون، محذوف. والتقدير: وقيل لهم هذا الذى كنتم قدعون عدم وقوعه ، قد وقع وها أنتم تشاهدونه أمام أعينكم . والجار والمجرور فى قوله ((به، متعلق بتدعون لأنه مضمن معنى تكذبون . والقائل لهم هذا القول: هم خزنة النار ، على سبيل التبكيت لهم . ثم أمر - سبحانه - رسوله - زم الة - للمرة الرابعة، أن يرد على ما كانوا يتمنونه بالنسبة له ولأصحابه فقال: ((قل أر أيتم إن أهلكنى الله ومن -معى أورحمنا، فمن يجير الكافرين من عذاب أليم)). ولقد كان المشركون يتمنون ملاك النبى - م×۔ ۔، وكانوا يرد دون ذلك فى مجالسهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك فى آيات منها قوله - تعالى -: « أم يقولون شاعر تتربص به ريب المنون)) .. ٤٠ الجزء التاسع والشرون أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - ((أرأيتم، أى: أخبرونى ((إن. أهلکنی الله ، -تعالى- وأهلك «من معى، من أصحابى وأتباعی( أورحمنا .. بفضله وإحسانة بأن رزقنا الحياة الطويلة ، ورزقنا النصر عليكم .. فأخبرونى فى تلك الحالة « من یجیر الكافرین من عذاب أليم، أى ,. من يستطيع أن يمنع عنكم عذاب الله الأليم، إذا أراد أن ينزله بكم؟" ممالاشك فيه أنه لن يستطيع أحد أن يمنع ذلك عنكم قال صاحب الکشاف :کان کفار مکتیدعون علی رسول الله-ےہۍ۔۔ وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر بأن يقول لهم : نحن مؤمنون متربصون .. لإحدى الحسنيين : إما أن نهلك كما تتمنون، فتنقلب إلى الجنة، أوفرحم. بالنصرة عليكم ، أما أنتم فاذا تصنعون ؟ من يچیركم - وأنتم كافرون - من. عذاب أليم لا مفر لكم منه ؟ يعنى: إنكم تطلبون لنا الهلاك الذى هو استعجال للفوزو السعادة،. وأنتم فى أمر هو الهلاك الذى لا هلاك بعده .. )) (١) . والمراد بالهلاك : الموت، وبالرحمة : الحياة والنصر بدليل المقابلة ،. وقد منح الله - تعالى - نبيه العمر المبارك النافع، فلم يفارق - اليوم - الدنيا إلا بعدأن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ودخل الناس في دين الله أفواجاء. وكانت كامته هى العليا .. والاستفهام فى قوله , أرأيتم، للإنكار والتعجيب من سوء تفكيرهم .. والرؤية علمية، والجملة الشرطية بعدها سدت مسد المفعولين . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥٨٣